الكتاب المقدس في حياتنا ج1

كان الأسبوع الماضي هو أسبوع الكتاب المقدس. اشتركت فيه جميع الطوائف المسيحية في مصر، وعقدت الاجتماعات من أجله. لذلك اتفق على أن يتكلم قداسة البابا في اجتماع الجمعة عن:
الكتاب المقدس في حياتنا1
كل كلمة من الكتاب هي كلام الله. ولذلك فهي نافعة للتعليم وكل كلمة منه لها تأثيرها وقوتها، ولها فاعليتها، دون شرح ودون وعظ. يكفي أن تذكر كلمة الله، فيحدث التأثير، ويشعر الإنسان بوجود الله في الوسط. لأجل هذا كان الكتاب له أهمية خاصة في حياتنا، كما كانت الوصية به عجيبة ودقيقة. أنظر ماذا قال لنا الرب عن هذا.
في وصية الرب ليشوع بن نون خليفة موسى، يقول له الرب: “لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك، بل تلهج فيه نهارًا وليلًا. لكي تتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب فيه. لأنك حينئذ تصلح طريقك، وحينئذ تفلح” (يش1: 8). تصوروا قائدا مشغولًا جدًا كيشوع، وعليه كل مسئوليات الحكم الضخمة: ومع ذلك يقول له الرب: ” لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك”!!
ليس هذا الكلام موجهًا إلى يشوع وحده، بل الى كل واحد منا، ولذلك يقول المزمور الأول عن الرجل البار إنه: “في ناموس الرب مسرته، وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلًا” (مز1: 2).
داود النبي كان ملكًا وقائدًا ورب أسرة كبيرة وصاحب مسئوليات خطيرة، ومع ذلك يقول: “ناموسك هو تلاوتي”، “شريعتك هي لهجي”. ويتحدث عن علاقته بناموس الله وشريعته فيقول: “سراج لرجلي كلامك، ونور لسبيلي”، “فرحت بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة”، “كلامك ألذ من العسل والشهد في فمي”.. من أين لداود وقت يتلو فيه كلام الله النهار والليل، وتصبح كلمات الله هي درسه وتلاوته ولهجه؟!
لذلك ينبغي أن يكون الكتاب هو عملنا الرئيسي في الحياة.
ينبغي أن تكون كلماته محفورة في قلوبنا، وحاضرة في أذهاننا في كل وقت، ننشغل بها في النهار والليل حسب وصية الرب. هناك وصية عجيبة في التثنية، ينبغي أن نلتفت إليها جيدًا، ونضعها أمامنا. وهي قول الرب: “ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك. وقصها على أولادك. وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وحين تمشي في الطريق، وحين تنام وحين تقوم. واربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك. واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك” (تث6: 6- 9). إلى هذه الدرجة يريد الرب أن ننشغل بكتابه، في كل وقت، وفي كل مكان، وفي كل وضع. ونَقُص الكلام على أولادنا…
وهناك المسئولية الخطيرة التي يضعها الله على عاتق الأسرة في تعليم الأولاد. لا يوجد أب ولا أم يستطيع أن يهرب من هذه المسئولية “وقُصَهَا على أولادك”.
اقرأوا الكتاب المقدس. وثقوا أنكم في كل قراءاته ستجدون شيئًا جديدًا، فكلمات الله غنية ودسمة، وهي ينبوع للتأملات لا ينضب، لذلك نرى أن داود النبي إذ اختبر هذه الحقيقة يقول: “لكل كمال رأيت منتهى، أما وصاياك فواسعة جدًا” (مز118). أي أن كل كمال له حدود، أما وصايا الله فلا حدود لعمقها، فكما أن الله غير محدود، كذلك عمق كلماته غير محدودة، مهما تأملتها، تجد أن التأملات تفتح أمامك آفاقًا لا تحد… هي جديدة باستمرار، جديدة على ذهنك وعلى فهمك. لهذا قال النبي: “وجدت كلامك كالشهد فأكلته”.
