القديســـة الســــامرية

إنجيل السامرية يقرأ في الصوم الكبير ليعطينا رجاء في التوبة، بالنسبة إلى مدينة السامرة الخاطئة. ويعطينا فكرة عن عمل الله في القلوب، وقدرته على تحويلها. فلنتكلم اليوم عن السامرة والسامرية
القديســـة الســــامرية1
قصة السامرة ووثنيتها:
السامرة هي عاصمة مملكة اسرائيل الخاطئة، المدينة التي كثرت فيها المرتفعات لعبادة الأصنام، والتي جعلها عمري ملك اسرائيل عاصمة له (1مل16: 24).
على أن هذه المملكة الخاطئة، وعاصمتها، لها قصة…
بدأ الأمر من أيام رحبعام بن سليمان الملك بن داود النبي، الذي لما حكم، وطلب الشعب منه أن يخفف النير الذي وضعه أبوه عليهم، أجابهم بغلظة “إن خنصري أغلظ من متن أبي… أبي أدبكم بالسياط، وأنا أؤدبكم بالعقارب” (1مل12: 14). فانشق عليه عشرة أسباط بقيادة يربعام بن نباط، وأسسوا لهم مملكة خاصة هي مملكة إسرائيل.
وبقي رحبعام في مملكته التي سميت “مملكة يهوذا” وعاصمتها أورشليم. وأقام يربعام في جبل شكيم. ولما رأى أن الشعب يشتاق أن يذهب إلى أورشليم ليسجد هناك ويذبح للرب، أقام له عجلين من ذهب للعبادة، وقال له “هذه هي آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر” (1مل12: 28).
وهكذا بدأت مملكة اسرائيل حياتها بعبادة الأصنام… على أن القصة لم تقف عند هذا الحد، بل تطورت.
إن المملكة ضد سليمان، وأسرة داود، لذلك كراهية لهذه الأسرة أنكرت إسرائيل كل الأسفار التي كتبها سليمان وداود: مزامير داود، وأمثال سليمان، والنشيد، والجامعة، والحكمة، وسفر راعوث جدة داود، وأسفار صموئيل والملوك والأخبار التي تحدثت عن اختيار الرب لداود، وعن أخباره، وأخبار أولاده… وبعد ذلك كل أسفار التاريخ والنبوءة الخاصة بملوك وأنبياء يهوذا.
واقتصر الأمر على إيمانهم بأسفار موسى الخمسة فقط، مع ابتعادهم عن هيكل سليمان وذبائح الكهنوت اللاوي وخدمته. وصارت السامرة مركزًا لكل هذا من عهد عمري أحد خلفاء يربعام، الذي نشر عبادة الأصنام إلى أبعد حد…
من أجل كل هذا، كان اليهود لا يعاملون السامريين، بل كانوا يحتقرونهم وينفرون منهم. ولهذا كانت الخدمة في السامرة صعبة وشاقة. ولهذا كانت الخدمة في السامرة صعبة وشاقة. ولهذا أيضًا عندما أرسل المسيح تلاميذه في أول خدمة تدريبية، قال لهم “في طريق أمم لا تمضوا، ومدينة للسامريين لا تدخلوا” (مت10: 5).
وأصبح عدم التعامل مع السامريين، تقليدًا تتوراثه الأجيال… وقد رسخ في قلوب الناس وفي عقائدهم إلى أن جاء المسيح!
أكثر من في السامرة خطأ:
مدينة السامرة الوثنية الخاطئة التي لا تعترف بالهيكل ولا بالأسفار المقدسة ولا بالأنبياء، توجه نحوها المسيح، ووجد فيها شيئًا طيبًا…أي شيء طيب تجده يا رب في السامرة؟! إنه هذه المرأة الخاطئة!!
المرأة التي هي بؤرة الفساد في هذه المدينة الخاطئة، هي التي اتجه الرب اليها، ووجد أنها الباب الذي يدخل منه إلى المدينة، والبشر الذي يحمل رسالته إليها!
هذه المرأة التي عاشت في النجاسة مع خمسة رجال، والذي معها الآن ليس لها، هذه الزانية الفاسدة، وجد الرب فيها شيئًا طيبًا وسعى إليها ماشيًا على قدميه أميالًا… اختارها من بين جميع سكان المدينة، لتكون رسوله المبشر إليهم جميعًا…
رأى الرب في ظلامها الدامس نقطًا مضيئة، تعهدها برعايته وحنانه. وعلى الرغم من خطيئتها، وجد فيها قلبًا مستعدًا.
