تأملات في سفر نشيد الأناشيد – أنا نائمة، وقلبى مستيقظ

تأملات في سفر نشيد الأناشيد
الروحيون يقرأون هذا السفر، فيزدادون في محبة الله. أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
تأملنا في الموضوع السابق في قول عذراء النشيد “أنا نائمة وقلبي مستيقظ…” (نش5: 2- 4) ونتابع تأملاتنا في نفس النص من زاوية أخرى…
أنا نائمة، وقلبي مستيقظ ..1
آفة كبرى، أن يخطئ الإنسان، ولا يحس أنه أخطأ. فيكون ضميره. نائمًا، وقلبه نائمًا أيضًا: لا يوبخ، ولا ينتهر، ولا يبكت، ولا يبث شعور الندم والخزي.
أما هذه العذراء فعلى الرغم من نومها، كان قلبها مستيقظًا. كانت لها الحساسية القلبية المرهفة، على الرغم من أن الإرادة كانت ضعيفة… كانت نائمة، كسلانة، لا تريد أن تقوم وتفتح الباب… وعلى الرغم من هذا الكسل، كانت تلتمس لنفسها الأعذار! “قد خلعت ثوبي، فكيف ألبسه؟ قد غسلت رجليّ، فكيف أوسخهما”…؟!
كثيرا ما يأتي على النفس شعور، إنها تريد أن تستريح. وهكذا يصبح كل عمل روحي وقتذاك، ثقيلًا عليها. إن هذا العمل الروحي سيكون على حساب راحتها وهدوئها واسترخائها واستجمامها… جاءها صوت الله متأخرًا!! بعد أن خلعت ثوبها وذهبت لتنام. بعد أن تعبت من ثقل النهار وحره، ودخلت لتستريح… كيف تقوم مرة أخرى؟! وكيف تسير لتفتح الباب.
هل تشاء يا رب أن نفتح بابًا جديدًا للجهاد، بعد أن خلعنا ثوب الحرب ودخلنا لنستريح؟!
ألا تتركنا لنستريح من هذا الجهاد؟ ونغفو ولو قليلا؟! حقًا، إن الروح نشيط (القلب مستيقظ)، ولكن الجسد ضعيف، لذلك فأنا نائمة. صعب أن يأتينا الامتحان، ونحن في وقت راحتنا، أو ونحن في برودة روحية. حينئذ تكون الحرب شديدة، لأننا غير مستعدين لها. ولعله من أجل هذا السبب، قال لنا الرب:
“صلوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت” (مت24: 20).
الشتاء وقت البرودة، والسبت وقت الراحة…هذه العذراء أتتها الدعوة الإلهية في وقت رأته غير مناسب. كان يمكن أن يجيئني الرب قبل أدخل إلى حجرتي، وأخلع ثيابي، وأغسل رجلي، وأعطر يديّ، وأغفو لأستريح…!
هنا يبدو أن الدعوة الإلهية تحتاج إلى بذل، وإلى تضحية، وإلى عطاء… إنها طريقة الله…
يطلب من الأرملة أن تعطي من إعوازها، ويطلب من إبراهيم أن يقدم ابنه الوحيد الذي تحبه نفسه، ويطلب من أرملة صرفه صيدا أن تعطي لإيليا كل غذائها في وقت المجاعة… المسألة تحتاج إذًا إلى بذل، لأن العطاء من سعة هو عطاء رخيص، لا يمس القلب…
أما البذل، فهو دليل على الحب. ودليل على أن الإنسان قد خرج من سيطرة الذات، ووضع نفسه في المتكأ الأخير..
وهذا هو محك الاختبار الذي يريده لك المسيح…
يريد أن تثبت حبك عن طريق تعبك وبذلك. وحسبما تتعب وتبذل، على هذا القدر يعوضك الرب أضعافًا في ملكوته. وكما قال الرسول “كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه” (1كو3: 8) … لا تستسلم للراحة. قم واتعب من أجل الرب.
هكذا يكون الصليب هو علامة محبتك للرب، لابد أن تحمل صليبك في طريقك إليه، ولابد أن تصعد على الصليب..
عذراء النشيد دخلت إلى فراشها لتستريح، وتثاقلت في أن تقوم. ولكن على عكسها كان داود النبي، الذي أقسم قائلًا “إني لا أدخل إلى مسكن بيتي، ولا أصعد على سرير فراشي، ولا أعطي لعينيّ نومًا، ولا لأجفاني نعاسًا، ولا راحة لصدغي، إلى أن أجد موضعًا للرب، ومسكنًا لإله يعقوب”.
كانت العذراء نائمة، بينما الكتاب يحذرنا من هذا النوم بقوله:
“لئلا يأتي بغتة، فيجدكم نيامًا” “اسهروا إذًا وصلّوا”.
“أنا نائمة وقلبي مستيقظ. صوت حبيبي قارعًا…”
أريد أن أتمتع بالنوم، وأتمتع بحبيبي في نفس الوقت.
أريد أن أحب، دون أن أختبر “تعب المحبة”…
إنه حبيبي، وأنا أحبه، وأعرف صوته، وأميز صوته. من صوت الغريب. مشاعري كلها نحوه، “ولكن أن أفعل الحسنى لست أجد”. عندما مد يده من الكوة “أنَّت عليه أحشائي”. قلبي كله له، ولكن إرادتي مبتعدة عنه بعيدًا، لا تقوى على الطريق الضيق، ولا تقوى على حمل الصليب…
متى تتصالح الإرادة مع مشاعر القلب، وتخضع لها؟
متى أسمع صوت حبيبي، فأقفز من على فراشي، ولا أطيق أن أنام. إنما أخرج أنا أيضًا معه “طافرًا على الجبال، وقافزًا على التلال” (2: 7)، أتبعه حيثما كان…
يكفي أنه تنازل وأتى إليّ، ويكفي أنه ناداني باسمي.
إن نداء الرب، له تأثيره العميق مهما تكاسلت عنه.
إن كلمة الرب قوية وفعالة، ومثل سيف ذي حدين، ولا يمكن أن ترجع إليه فارغة… هذا الصوت الذي رن في أذنيّ، قد رن بالأكثر في قلبي. ومهما كنت نائمة، لابد سأقوم…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثامن) 21-2-1975م




