تأملات في سفر نشيد الأناشيد -الثعالب الصغار المفسدة للكروم

تأملات في سفر نشيد الأناشيد
الروحيون يقــرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله… أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد، لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
ما هي الثعالب الصغار، المفسدة للكروم، التي قصدها سفر النشيد حينما قال:
“خذوا لنا الثعالب الصغار، المفسدة للكروم (نش2: 15)؟ وماهي هذه الكروم؟
خذوا لنا الثعالب، الثعالب الصغار المفسدة للكروم 1
الكروم ترمز للكنيسة، إذ قال الرب “أنا الكرمة، وأنتم الأغصان”
(يو15: 5). والثعالب تفسد ثمر الكرمة، أي ثمر الكنيسة. هذه الثعالب الصغار ربما تكون خطايا تبدو بسيطة، لا يلتفت إليها الإنسان. مجرد أفكار أو مشاعر قد لا تأخذ في أولها صورة الخطية. وفي هذا أحب أن أقول لكم قاعدة هامة وهي:
إن الخطوة الأولى المؤدية إلى الخطية، ربما لا تكون خطية.
مثال ذلك علاقة فاسدة جدًا بدأت بصداقة بريئة، وربما بريئة جدًا، وتطورت. الأمر إذن يحتاج إلى تدقيق وإلى احتراس.
هذه الخطايا الصغيرة هي التي قيل عنها في المزمور: “يا بنت بابل الشقية، طوبى لمن يكافئك مكافأتك التي جازيتنا…
“طوبى لمن يمسك أطفالك، ويدفنهم عند الصخرة” (مز137).
بابل رمز للسبي، للخطية. يقصد: طوبى لمن يمسك الخطية وهي طفل صغير، قبل أن تنمو، ويدفنها عند الصخرة. “والصخرة كانت المسيح” (1كو10: 4).
خطورة هذه الخطايا الصغيرة، أن الإنسان قد لا يهتم بها…
يهملها، يتركها، فتكبر، وتتطور، دون أن يحس. أو قد يحس متأخرًا، عندما تكون قد أفسدت الكروم. إن ثقبًا صغيرًا في مركب، قد يؤدي – بالزمن – إلى كارثة غرق… لأجل هذه الخطورة يقول داود النبي “الهفوات من يشعر بها؟ من الخطايا المستترة يا رب ابرئني”
إذن هناك خطايا مستترة، وهفوات لا يشعر بها الإنسان…
هناك خطايا لا تبدو خطايا، ولا يأبه بها من يرتكبها. من هنا ينبغي أن نتعلم حياة التدقيق.
حياة التدقيق:
لماذا شبهت هذه الخطايا بالثعالب؟ ولماذا الثعالب الصغار؟ لأن الثعلب مشهور بالمكر. ولأن الثعلب الصغير يمكنه أن يتسلل. وقد لا تحسب له خطرًا، وهو قادر على إفساد الكروم.
إنك قد تهتم بالخطية الضخمة الظاهرة، وتستعد لمقاومتها، بينما الخطايا (الصغيرة) تعبر دون أن تلتفت إليها…
ولهذا فإن السيد المسيح اهتم بكلمة (رقا) وكلمة (أحمق) وبالنظرة الخاطئة ولو أدى الأمر أن تقلع معها العين.
ولهذا فإن الآباء الروحيين علموا أبناءهم أن يدققوا كثيرًا.
قالت القديسة سارة: إن الفم الذي تمنع عنه الخبز، لا يطلب لحمًا. والذي تمنع عنه الماء، لا يطلب خمرًا.
أحد الرهبان وهو سائر في الطريق، عثر على قطعة نطرون. فلما جاء إلى الأنبا أغاثون ومعه قطعة النطرون، قال له القديس “إن أردت أن تعيش مع أغاثون، ففي المكان الذي وجدت فيه هذا النطرون، أرجعه”. إلى هذا الحد كان الآباء يعلمون أولادهم أنهم حتى لو وجدوا قطعة حجر ملقاة في الطريق لا يأخذونها.
مار اسحق دقق على وجوب الحشمة داخل الغرفة الخاصة…
فالشخص الذي يجلس في غرفته الخاصة بحشمة وأدب، لا يترك جزءًا من جسمه معرى أو مكشوفًا بطريقة غير لائقة، هذا الشخص لا يمكن أن يفقد الحشمة في الخارج أمام الناس. إذ قد تعودها فيما بينه وبين نفسه…
حقا إن الذي يدقق في الصغار، لا يمكن أن يقع في الكبار.
