أسبوع الآلام

أسبوع الآلام1
أهمية هذا الأسبوع:
أسبوع الآلام، أو أسبوع البصخة المقدسة، هو أهم أيام السنة وأكثرها روحانية. هو أسبوع مملوء بالذكريات المقدسة في أخطر مرحلة من مراحل الخلاص، وأهم فصل في قصة الفداء. وقد اختارت الكنيسة لهذا الأسبوع قراءات معينة من العهدين القديم والحديث، كلها مشاعر وأحاسيس مؤثرة للغاية توضح علاقة الله بالبشر. كما اختارت له مجموعة من الألحان العميقة، ومن التأملات والتفاسير الروحية..
وقد كان آباؤنا القديسون في عصور الكنيسة الأولى يلاقون هذا الأسبوع بكل هيبة وتوقير، ويسلكون فيه بنسك شديد للغاية:
كانوا يمتنعون فيه عن أي طعام حلو المذاق (من الأطعمة الصيامية) كالحلوى والعسل والمربى مثلًا، لأنه لا يليق بهم أن يأكلوا شيئًا حلوًا وهم يتذكرون آلام الرب من أجلهم. والبعض ما كانوا يطبخون في هذا الأسبوع شيئًا على الإطلاق، بسبب النسك من جهة، ولكيلا يشغلهم إعداد الطعام عن العبادة من جهة أخرى. وغالبية الناس ما كانوا يأكلون فيه سوى الخبز والملح. والقادرون منهم كانوا يطوون الأيام صومًا، وكانوا يمتنعون عن الطعام من عشية الجمعة إلى ساعة الإفطار في العيد.
والنسك في هذا الأسبوع يشمل الزينة أيضًا. ولذلك كانت النساء فيه يمتنعن عن التزين، بل يمتنعن أيضًا عن لبس الحلي…
كان هذا الأسبوع مكرسًا كله للعبادة، يتفرغ فيه الناس من جميع أعمالهم، ويجتمعون في الكنائس طوال الوقت للصلاة والتأمل…
كان الملوك والأباطرة المسيحيون يأمرون أن تتعطل دواوين الحكومة ومصالحها خلال هذا الأسبوع ليتفرغ الناس للعبادة. بل كانوا يسمحون بخروج المحبوسين من السجون لكي يذهبوا هم أيضًا إلى الكنيسة ويشتركوا في صلوات هذا الأسبوع العظيم لعل ذلك يكون تهذيبًا لهم وإصلاحًا. وممن فعلوا ذلك الإمبراطور ثيئودوسيوس الكبير.
وكان السادة يمنحون عبيدهم عطلة طول أسبوع البصخة، فلا يشتغلون، بل يعبدون الرب وهكذا لا تكون روحيات السادة مبنية على حرمان العبيد، بل الكل للرب، يعبدونه معًا ويتمتعون معًا بعمق هذا الأسبوع وتأثيره…
طقس هذا الأسبوع:
والكنيسة المقدسة تركز كل مشاعرها خلال أسبوع الآلام، حول آلام المسيح فقط، وليس أي موضوع آخر. حتى أنها تلغي الصلاة بالمزامير خلال أيام البصخة هذه. لأن المزامير تحوي مواضيع كثيرة، وإشارتها إلى السيد المسيح، تشمل ميلاده وخدمته وقيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الآب ومجيئه الثاني في المجد، بينما نحن نريد أن نركز كل صلواتنا وتأملاتنا حول موضوع واحد هو آلام المسيح.
ترتيب حوادث أسبوع الآلام:
نركز كل صلواتنا في آلام المسيح، ونتتبع تحركاته في هذا الأسبوع خطوة خطوة…
حتى في صلواتنا، بدلًا من صلوات الأجبية تصلي الكنيسة صلاة خاصة تسمى صلاة تسبحة البصخة.
