الأنبا موسى السائح

سير الآباء السواح
الأنبا موسى السائح1
كان راهبًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة. قد قنع من قوت الدنيا بما يقنع به الضعيف من الطير، ومن اللباس بما يصنعه من ليف النخل وسعفه. وكان يشرب من ماء الأمطار الذي يجتمع في كهوف الجبال والأودية.
وكان وحش البرية قد آنس إليه، يدنوا إليه ويجلس أمامه. تتوجه الوحوش بوجوهها إليه تتكلم إليه ولا استطاعة لها على كلامه. وكان إذا أتى الوحش اليه، يفرح برؤيته ويأنس إليه. وإذا حان موعد صلاته يومئ إليه بيده راشمًا علامة الصليب فيمضي الوحش إلى موضعه. وكان – إذا قلت الأمطار في البرية في إحدى السنوات، تجتمع إليه الوحوش، وتصرخ إليه راجية أن يعينها على الطلب إلى الله لينزل المطر وينموا العشب. فيرفع يديه إلى السماء وهي تصيح بأصواتها المختلفة. فيستجيب الرب لصلاته. وكان المظلوم منها يأتي محتكمًا إليه ويريه جراحاته، فيلمسها فتبرأ…
وهكذا عاش هذا القديس خمسًا وثلاثين سنة.
فلما رأى العدو اللعين ما وصل إليه هذا القديس، كبر عليه الامر، وقال ” كيف لا أقدر على هذا الرجل الذي هو من لحم وعظم، وأنا من نار ونور؟!”
وهكذا أخذ الشيطان شكل راهب شيخ ذي شيبة حسنة البياض، يلبس مسحاً من شعر الماعز، وهامته مكشوفة وشعره منحدر على كتفيه كالصوف الأبيض، وبيده عصا يتوكأ عليها، وهو يمشي على مهل يهبط من قمة جبل ليصعد إلى قمة أخرى.
فلما رآه القديس، فكر في قلبه أن هذا إنسان زاهد طال به الزمن في العبادة. ودنا منه يريد أن يكلمه ولكن الشيخ آثر الصمت ولم يجبه بكلمة واحدة. وكان القديس إذا صلى وذكر اسم الرب يسوع أو رشم بعلامة الصليب يغيب ذلك الشيخ عنه. فظن القديس في نفسه أنه لأجل محبة الله له يخفيه عنه فأزداد في عينيه عظمة. وكان يريد أن يكلمه فلا يجيبه. وأقام معه على تلك الحال ثلاث ليال، وكان الوحش إذا اقترب من القديس كالعادة يهرب إذا رأى الشيخ. ففكر القديس في نفسه ما عسى أن يكون هذا.
فلما كانت الليلة الرابعة سأله القديس فأجابه الشيخ “ماذا تريد يا ولدي القديس الذي أرضيت الله بأعمالك؟ طوباك والمكان الذي أعد لك”. ثم سأله الشيخ عن خبره فقال القديس… أنني ولدت في ضيعة قرب الاسكندرية وأسماني والدي موسى. فلما بلغت الثالثة عشر من عمري مضيت الى وأدى هبيب، وآويت الى راهب رباني وعلمني. فلما تمت لي عشرون سنة، تفكرت في أمر الدنيا أنها ولا شك زائلة، فتركت كل شيء وأتيت إلى هذه البرية ولي فيها عدة سنين لم أر أحدًا غيرك. وأنا لي اليوم ثلاثة أيام لم أراك فيها تصلي حتى أتعلم من صلاتك وأتبارك.
فأجابه الشيخ: اعلم يا إبني إنني كنت شابًا غنيًا لاهيًا قليل الصدقة، راغبًا في شهوة الزنى… فلما طال ذلك على اعتمدت إلى مالي جميعه فتصدقت به على المساكين ومضيت إلى برية برقة ولي فيها أربعون سنة وأن الله لم يؤاخذني بما صنعت وغفر لي إثمي من أجل رحمته بالمساكين، مع أني لا أعرف صلاتًا ولا قربانًا ولا شيئًا من الفرائض فلما دنت وفاتي سألت الله أن يبعث لي بمن يواري جسدي في الأرض ويصلي عليَّ فدلني عليك. وقد عرفت الموضع الذي سأدفن فيه فقم يا ولدي واتبعني لأريك إياه.
فظن القديس أن ذلك صحيح وتبعه. وفيما هما يمشيان تلفت القديس فرأى قصرًا جميلًا مشيدًا على أكمة منيعة يطل على روضة كأنها جنة. وقال الشيخ “ها هنا أدفن” فتعجب القديس. فلما رآه الشيخ قد فرح قال له “بعد دفني يكون هذا القصر لك ميراثًا. وسيأتيك شيخ آخر مثلي يدفن عظامك مع عظامي. فإياك أن يأتيك الشيطان الملعون فيضلك عن عبادة الرب ويردك الى ما يريد”.
وأراه الشيخ جارية حسناء زعم أنها ابنته. وعرض عليه أن يتزوجها ويرث معها ذلك القصر وما فيه. فلما نفر القديس من هذه الفكرة، أخذ الشيخ يقنعه ويغويه ضارباً له الأمثال عن القديسين العظماء الذين تزوجوا مثل ابراهيم واسحق ويعقوب وموسى. وظل يخادعه حتى قبل القديس أن يتزوج ابنته بعد دفنه. ثم أظهر أنه مات، فواراه القديس التراب، وهم أن يدخل القصر طالبًا الصبية وإذا ريح عاصف رفعته وطرحته على ظهره كالميت…
فلما انتبه من غشيته تطلع فلم يرى لذلك القصر أثرًا. وإذا هو في البرية، وقد دخل عليه السخط من العبادة، وجاع لوقته وطلب طعامًا ولكن عشب البرية صار في فمه كالمر فلم يستطع أن يأكله كذي قبل، وخفيت عنه أماكن الماء، ولم يعد الوحش يأنس إليه، ولم يعد يستره ليف النخل وسعفه. فعرف لوقته أن ذلك الشيخ هو الشيطان اللعين. فقال في نفسه: ” ويلي وما حيلتي! ليت الله يفسح في أجلي لأتوب”.