ولعل هذا هو الذي قصده المثل الإنجليزي السائر:
Take care of the penny, and the pound will take care of itself.
أي خلي بالك من البنس (= المليم)، والجنيه ها يخلي باله من نفسه
لا تظن إن الشيطان سيطلب أن تفتح له بابًا واسعًا يدخل منه إلى قلبك. إنه لن يطلب سوى ثقب إبرة…
إنه يبدأ بهذا الثقب، ثم يتسع، حتى يملك القلب كله.
إن الشيطان لا يكشف أوراقه، لا يكشف حيله. لا يطلعك على الخطوات المقبلة في خطته، أو عن مدى تطور هذه الخطوة الأولى التي تبدو بسيطة.
لا يأتيك في كل مرة كأسد زائر، يلتمس ابتلاعك، وإنما قد يأتي كثعلب صغير، يتسلل إلى كرمتك دون أن تشعر.
فما هي إذن هذه الثعالب الصغار المفسدة للكروم؟
أمثلة من الثعالب الصغار:
+ قد تكون مثلًا، قليلًا من الكسل أو التهاون والتراخي:
تصحو من النوم. وبدلًا من أن تبدأ يومك بالصلاة، تتراخى قليلًا. تؤجل الموضوع دقائق قليلًا، ريثما تفيق… في هذه الدقائق يكون الشيطان قد قدم لك مجموعة من الأفكار تشغلك. إما أن تعطلك عن الصلاة، أو تجعل فكرك يطيش فيها …
لماذا نقول إذن في صلواتنا “يا الله، أنت إلهي، إليك أبكر، عطشت نفسي إليك”؟ لأجل الشوق إلى الله، وأيضًا لنهرب من هذا الثعلب الصغير، ثعلب التراخي والكسل…
+ مثال آخر: خطية الكبرياء، قد تبدأ هي الأخرى بثعلب صغير: قد تبدأ برغبة في الدفاع عن النفس، وربما يتطور الدفاع عن النفس إلى إدانة الغير… وقد تبدأ بأن يتعود الإنسان الإجابة على سؤال وجه إلى غيره، أو بأن يسمح لنفسه بمقاطعة غيره في الحديث ولو بأدب واستئذان. وقد تبدأ بابتسامة رضى أو شعور بالرضى عند سماع كلمة مديح…
+ كل مشاكل يوسف الصديق بدأت بشيء بسيط، بإنه وكان يتحدث عن أحلامه في مسمع إخوته، ولو ببساطة…
هذا الحديث كان يثير فيهم عوامل الحسد والغيرة. وما لبثت هذه الغيرة أن نمت، ووصلت إلى درجة من الخطورة أدت الى إلقائه في البئر، وإلى بيعه كعبد.
+ إن السيدة العذراء بحكمتها وروحانيتها نجت من هذا الثعلب الصغير الذي أفسد العلاقة بين يوسف وإخوته. إذ أنها ظلت صامتة في كل ما أحاط بها من رؤى وعجائب وأمجاد.
لم تتحدث إطلاقًا، وإنما “كانت تحفظ كل تلك الأمور متأملة بها في قلبها”…
إن قصة يوسف تقدم لنا ثعلبًا صغيرًا آخر، ربما لم يلتفت إليه إطلاقًا أبو الآباء يعقوب. وهو القميص الملون الذي خص به ابنه يوسف. وسبب كثيرًا من الغيرة لإخوته.
هذا الثعلب الصغير (القميص الملون) يلعب دورًا خطيرًا في علاقتنا:
ربما تقابل مجموعة من الناس فتحييهم تحية عادية، بينما تخص واحدًا منهم بابتسامة خاصة، أو عبارة اشتياق، أو تتنحى به جانبًا لتحدثه على انفراد… وقد يحدث كل ذلك تأثيره فيما بعد… لذلك ينبغي أن نسلك بتدقيق، ونراعي شعور الكل. ولا نترك ثقبًا ولو ضئيلًا في معاملاتنا للناس، يتسلل منه ثعلب صغير، فيفسد الكروم…
قد يكون الثعلب الصغير المفسد للعلاقات هو مجرد إهمال – ولو غير مقصود – لمجاملة ينبغي أن تؤدى في إحدى المناسبات فرحًا أو حزنًا، ويستغل الشيطان ذلك لإحداث مشكلة كان يمكن أن تعالج بزيارة أو خطاب أو بمكالمة تليفونية.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الخامس عشر) 11-4-1975م




