أعظم من ولدت النساء

أود أن أحدثكم اليوم عن رجل شهد له الرب قائلًا: “ماذا خرجتم لتنظروا؟ أنبيًا؟ نعم أقول لكم وأفضل من نبي. فإن هذا هو الذي قيل عنه ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. الحق أقول لكم: “لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان”
أعظم من ولدت النساء..1
فما هي عناصر العظمة في هذا الإنسان؟
أول سبب لعظمة يوحنا المعمدان، أنه كان من بطن أمه ممتلئًا من الروح القدس. كان مفرزًا للرب قبل أن يولد.
دعاه الله وهو في أحشاء أمه. الله العارف بالمستقبل، والفاحص القلوب، المدرك الخفيات، كان يعرف من سيكون يوحنا هذا.. لذلك اختاره الرب لنفسه. وكما يقول الكتاب:
“الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ” (رو8: 29).
كما قال الله لإرميا النبي “قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ.” (أر1: 5).
وفى قصة يعقوب وعيسو، قيل لأمهما قبل أن يولدا: “فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ” (تك25: 23).
هناك أشخاص اختارهم الرب قبل أن يولدوا، ليؤدوا رسالة معينة. تنتظر السماء ولادتهم باشتياق …
بولادة الواحد من هؤلاء، يبدأ عهد جديد، تبدأ صفحة مشرقة من تاريخ البشرية. أمه قبل أن تلده تحوطها الملائكة، وتباركها السماء ويعمل الروح القدس في هذا الإنسان وهو جنين.
هناك أشخاص ينذرون أنفسهم للرب. وأناس ينذرهم آباؤهم وأمهاتهم. ونوع ثالث ينذره الرب لنفسه. يقول عنه قبل أن يولد: هذا سيكون من خاصتي، سيخدمني، سينشر ملكوتي على الأرض. وقد كان يوحنا من هذا النوع الأخير…
كان يوحنا عظيما، على الرغم من ولادته في عصر مظلم…
عصر لم يكن فيه أنبياء، ولا رؤى. وانتشر فيه بعض المبتدعين، مثل ثيؤداس، ومثل يهوذا الجليلي الذي” أَزَاغَ وَرَاءَهُ شَعْبًا غَفِيرًا.” (أع5: 37)، ومثل الكتبة والفريسيين الذين أبطلوا وصية الله بسبب تقاليدهم ” فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ!” (مت15: 6)..
كان الظلام يعم الأرض… وكان الله يعزي الناس بأن النور آت إلى العالم… ثم ولد يوحنا، لم يكن هو النور، بل هو الذي يعد الطريق للنور..
امتلأ يوحنا من الروح القدس، وهو في بطن أمه، وارتكض بابتهاج يحيي الرب وهو جنين. آمن به وهو جنين.
لو أن واحدًا منكم كتب تاريخ علاقته بالرب، ومتى بدأ يعرفه، العله يقول منذ صباي أو طفولتي… ولكن يوحنا عرف الرب وهو جنين… علاقة عجيبة مبكرة…
من عظمة يوحنا المعمدان، دعاه الرب ملاكًا…
فقال “هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي، الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ” (مر1: 2) … من أجل هذا نرى أن بعض الصور في الفن البيزنطي تصور يوحنا بجناحين كالملائكة…
رعاة الكنائس السبع في آسيا دعوا ملائكة (رؤ 2). وقد قيل عن الرهبان إنهم ملائكة أرضيون أو بشر سمائيون، وقال الرب عن القديسين بعد انتقالهم إنهم يكونون: “كملائكة الله في السماء”.
لقد عاش يوحنا المعمدان حياته على الأرض، كملاك. عاش حياة الصلاة والعبادة والتأمل عشرات السنوات منفردًا في البرية كالسواح القديسين، في صلة عميقة بالرب.
وعندما خرج من البرية بنسكها وزهدها وتجردها، خرج مملوءًا من الشجاعة والقوة، لا يهاب إنسانًا… خرج إنسانًا طاهرًا يدعو الناس إلى الطهارة والنقاوة.
