التجارب والضيقات حدودها وفوائدها

التجارب والضيقات[1]
حدودها وفوائدها
لا تخلو حياة الإنسان-أيًا كان- من التجارب والضيقات. فهي للكل، حق للأنبياء والقديسين، والأمثلة عديدة، نذكر منها ما تعرض له أيوب النبي ويوسف الصديق.
فلا يظن أحدًا أن التجارب والضيقات هي للخطاة فقط بسبب خطاياهم، وإنما هي لجميع الناس. وهناك فرق بين خاطئ يتعرض لضيقة بسبب أخطائه، وبين بار تصيبه ضيقة بسبب شر الآخرين أو حسدهم، أو لأي سبب خارج عن إرادته.
وجميع الأبرار اجتازوا في بوتقة الألم، واختبروا الضيقة والتجربة، ولم يستثنهم الله من ذلك.
فكثيرة هي أحزان الصديقين، ومن جميعها ينجيهم الرب.
وحدوث تلك التجارب، لا يعنى مطلقا تخلي الله عمن أصابتهم تلك المتاعب والضيقات. كما لا تعني غضبه عليهم أو عدم رضاه…!
بل أنه-تبارك اسمه- قد يسمح بالتجربة لمنفعتهم. ويكون معهم في التجربة، يعينهم ويقويهم ويحافظ عليهم، ويسندهم أيضًا.
إنه يسمح بالضيقة، ولكنه يقف معنا فيها..
وهكذا يغني المرتل في المزمور ويقول “لولا أن الرب كان معنا، حين قام الناس علينا، لابتلعونا ونحن أحياء، عند سخط غضبهم علينا.. نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ انكسر ونحن نجونا، عوزنا من عند الرب الذي صنع السماء والأرض” (مز 124)
إنه اختبار جميل: أن نرى معونة الله في خلال ضيقاتنا…
وأن نختبر حنو الله ومحبته وعمله من أجلنا، وهذه هي إحدى فوائد التجارب التي فيها نشعر أن بعض القوات السمائية تقف معنا، وتصد عنا، ونختبر أيضا قول المزمور “ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم”.
من أجل هذا، فإن المؤمن لا يمكن أن تتعبه الضيقات. ذلك لأنه يؤمن بتدخل الله وعمله وحفظه. ويؤمن بأن الله قادر على حلها، بل أن الله عنده حلول كثيرة، لذلك فالمؤمن لا يفقد سلامه الداخلي أثناء التجارب، ولا يفقد اطمئنانه، وثقته بعمل الله.
إن كل تجربة هي بلا شك مجال لخبرة روحية جديدة، تعمق مفاهيم الإنسان برعاية الله وعمله وانقاذه…
على أن الله-في شفقته وحنانه- قد وضع قواعد معينة للضيقات التي يسمح لها أن تحدث. وفى مقدمتها:
* إن الله لا يسمح بتجربة هي فوق طاقتنا البشرية
إنه-جلت قدرته- يعرف مقدار احتمال كل واحد منا، ولا يسمح أن تأتيه التجارب إلا في حدود احتمال طاقته البشرية.
ولعل أحدهم يسأل: ما أصعب التجربة التي وقعت على أيوب الصديق، في موت أولاده، وضياع ثروته، وفقد صحته، وتخلي اصدقائه… من كان يستطيع أن يتحمل كل هذا؟!
ونجيب بأن الله كان يعلم أن الطاقة الروحية لأيوب كانت تقدر أن تحتمل كل هذا، لذلك سمح بما حدث.
أما أنت فلا تخف. لو كنت في قامة روحية مثل أيوب، لأمكن أن تتعرض لمثل تجاربه. ولكن الله لا يسمح لك أن تجرب إلا في حدود احتمالك.
* الشرط الثاني أن الله لا يسمح بالضيقة إلا ومعها المنفذ..
أي تأتي المشكلة ومعها الحل.. فلا يوجد تجربة وهي حالكة الظلام، دون أية نافذة من نور.. فليس هناك مجال لليأس. إن الحل موجود، وربما يحتاج إلى شيء من الوقت، يمنح صاحب التجربة فضيلة الصبر وانتظار الرب. حيث ينظر إلى المشكلة في رجاء، يرى الحل بين الإيمان قادمًا من خلال محبة الله وقدرته.. والله قادر أن يمنح الاحتمال والصبر.
* ينبغي أن نعلم أيضًا أن التجارب التي يسمح بها الله، هي للخير أو تنتهي بالخير…
فكل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الرب.
حتى إن كانت المشكلة تبدو شرًا في ذاتها، فإن الله بصلاحه قادر أن يحولها إلى خير. وهكذا فالإنسان المؤمن يؤمن بخيرية التجارب، سواء في وقتها أو فيما بعد.. ولهذا فإن التجارب لا تطحنه، ولا تضغط عليه، ولا تفقده سلامه. وكثيرًا ما كنت أقول: “إن الضيقة سميت ضيقة، لأن القلب قد ضاق عن أن يتسع لها، أما القلب الواسع فلا يتضيق بشيء”
* شرط رابع للتجربة: أن لها زمنًا محددًا تنتهي فيه..
فلا توجد ضيقة دائمة تستمر مدى الحياة.. ولهذا ففي كل تجربة تمر بك، يمكنك أن تقول “مصيرها أن تنتهي” أي سيأتي وقت تعبر فيه بسلام.. إنما عليك –خلال هذا الوقت- أن تحتفظ بهدوئك وبسلامة أعصابك. فلا تضعف ولا تنهار، ولا تصغر نفسك أمام التجربة. ولا تفقد الثقة في تدخل الله ومعونته وحفظه.
واعلم أن التجارب نافعة بلا شك. ولولا منفعتها، ما كان الله الشفوق يسمح بها.. وما أكثر الفضائل التي يمكن أن نحصل عليها، إن كنا نتعامل مع الضيقات بطريقة روحية.
إنها تقوي النفس، وتمنحها ألوانًا من الخبرات، سواء في معالجة المشاكل، أو في الرجاء والإيمان بعمل الله. أو في الحكمة التي يقتنيها المختبرون، أو في التدرب على الصمود وقوة الثبات أما الضيقة حتى تنتهي، مع التدرب على الاحتمال والصبر.
ولولا الدخول في بوتقة التجارب، لأصبحت النفوس هشة مدللة لا تقوى على شيء ولم تتدرب على الدخول في الصعاب واحتمالها…
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة أخبار اليوم بتاريخ 13-5-2006م