رأى الرب أنها لا تخلو من نقط حسنة: إنها تعرف شيئًا عن الكتاب. تعرف بئر أبينا يعقوب التي استقى منها هو وأولاده ومواشيه. وهي أيضًا لديها فكرة عن أماكن السجود، هذا الجبل أم أورشليم، وتعرف تقاليد آبائها، وتتمسك بها. وهي امرأة تجادل في الدين. وأزيد من هذا كله، فهي تنتظر المسيا، وتقول إنه “متى جاء يخبرنا بكل شيء” (يو4: 25).
أنها حقًا خاطئة، ولكن لعلها خاطئة عن ضعف، وعن ضغط من الخارج، مع وجود الاستعداد الطيب في القلب، وسرعة الاستجابة لعمل الله …
بطرس الرسول أنكر المسيح، وجدف ولعن وقال لا أعرف الرجل، ومع ذلك كان يحب المسيح من أعماقه. وبطرس أيضًا سقط في الماء، بينما كان المسيح معه! ضعف، ضعف في الإيمان. هناك أشخاص، الحب موجود في قلوبهم، ولكن الضعف في إرادتهم. يريدون ولا يستطيعون، لأن إرادتهم ضعيفة…
إلى مثل هؤلاء الضعفاء جاء المسيح، يقوي الحب الذي في القلب، ويعالج الضعف الذي في الإرادة…
الخمسة، والسادس، والسابع:
جاء السيد المسيح إلى هذه المرأة، وكأنه يقول لها: اسمعى يا ابنتي، لقد عشت مع خمسة رجال، والسادس الذي معك ليس هو لك.لم تستريحي مع كل هؤلاء الستة الذين يمثلون الحياة الأرضية، ويشغلونك بالجسد والجنس…
وإزاء تعبك مع هؤلاء الستة، بقي أن تستريحي في السابع.
الأرض أيضًا إن تعبت ستة أعوام في الزراعة والفلاحة، تستريح في العام السابع. والعبد الذي يخضع للعبودية ستة أعوام، يطلق حرًا في العام السابع. والعبد الذي يخضع للعبودية ستة أعوام، يطلق حرًا في العام السابع. وهكذا أنت ستأخذين حريتك وراحتك في هذا السابع الذي يكلمك، الذي يختلف عن باقي الرجال جميعًا، الذي يحدثك عن شيء جديد لم تسمعيه من الكل، يحدثك عن الروح والماء الحي، والحياة الأبدية…
إن الرقم 5 كثيرًا ما يرمز إلى الحياة الجسدية، إلى الحواس الخمس إلى حياة الجسد على الأرض.
هكذا كانت الخمس العذارى الجاهلات، والخمس الحكيمات، يعشن على الأرض، في دنيا الحواس، في مجال الجسد… وقد جربت أنت هذه الحياة ولم تستريحي… جربت الخمسة فلم يشبعوك؟ لأن كل من يشرب من هذا الماء يعطش…
وجربت هذا السادس، الذي قد تمثله الحاسة السادسة، الوعي النفساني، الذي “ليس هو لك” ومع ذلك لم تستريحي، لأنه لا الجسد ولا النفس يشبعانك، بل الروح… السابع الذي يكلمك.
الحاسة السادسة، الباطنية، لم تنفعك أيضًا، لأنها كانت ضدك والرقم 6 يرمز إلى كمال العمل على الأرض. إلى هنا يكفي عملك الأرضي، وليتدخل العمل السمائي.
لقد تعبت يا ابنتي في أيامك الستة الماضية التي ترمز إلى العالم والمادة والانشغالات. ولن تستريحي إلا في السابع، لأن الرب قدس السابع منذ البدء، وفيه الراحة.
وهنا بدأ المسيح ينقل المرأة إلى الروحيات، فحدثها عن الماء الحي، وشرح لها أن كل من يشرب من ماء العالم يعطش، فيشرب، فيزداد عطشًا… لا يرتوي.
