المرأة في الكتاب والتاريخ1

معالم الطريق الروحي
المرأة في الكتاب والتاريخ1
لقد رأى الله – تبارك اسمه – أن المرأة لازمة من لوازم المجتمع، فخلقها.
ونلاحظ في قصة الخلق عبارة جميلة:
في كل تفاصيل عملية الخلق، نرى عبارة تكررت مرارًا، وهي “ورأى الله ذلك أنه حسن” (تك1: 4، 12، 18، 21، 25). ولكن وسط كل بدائع ما خلقه الله، رأى شيئًا واحدًا غير حسن! وفي ذلك قال الله “ليس حسنًا يكون أن يكون آدم وحده” (تك2: 18) وهكذا خلق له “معينًا نظيره” أعني حواء.
وبعد خلق حواء، أمكن أن يقول الوحي الإلهي لأول مرة “ورأى الله كل ما عمله، فإذا هو حسن جدًا” (تك11: 3). وبحواء تكاملت الصورة.
ونلاحظ أن عبارة “معينًا نظيره” (تك2: 18) تعني مساواة بين الرجل والمرأة، فهي نظيره. وهذه المساواة يؤيدها نص كتابي آخر هو… “الرجل ليس من دون المرأة. ولا المرأة من دون الرجل في الرب” (1كو11: 11).
كانت المرأة “على صورة الله ومثاله” كما كان آدم. وفي ذلك قال الكتاب “خلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأنثى خلقهم” (تك1: 27).
وفي قصة الخطيئة الأولى، على الرغم أن الكثيرين يلومون المرأة إلا أننا نرى لها نقطًا نبيلة… منها أن آدم أراد أن يختبئ وراءها ليتبرر أمام الله، ملصقًا الذنب بها، إلا أنها لم تحتج، ولم تغضب على آدم بل احتملته في هدوء وفي صمت! لست أعلم كيف قابلها أبونا آدم بعد هذا الموقف!
وإن كان خطأ قد نسب إلى حواء من جهة إغواء حواء له، فقد نسبت إلى الرجال أخطاء
لا حصر لها.
مجرد خضوع آدم لحواء حينما قدمت له الثمرة، كان خطأ منه، لأنه رأس المرأة! فكان يجب أن يقودها، لا أن يتركها تقوده.
وفي تاريخ البشرية نجد أن رجلًا كقايين كان أول قاتل. تلاه لامك، وكان قاتلًا أيضًا، كما كان أول من دخل في تعدد الزوجات (تك4: 23، 19) واحتملته المرأة في هذا الأمر.
وفي الكتاب المقدس نرى أمثلة من إعطاء الله كرامة للمرأة:
فهناك أسفار في الكتاب المقدس قد سميت بأسماء نساء: نذكر من بينها سفر راعوث،
وسفر استير، وسفر يهوديت. فلم تقتصر تسمية الأسفار بأسماء الرجال كسفر صموئيل أو سفر يونان أو غيرهما من الأنبياء.
وبهذه المناسبة نذكر أن الله وهب المرأة نعمة النبوة، فكانت هناك نبيات:
ومن بين النبيات التي وردت أسماؤهن في الكتاب المقدس: خلدة النبيه (2مل22: 14) ودبوره النبيه (قض4: 4)، ومريم أخت موسى وهارون وكانت نبيه أيضًا (خر15: 20) وهي التي قادت الخورس عند شق البحر الأحمر، ولها تسبحه جميلة نرتلها بلحن معروف في تسبحه نصف الليل كل يوم في الهوس الأول.
وفي العهد الجديد نجد أيضًا أمثلة للتنبؤ في محيط النساء. فقد قيل عن فيلبس المبشر أنه كانت له “أربع بنات عذارى كن يتنبأن” (أع21: 9).
والنساء تولين مناصب كبيرة، واعترف الرجال بقدرتهن على القيادة. مثال ذلك دبورة. كما كانت نبيه كانت قاضية أيضًا (قض4: 4) وكان الشعب يصعد إليها وهي جالسة تحت النخلة لتقضي بينهم. بل إن باراق رئيس الجيش، وكان معه عشرة آلاف رجل، رفض أن يخرج إلى الحرب بدونها. وقال لها “إن ذهبت معي أذهب، وإن لم تذهبي معي فلا أذهب” (قض4: 8) وفعلًا كان الانتصار على يديها!
