تأملات في سفر نشيد الأناشيد – أنا سوداء وجميلة

أنا سوداء وجميلة “نش 1”1
سفر نشيد الأناشيد من أعمق وأجمل الأسفار المقدسة التي تعبر عن الحب المتبادل بين الله والنفس البشرية، أو بين الله وجماعة المؤمنين… ويلزمنا في فهم هذا السفر، أن نعرف معنى رموزه، وأن نغوص إلى أعماقه، وأن نقرأه بطريقة روحية.
وفي هذا المقال، أود أن نتأمل معًا قول عذراء النشيد: “أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم. لا تنظرن إلىَّ كوني سوداء…” (نش1: 5، 6).
هنا تتحدث كنيسة الأمم إلى كنيسة أورشليم، فتقول: أنا في نظرك سوداء: عشت طول الماضي أممية في عبادة الأوثان، بلا تاريخ روحي، بلا أباء ولا أنبياء ولا شريعة، حتى كان الله في القديم يحرم الاختلاط بالأمم، لئلا تنقل الخلطة ما فيهم من وثنية وفساد…
هذا عن الماضي، أما الآن، فأنا جميلة بالإيمان، بالفداء الذي نلته في المسيح يسوع، وقد ألقى بهاءه على نفسي الخاطئة، فصرت جميلة، لأنه أعطاني بره، واتخذني عروسًا له فأنا سوداء وجميلة…
سوداء في ماضيها، ولكن جميلة في حاضرها… وهذا المعنى يعتبر نبوءة عن دخول الأمم في الإيمان.
وهو إيحاء إلى “بنات أورشليم” أي إلى كنائس ومجامع اليهود، بعدم النظر في كبرياء إلى الأمم، مهما كانت في نظرهم سوداء، ومهما كانت هذه الأمم غير مؤمنة، فالله قادر أن يهبها الإيمان، وهو يرضى أن يُدعى عليها اسمه، لذلك “لا تنظرن إليَّ لكوني سوداء” إن الله هو إله الأمم، كما هو إله اليهود. وسيرسل إلى الأمم رسله كما فعل مع اليهود، ويعمل أيضًا لأجل خلاصهم.
أنا سوداء بالنسبة إلى عمل نفسي، وجميلة بالنسبة إلى عمل الله من أجلي، عمل الفداء والخلاص والتبني…
إن الله يريد أن الجميع يخلصون، وهو قادر على ذلك، يستطيع أن “يخرِج من الجافي حلاوة” وأن يعطي للسواد جمالًا ما كان له من قبل…
وهنا ما أسهل أن ترمز عبارة (سوداء وجميلة) إلى أعمال التوبة: إن أعمال التوبة، تبدو للبعض سوداء، ولكنها بلا شك جميلة…
في التوبة، لا يمكن أن تصير النفس جميلة، إلا إذا حكمت على ذاتها بأنها سوداء، أعني إلا إذا دانت نفسها، واعترفت بأنها مخطئة، وأنها بلا عذر، وضعيفة، وقد أذنبت، ولا تستحق شيئًا أمام الله.
هذه هي الصورة السوداء التي تنسبها النفس إلى ذاتها في التوبة.
وهذه أول خطوة يريدها الرب من التائب، فتبرير النفس مكروه أمام الله ويدل على كبرياء في النفس.
ومحاولات تغطية الخطية، أو إنكارها مكروهة أيضًا من الله، لأنها ضد الحق من جهة، وضد التوبة والاعتراف من جهة أخرى، وضد انسحاق النفس الذي هو من سمات التوبة.
الله إذن يريد أن تكشف النفس ذاتها، وترى أنها مخطئة، سوداء، وحينئذ تبدو جميلة في اعترافها، وتبدو جميلة في انسحاقها.
إن النفس التي تحاول أن تبدو جميلة، بأن تغطي أخطاءها بالأعذار، لا تكون في تغطياتها جميلة، بل تكون جميلة إن أدانت نفسها أمام الله، ووقفت في انسحاق، وشعرت بعدم الاستحقاق. كما وقف العشار من بعيد، لا يجرؤ أن يرفع نظره إلى السماء، بل يقرع صدره قائلًا “ارحمني يا رب فإني خاطئ”. وكما قال الابن الضال لأبيه “لستُ مستحقًا أن اُدعى لك ابنًا “. وكما بكت المرأة الخاطئة وبللت قدمي المسيح بدموعها…
“سوداء وجميلة، يا بنات أورشليم” لذلك قال أب جبل نتريا للقديس ثاؤفيلس “صدقني يا أبي، لا يوجد أفضل من أن يأتي الإنسان بالملامة على نفسه في كل شيء”.
