الكتاب المقدس في حياتنا

الكتاب المقدس في حياتنا
الكتاب المقدس هو كتاب الكتب أو هو “الكتاب”. فعندما يقال: “الكتاب” فقط، إنما يقصد الكتاب المقدس… وهو كتاب الله، كلامه الذي يتحدث به إلينا.
ونحن نعتبره شرفًا عظيمًا أن يتحدث إلينا الله…، الذي كلم آباءنا بالأنبياء، وكلمنا أخيرًا بابنه… كلام الكتاب هذا تكلم به أناس الله القديسون، مسوقين من الروح القدس، الروح الذي يصفه قانون الإيمان بأنه: “الناطق في الأنبياء”.
هذا الكلام الذي نطق به الروح، الذي قال عنه الكلمة المتجسد:
“الكلام الذي أقوله لكم، هو روح وحياة”..
هذه الكلمة التي نطق بها الروح، وتكلم بها الأنبياء مسوقين بالروح، هي كلمة مملوءة روحًا، نفهمها بالروح، ونحياها، فإذا هي روح وحياة.
اهتمام الكنيسة بالكتاب:
إن طقوس كنيستنا تعطي الكتاب المقدس الأهمية الأولى، سواء في القداسات، أو صلوات الساعات، أو صلوات الأسرار، أو الصلوات الطقسية عمومًا… فالكنيسة ليست فقط تدعو إلى قراءة الكتاب، بل توزعه أيضًا على قراءات يومية لفائدتهم، في كتاب القطمارس، في صلوات القداسات والمناسبات. وهكذا يكون لكل يوم نصيبه من الكتاب.
وهكذا أيضًا في الأجبية، تشمل كل صلاة من صلوات الساعات فصلًا من الإنجيل، ومزامير كل ساعة هي ذاتها جزء من الكتاب، وكذلك أسرار الكنيسة كلها، يشمل كل سر منها على قراءات الكتاب. وحتى صلاة التحليل في الاعتراف تشمل آيات من الكتاب…
ونحن نوقر الإنجيل جدًا، حينما نسمعه في الكنيسة…
نسمعه ونحن وقوف، بينما يصرخ الشماس: “قفوا بخوف من الله، وأنصتوا لسماع الإنجيل المقدس”. وتسبق الإنجيل أوشيه خاصة ورفع بخور، فيصلي الكاهن: “فلنستحق أن نسمع ونعمل بأناجيلك المقدسة”، “صلوا لأجل الإنجيل المقدس”.
وعند قراءة الإنجيل، يحيطه الشماس بالشموع، إشارة إلى قول المزمور: “كلمة الرب مضيئة تنير العينين” وإلى قوله أيضًا: “سراج لرجلي كلامك، ونور لسبيلي”.
ونحن نُقبل الإنجيل، إشارة إلى محبتنا له، وفرحنا به، إذ هو البشارة المفرحة. والمرتل يقول: “فرحت بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة”، “وجدت كلامك كالشهد فأكلته”، لأنه “أحلى من العسل والشهد في فمي”…
الكاهن يدور بالإنجيل حول المذبح إشارة إلى انتشاره في العالم كله، وإلى قول الرب: “اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها”. وفي رسامة رئيس الكهنة يوضع الإنجيل على رأسه، إشارة إلى تدبيره الكنيسة حسب وصايا الكتاب: وهكذا أيضًا كان الملك في العهد القديم يتسلم نسخة من الشريعة في يوم مسحه ملكًا كيما يحكم بموجبها. نلاحظ أيضًا أن رجل الكهنوت، في صدره يحمل إنجيلًا وصليبًا. إنه يعيش بكلمات الإنجيل وينشرها، ويعيش بما في الصليب من فداء ومن احتمال…
في الكتاب أيضًا غذاؤنا اليومي، لأننا نحيا “بكل كلمة تخرج من فم الله”. إنه خبز الحياة، وغذاء الروح.
ولعله بعض ما تقصده عبارة “خبزنا الذي للغد، أعطنا اليوم”.