بهذه التسبحة نتابع السيد المسيح خلال آلامه، قائلين له:
“لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين يا عمانوئيل إلهنا وملكنا” “لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين”. ثم تضيف عبارة “مخلصي الصالح” إلى الفقرة الثانية وذلك من ليلة الأربعاء لأن التشاور على تسليم المسيح له المجد كان الخطوة العملية التي قادت إلى تنفيذ عمل الخلاص…
هذه التسبحة نصليها في كل ساعات النهار والليل وهي عشر صلوات، خمس بالنهار، وخمس بالليل. ونعني بها صلوات الساعة الأولى، والساعة الثالثة، والساعة السادسة، والساعة التاسعة، والساعة الحادية عشرة. في كل صلاة منها ننظر إلى مخلصنا الصالح في آلامه، ونقول له: نحن نعلم من أنت. أنت “لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين”…
وبهذه التسبحة نتتبع السيد المسيح في كل أحداث هذا الأسبوع السابق للصلب. فما هي أحداث هذا الأسبوع، وما هو موقف الكنيسة منها؟
كيف بدأت هذه الآلام:
في يوم الأحد، أحد السعف، أو أحد الشعانين، ذهب السيد المسيح إلى أورشليم حيث استقبله الشعب استقبالًا رائعًا كملك، بالهتاف وبسعف النخل وبالتسابيح فارشين أرديتهم تحت قدميه. وارتجت المدينة كلها لمقدمه (مت21: 10). فكانت النتيجة أن تضايق من ذلك جدًا رؤساء الكهنة وقادة الشعب من الكتبة والفريسيين والصدوقيين. وحسدوه على هذه المحبة العظيمة التي له في قلوب الناس. وفكروا في أن يتخلصوا منه. وزادهم ضيقًا أنه دخل بسلطان إلى الهيكل وطهره مما فيه من بيع وشراء، حتى… قالوا له “بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟” (مت21: 23). ومن ذلك الحين فكروا عمليًا في قتله، قائلين بعضهم لبعض “هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ” (يو12: 19).
هؤلاء الرؤساء أرادوا قتله حسدًا. ولكن ما هو سر تحول الشعب من هذا الاحتفال الكبير به كملك إلى قولهم فيما بعد “اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!” (لو23: 21)؟!
لعل السر في هذا، هو أن السيد المسيح رفض الملك العالمي الذي عرضوه عليه، لأن مملكته روحية ليست من هذا العالم. وبهذا خيب آمالهم العالمية التي ظهرت في هتافهم عندما استقبلوه قائلين “مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ!” (مر11: 9، 10). وهكذا استطاع أن يقنعهم الرؤساء بأن آمالهم قد خابت في المملكة المنتظرة. وكرد فعل ينبغي التخلص من هذا الناصري!؟
ومن هنا بدأت فكرة قتله تتحين فرصة للتنفيذ. ولذلك تحتفل الكنيسة ببدء أسبوع الآلآم بعد قداس أحد الشعانين…
الكنيسة كلها تجلل بالسواد. القماش الأسود، يحيط بالأيقونات، وبالمانجلية، وبأعمدة الكنيسة يشعر أنها في حالة حزن وألم، مشاركةً للمسيح إلهنا في ألمه. كما قال القديس بولس الرسول “لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ”… (في2: 10).
الجناز العام:
الكنيسة طول أسبوع الآلام منشغلة بآلام المسيح وحده، لا تفكر في شيء آخر غيره ولا ترفع بخورًا. لذلك إن توفي أحد في هذا الأسبوع لا يُرفع عنه بخور كسائر الجنازات، بل يدخل إلى الكنيسة ويحضر صلوات البصخة وتتلى عليه القراءات…
لهذا يُقام جناز عام بعد قداس أحد الشعانين من أجل أنفس الذين ينتقلون في البصخة المقدسة. ويصلى على ماء لهذه المناسبة. هذا الماء يظنه بعض العوام وغير العارفين أنه من أجل تكريس السعف. وهو من أجل الجناز العام…
علينا خلال صلوات هذا الجناز أن نقف معترفين لله بخطايانا، مقدمين توبة صادقة. نحن لا نضمن حياتنا… ربما تكون هذا الصلوات من أجلنا، أطال الله أعماركم…
بعد هذا الجناز وصرف الشعب، يبدأ الانتقال إلى خارج المحلة…
خارج المحلة:
كانت شريعة العهد القديم تقتضي بأن ذبيحة الخطية تُحرق خارج المحلة (لا4: 12، 31). إنها تحمل الخطايا، فلا يصح أن تُنجس المحلة، بل تُحرق خارجًا…
وهكذا المسيح أيضًا الذي حمل خطايا العالم كله، تألم خارج الباب، خارج المدينة المقدسة. حسبوه خاطئًا، فأخرجوه خارج المحلة وصلبوه وقد شرح القديس بولس الرسول هذا الأمر، وأتبعه بقوله:
“فَلْنَخْرُجْ إِذًا إِلَيْهِ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ حَامِلِينَ عَارَهُ”. (عب13: 12).
والكنيسة المقدسة، التي هي في أسبوع البصخة تتبع الرب في كل خطواته، هي أيضًا تخرج معه خارج المحلة لذلك يُغلق الهيكل ويُسدل الحجاب، وتترك الكنيسة الخورس الأول خورس القديسين، وتُنقل المانجلية إلى الخورس الثاني ونصلي بعيدًا عن المذبح، بعيدًا عن الهيكل، خارج المحلة… معه حاملين عاره. فنقول له وهو خارج المحلة “لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين…”.
________________________________________
1. مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة – العدد السابع عشر 25- 4 – 1975م



