تأملات في سفر نشيد الأناشيد – تخت سليمان 2

تأملات في سفر نشيد الأناشيد
الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله… أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد، لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
نكمل تأملاتنا في قول النشيد: “تخت سليمان حوله ستون جبارًا…” (نش3: 7).
هوذا تخت سليمان حوله ستون جبّارًا…1
ملكوت السموات لا يدخله إلا جبابرة الروح.
ولكننا – للأسف الشديد – كثيرًا ما نكون جبابرة على الناس. ولا نكون جبابرة في معاملتنا لأنفسنا!! بينما “مالك نفسه خير من مالك مدينة” كما قال سليمان الحكيم.
أنبا بولا السائح كان جبارًا في الوحدة قضى ثمانين سنة لا يرى وجه إنسان، ولا يتعزى بكلام الناس، إنما عزاؤه بالله وحده… هناك أشخاص آخرون كانوا جبابرة في الصوم. منهم من عاش ثلاثين سنة لا تبصره الشمس آكلًا، ومنهم من عاش عمره كله صومًا لا يأكل لحمًا طول حياته، ومنهم من كان يطوي الأيام لا يأكل شيئًا ولا يشرب…
وهكذا عاش الجبابرة: أما في جيلنا هذا فما أكثر الكنائس التي خففت الأصوام أو ألغتها بحجة الإشفاق على الناس!!
آباؤنا كانوا أيضًا جبابرة في حفظ آيات الكتاب المقدس.
كانت الآيات تجري على ألسنتهم بمنتهى السهولة، لدرجة أن أحد العلماء قال: “لوضاع الكتاب المقدس، لأمكن أن نجمعه من كتابات الآباء”!!
كانوا جبابرة في الصمود، لا يستطيع شيء أن يثيرهم…
هناك أشخاص ضعفاء يثارون بسرعة. تثيرهم أية كلمة يظنون أنها تجرح مشاعرهم. بل تثيرهم حتى كلمات المديح والإعجاب، فتحرك فيهم محبة المجد الباطل. يثيرهم أي منظر جنسي… أقل شيء يعتبرونه عثرة… مساكين هؤلاء، ليسوا جبابرة من النوع الذي يقف حول عرش الرب، حول تخت سليمان…!!
أنا أريدكم يا أخوتي أن تكونوا جبابرة في حرب الرب. إن الملائكة عندما تصف الكنيسة المقدسة، وما فيها من أبرار لم تهزهم مغريات العالم وحروب الشيطان، يقف ميخائيل رئيس الملائكة، وفي يده قيثارة ذهبية، وينشد مع ملائكته: “تخت سليمان حوله ستون جبارًا”..
وعندما يريد رئيس الشياطين أن يرسل شيطانًا من جنده، ليحارب أحد هؤلاء الجبابرة، يصرخ هذا الشيطان في فزع:
أتريد أن يحرقني بنار؟! لست أستطيع أن أذهب لمقاتلته! أتريد أن تضيعني؟! أبعدني عنه إنه جبار…
هؤلاء الجبابرة، كلهم حاملون سيوفًا، ومتعلمون الحرب كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل.
وقد شرح القديس بولس هذه الحرب في رسالته إلى أفسس (6: 10). إذ يقول: “أخيرًا يا أخوتي تقووا في الرب وفي شدة قوته. البسوا سلاح الله الكامل لكي تثبتوا ضد مكايد إبليس. فإن مصارعتنا ليست مع لحم ودم بل مع رؤساء مع سلاطين… مع أجناد الشر الروحية. من أجل هذا احملوا سلاح الله الكامل، لكي تقدروا أن تقاوموا الشرير”.
هؤلاء هم الجبابرة الحاملون سيوفًا، سلاح الله الكامل. شيطان يحاربك، تضربه بسيف الاتضاع، بسيف الحكمة، بآية من آيات الكتاب، بقول من أقوال القديسين، بسيف الصلاة، بسيف الجهاد، بسيف التغصب…
تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار، استله وانجح واملك… هكذا يناديك داود في المزمور.
سيفك على فخذك، في حالة استعداد، ليس معلقًا في خزينة الأسلحة. إنما أنت دائمًا مستعد، متيقظ. لا تأتيك الخطية وأنت في حالة غفلة أو تهاون…
أولاد الله: كل واحد سيفه على فخذه من هول الليل”…
الليل هو الظلام، رمز الخطية، حيث لا نور ولا حرارة…
وهول الليل يعني هول الخطايا، هول الحروب الشيطانية، هول الخطايا التي تكمن في الظلام، ولا تتنبه لها النفس، لأن البصيرة الروحية غير قوية.
لا تتطمئن للشيطان. استعد باستمرار، تقلد سيفك على فخذك.
لا تهمل في احتياطاتك. لا تقل إنك الآن في حالة قوة. أنت لا تعرف متى يحاربك الشيطان ولا كيف. ليكن سيفك على فخذك من هول الليل. صلاتك في قلبك باستمرار. كلمة ربنا في فكرك. تداريبك الروحية سائرة في حزم كل حين. لا تلق سلاحك.
ليتنا نكون من هؤلاء الجبابرة حتى يقودنا الله في موكب نصرته وحتى لا ننهزم في الحروب. وإن انهزمنا في معركة ننتصر في المعركة التي تليها. والحرب للرب. والرب قادر أن ينصركم.
<hr size=2 width=”100%” align=center>
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثالث) 17-1-1975م



