
إن الله سمح أن نوجد في العالم، في حرب روحية دائمة، ولكنه باستمرار يمهد أمامنا طريق النصرة، ويقودنا في موكب نصرته. هو يريدنا دائمًا أن ننتصر، ويعمل فينا لأجل هذا الانتصار…
لذلك يهمني أن أحدثكم اليوم عن حياة الانتصار.
حياة الانتصار1
لا يصح أن نصعب طريق الحياة الروحية أمام الناس. إن الذين يصعبون الطريق، إنما يدفعون الناس إلى الخوف واليأس وقطع الرجاء.
وإذا خاف الإنسان أو يئس، يمكن أن يستسلم ويفعل أي شيء… لذلك وبخ السيد المسيح الكتبة والفريسيين على ذلك، لأنهم “يحزمون أحمالًا ثقيلة عسرة الحمل، ويضعونها على أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يحركوها بأصابعهم” (متى23: 4).
طريقة الشيطان باستمرار، هي أن يخوف الناس من الطريق. يظهر لهم صعوبته، حتى لا يكملوا مسيرتهم، ويرجعوا إلى الخلف… وكما يصعب عليهم الطريق، كذلك يخفي عنهم عمل النعمة.
يحدثهم عن الباب الضيق، والطريق القريب. ويخفي قول الرب لهم “تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم”. (مت11: 28). يذكر لهم الآية التي تقول “عجيبة هي أهوال البحر”، ويترك نصفها الأخير “الساكن في الأعالي هو أقدر” (مز 92). يذكرهم بقول الرب “في العالم يكون لكم ضيق”، ويخفي النصف الآخر للآية “ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم” (يو16: 33).
جميلة جدًا ومعزية تلك الآية التي قيلت عن زر بابل: “من أنت أيها الجبل العظيم – أمام زر بابل- يصير سهلًا” (تزك4: 7).
إن الله يحب أن يسهل أمامنا كل شيء. حتى إن كان الأمر صعبًا في غاية الصعوبة، فإنه يصير سهلًا بالنعمة، يصير سهلًا بتدخل الله فيه. وهكذا نعيش بالرجاء، ونعيش “فرحين في الرجاء” (رو 12).
ما أجمل قول بولس الرسول المملوء بالرجاء وبالتشجيع:
“أستطيع كل شيء في المسيح يقويني” (في4: 13).
إن الإنسان الذي يستطيع كل شيء، لا شك أنه يشعر بجمال حياة الانتصار، وبأن العدو لا يقوى عليه.
لذلك لا نخف من أنصاف الحقائق التي يقدمها لنا الشيطان:
إن أورد لنا قول بطرس الرسول “إن عدونا مثل أسد زائر، يجول ملتمسًا من يبتلعه” نكمل له بقية الآية “فقاوموه راسخين في الإيمان” (1بط5: 8، 9). ونزيد عليها قول يعقوب الرسول “قاوموا إبليس فيهرب منكم” (يع4: 7).
لكي ننتصر ينبغي أن نشعر أن الانتصار سهل، وأن إبليس يمكن أن يهرب منا، إن قاومناه…
لقد قدم الكتاب المقدس أمثلة كثيرة لحياة الانتصار، لعل من أبرزها انتصار داود على جليات. شمشون كان جبارًا وانتصر وله قصص عجيبة لها معانيها الرمزية. ولكن انتصار داود كان أعظم لأنه كان طفلًا.
إن الطفل داود في انتصاره على جليات يقدم معنى رمزيًا في الانتصار على الشيطان، مهما كانت قوته، مهما كان ضعفنا.
لو انتصر شمشون على جليات، ما أخذ الرمز قوته… ولكن هنا تظهر نعمة الرب المعينة، لأن قوته في الضعف تكمل…
داود لم يكن يخاف، مع أنه كان يعرف مدى قوة عدوه، مع أن الشعب كله والجيش كانوا خائفين.