إنها صورة قد تبدو للبعض سوداء: أن تقول عن نفسك إنك خاطئ ومخطئ وتعرض نفسك لتبكيت الضمير من الداخل، وتنقص من قدرك أمام الناس من الخارج، وأن تفرض على نفسك عقوبات معينة، تداريب لإصلاحها. ولكن هذه الصورة السوداء، جميلة.
ما أكثر الصور التي تبدو سوداء، ولكنها في حقيقتها جميلة: “ولعل صورة الصلب في مقدمتها…
السيد المسيح، يُساق إلى الصليب كمذنب، ويُحصى بين أثمة، وتوجه إليه الإهانات المُرة، والاتهامات والأكاذيب. “وهو كشاة تُساق إلى الذبح… صامتة أمام جازّيها”. “ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه”. ودُقت في يديه وفي قدميه المسامير، واستهزأ به اليهود…
صورة تبدو سوداء، إن نظرنا إليها من جهة الكرامة البشرية. ولكنها جميلة إن نظرنا من جهة الفداء.
كيف أن المسيح حمل خطايانا على الصليب، ومات عنا، لكي نحيا نحن بموته، مقدمًا لنا الفداء والخلاص.
وهكذا صار على الصليب “ذبيحة حب”. لأنه “ليس حب أعظم من هذا، أن يضع أحد نفسه عن أحبائه”.
ما أجمل هذه الصورة، صورة الفداء والحب، صورة القدوس حامل خطايا الناس. لذلك نحن نتخذ صورة المسيح المصلوب شعارًا لنا. إنها سوداء وجميلة يا بنات أورشليم، أجمل من صور الجبابرة، الذين قدَّموا للناس صورة القوة، ولم يقدِّموا لهم الحب والفداء.
وهكذا أيضًا صور التعذيب والاستشهاد، سوداء وجميلة
سوداء، بما فيها من إهانات وآلام وسجن وتعذيب وقتل واتهامات باطلة. وسوداء بالصورة البشعة التي قدمتها عن قسوة الإنسان في معاملته لأخيه الإنسان، ومحاولته أن يرغمه على جحد إيمانه بالقوة والسطوة…
هذا هو الوجه الأسود من الصورة، ولكن صورة الاستشهاد جميلة من كل ناحية، في تعبيرها عن صمود الإيمان وقوة المحبة التي قدمها الشهداء لله، وما أظهروه أيضًا من شجاعة ومن قوة على الاحتمال أذهلت الكثيرين.
لا شك أن آلام الاستشهاد تصرخ وتقول “أنا سوداء وجميلة”.
نفس الصورة يمكن أن تنطبق أيضًا على حياة النسك والزهد…
أولئك الذين تركوا كل شيء من أجل الرب، وعاشوا فقراء لا يملكون شيئًا بلا منصب، بلا لقب، بلا سُلطة، بلا ترف… صائمين طول الوقت، يحرمون أنفسهم من جميع الملاذ، ويحاربون الرغبات والشهوات، يصلبون الجسد مع الأهواء، ويقهرون الإرادة ويخضعونها إلى عمل الروح، ويتعبون الجسد في السهر، قائمًا طوال الليل في الصلاة… ويهربون من كل كرامة ومديح، بينما يقبلون الإهانة دون أن يدافعوا عن أنفسهم.
صورة تبدو للبعض سوداء، تمثِّل الحرمان. ولكنها جميلة، لأنها تعبر عن الحب الإلهي، الحب الذي ارتفع فوق العالم، وفوق جميع شهواته.
لا شك أيضًا أن صورة الزهد والنسك تقف وتقول “أنا سوداء وجميلة”
فضيلة الاحتمال، تناسبها أيضًا عبارة “أنا سوداء وجميلة”…
هل سهل على إنسان، أن يلطم على خده، فيحول الآخر؟! أو أن يسخروه ميلًا، فيمشي معهم ميلين؟! وهل يسهل أن يبارك أحد لاعنيه، وأن يحسن إلى المسيئين إليه، وأن يتقبل إهانات الناس واعتداءاتهم وقسوتهم وعدم محبتهم، بصدر رحب، وقلب هادئ غير حاقد وغير غاضب.
صورة تبدو للبعض سوداء، ولكنها جميلة، لأنها تدل على نقاوة القلب من الذاتية، ونقاوته من العداوة والحقد.
