تأملات في سفر نشيد الأناشيد – إجعلني كخاتم على قلبك

إجعلني كخاتم على قلبك
كخاتم على ساعدك [نش 6:8]1
كلمة خاتم هنا بمعنى (ختم) وهنا يقول “إجعلني مطبوعًا على قلبك، مطبوعًا على ساعدك”. القلب هنا يرمز إلى العاطفة، والساعد يرمز إلى القوة والمعونة.
فكأن عبارة النشيد تعني: “إجعلني مطبوعًا على قلبك ملتصقًا بمشاعرك وعواطفك وفي نفس الوقت أكون في عملك وفي وقتك”. وكما قال القديس يوحنا الرسول “لا نحب باللسان ولا بالكلام بل بالعمل والحق” (1يو3: 18).
عبارة “إجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك” عبارة مزدوجة:
يمكن أن يقولها الله للإنسان ويمكن أن يقولها الإنسان لله
فالإنسان هنا يقول لله: أعطني أن أشعر بمحبتك كابن لك، أتمتع بك، وأذوق حلاوة العِشرة معك. وإن كنتُ خاطئًا وغير مستحق، إلا أن محبتك أقوى من خطيئتي وأكبر. وكخاتم على قلبك، أي لا تفارقني ولا أفارقك. فلا أكون يومًا معك، ويومًا بعيدًا عنك.
وإجعلني كخاتم على ساعدك، أي أعطني المعونة والقوة التي بها أثبتُ في محبتك وأنفذ مشيئتك ولا أتزعزع كما قلت لنا من قبل “أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر”…”لا أهملك ولا أتركك”.
يعطينا سفر الرؤيا صورة جميلة عن الله في وسط الكنائس السبع، والسبعة ملائكة (الرعاة) في يده اليمنى (رؤ2: 1). إنهم في يده “ولا يستطيع أحد أن يخطف من يد أبي شيئًا” وكما قال المزمور “يمين الرب صنعت قوة، يمين الرب رفعتني. يمين الرب صنعت قوة، فلن أموت بعد بل أحيا، وأُحدِّث بأعمال الرب” (مز117).
أنا يا رب موقن بمحبتك، ولكنني أريد أن أراها في امتداد ساعدك.
أنا يا رب أؤمن بمحبتك، ولكني مع ذلك أقول أحيانًا مع داود في المزمور “إلى متى يا رب تنساني؟ إلى الانقضاء؟!”… (مز13: 1)، “لماذا يا رب تقف بعيدًا؟ لماذا تختفي في أزمنة الضيق” (مز10: 1).
أنا عارف أنني كخاتم على قلبك، فلولا محبتك ما خلقتني، ولولا محبتك ما فديتني… ولكنني أريد أن أرى نفسي كخاتم على ساعدك. ومِن الساعد أتت كلمة (المساعدة). لذلك أريد أن أرى ذراعك في حياتي.
الله جعل موسى النبي خاتمًا على قلبه، حينما ظهر الله، وكلَّمه فمًا لأذن، وجعله أمينًا على كل بيته (عد12: 7، 8). ولكنه جعله خاتمًا على ساعده، حينما شق بعصاه البحر الأحمر، وفجر الماء من الصخرة…
الله أيضًا يقول للإنسان “إجعلني كخاتم على قلبك” بل يقول له بالأكثر “يا ابني أعطني قلبك”.
ولماذا هذا القلب؟ يضيف الرب لأن “هذا الشعب يعبدني بشفتيه، أما قلبه فمبتعد عني بعيدًا” (تث6: 5). أنا واقف على باب قلبك أقرع، لكي تفتح لي. ومن أجل هذا القلب، أرسلتُ الأنبياء والرسل والوحي ورجال الكهنوت، والوعاظ، بل الروح القدس نفسه، والضمير في داخل الإنسان.
إن عذراء النشيد، في الإصحاح الخامس، جعلت الرب خاتمًا على قلبها، فقالت: “صوت حبيبي… حبيبي مد يده من الكوة، فأنّت عليه أحشائي” ولكنها لم تجعله خاتمًا على ساعدها، إذ لم تقم وتفتح له، وظلت نائمة، وإن كان قلبها مستيقظًا.
في إحدى المرات، بطرس الرسول جعل الرب خاتمًا على قلبه، ولم يجعله خاتمًا على ساعده…!
جعله خاتمًا على قلبه حينما قال: “ولو أنكرك الجميع، لا أنكرك أنا”، “ولو أدى الأمر أن أموت معك”. ثم لما تعرض للتجربة، ورأى نفسه مهددًا بالموت، سب ولعن وقال لا أعرف الرجل. وهنا لم يجعل الرب خاتمًا على ساعده!