وداود المختبر يتغنى كثيرًا بنعمة الرب العاملة فيه للانتصار:
يقول “يمين الرب صنعت قوة، يمين الرب رفعتني. يمين الرب صنعت قوة، فلن أموت بعد بل أحيا، وأحدث بأعمال الرب” (مز 117) … أنا لن أموت. ولكني أيضًا لن أفتخر بأن ذراعي قد خلصتني، بل هي يمين الرب، ذراعه الحصينة، التي صنعت قوة.
وداود عندما يتغنى بالانتصار، فلا يعني أن الانتصار كان سهلًا فالعدو كان جبارًا وقد أذله، ومع ذلك انتصر داود.
إنه يقول “على ظهري جلدني الخطاة، وأطالوا إثمهم”. أذلوني، وطالت مدة الإذلال… هو إذن قد ذاق الذل من العدو. ولكنه يعود فيقول “الرب صديق هو، يقطع أعناق الخطاة” (مز 128).
الانتصار في مزامير داود، يعني الانتصار على الرغم من شدة العدو وقوته وإذلاله للإنسان. انتصار على الرغم من ضيق الباب ومن ثقل الصليب. انتصار يفترض الواقع العملي الشاق…
إنه يقول “في الطريق التي أسلك أخفوا لي فخًا. تأملت عن اليمين وأبصرت، ولم يكن من يعرفني. ضاع المهرب مني، وليس من يسأل عن نفسي” (مز 141). ولكنه يقول أيضًا:
نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ انكسر ونحن نجونا. عوننا باسم الرب الذي صنع السماء والأرض” (مز 123).
كذلك أنت، إن رأيت فخاخًا في طريقك الروحي، قل مع داود “نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ انكسر، ونحن نجونا”… حقًا، إن الله لم يخدعنا. الطريق فيها فخاخ. ولكن الفخ سينكسر، بيد الله… وسنغني نحن في انتصارنا “لولا أن الرب كان معنا، حين قام الناس علينا، لابتلعونا ونحن أحياء… مبارك الرب الذي لم يسلمنا فريسة لأسنانهم” (مز 123).
تذكر أن المسيح قد صعد، ليعد لك مكانًا في السماء..
هكذا قال السيد المسيح “أنا ماض لأعد لكم مكانًا. وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا، آتي أيضًا وآخذ كم إليَّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا” (يو14: 2، 3). إنه وعد جميل من الله. فتمسك به. منذ الخطية الأولى، والله وعد بالانتصار. فقال إن نسل المرأة يسحق رأس الحية” (تك 3)، ليس فقط يدوس الحية، وإنما يسحق رأسها.
إذن لا تخف من الحية، لأن الله وعد بسحق رأسها، فلم تعد الحية حية بعد سحقها…
إن المسيح الذي سحق رأس الحية، سيقودك في موكب نصرته. ويعدنا باستمرار أن “الذين معنا. أكثر من الذين علينا”. بل هناك اختبار جميل عاشه داود النبي، وقال فيه “إن سرت في وادي ظل الموت، لا أخاف شرًا، لأنك أنت معي” (مز 22).
أجرة الخطية هي موت، ولكن حتى في وادي ظل الموت، لا يخاف داود شيئًا، لأنه يشعر بوجود الله معه…
إذن لا تخف مهما سقطت، ومهما تكرر سقوطك، حتى إن جلدك الخطاة على ظهرك، وأطالوا إثمهم. فالصديق يسقط سبع مرات ويقوم. ورقم سبعة يرمز إلى الكمال، أي مهما سقط يقوم.
إذا أحببت أن تعيش في حياة الانتصار، تمسك بمواعيد الله…
قل له إنك يا رب وعدت، ووعدك صادق أمين، وأنا متمسك به. وعدت وقلت، ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت28- 20). قلت أيضًا “نقشتكم على كفي” (إش49: 16). وقلت “حتى شعور رؤوسكم جميعًا محصاة” (مت10: 30).
تمسك بمواعيد الله، لأن الشيطان يريد أن تسود الدنيا أمامك، يريدها أن تضيق وتصبح كأنها ثقب إبرة… يريد أن تيأس.