وهي صورة جميلة، لأنها انتصار الحب، وعلى أن الخير أقوى من الشر، والاحتمال أقوى من الإساءة والذي يحتمل يقدم منظرًا أجمل من منظر المعتدي. ويعطي فكرة جميلة عن القوة التي من الداخل، قوة الروح التي هي أبدع جمالًا من قوة الجسد…
وما نقوله عن فضيلة الاحتمال نقوله أيضًا عن فضيلة الاتضاع: إنها مثلها سوداء وجميلة…
الإنسان الذي ينكر ذاته، فلا يظهر في الصورة، ويعطي الفرصة لغيره يقول الكتاب “مقدمين بعضكم بعضًا في الكرامة”… والإنسان الذي يعامل غيره باحترام، ولا يسعى إلى كرامة أو احترام من الآخرين، والذي يضع نفسه باستمرار، ويتخذ المتكأ الأخير، تاركًا المتكئات الأولى لغيره… ما فكرة الناس عن مثل هذا الشخص في اتضاعه.
لا شك أن صورة المتكأ الأخير سوداء في نظر الناس، كذلك صورة مَن يتخذ من غيره وضع الخادم لا وضع السيد… ولكنها صورة جميلة في اتضاعها.
صورة ميلاد المسيح في مزود صورة سوداء وجميلة. سوداء في نظر محبي الكرامة والعظمة، وجميلة في نظر المتضعين…
كذلك وضع السيد المسيح، وهو يجول هنا وهناك، وليس له أين يسند رأسه…
لقد أعطى السيد المسيح مفهومًا جديدًا للجمال وقدم له صورة جديدة…
إنه الجمال الداخلي، جمال القلب والروح، البعيد عن المظاهر الخارجية الزائفة…
إن النفس المشتملة بدموعها أمام الله، أجمل من النفس المتألقة بعظمتها
والإنسان المتضع في منظره، في ملبسه، في قيامه وقعوده، في طريقة حديثه، في هدوئه، في طول أناته وإن كان شكله بعيدًا عن مظاهر العظمة الجميلة في أعين الناس، إلا أن صورته المتضعة السوداء في نظرهم، هي جميلة في نظر الله…
وهكذا اتخذ السيد المسيح كتلاميذ له جماعة من الصيادين، المحتقرين في نظر الناس، إذ ليست لهم ثقافة ولا مركز، ولكن صورتهم كانت سوداء وجميلة.
هؤلاء هم جُهّال العالم، الذين أخزى بهم الحكماء، وهم أيضًا ضعفاء العالم الذين أخزى بهم الأقوياء.
وهكذا الإنسان الذي يقف أمام الله كضعيف… وأمام الناس…
بل كان القديس الأنبا أنطونيوس، يقف حتى أمام الشياطين كضعيف، يقول لهم “أيها الأقوياء، ماذا تريدون مني أنا الضعيف؟! وأنا أضعف من أن أقاتل أصغركم”. فما كانوا يستطيعون أن يحتملوا عباراته هذه المملوءة اتضاعًا، التي كانت تجعلهم ينحلّون كالدخان ويفارقونه.
إن الذي يعتمد على قوته، ويفتخر بها، قد لا تساعده قوته، بينما تبعد عنه قوة الله. أما الذي يقف كضعيف، فهذا تحارب عنه قوة الله. وحينما يغلب، ينسب الغلبة إلى الله وليس إلى نفسه.
عبارة “أنا ضعيف، محتاج إلى قوة من الله” أتراها سوداء أم جميلة؟
إن الشخص الذي يعترف فيما بينه وبين نفسه بأنه ضعيف، يكتسب عمقًا في صلواته، واتضاعًا في قلبه، ومعونة من الله في كل تصرفه، وحرصًا وتدقيقًا في مواجهته للمشاكل. وهكذا يغلب.
وتكون عبارة الضعف “سوداء وجميلة”
وعبارة “سوداء وجميلة” تنطبق أيضًا على حياة الجهاد والتعب…
البعض يرون الجمال في الراحة والبُعد عن كل تعب ومشكلة، ويرون الحياة جميلة، حينما يهدأون في استرخاء…
وقد تؤدي الراحة إلى الفشل وتتحول إلى كسل وتراخٍ، بينما تكون حياة التعب هي الجميلة. وهي المؤدية إلى كل خير.