وكما تولت المرأة القضاء، تولت الملك أيضًا، وظهر نبوغها في القيادة.
ومن الأمثلة البارزة في العهد القديم الملكة استير، التي قادت الشعب كله في الصوم، واستطاعت أن تنجح في حديثها مع الملك أحشويرش. وتمكنت بحكمتها وعمل الله معها أن تنقذ الشعب كله…
والحديث عن الملكات والرئيسات له مجال أوسع في التاريخ المدني سواء في مصر أو في غيرها من البلاد، وهو قائم في أيامنا هذه، وأمثلته كثيرة…
ومن الأسماء المشهورة في تاريخ مصر، يلمع اسم الملكة حتشبسوت في العصر الفرعوني، وكيلوبترا في العصر البطلمي وبداية الروماني، وشجرة الدر في عصر المماليك. وفي أيامنا الحالية تولت المرأة قيادة كثيرًا من الدول ولا تزال.
المهم في كل ذلك أن الله قد أعطى المرأة عقلية وقدرات لا يمكن تجاهلها…
وفي حياة كل رجل امرأة تولت قيادته في طفولته هي أمه، وهنا نذكر أمثلة رائعة من الأمهات القديسات. هارون وموسى النبي. استطاعت هذه الأم الفاضلة أن تربي ابنها موسى أفضل تربية. لقد قضى معها ربما حوالي ثلاث أو أربع سنوات ثم سلمته لابنة فرعون (خر2: 9، 10). ولكنها في هذه السنوات القليلة سلمته الإيمان السليم الذي عاش به راسخًا في عقيدته وسط كل العبادات الفرعونية إلى أن وصل إلى سن الأربعين دون أن تؤثر عليه بل صار قائدًا للإيمان في جيله…!
ومن الأمهات الفاضلات أم وجدة القديس تيموثاوس تلميذ بولس الرسول.
وقد صار فيما بعد أسقفًا لأفسس وكتب له القديس بولس رسالته الثانية التي قال له فيها “إذ أتذكر الإيمان العديم الرياء الذي سكن أولًا في جدتك لوئيس وأمك أفنيكي” (2تي1: 5). ولم يذكر هنا أباه وجده، بل أمه وجدته.
وفي المعمودية تعودنا أن الأم هي التي تحمل ابنها وتصير إشبينته.
وهي التي تجحد الشيطان نيابة عنه وتعترف بالإيمان السليم نيابة عنه، وتتعهد كإشبينة أن تربيه في الإيمان السليم. فهي في تربية الطفل أقدر من الرجل، وأحن منه، وأكثر احتمالًا لتعب الأطفال. وحتى في القانون المدني، الحضانة واجبة للأم. فإن لم توجد، تكون لأقرب النساء إلى الطفل على التوالي.
ومن أشهر الأمهات الفاضلات القديسة مونيكا أم القديس أوغسطينوس.
وليست هذه المقالة مخصصة للحديث عن الأم، فهذه لها مجال آخر أوسع ولكننا هنا نشير إليها في مجال فضل النساء على الرجال من بداية حياتهم.
من العبارات الجميلة التي نذكرها هنا تحية للمرأة، هي قول الرب لأبينا إبراهيم:
“في كل ما تقول لك ساره، اسمع لقولها” (تك21: 12).
كانت سارة سليمة في رأيها، مع أنها كانت تحترم زوجها إبراهيم وتناديه سيدي. وفي طلب الرب من إبراهيم أن يسمع نصيحتها، ما يحمل تقديرًا لهذه القديسة العظيمة، التي في وقت من الأوقات ارتفعت فوق مستوى الذات، ووهبت جاريتها لزوجها لينجب منها ابنًا.
ننتقل من هذه النقطة، لنتحدث عن قداسة المرأة في الكتاب والتاريخ لقد وجدت من النساء قديسات في كل مجال: شهيدات، وراهبات، وأمهات، ومرشدات روحيات وبارات في حياتهن…
بل وجدت نساء ارتفعن فوق مستوى الطبيعة العادية، مثل تلك القديسة التي في عصر الاستشهاد، ذبحوا أولادها على حِجرها، وكانت تشجعهم واحدًا فواحدًا على الثبات في الإيمان والاستعداد لقبول الموت بفرح لملاقاة الله… حقًا من يستطيع أن يصل إلى هذا المستوى الروحي؟!