الخطية تولد لذة، واللذة تدعو إلى الممارسة، والممارسة تولد لذة، فممارسة.. ولا تنتهي. عطش دائم، بلا ري. الرجل الأول قادها إلى الثاني فالثالث.. فالسادس، بلا ري. الري لا يوجد إلا في الماء الحي. هكذا طبيعة الخطية. كلما أحبها الإنسان يشتاق إليها. وإن أخذ منها تولد فيه عطشًا إليها، لن ينطفئ. لا يطفئه إلا الماء الذي يعطيه المسيح، الذي كل من يشرب منه لا يعود إلى الخطية، ولا يشرب مرة أخرى من بئر يعقوب، الذي كانت له أيضًا أربع زوجات في نزاع دائم عليه وقد لخص حياته على الأرض في عبارة مؤلمة قال فيها إن أيام غربته على الأرض “قليلة وردية” (تك47: 9).
عجيب هو الرب، يحدث هذه الخاطئة عن الماء الحي والسجود بالروح! إنها قصة تدل على أن الله لا ييأس من أحد…
إنه لم ييأس من هذه الخاطئة التي مارست الخطية مع خمسة رجال، والسادس الذي معها، ليس لها. إن الله لا ييأس من خلاص أي خاطئ، مهما كان ماضيه عميقًا أو طويلًا في الخطية، ومهما كانت خبراته سيئة ومهما كان الجسد مسيطرًا عليه ومهما كان تعطشه إلى ماء العالم…
لذلك بدأ الحديث مع السامرية، وقال لها “اعطيني لأشرب”.
ولم يكن يقصد طبعًا أن يشرب من هذا الماء، فعنده الماء الحي، إنما كان يقصد أن يشربها هي، يرتوي بها!
لقد قال لتلاميذه ” لي طعام لستم تعرفونه” (يو4: 32) كان الرب يريد أن يرتوي بهذه النفس التي خلقت على شبه الله على صورة الله ومثاله…
حقًا، هذه الصورة الإلهية وقعت عليها أتربة العالم وأقذاره فأخفتها، ولكن الرب قادر أن ينقيها، ويرجعها إلى رتبتها الأولى، فتبدو صورة لله كما كانت…
يذكرني قول الرب “اعطيني لأشرب” بقوله أيضًا “الحق أقول لكم إني لا أشرب من نتاج الكرمة هذا، إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبي” (مت26: 29). وطبيعي أنه سوف لا يشرب في الملكوت من رحيق العنب، وإنما للأمر معنى روحي رمزي… لقد سبق فقال “أنا الكرمة، وأنتم الأغصان” (يو15: 5) وما هو ثمر الكرمة إذن؟
ثمر الكرمة، هو عناقيد من العنب، تمثل المؤمنين. هذه ستجتاز المعصرة وحدها: تعصرها الضيقات والتجارب، وتنعصر تحت ضغط الصليب. وعصيرها نتاج الكرمة، سيرتوي به الرب يشربه جديدًا في ملكوت أبيه…
هذا هو شراب المسيح الذي يرتوي به. وبقي على هذا العنقود السامري الجديد أن يجتاز المعصرة. بقي أن تضغط على نفسها ورغباتها، وتتخلى عن علاقاتها الخاطئة، وتنعصر بهذا الترك، فيشربها المسيح… “اعطيني إذن لأشرب”، اعطيني قلبك، لأشرب المحبة التي فيه.
أما المرأة السامرية، فقدمت للرب مشكلة في الطريق: “كيف تطلب مني لتشرب، وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية، لأن اليهود لا يعاملون السامريين؟!” (يو4: 9).
طبيعة الخطاة أن يقدموا مشاكل في طريق الخلاص. أما أسلوب المسيح، فهو أن يقدم الخلاص، متجاهلًا هذه المشاكل. إنه يهتم بالعمل الإيجابي، ولا يسمح للسلبيات أن تشغله أو تعطله…
أما الرب فلم يرد على سؤالها هذا.. المهم يا ابنتي هو خلاص نفسك. لماذا تشغلين نفسك باليهود والسامريين، وهذا الجبل وجبل أورشليم، والعداوات القائمة؟! اتركي هذا الجدل واهتمي بخلاصك… لماذا تعيشين خارج نفسك، وتضيعين الوقت في المناقشات؟ ادخلي إلى العمق، عمقك وليس إلى البئر العميقة. وخذي من الماء الحي.
