التداريب الروحية
يؤكد قداسة البابا شنوده أن الدين ليس مجرد معلومات أو معرفة ذهنية، بل هو حياة تُمارَس. فالمعرفة الروحية وحدها لا تخلّص الإنسان إن لم تتحول إلى سلوك عملي وتدريب يومي يغيّر القلب والفكر.
من المعرفة إلى الحياة
المطلوب هو أن تتحول المعلومات إلى حياة روحية حقيقية، كما قال السيد المسيح: «الكلام الذي أقول لكم هو روح وحياة». الإنسان الذي يعرف دون أن يعمل يشبه من بنى بيته على الرمل، أما الذي يسمع ويعمل فيبنيه على الصخر.
المعرفة وسيلة لا غاية
المعرفة طريق للحياة وليس هدفًا في ذاتها. القديس أوغسطينوس قال إن من يجهل يُعذر، أما من يرفض المعرفة فيُدان. لذلك علينا أن نطلب المعرفة بروح التواضع والطاعة، لا لمجرد تراكم المعلومات.
الفرق بين العالم والعابد
العالم هو من يعرف كل العقائد والأقوال، أما العابد فهو من يعيش ما يعرفه ويدرب نفسه على الفضائل. مثل بولس الرسول الذي قال: «تدرّبت في كل شيء»، إذ كان يدرب نفسه على الصبر، والاتضاع، وضبط النفس.
التدرج في التدريب
يعطي البابا أمثلة من الكتاب المقدس: موسى النبي لم يولد حليمًا، بل تدرب أربعين سنة في البرية حتى صار وديعًا جدًا. ويوحنا الحبيب لم يكن منذ البداية تلميذ الحب، بل تعلم تدريجيًا في مدرسة المسيح. حتى القديس موسى الأسود بدأ خشنًا، ثم صار مثالًا للوداعة والمحبة بالتدريب المستمر.
خطوات عملية للتدريب
التدريب يبدأ من أمور صغيرة ومحددة: كلمة قاسية تُمنع، عادة تُترك، أو فضيلة تُكتسب. والإنسان لا يصل للكمال دفعة واحدة، بل خطوة بخطوة. والنعمة تسانده كلما وجدته جادًا في جهاده.
أنواع التداريب
يشمل التدريب ترك الخطايا، اكتساب الفضائل، والنمو في الحياة الروحية. من أمثلة التداريب: ضبط اللسان، الفكر، الحواس، الغضب، والأعصاب. كما يشمل تنمية فضائل الخلوة، الصلاة، التأمل، والصمت.
المعوقات والدواء
أخطر ما يمنع التدريب هو البر الذاتي، إذ يظن الإنسان أنه بلا خطأ. العلاج أن يحاسب نفسه بصدق، يعترف بضعفاته، ويجاهد ضدها بالرغبة والإرادة القوية، مستندًا على النعمة الإلهية والصلاة.
ثمر التداريب
بكثرة التدريب، تتحول الفضائل إلى طبيعة في الإنسان. وإذا أخطأ، يتعلم التواضع والرحمة، ويدرك أن التدريب ليس اعتمادًا على القوة البشرية، بل على معونة الله الذي يقوّي الساعين نحو الكمال.
الخاتمة
الحياة الروحية لا تُقاس بما نعرف، بل بما نعيش. والتدريب المستمر هو طريق النمو، والنعمة ترافق المجاهدين الأمناء. فليكن لكل مؤمن رغبة وإرادة ثابتتان ليقول في النهاية: “جاهدت الجهاد الحسن”.