إن رجل الله يفرح بالكتاب، “في ناموس الرب مسرته، وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلًا. وعبارة “مسرته” تعني أن وصايا الله ليست عبئًا عليه، وليست ثقيلة، وليست فرضًا، إنما هي سبب فرحه..
وعلاقته بالكتاب دائمة ومستمرة، يلهج فيه النهار والليل..
ولا تظن أن هذه قيلت للرهبان وللعبادة فقط، بل للجميع. قالها الرب لقائد جيش مثقل بالمسئوليات، يقود مئات الآلاف من الجند والناس. قال: “لا يبرح سفر هذا الشريعة من فمك، بل تلهج فيه نهارًا وليلًا”(يش1). وقال الرب للشعب كله: “ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك، وقصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وحين تمشي في الطريق، وحين تنام وحين تقوم”(تث6).
هناك أشخاص يتحدثون، فتمتلئ أحاديثهم بكلام العالم. وهناك من يتحدث، فتظهر في كلامه لغة الكتاب. من كثرة ترداده لألفاظ الكتاب، اعتاد أسلوبه، وتأثر بلغته لذلك “لا يبرح سفر الشريعة من فمه”. وكل من يسمعه، يقول له: “لغتك تظهرك”.
فلنعود أطفالنا استخدام آيات الكتاب، بأن يقولوا آية على كل ما يرونه: كتاب، شجرة، قلم، أرض، باب، مائدة… كل ما يقع تحت بصرهم.
الطفل الذي يتعود هذا، تدخل لغة الكتاب في ألفاظه وحياته. لذلك لا يعرف لغة الخطأة، ولغة العالم، ولا يخطئ…
قال داود: “خبأت كلامك في قلبي، لكي لا أخطئ إليك”.
إن الكلام يجب أن يوضع في القلب، في مركز العاطفة والحب والمشاعر، وليس فقط في الفم، حينئذ لا نخطئ، لأن وصية الله امتزجت بعواطفنا. ما أجمل قول الإنجيل عن مريم العذراء أنها: “كانت تحفظ كل هذه الأمور متأملة بها في قلبها”.
من ضمن الأشخاص الذين أخطأوا لأنهم خبأوا كلام الله في عقولهم وليس قلوبهم، أمنا حواء: سألتها الحية عن وصية الله، فأجابت بحفظ وتدقيق شديد، وفي نفس المناسبة كسرت الوصية وأخطأت. إن آباءنا القديسين كانوا يحفظون كثيرًا من أسفار الكتاب عن ظهر قلب، وكان الكتاب يظهر في حياتهم. يا ليتنا نقيم مسابقات لحفظ آيات الكتاب. أتذكر إنني قلت مرة للناس:
“احفظوا الإنجيل، يحفظكم الإنجيل. احفظوا المزامير، تحفظكم المزامير”.
وفي حفظ الآيات يمكن أن نرددها في داخلنا، ونتأمل معانيها وأعماقها في كل مكان، في البيت، وفي العمل، وفي الطريق، ووسط الناس. وهكذا نصادق الكتاب وكلماته، وتكون لنا نعم الرفيق…
حفظ الآيات وترديدها وتأملها فضيلة، والعمل بها فضيلة أعظم… ولذلك قال السيد المسيح: “من يسمع كلامي ويعمل به يشبه إنسانًا بنى بيته على الصخر”. ويقول الكاهن في أوشيه الإنجيل: “فلنستحق أن نسمع ونعمل بأناجيلك المقدسة”…
عبارة “فلنستحق” هنا لها معنى عميق، لأنه من نحن حقًا، حتى نستحق أن نسمع كلام الله ونؤتمن على وصاياه؟!
وطبعًا قبل قراءة الكتاب والعمل به، يلزمنا اقتناء الكتاب..
لست أقصد فقط الكتاب المقدس الموجود على مكتبك في البيت، وإنما بالأكثر الموجود في جيبك باستمرار، لا يفارقك. ليتكم تحرصون على هذا… وبخاصة لأن اقتناء الكتاب أصبح سهلًا في عصر الطباعة. وكان نادرًا قبلها أيام النساخة… ولم يكن سهلًا في حمله.