ومتى جعله خاتمًا على ساعده؟ فيما بعد. حينما جُلد من أجله. وسجن من أجله. وأخيرًا صُلب منكس الرأس من أجله…
إذًا عبارة “خاتم على القلب” قد ترمز إلى الإيمان. بينما عبارة خاتم على ساعدك تعني الأعمال.
والاثنان مطلوبان. لا يكفي أن يكون قلبك مع الله. بينما يكون ساعدك خاملًا أو كسلانًا. لا يمتد إلى العمل. إن نحميا جعل الرب خاتمًا على قلبه. حينما بكى وصام وصلى. لما سمع أن سور أورشليم منهدم. وأبوابها محروقة بالنار (نح1: 3، 4). ولكنه جعل الرب خاتمًا على ساعده، حينما قام بكل قوة. وسافر. وأعاد بناء أسوار أورشليم. واحتمل في سبيل ذلك ما احتمل.
لا يكفي أن تقول إنني أحب الله. إن كنتَ لا تعمل وصاياه. لأن كلمة الرب واضحة جدًا.
“مَن يحبني، يحفظ وصاياي”
“مَن يحبني” أي يجعلني خاتمًا على قلبه “ويحفظ وصاياي” أي يجعلني خاتمًا على ساعده…
ولذلك فإن الرب لم يقل فقط “يا ابني أعطني قلبك” وإنما قال بعدها “ولتلاحظ عيناك طرقي”.
إن عبارة يا رب يا رب وحدها لا تكفي فقد قال عن اليوم الأخير “كثيرون سيقولون لي يا رب يا رب” ويجيبهم الرب “ابعدوا عني يا فاعلي الإثم”.
العذارى الجاهلات جعلن الرب خاتمًا على القلب، وليس على الساعد.
كان الرب خاتمًا على قلوبهن، كعذارى ينتظرن العريس، ساهرات بمصابيحهن… ولكنهن لم يجعلنه خاتمًا على الساعد، إذ لم يأخذن معهن زيتًا…
هوذا الكتاب يقول “من ثمارهم تعرفونهم”. فلا يكفي أن تكون شجرة مغروسة في بيت الله، بالإيمان، إنما يجب أن تعطي ثمرًا، بالأعمال، عملك وعمل النعمة معك. ساعدك وساعد الله معك… لأن كل شجرة لا تعطي ثمرًا تُقطع وتُلقى في النار…
حتى في المعاملات البشرية نجد عبارة “إجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك”.
إبراهيم أبو الآباء، كان يحب لوطًا ابن أخيه. فهل اكتفى بأن يكون خاتمًا على قلبه؟ كلا. بل كان أيضًا خاتمًا على ساعده. وكيف ذلك؟ يقول الكتاب حينما سُبيت سدوم في حرب كدر لعومر “ولما علم إبرام أن أخاه لوطًا قد سُبي. جمع رجاله المدربين. ولدان بيته” وظل حتى أنقذه من السبي. بذراع قوية (تك14: 14).
ونعلم أن أبانا يعقوب أحب راحيل ابنة خاله وتزوجها. فهل كانت مجرد خاتم على قلبه؟ كلا. بل تعب من أجلها عشرين سنة. وهكذا كانت خاتمًا على ساعده…
وهنا نرى المحبة وحدها لا تكفي، بل يجب أن يكون معها العطاء والبذل.
المحبة هي خاتم على القلب. أما العطاء فهو خاتم على الساعد… والذين أحبوا الله. وجعلوه بالإيمان خاتمًا على قلوبهم. تعبوا أيضًا من أجله. في صلب الجسد مع الأهواء. وفي الخدمة والكرازة وحمل الصليب، وفي الشهادة لاسمه وفي الاستشهاد. “لقد وُهب لكم. لا أن تؤمنوا به فقط، بل أيضًا أن تتألموا من أجله” (في1: 29) … الإيمان به هو خاتم على القلب، كخاتم التمغة الذي يميز الذهب النقي… والآلام هي خاتم على ساعدك كخاتم الذهب أيضًا الذي يميزه. وعنه قال السيد المسيح لملاك كنيسة أفسس “أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك… وقد احتملت… ولك صبر. وتعبت من أجل اسمي. ولم تكلّ” (رؤ2: 2، 3). أتراك تستطيع أن تؤمن بقلبك. دون أن تصعد على الصليب. لكي يسمر فيه ساعدك؟! .