وفي ذلك يقول داود النبي: “ناموس الرب كامل، يرد النفس. شهادات الرب صادقة، تصير الجاهل حكيمًا. وصية الرب مستقيمة، تُفرَح القلب. أمر الرب طاهر ينير العينين.. أحكام الرب حق، عادلة كلها. أشهى من الذهب والإبريز الكثير الثمن. وأحلى من العسل وقطر الشهاد” (مز19).
الكتاب المقدس هو رسالة مقدمة إليك من الله، ومن ذا الذي لا يفرح برسالة الله؟!
القديس أنطونيوس الكبير وصلته رسالة ذات يوم من الإمبراطور قسطنطين، ففرح تلاميذه جدًا، ولكن القديس ترك الرسالة جانبًا، فتعجب تلاميذه، وتحمسوا لقراءة الرسالة. فقال لهم: “لماذا تفرحون يا أولادي هكذا لرسالة وصلتنا من إنسان؟ وهوذا الله قد أرسل لنا رسائل كثيرة في الإنجيل المقدس، ونحن لا نقابلها بمثل هذا الفرح والحماس!! ثم بعد ذلك قرأ خطاب الإمبراطور وأرسل له يباركه.
وأنت: إن وصلك خطاب من إنسان عزيز عليك، ألا تفرح به، وتقرأه مرات كثيرة..ألا يليق بك أن تفعل هكذا برسالة تصل إليك من الله..
إذا أردت أن تستفيد من الكتاب المقدس، اعتبر أن الكلام الذي فيه موجه إليك أنت بالذات، وأنه رسالة خاصة بك قبل أن تكون مرسلة إلى أمم وشعوب.
اهتمام الكنيسة بالكتاب
إن الكنيسة المقدسة تهتم اهتمامًا كبيرًا بالكتاب المقدس. ففي كل قداس، نقرأ فصلاً من الإنجيل في رفع بخور عشية، وفصلًا آخر في رفع بخور باكر، وفصلًا ثالثًا هو إنجيل القداس. وإلى جوار قراءة الإنجيل مرات في كل قداس، توجد قراءات أخرى من رسائل بولس، ومن الرسائل الجامعة (الكاثوليكون)، ومن سفر أعمال الرسل(الإبركسيس)، إلى جوار مقتطفات من المزامير تسبق قراءة الأناجيل.
وفي كل صلاة من صلوات الأجبية، نصلي فصلًا من الإنجيل. وفي صلاة باكر نضيف إلى الإنجيل جزءٍ من الرسالة إلى أفسس. يضاف إلى كل هذا صلوات المزامير، وهي قطع من الكتاب المقدس.
وفي كل طقوس الكنيسة وصلواتها وجميع أسرارها توجد قراءات من الإنجيل.
في الأفراح، في الجنازات، في سر مسحة المرضى، في المعمودية، في الميرون… في باقي الأسرار نجد أن كلمة الله تصاحب كل سر من أسرار الكنيسة.
وعندما تقرأ الكنيسة الإنجيل أثناء القداس الإلهي يقف شماسان بالشموع إشارة إلى أن هذا الإنجيل هو سراج لأرجلنا ونور لسبيلنا وأن كلمة الرب مضيئة تنير العينين.
وقبل قراءة الإنجيل تصلي الكنيسة أوشيه (طلبة) تسمى أوشيه الإنجيل، يقول فيها الكاهن للرب: “فلنستحق أن نسمع ونعمل بأناجيلك المقدسة، بطلبات قديسيك”. أي أن مجرد سماعنا للإنجيل يحتاج إلى استحقاق، ويحتاج إلى صلاة، وإلى طلبات القديسين. والشعب كله يسمع وهو واقف. بينما يصرخ الشماس صائحًا: “قفوا بخوف من الله، وأنصتوا لسماع الإنجيل المقدس”…
حضرت قداسًا في روسيا، كان الشعب فيه وقوفًا خلال القداس كله. أما أثناء قراءة الإنجيل، فكان غالبية الشعب راكعين. ورؤساء الكهنة رفعوا تيجانهم من فوق رؤوسهم.