أحب أن أرى أناجيلكم الخاصة وقد ظهر عليها الاستعمال. تظهر قديمة ومخططة، وواضحة قراءتكم فيها واستعمالكم لها… كلها ذكريات وتأملات، دخلت العقل والقلب وأصبحت جزءً من الحياة. اقرأوا وتأملوا. اخلطوا الكتاب بأرواحكم، وأدخلوا إلى أعماقه. لا تكتفوا بالمعنى القاموسي… وبالتأمل ستجدون الآية الواحدة، وكأنها بحر واسع لا حدود له.
كما قال داود: “لكل كمال رأيت منتهى، أما وصاياك فواسعة جدًا”.
قال هذا داود، في وقت لم تكن أمامه سوى تسعة أسفار تقريبًا، ونحن معنا الكتاب كله بما في ذلك العهد الجديد وجميع الأنبياء. وكل كلمة فيه مملوءة من العمق وكنز للتأمل. وكما قال مار إسحق: “ومن فرط حلاوة الكلمة في أفواههم، لا يشاءون أن يتركوها ليتأملوا كلمة أخرى”..
الكتاب المقدس ليس فقط مصدر تأمل، إنما أيضًا مصدر عزاء.
في كل حالة من حالات الإنسان النفسية، يجد في آيات الكتاب ما يريح قلبه ويشبعه.
في حزنه يجد كلمة عزاء، وفي فرحه يجد فيه بهجته، وفي ضيقه يجد حلًا، وفي مشاكله يجد فيه سلامًا، وفي يأسه يجد آيات من الرجاء..
الكتاب المقدس كلماته مؤثرة. قد تقرأ بعضها وتقول لله: “لا شك يا رب أنك قلت هذا الكلام من أجلي”.
لذلك خذ كلمات الله كأنها رسالة شخصية موجهة إليك.
إليك أنت بالذات، “ومن له أذنان للسمع فليسمع، ما يقوله الروح القدس للكنائس”. من أجلك أنت بالذات نطق الروح على أفواه الأنبياء…
إنها رسالة أرسلها إليك أنت، وليس إلى أهل رومية أو أهل كورنثوس. عندما أرسل الإمبراطور قسطنطين رسالة إلى القديس أنطونيوس، فرح أولاده. فقال لهم: إن الله – ملك الملوك – قد أرسل إلينا كثيرًا من الرسائل، فلماذا لم تفرحوا بها هكذا.
الكتاب المقدس ليس مجرد رسالة عزاء، إنما أيضًا سلاح:
كل خطية، يمكن أن تضع أمامها وصية، فتجد أنها قد ضعفت أمامك، وأخذت أنت من الوصية قوة… ما أقوى كلمة الرب، حتى إن لفظها طفل صغير.
“كلمة الله قوية وفعالة، وأمضى من سيف ذي حدين“.
الشيطان في التجربة على الجبل، لم يستطع أن يحتمل كلمة الله، ولم يستطع أن يرد على شيء منها..
وكلمة الرب شاهدة علينا في اليوم الأخير، إن لم ننفذها.
لو لم نعرف، لكان لنا عذر. ولكن أي عذر لنا، وهوذا كلام الله أمامنا يوضح لنا كل شيء؟! وكلام الله لم يكن مطلقًا لمجرد المعرفة، وإنما للحياة… لذلك فلنعمل به..
إن كلمة الرب ستطاردنا في كل مكان نذهب إليه، ترن في آذاننا، وتتعب ضمائرنا إن لم نعمل بها. ولن تجدينا مطلقًا تبريرات العقل الخاضع لشهوات النفس…
فلنتذكر إذن كل علاقتنا بالكتاب: نقتني الكتاب، ونقرأ ونتأمل، ونحفظ الآيات، ونرددها في داخلنا، ونتعود لغة الكتاب، ونعمل بما فيه، ونحول الكلام إلى حياة…
والروح الذي نطق بهذا الكلام المقدس، هو قادر أن يعطينا القوة على تنفيذه. لأن كلمة الله قوية، وتعطي قوة على تنفيذها.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – (العدد الواحد وخمسون) 19-12-1975م↩︎