لقد أحبنا الرب حتى المنتهى فكنا خاتمًا على قلبه. ولكنه لما صعد على الصليب، صرنا خاتمًا على ساعده…
هل تحب الله. ولا تتعب في نشر الملكوت؟! هل تحب الناس. ولا تتعب في خدمتهم؟! هل تحب الوصية الإلهية. دون أن تحتمل في سبيل تنفيذها؟! .
هل أنت إذًا مجرد خاتم على القلب. وليس على الساعد؟! لقد أحب بولس المسيح. ولكنه قال مع ذلك “خسرتُ كل الأشياء، لكي أربح المسيح “وقال “تعبتُ أكثر من جميعهم” وقال أيضًا “إن كنا لا نتألم معه، فلا نتمجد معه”.
إن الخاتم على القلب، والخاتم على الساعد، أمران متلازمان تمامًا، إن كان الخاتم حقيقيًا.
فلا يمكن أن يكون الخاتم على القلب حقيقيًا. دون أن يلازمه خاتم على الساعد.
فأنت إن أحببت الله حبًا حقيقيًا. لابد ستسهر في الصلاة تتكلم معه، ولابد ستتعب في الخدمة تنشر ملكوته. ولابد ستقرأ كتابه وتنفِّذ وصاياه.
أما إن كنت لا تفعل شيئًا من هذا، فينبغي أن تراجع نفسك: هل محبتك لله محبة حقيقية من القلب؟! هل الله حقًا خاتم على قلبك؟
وكما قال بولس الرسول “اختبروا أنفسكم. هل أنتم في الإيمان”.
الإنسان الذي يحب، نرى ساعده يمتد باستمرار ليعطي هو يحب الفقراء، تراه يعطي الفقراء. أما الحب بلا عطاء. فهو ليس حبًا حقيقيًا… أنت تحب الكنيسة، لابد تعطي الكنيسة من وقتك، ومن جهدك، ومن مالك، ومن اهتمامك.
ولهذا نجد أن الله قد علم الإنسان العطاء منذ البدء: يعطي للرب يومًا في الأسبوع، ويعطي الرب العشور والبكور والنذور… ولا تقتصر محبته على قلبه دون ساعده… بل إذا احتاج الأمر فإنه يعطي حياته كلها…
ولكن لأنك لا تستطيع كل هذا بذاتك وحدك. فأنت تصلي إلى الله طالبًا منه المعونة وتقول “إجعلني كخاتم على قلبك. كخاتم على ساعدك”
حينما يكون الله خاتمًا على قلبك، سيبارك قلبك. وحينما يكون خاتمًا على ساعدك، سيبارك ساعدك…
وهنا يبدو عمل النعمة.
فأنت لا تعمل وحدك أبدًا. وإنما تعمل بقوة هذا الخاتم المقدس الذي طبعه الله على قلبك وعلى ساعدك، حينما تقبلت سر المسحة المقدسة، وختم الله على كل أعضائك، فصارت مقدسة له: قلبك وساعدك وكل ما فيك، وكل ما هو لك…
والرسول يقول لنا “إذ آمنتم، خُتمتم بروح الموعد القدوس” (أف1: 13) ويقول أيضًا “لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به خُتمتم ” (أف4: 30).
هذا هو الخاتم الذي على قلبك، والذي على ساعدك. روح الله الذي يقدِّس القلب فيمتلئ بمحبة الله… ويقدِّس الإرادة فتنفِّذ مشيئة الله في حياتها.
وهكذا ينظر الله إلى نفسك المدشنة بالميرون، المقدسة بالمسحة المقدسة، وينشد في أذنك “إجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك”.
إن سفر الرؤيا. يكمِّل لنا سفر النشيد. فيقول فيه يوحنا الحبيب: “ورأيتُ ملاكًا آخر طالعًا من مشرق الشمس. معه ختم الله الحي. فنادى بصوت عظيم إلى الملائكة الأربعة”…
ودعاهم أن يتمهلوا “حتى نختم عبيد إلهنا على جباههم” (رؤ7: 2، 3).
إن المختوم على قلبه، وعلى ساعده، سيكون مختومًا أيضًا على جبهته، مميزًا بهذا الخاتم الإلهي…
“وسمعتُ عدد المختومين مائة وأربعة وأربعين ألفًا..” (رؤ7: 4).
نعم يا ملاك الله الحي فليكن خاتم الله الذي في يدك ليس فقط علامة مميزة، وإنما أيضًا قوة دافعة هي قوة الروح القدس… آمين
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 12-10-1980م