أما أنت فلا تخف منه. تذكر قول بولس الرسول: “من سيفصلنا عن محبة المسيح أشدة، أم ضيق أم اضطهاد، أم جوع، أم عري، أم خطر، أم سيف… ولكن في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا. فإني متيقن أنه لا موت، ولا حياة ولا ملائكة، ولا رؤساء، ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى، تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا” (رو8: 35- 39).
عجيب بولس هذا، لم يخف من أي شيء، ولا من أية قوة، لم ير شيئًا منها مستطيعًا أن يفصله عن محبة المسيح، لا حياة، ولا موت، ولا رؤساء ملائكة ولا أية خليقة…
إنه إنسان ثابت، لا يتزعزع، واثق بإيمانه، واثق من حياة النصرة في المسيح يسوع. الحب الذي فيه أكثر من كل قوات الشر التي تقاومه. بل في كل حروبه يعظم انتصاره بالذي أحبه… إن بولس مثل داود من أعظم الأمثلة التي تحدثت عن الانتصار.
إذا أردت أن تنتصر، لا تخف مطلقًا، مهما حوربت… مسألة الخوف هذه أجابنا الله عنها في سفر إرميا النبي.
كان إرميا حدثًا صغيرًا، وقال لله، لا أعرف أن أتكلم لأني ولد”. ولكن الله قال له “لا تقل إني ولد… لا تخف لأني أنا معك” ولمس فمه وقال له “ها قد جعلت كلامي في فمك” “لا ترتع من وجوههم لئلا أريعك أمامهم. هأنذا قد جعلتك اليوم مدينة حصينة، وعمود حديد، وأسوار نحاس على كل الأرض… فيحاربونك ولا يقدرون عليك. لأني أنا معك- يقول الرب- لأنقذك” (أر 1).
حقًا، أن الإنسان الذي يشعر بضعفه، إذا حارب، لا يحارب بضعفه وإنما بقوة الله. كلما يشرح ضعفه لله، يزيده الله مواهب وقوة…
إرميا الصبي الصغير، صار عمودًا من حديد، وأسوارًا من نحاس، ومدينة حصينة لا يقدر عليها الأعداء.. تصوروا إنسانًا يدخل الحرب وهو مسلح بوعد من الله يقول له فيه:
“يحاربونك، ولا يقدرون عليك، لأني أنا معك، لأنقذك”.
هل يخاف مثل هذا الأنسان؟ مستحيل…
لم يقل له الله “قد رفعت الحرب عنك. قد منعت العدو عن مهاجمتك”. كلا، بل قال له “يحاربونك” ولكن “لا يقدرون عليك”. “على ظهرك سيضربك الخطاة”. ولكن “الرب صديق هو يقطع أعناق الخطاة. “الرب لا يترك عصا الخطاة تستقر على نصيب الصديقين” (مز 124). قد تلطمهم العصا، ولكن لا تستقر عليهم ولا تستمر…
إنه الشيطان له فرصته التي يحارب فيها. وقد يحارب بكل قوة وعنف وقسوة، كأسد يزأر، ولكن…
“تكفيك نعمتي”، نعمتي عملت في إرميا “الولد”، وفي موسى الثقيل الفم واللسان” وفي داود “الصغير”…
عجيب الرب في قديسيه! أرسل داود لمحاربة جليات، وسلاحه في ذلك حصاة ملساء من الوادي… واستطاعت الحصاة أن تقتل جليات… قد يقول أحدهم للرب: من أنا يا رب. هناك قديس محارب وهو عمود من حديد، وآخر أسوار من نحاس، وآخر صخرة صلبة. أما أنا فمجرد حصاة. فماذا يمكنني أن أفعل؟
لا يهم يا ابني أن تكون صخرًا أو حصاة، أو عمود حديد، أو سور نحاس، إنما المهم أن تكون في يد الله. حينئذ يفعل الله بك عجبًا، ويقودك في موكب نصرته.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الخامس عشر) 11-4-1975م