عجيب أن هذه السامرية، وهي في عمق الخطية، تناقش في اللاهوتيات! تدخل في مناقشات عقائدية لا علاقة لها بخلاص نفسها.. إنه نشاط عقلي وفكري، يقع فيه كثير من أهل الجدل، ويضيعون حياتهم في النقاش، غير مهتمين بروحياتهم، ولا بالماء الحي الذي ينبع إلى حياة أبدية.
هذا الماء الحي، يقصد به الرب عمل الروح القدس فينا، إذ يقول “من آمن بي… تجري من بطنه أنهار ماء حي” قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه” (يو7: 38و 39).
ولكن المرأة السامرية مشغولة كثيرًا عن هذا الماء الحي.
إنها مشغولة عن خلاصها بأمرين: بشهوات الجسد، وبالمناقشات العقائدية. مشغولة بهذا البئر وتاريخه، وبهذا الجبل وأورشليم، وباليهود والسامريين، وبما ورثته عن آبائها من معلومات. وهي بالإضافة إلى هذا تقدم مشاكل وعوائق في الطريق، لعل أبسطها أن البئر عميق ولا دلو لك، كأنها تشك في قدرة الرب على إنقاذها مما هي فيه… أما مشغوليتها ومشكلتها الكبرى، حياتها الخاطئة، فقد أخفتها ولم تذكر عنها شيئًا…
لذلك أراد الرب أن يكلمها بصراحة. يبعدها عن حديث الجدل والمشاكل، ويدخلها إلى نفسها، إلى حياتها الخاصة، حتى يكلمها مباشرة عن خلاص نفسها، الأمر الذي أخفته، والذي جاء الرب لأجله…
حينئذ سحبها إلى الاعتراف، وقال “اذهبي، وادعي زوجك وتعالي”… فأجابت “ليس لي زوج” هذا اعتراف ضمني، على قدر طاقتها، صرحت فيه أن الرجل الذي معها في البيت، ليس زوجها، ليس هو لها، لأنه ليس لها زوج.
وهنا يشجعها الأب الحنون، على الاعتراف وكشف النفس..
“حسنًا قلت ليس لي زوج. لأنه كان لك خمسة أزواج. والذي معك الآن، ليس هو زوجك. هذا قلت بالصدق”
“حسنًا قلت… هذا قلت بالصدق” أسلوب تشجيع خال من التوبيخ والزجر، طمأن المرأة وأراحها. فقالت: يا سيد أرى أنك نبي. هنا كان الإيمان قد دخل إلى قلبها. ولكن بقيت أمامها مشكلة لابد من حلها لإراحة ضميرها: هل السجود هنا أم في أورشليم. واستطاع الرب أن يحل لها المشكلة، بأن المهم في السجود هو أن يكون بالروح والحق، ولا يهم أن يكون…
فانطلقت روح المرأة من إرادتها، وكشف لها الرب ذاته، وعرفت أنه المسيا. فتركت جرتها وتركت البئر، وتركت المناقشات، ومضت لتبشر به للناس” هلموا وانظروا. العل هذا هو المسيح”…
تركت المرأة جرتها، لأنها لم تعد محتاجة إلى هذا الماء. إذ قد وجدت أخيرًا ينبوع الماء الحي. ودخلت في حياة جديدة، وصار لها المسيح الكل في الكل. لم تجرح كبرياؤها عندما كشف لها الرب أخطاءها، بل فرحت، وصاحت في اتضاع أمام جميع الناس “قال لي ما فعلت”. وباعترافها تخلصت من كل ما فعلت.
عجيب هو الرب الذي نقل هذه المرأة من الخطية إلى التبشير!
طافت تبشر باسم المسيح، وتدعو الناس إليه، وهنا يبدو الفرق بين الحب الجسداني وحب الله. الحب الجسداني، هو حب أناني، غايته الامتلاك، لا يريد أن يشترك معه أحد آخر في من يحب. أما الذي يحب الله، فإنه يدعو جميع الناس أن يحبوه معه، وفي هذا يكون سعيدًا.
مبارك هو الرب الذي أحب السامرية، وجذبها إلى محبته، فزهدت كل محبة العالم، وطافت تبشر به وبمحبته…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد السادس عشر) 18-4-1975م



