تأملات في سفر نشيد الأناشيد-أنا سوداء وجميلة

تأملات في سفر نشيد الأناشيد
الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله… اما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته الى مرشد، لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
نتابع تأملاتنا الروحية في سفر نشيد الأناشيد. وليكن موضوع تأملنا اليوم قول عذراء النشيد “أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم، كخيام قيدار، كشقق سليمان…” (نش1: 5)
أنا سوداء وجميلة1
(نش1: 5)
إنها عبارة تتوجه بها كنيسة الأمم، الى بنات أورشليم، أي الى كنيسة اليهود الذين يحتقرون الأمم وكنيستهم.
يرون أن هذه الكنيسة سوداء، قبيحة مشوهة، لأنها قد حُرِمَت من أصل الآباء، ومن تعليم الأنبياء، كنيسة بلا تقاليد، بلا تاريخ، لا تنتسب إلى أبي الآباء إبراهيم. لذلك فكنيسة الأمم تقول لهم إنني وإن كنت سوداء، إلا أنني جميلة، في المسيح يسوع والانتساب إليه.
إن كنت سوداء، ليس لي إبراهيم أبًا، فأنا جميلة لأن لي أبًا في السماء، وأمي هي المعمودية التي ولدت فيها من الروح القدس.
إن كنت سوداء لم أتعلم في مدرسة الناموس والأنبياء، فأنني جميلة إذ تدربت في مدرسة النعمة. لم أدرك الحرف، لكن أدركت الروح. لم أدرك الوصايا العشر، لكن أدركت العظة على الجبل وتعليم الأناجيل.
انا سوداء في نظر البشر، لكنني جميلة في نظر الرب.
سوداء في حكم قسوتكم، لكنني جميلة بحنان الرب ومحبته. الله بسط على جماله، وساواني بكم، على غير استحقاق منى. ماذا أقول للرب الذي أعطاني دينارًا، كالذين جاءوا من أول النهار، أنا التي أتيت في الساعة الحادية عشرة؟! بماذا أكافئ الرب عن كل ما أعطانيه؟ كأس الخلاص آخذ وباسم الرب أدعو…
أنا سوداء بالنسبة إلى أعمالي، ولكنني جميلة وأنا مغسولة في دمه الطاهر، فقد صرت بيضاء أكثر من الثلج.
سوداء بطبيعتي الترابية المادية، وجميلة إذ حل روح الله القدوس في هيكلي، فأناره وقدسه ودشنه. سوداء كخيام قيدار (حفيد إسماعيل)، لها شعر الماعز الأسود من الخارج. ولكنني جميلة كشقق سليمان، كستائر الهيكل التي من أسمانجوني وأرجوان وقرمز… من الداخل…
أنا سوداء كالعشار في نظر الفريسي، وكالمرأة الخاطئة التي غسلت قدمي الرب بدموعها في نظر سمعان، وكالسامرية في نظر التلاميذ، وكالمولود أعمى الذي شتمه اليهود قائلين له “أنت تلميذ ذاك” “في الخطايا ولدت بجملتك”… ولكنني جميلة في نظر الرب الذي برر كل هؤلاء.
انا سوداء، معترفة بحالتي، لست أنكر أصلي ولا شكلي. ولكنني جميلة في حياة الرجاء التي قدمها لنا الرب.
لي رجاء في الله الذي قبل الابن الضال. الذي لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا. الذي “لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا. وإنما مثل ارتفاع السموات على الأرض، قويت رحمته على خائفيه. كبعد المشرق عن المغرب، أبعد عنا معاصينا” (مز 103)
انا سوداء في اعترافي بخطاياي، وجميلة بما آخذه من غفران وحِّل.
كذبيحة الخطية تُحرَق خارج المحلة، لأنها حاملة خطايا، ومع ذلك فهي قدس أقداس للرب (لا6: 24). كذبيحة المحرقة تأكلها النار حتى تتحول إلى رماد. ولكنها مع ذلك رائحة سرور للرب (لا1: 9)
انا سوداء كفحمة في المجمرة، جميلة كلما اشتعلت بالنار.
تتوهج كلما اتقدت النار فيها، ولا تعود تبصر سوادها، وتتحول من فحمة إلى جمرة. وكل من يراها لا يقول هذه فحمة، وإنما هذه نار، نار طاهرة…
انا سوداء كسحب الدخان التي ترتفع من بخور يحترق…
سوداء في لونها، ولكنها جميلة في رائحتها الذكية، وفي رموزها، وفي ارتفاعها إلى فوق… كالصلاة.
انا سوداء الآن ولكنني لن أبقى سوداء الى الأبد.
سوداء في هذا الجسد المادي، ولكنني سأصير جميلة في الجسد النوراني الروحاني الذي سآخذه عندما يلبس الفاسد عدم فساد…
سأصير جميلة وانا آكل من شجرة الحياة، وأطعم المن المخفي…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الحادي والعشرون) 23-5-1975م