يوحنا المعمدان ابن البرية، البعيد عن اللهو والعبث، الذي يتصف بحزم البرية وقوتها وخشونتها، وجدية الحياة مع الله…
خرج إلى العالم كأنه لهيب نار، وعندما سألوه من أنت، قال لهم:” أنا صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب. اصنعوا سبله مستقيمة.. توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات… الآن قد وضعت الفأس على أصل الشجرة. كل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا، تقطع وتلقى في النار”…
هذا الصوت الصارخ، ظل صارخًا حتى بعد موته… لم يصمت.
وظل على مر العصور يصرخ في قلب كل إنسان ” أعدوا طريق الرب. توبوا فقد اقترب ملكوت السموات”…
هذا هو رجل الجيل الذي يتميز بالحزم والصمود والقوة. كصخرة تصدمها الأعاصير، فتصمد راسخة، لا تهتز.
كيف عاش يوحنا في البرية، منذ طفولته، بلا أنيس ولا جليس، ولا معزي، ولا حبيب. بلا كلام مع أحد، بلا معين …؟
كيف عاش هكذا؟ لست أدرى. كل ما أدريه أنه عاش هكذا.. قصته يرويها لنا التقليد. لكنه لا يروي تفاصيل الثلاثين سنة التي عاشها قبل أن يبدأ رسالته في قيادة جيله إلى التوبة… ما أكثر الأسرار الذي يختم عليها الروح في حياة القديسين.
لقد عاش في رعاية الله وفي عنايته. رباه الله في الجبل…
عاش ناسكًا يلبس وبر الإبل، ويأكل عسل النحل… وظل الله يزرع في قلبه كلمة الحياة إلى أن أتى وقت الحصاد، الذي فيه يجمع الله الحصاد الوفير الذي تعب في زرعه ثلاثين عامًا… حينئذ أرسله الرب للخدمة…
من عظمة يوحنا المعمدان أنه جرب الحياتين معا: حياة الوحدة والصمت والتأمل، وحياة الخدمة والوعظ والتعليم..
جرب حياة الخلوة والاختفاء عن كل أحد. وجرب حياة الخدمة والتعامل مع كل أحد. عاش الحياتين، وبنجاح كامل في كل منهما.
حياته أعطتنا مثالًا لأولئك المتوحدين، الذين توحدوا، ليس عجزًا عن الاندماج في المجتمع، ولكن حبًا لله ولما حان الوقت لاندماجهم في المجتمع، اندمجوا في قوة، وظهرت كل طاقتهم العجيبة الكامنة…
خرج هذا الملاك الأرضي، ليسعي وسط مشاكل الناس. وكان يعرف طريقه جيدا، ولم يكن له سوى هدف واحد، أن يهيئ الطريق أمام المسيح.
كان نبيًا للرب. قال عنه أبوه زكريا: “وأنت أيها الصبي، نبي العلي تدعى”. وقال عنه المسيح: إنه” أفضل من نبي “. وهو نفسه تنبأ عن مجيء المسيح ” يأتي بعدي من كان قبلي…”
أجمل ما في عظمة يوحنا، أنه قد شهد لها الرب نفسه.
قد يوجد شخص عظيم في عيني نفسه، شاعر بشخصيته. ويوجد من هو عظيم في نظر الناس وفي مقاييسهم. أما يوحنا فكان “عظيمًا امام الرب” “لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ” (لو1: 15) … صدقوني إنني عندما قرأت لأول مرة عبارة “عظيمًا أمام الرب” ارتبكت جدا… من الذي يكون عظيمًا أمام الرب… ونحن أمام الرب ــــ مهما عظمنا ــــ مجرد تراب ورماد…!
من نحن المزدرى وغير الموجود، حتى يدعى أحدنا عظيمًا أمام الرب؟!