الكنيسة أيضًا تستخدم كلام الله في صلاتها، سواء في صلوات المزامير التي تستخدم فيها كلمات الوحي الإلهي، أو في صلوات القداس التي كل طلباتها مقتبسة من الكتاب المقدس. وهكذا تكون كل صلواتنا موافقة لمشيئة الله، لأننا نكلم الله بكلماته وليس بأسلوب بشري.
حفظ آيات الكتاب
آباؤنا القديسين كانوا يحفظون أجزاء كثيرة من الكتاب عن ظهر قلب. وكانوا يستخدمون بوفرة في كتاباتهم. حتى أن أحد المفكرين قال إنه لو ضاع الكتاب، لأمكن استرجاعه من اقتباسات القديسين له!!
تداريب لحفظ الكتاب
1- احفظوا بعضًا من الفصول الأساسية الهامة في الكتاب:
ومن أمثلة ذلك العظة على الجبل، دستور المسيحية (متى5-8). وفصل المحبة (1كو13)، والوصايا الجميلة في (رو12)، وصلاة المسيح الطويلة قبل ذهابه إلى جثسيماني (يو17). وبعض أحاديث المسيح مع تلاميذه (يو14- 17).
2- دربوا أنفسكم وأولادكم على حفظ آيات على الحروف الأبجدية:
آيات تبدأ بحروف أسمائكم، أو أسماء القديسين، أو الصفات الفاضلة. أو أية كلمة مناسبة مثل كنيسة، تربية كنسية، كهنوت…
3- يمكن حفظ آيات ترد فيها كلمات معينة:
كأن تقول للولد: قل آيات خاصة بالحجرة (كرسي – فراش – أرض – مصباح – باب – نور). أو آيات عن أعضاء جسمه (وجه – عين – شفتان – رجل – يد..).
4-يمكن أيضًا حفظ بعض آيات موضوعية:
آيات عن الفرح، العزاء، الوداعة… آيات لمحاربة بعض الأفكار. آيات لتشجيع يائس، أو لنصح خاطئ، أو للشكر…
5-يمكن التدرب على استخدام آيات أثناء الحديث مع الناس:
لتكن لغة الكتاب حاضرة في فمك تستخدمها في كلامك وأحاديثك وقصصك. بهذا لا تخطئ كثيرًا، كما أنك تكون قدوة. كذلك في كل موقف، في كل مشكلة، حاول أن تتذكر آية.
6- يمكن عمل نوتة للآيات المختارة: أكتب فيها الآيات التي تؤثر فيك، والتي تمثل خطة عمل. ثم احفظها.
أريد أن اعمل لكم مسابقة في الحفظ، أو أن نخرج لكم كتيبات تساعد على حفظ الآيات في شتى الموضوعات..
علاقتنا بالكتاب المقدس:
يلزمك: قراءة الكتاب، فهمه، التأمل فيه، حفظه، العمل به.
(أ) اقرأ بانتظام، من جهة الوقت، ونوع القراءة. جميلة هي القراءة في أول النهار. تعطيك ذخيرة روحية لليوم كله.
(ب) واقرأ بطريقة روحية، لا كفرض، ولكن للاستفادة العملية. وتذكر قول الرب: “الكلام الذي أقوله لكم هو روح وحياة”.
(ج) واقرأ بروح الصلاة. أطلب ليعطيك الرب فهمًا، وقدرة على التنفيذ، وليعطيك قوة الكلام وفاعليته “لأن كلمة الرب قوية وفعالة…”
(د) اقرأ بفهم. تأمل ما تقرؤه. وافهم روح الوصية قبل نصها.
(ه) حاول أن تحفظ بعض الآيات مما تقرأ.
(و) حاول أن تطبق ما تفهمه، ولكن بحكمة، وتحت مشورة. حول الكلام الذي هو روح… إلى حياة.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد الحادي عشر 14-12-1974




