آداب الحديث والمناقشة
يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث عن فن الكلام وآدابه كمرآة لشخصية الإنسان المسيحي، موضحًا أن الكلام الصالح هو نعمة من الله يجب أن تُستخدم للبنيان لا للهدم، وأن اللسان أداة للخير إن استخدمها الإنسان بحكمة، وأداة خطيرة إن انطلق بلا ضابط.
🗣️ أولًا: الإقلال من الكلام
يؤكد البابا أن كثرة الكلام لا تخلو من معصية، وأن من يتكلم كثيرًا لا يستطيع أن يزن كل كلمة بدقة. فالكلام الكثير يضيع الوقت ويُتعب الأعصاب، وقد يفقد السامع اهتمامه. لذا، يدعو إلى اختصار الكلام، وقصره على ما هو مفيد، وتجنب المبالغة والشرح الزائد.
⏰ ثانيًا: مراعاة الوقت والموضوع
ينبغي ألا يُعطى الموضوع أكثر من حجمه أو وقته، وألا يتحدث الإنسان فيما لا يفهم أو لا يخصه. كما يجب أن يراعي المتكلم وقت محدثه، فقد يكون الآخر مشغولًا أو متعبًا، والكلمة في غير وقتها تُرهق الأذن والنفس.
🧠 ثالثًا: التفكير قبل الكلام
الحكمة تقتضي أن يدرس الإنسان ما يقول، ويتأكد من صحة المعلومات قبل أن ينطق بها. فالكلام المدروس يكون موزونًا ومقبولًا، بينما الكلام العشوائي يُظهر الجهل ويضيع المعنى.
💬 رابعًا: نوعية الحديث
لا يتكلم الإنسان في موضوعات غير لائقة أو تافهة أو مؤذية، ولا يفتح سيرة الآخرين أو يكشف أسرارهم. الكلام يجب أن يكون نافعًا وبانيًا، يبعث راحة في نفس السامع، لا حزنًا أو اضطرابًا.
🙇 خامسًا: التواضع في الكلام
من أهم صفات المتكلم الجيد أن يتكلم بروح متواضعة، لا بتعالٍ أو استعلاء. عليه أن يُصغي للآخرين، ويترك مجالًا لغيره أن يتكلم، فلا يقاطع أو يرفع صوته، بل يتحدث باتزان واحترام.
ويُظهر التواضع أيضًا بعدم التفاخر أو مدح الذات، بل نسب النجاح إلى الله وإلى الآخرين.
💞 سادسًا: الأدب واللطف في الحوار
يدعو البابا إلى الحديث بأدب ورقة، دون سخرية أو تجريح، لأن الرد اللين يصرف الغضب، أما الأسلوب القاسي فيثير الخصومة. يجب أن تُقال الكلمة بروح الود والبشاشة، فيخرج السامع مستريحًا ومحبًا لمن يكلمه.
📚 سابعًا: حسن الإصغاء واحترام الآخرين
ينبغي على الإنسان أن يُحسن الاستماع كما يُحسن الكلام، فيصغي باهتمام ولا يُظهر الملل أو يقاطع. حتى إن كان يعرف ما يُقال، يسمعه باحترام ليُشجع المتحدث. فالقلب النبيل يستمع كما لو يسمع لأول مرة.
🕊️ ثامنًا: الحكمة في النقد والمناقشة
عند الاختلاف في الرأي، لا يكون الهدف الانتصار، بل الوصول إلى الحق بروح المحبة.
ويُفضل أن يكون النقد بأسلوب السؤال لا الهجوم، وأن يُقدَّم المديح أولًا قبل الملاحظة، لأن الكلمة اللطيفة تفتح القلوب، بينما الجدال القاسي يغلقها.
🕯️ تاسعًا: اختيار الألفاظ والوقت
يجب أن تكون الألفاظ طيبة، والوقت مناسبًا للحديث. فالكلمة في غير وقتها تفقد قيمتها، أما الكلمة الطيبة في وقتها فهي كـ”تفاحة من ذهب في مصوغ من فضة”.
✝️ عاشرًا: قيمة الصمت
يختم البابا قائلاً:
“خير لك أن تصمت من أن تتكلم كلامًا خاطئًا”، فالجاهل إذا سكت يُحسب حكيمًا.
الصمت في غير موضعه حكمة، والكلام في وقته نعمة. فالمتكلم الحكيم هو من يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، وكيف يقول الكلمة بلياقة ومحبة.
💡 خلاصة
الكلام الجيد هو كلام قليل، نافع، متواضع، لطيف، مملوء حكمة.
من يتكلم بحب وبهدوء، يربح النفوس كما يقول الكتاب: “رابح النفوس حكيم”.
والكلمة الخارجة من قلب نقي قادرة أن تبارك وتبني وتصلح القلوب.