النفس المكافحة التي تعرق وتتعب في عملها، وتتعب أيضًا في خدمتها للآخرين، وفي بذلها وعطائها، وفي تضحيتها براحتها لكي يرتاح الغير… فيما هي تشقى وتتعب، وفيما هي تتألم وتحتمل… تنظر إلى كل أتعابها، فإذا هي سوداء وجميلة.
وإذا بكل هذه الأتعاب تتحول إلى أكاليل في الملك الأبدي المعد للمجاهدين حيث يكافئ الله كل نفس بحسب تعبها والأتعاب التي كانت سوداء هنا، تبيض في الأبدية أكثر من الثلج، وتتحول إلى نور يحيط بمَن جاهدوا وتعبوا.
وعبارة سوداء وجميلة، لها انطباقات أخرى في حياتنا العملية…
إن الكلمة الصريحة التي نسمعها من صديق مخلص، موجهًا إلى تصحيح خطأ معين، قد تبدو سوداء ولكنها جميلة. إنها أجمل من عبارات التملُق والمجاملة والمديح الكاذب التي هي بيضاء في صورتها، وليست جميلة…
كذلك التأديب الذي يصدر من أب روحي أو أب جسدي، حتى إن كانت صورته شديدة، إلا أنها سوداء وجميلة.
وهكذا أيضًا الضيقات التي تكتسب النفس والجماعة بركتها، هي سوداء وجميلة. قال عنها يعقوب الرسول “احسبوه كل فرح يا إخوتي، حينما تقعون في تجارب متنوعة” (يع1) تُعلِّم النفس الصلاة والصبر والاحتمال وحُسن التصرف، وتتزكى بها وتنال إكليلًا.
ولقد قال القديس الأنبا بولا السائح “مَن هرب من الضيقة، فقد هرب من الله” لأن الله هو الذي يرسلها لفائدة روحية…
كذلك كل تعب من أجل الرب، فيه بركة تظهر الآن أو فيما بعد.
والكنيسة قد تحيا على الأرض سوداء، ولكن جميلة.
سوداء، إذ تدخل من الباب الضيق وتسير في الطريق الكرب، حاملة الصليب، كما قال الكتاب “بضيقات كثيرة ينبغي أن نرث ملكوت الله”..
وسوداء، فيما يبدو عليها من تعب في الخدمة، وفي الرعاية، في السهر وعدم الراحة، والتراكم عليها كل يوم، والمشقة، والدموع المسكوبة أمام الله والجهاد ضد الشيطان وكل جنده، وضد كل صور الشر في العالم…
ولكنها جميلة في كفاحها، واحتمالها وفي شهادتها للرب بإيمانها، وعملها، وقدوتها الصالحة كصورة لله ومثاله.
تحترق لكي تضئ للآخرين… وفي احتراقها، يصعد دخانها إلى فوق، سحبًا سوداء، وجميلة، يتنسم منها الله رائحة الرضا والقبول.
وفي حملها للصليب، تقول لبنات أورشليم، لكنيسة العهد القديم، التي كانت تسعى للمُلك واستعادة مملكة داود وسليمان.
“أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم. لا تنظرن إليَّ لكوني سوداء، لأن الشمس قد لوَّحتني”…
أنا اخترت طريقًا آخر هو الملكوت السماوي، ملكوت الله داخل القلب، بالتعب والجهاد وحمل الصليب، والبعد عن كل مظاهر العالم ومشتهياته، لأن “العالم يبيد وشهوته معه”.
إن شمس البر قد لوَّحَتني.
علمتني أن أتعب من أجل الرب، وأكون أمينًا حتى الموت “في تعبٍ وكدٍ” “في كل شيء نظهر أنفسنا كخدام الله في صبر كثير، في شدائد في ضرورات في ضيقات… في أتعاب في اسهار في أصوام… كحزانى ونحن دائمًا فرحون. كمائتين وها نحن نحيا. كفقراء ونحن نغني كثيرين” (2كو6: 4- 10) “حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع، لكي تظهر حياة يسوع أيضًا في جسدنا…” (2كو4: 10- 12).
أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم…
هذه السوداء كان لها رموز كثيرة في العهد القديم…
رمزت إليها المرأة الكوشيه السوداء التي اتخذها موسى زوجة له (عد12: 1)، ورمزت إليها ملكة سبأ التي تزوجها سليمان، ورمزت إليها راحاب التي من أريحا… كل هؤلاء انطبقت عليهن عبارة “أنا سوداء وجميلة”.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 28-9-1980م