ومن بين المرشدات الروحيات الشهيرات القديسة ماكرينا التي أرشدت رجالًا.
فقد كانت مرشدة روحية لأخيها القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة قيصرية كبادوكية، ولأخيها القديس غريغوريوس أسقف نيصص، وأخيها القديس بطرس أسقف سبسطية ولما رقدت في الرب رثاها أخوها القديس غريغوريوس بمديح عجيب صدر في كتاب، وقد تمت ترجمته إلى اللغة العربية.
ومن المرشدات الروحيات الشهيرات القديسة الأم ساره الراهبة.
وكان يقصدها الرهبان من الإسقيط ليسترشدو بها كاشفين لها ضعفاتهم وفي إحدى المرات أعجبت بتواضعهم فقالت لهم في اتضاع “بالحقيقة إنكم إسقيطيون” لأنكم تخفون فضائلكم. وما ليس فيكم من الأخطاء تنسبونه لأنفسكم.
ومن المرشدات الروحيات أيضًا القديسة ميلانيا الراهبة.
وهذه قد أرشدت القديس مار أوغريس، الذي صار فيما بعد من أعظم المرشدين الروحيين في البرية والقديسة ميلانيا هي التي قادته إلى حياة الرهبنة. بل هي التي بالأكثر قد قادته أولًا إلى حياة التوبة.
وفي محيط المرأة لا شك نضع في القمة: القديسة العذراء مريم.
هذه التي كانت أطهر النساء عامة بل أقدس من كل البشر. وهي التي يقول المزمور عنها “قامت الملكة عن يمينك أيها الملك” (مز45). وتطلق عليها الكنيسة لقب “السماء الثانية” لأنها حملت رب المجد. وتشبهها بالسحابة (إش19: 1) وبتابوت العهد، والمجمرة الذهبية، وعصا هارون… ولها أعياد كثيرة تعيدها لها الكنيسة. وما أكثر الكتب التي وضعت في كرامتها. ومن الألحان التي قيلت فيها:
“نساء كثيرات نلن كرامات، ولم تنل مثلك واحدة منهن”.
وعبارة نساء كثيرات نلن كرامات تعني أن الله قد منح الكرامة لعديد من النساء. مثل تلك التي قال عنها الرب “الحق أقول لكم حيثما يكرز بالإنجيل في كل العالم، يخبر بما فعلته هذه تذكارًا لها” (مر14: 9).
ولعل من أهم ما فعلته النساء، أولئك اللائي وهبن بيوتهن لتكون كنائس:
نذكر في مقدمتهن القديسة مريم أم القديس مرقس الرسول، التي صار بيتها أول كنيسة في العالم المسيحي (أع12: 12). وكان المؤمنون يجتمعون فيه للصلاة. وفيه العلية التي أقيم فيها العشاء الرباني يوم خميس العهد وفيها غسل المسيح أرجل تلاميذه.
وأيضًا بيت ليديا بائعة الأرجوان صار أيضًا كنيسة (أع16: 15) ومن البيوت التي صارت كنائس بيت بريسكلا وعنه قال بولس الرسول “سلموا على بريسكلا وأكيلا… والكنيسة التي في بيتهما” (رو16: 3، 5).
والنساء منذ بداية الكرازة بالإنجيل كن يتبعن المسيح ويخدمنه.
وفي ذلك يقول القديس لوقا “وأُخر كثيرات كن يخدمنه من أموالهن” (لو8: 3) ويقول متى الإنجيلي عن السيد المسيح في أحداث الصليب “وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد. وهن كن قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه” (مت27: 55).
ولا يمكن أن ننسى بيت مريم ومرثا.
وكيف كان السيد المسيح يزوره. وكانت مريم تمثل حياة التأمل، بينما مرثا تمثل حياة الخدمة. وقد بكى المسيح عند قبر أخيها لعازر، لما بكيا، وأقامه من الموت (يو11: 33- 35)، وبقي النساء يخدمن الرسل في العصر الرسولي.