أمام الرب الذي ليست السموات طاهرة قدامه، وإلى ملائكته ينسب حماقة، الله الكامل غير المحدود، الذي أعظم العظماء أمامه مجرد دودة حقيرة، الذي قال ” الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (مز14: 3).
ماذا أقول؟ لعل الله من فرط تواضعه، أسبغ العظمة على عبيده! أو لأن يوحنا تواضع أمام الرب، لذلك عظمه الرب أمامه!
يوحنا اختفى لكي يظهر المسيح، لذلك أظهره المسيح للكل. كان يوحنا صوت الله الصارخ في آذان الناس.
كان يشهد لوصايا الله، وليكن بعد ذلك ما يكون…
كان سيفًا من نار، وفأسًا حامية وقعت على جذور كثير من الأشجار. لم يكن يعرف التملق ولا الرياء. كان يقول كلمة الحق للكل. قالها لهيرودس الملك، ولم يهمه ماذا تكون النتائج. لم يهمه أن يسجن أو يقتل.
يوحنا رجل آمن بالحق في أعماقه، وأظهره للناس، ولم يخف من الشهادة للحق في وقت خاف فيه كثيرون…
إنه لم يخف من هيرودس الملك، بل على العكس كان هيرودس يخافه. إن شجاعة يوحنا جعلته يأخذ حق الله من الكل. وفعل ذلك لأنه لم يكن يخشى الموت، بل لا يخشى شيئا. قال للملك: “لا يحل لك” فقتله. ولكن كلمة “لا يحل لك” ظلت ترن في أذنيه، لأن كلمة يوحنا لم تمت ولن تموت، فهي كلمة الله على فمه، قوية وفعالة
على الرغم من شدة يوحنا في الشهادة للحق، إلا أنه من ناحية أخرى كان وديعًا جدًا ما أجمل قوله عن السيد المسيح:
” ينبغي أن ذاك يزيد، وإني أنا أنقص”
يوحنا لم يطلب مجدًا لنفسه، بل كان هدفه مجد الرب. لم يأت ليدعو لذاته، بل ليدعو لمن يأتي بعده فقال للناس: “أنا أعمدكم بماء للتوبة. ولكن الذي يأتي بعدي، الذي هو أقوى مني، الذي لست مستحقًا أن أنحني وأحل سيور حذائه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” إن معموديتي ليست شيئًا إلى جوار معموديته.
ولما بدأ المسيح رسالته، وتجمع الناس حوله، سألوا يوحنا فقال “من له العروس فهو العريس. أما صديق العريس الذي يقف ويسمعه فيفرح فرحًا… إذن فرحي هذا قد كمل” “الذي يأتي من فوق، هو فوق الجميع”. أما أنا فإنسان أرضي جئت من تراب الأرض…
لقد جاهد يوحنا حتى أعد العروس، ثم سلمها للعريس. وبهذا فرحه قد كمل. ولسان حاله يقول: “الآن يا رب أطلق عبدك بسلام، لأن عيني قد أبصرتا خلاصك”
كانت رسالته قد انتهت. واستعد بعد ذلك للرحيل، بعد أن أكمل السعي. وفعلًا حدث بعد ذلك بقليل أنه استشهد على يد هيرودس. ولم يمنع الرب السيف عن حبيبه وملاكه… بل أعطاه إكليل الشهادة، كما أعطاه إكليل البتولية من قبل.
العجيب في حياة يوحنا المعمدان أنه أكمل رسالته العميقة هذه كلها في ستة شهور فقط…!
ستة شهور فقط، أعد فيها الطريق مستقيمة للرب… كثيرون خدموا سنوات عديدة طويلة، ولكنها لم تكن في قوة هذه الشهور الستة التي خدمها المعمدان… فمن منا كالمعمدان؟!
لعل البعض يريد أن يتشبه بالمعمدان في أن يشهد للحق. حسن أيها المبارك أن تشهد للحق. ولكن نصيحتي لك هي هذه:
خذ حق الله من نفسك، قبل أن تأخذه من الناس…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الخامس والعشرون) 20-6-1975م