فالرسل الذين بشروا العالم كله بالقيامة، قد بشرتهم بها امرأة.
وقيل ان مريم المجدلية صارت مبشرة في مناطق متعددة. كما حدث من قبل أن السيد المسيح حينما اختص المرأة السامرية بجلسة خاصة معه قادتها إلى التوبة، ذهبت هذه أيضًا وبشرت كل مدينة السامرة.
ومن تقدير الكنيسة للنساء القديسات، أنه بنيت كنائس كثيرة على أسمائهن.
فبالإضافة إلى عدد الكنائس الضخم الذي بني على اسم القديسة العذراء مريم، نجد كنائس كثيرة بنيت على اسم القديسة دميانة، ليس فقط في ديرها ببراري بلقاس، إنما أيضًا في القاهرة أيضًا في الوايلي وشبرا.
وهناك كنيسة على اسم القديسة الأم دولاجي في إسنا، وكنيسة على اسم القديسة رفقه في سنباط وكنائس على اسم القديسة بربارة في مصر القديمة وفي الشرابية. وهناك كنائس كثيرة في جهات عديدة من العالم على اسم القديسة هيلانة الملكة التي كان لها دور عظيم في العثور على الصليب وفي بناء الكنائس في القرن الرابع.
ومن جهة الرهبنة، نرى تاريخ الراهبات حافلًا بالقديسات…
بعضهن قدن حركات رهبانية وأسسن أديرة مثل القديسة دميانة والقديسة ميلانيا. والقديسة باولا وابنتها القديسة يوستوخيوم اللتين أسستا ديرًا في بيت لحم تحت رعاية القديس جيروم.
والبعض تخفين في زي رجال وترهبن في أديرة الرجال مثل القديسة إيلاريه، والقديسة مارينا، والقديسة بيلاجيا.
والبعض وصل إلى درجة السياحة مثل القديسة مريم التائبة التي صارت سائحة، وطلب منها القديس زوسيما السائح أن تباركه!
والراهبات يصلن في القداسة أحيانًا إلى درجات أعظم من الرجال.
وذلك لسببين: أحدهما من جهة عاطفتهن القوية التي تتوجه نحو الله.
وثانيًا: لأنهن يتخصصن للعبادة فقط، ولا يتحولن إلى الخدمة كما يحدث لكثير من الرجال،
إذ تحتاج إليهم الكنيسة في أعمال الكهنوت فينشغلون بأعباء الرعاية، ولا يتفرغون لعمل الصلاة والتأمل. أو قد ينشغلون بخدمات أخرى كثيرة…
المرأة أيضًا عُرفت في الكنيسة أيضًا في خدمة الأرامل وخدمة الشماسات.
ومن أشهر الشماسات في تاريخ الكنيسة القديسة أوليمبياس التي كانت في مركز سكرتيرة للقديس يوحنا ذهبي الفم رئيس أساقفة القسطنطينية. والقديسة أنسطاسية التي كانت تراسل القديس ساويرس بطريرك أنطاكية. وتلك العذراء التي اختبأ عندها فترة القديس أثناسيوس الرسولي.
والمرأة في عصرنا الحديث بدأت تتطور في الخدمة منذ أنشأ قداسة البابا كيرلس الرابع أول مدرسة في مصر لتعليم البنات.
خدمت المرأة في محيط التربية الكنيسة، وأيضًا في الخدمة الاجتماعية وفي مراكز التنمية،
ودخلت في الكلية الإكليريكية طالبة ومدرسة، ودخلت في عضوية بعض مجالس الكنائس،
وعملت أيضًا في الحركة المسكونية وفي المؤتمرات الدولية، واشتغلت كذلك بالتعليم وصارت أستاذة في الجامعة، وفي مجال التأليف والترجمة وشمل نشاطها كل المجالات تقريبًا.
نحن ندعو للمرأة بالتوفيق وبودي أن أصدر موسوعة عن النساء القديسات وعن نشاط المرأة بصفة عامة عرفانًا بمجهود المرأة على مدى الأجيال وفي جيلنا.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 10-3-1985م