ولم تسعه البرية، فقام من تضجره وطلب الطريق الى العالم المأهول.
وبينما هو سائر، إذا بالشيطان قد ترآى له أيضًا في صورة شيخ آخر راكب على أتان ومعه طعام وشراب. فسأله القديس عن وجهته فأجابه “إني ذاهب إلى الاسكندرية” فقال القديس وأنا كذلك. ففرح الشيطان به لإخراجه من البرية حتى لا يتوب، وفرح القديس المسكين لأن الشيخ سيريه الطريق. وأعطاه الشيخ طعامًا وشرابًا وأسرع بإخراجه من البرية حتى أوصله إلى إحدى ضواحي الاسكندرية الى جوار بئر ماء يأتي اليها الناس ليستقوا.
وإذا الشيطان قد ترآى له في صورة امرأة حسناء، على كتفها جرة تريد أن تملأها من البئر. وأن هذه المرأة أشفقت عليه وآوته إلى منزلها وأخبرته أنها متغربة في هذا المكان وأنها من بنات الملوك وأن أبويها قد ماتا وخلفا لها مالًا كثيرًا في بلدتها. وهونت عليه أمر الزواج منها حتى وافق. ثم عادت فقالت له إنها يهودية من تسل كهنوتي وأنه لا بد أن يصير يهوديًا ليسهل زواجها. فلما رفض أقنعته برؤية كاذبة زعمت أنها رأتها عن عظمة اليهود. وظلت به تخادعه حتى وافق. وحينئذ قالت له:” قم بنا نمض إلى المدينة التي فيها مالي”. فقام وتبعها… فلما مضى من النهار نصفه إذا بهما في برية مقفرة واسعة مخوفة. ونال القديس عطش شديد وطلب الماء فلم يجد. فتهكمت عليه المرأة لعطشه وقالت له اتبعني لأريك عين ماء فتبعها إلى جبل ثم قالت له “أتركنى لأصعد وأنظر الماء ثم أناديك”. فلما صعدت نادته من فوق وقالت “أيها القديس الضعيف الذي تعب أيامه وسكن البراري خوفاً من أن يزيفه الشيطان! هوذا أنت تعاين الشيطان”. وأخذت تعيره وتشمت به لأنه ترك إيمانه ونذره وقالت له “هوذا أنت ستموت في هذه البرية وتصير نفسك إلى الجحيم!”. ثم غابت عنه وتلفت فلم يجد طريقًا يسلكها ولا ماء يشربه. وبقي متحيراً من أمره، مفكراً فيما ناله من الشيطان وصار كالسكران المفيق من شرابه! وعاد إلى نفسه بالندم يعاتبها ويقول: يا نفسي الحزينة الضعيفة التي تمضي غداً إلى الجحيم، الويل لك. الويل لك يا نفسي التي اشتهيت متاع الدنيا وتبعت شهواتك واطعت الفكر الرديء …الويل لك حين تخرجين من هذا الجسد وتمضين إلى حيث لا تؤثرين، الويل لي كيف خدعت بذلك الشيخ ولم استيقظ حين رأيته يهمل الصلاة وحين يختفي من رسم الصليب.؟ الويل لي كيف خدعت بكلامه؟ وكيف نظرت إلى القصر المشيد؟ وكيف سعيت لطلب الجارية؟ الويل لي كيف خدعت بالشيخ الآخر وبالجارية الأخرى؟ وكيف أخطأت بفكري ولساني.؟
ثم رفع صوته بالبكاء، وردد قول أيوب الصديق ليته هلك اليوم الذي ولدت فيه… لماذا لم أمت من بطن أمي…! ثم ضرب بهامته الأرض وتمرغ في ترابها، وذر التراب على وجهه. وأطال البكاء والتضرع إلى الله أن يقبله إليه، وأقر بخطاياه أمامه طالبًا المغفرة.
وإن الله الذي لا يشاء موت الخاطئ مثل رجوعه إليه اطلع من سمائه وسمع تنهد وبكاء هذا القديس النادم، فأرسل إليه ملاكًا عزاه وقال له: “أنك في ثلاثة أيام ستتنيح، وأرسل إليك عبدي صموئيل يواري جسدك التراب”. ومضى الملاك عنه ثم إذا به ينظر من صدر تلك البرية راهبًا قاصدًا إليه فلما دنا منه سجد على قدميه وقال له: ” إن الله أرسلك يا أبي رحمة منه إلي، أيقنت بها أنه غفر خطيتي”.
وسلم كل منهما على صاحبه وبارك كل منهما على صاحبه. ثم قص موسى عليه خبره جميعه، واعترف عليه، ولم يكتم من أمره شيئًا. ثم قال له: “إنني منذ زمن لم اتناول القربان”. فقال له القس صموئيل: “قم واتبعني”…
ولم يكن إلا قليل وإذا بهما قد أشرفا على كنيسة جميلة المبنى وأبوابها مفتوحة وليس أحد بالقرب منها، ثم إذا بجماعة قد جاءوا وأوقدوا مصابيحها، وتعجب موسى وسألني. فقلت له – “أنا صموئيل الذي سطرت هذا الخبر – “لا تحزن ولا تفكر في غير ذات الله هؤلاء عباد متفرقون يجتمعون ها هنا في مثل هذا اليوم من كل عام يصلون ويتقربون ثم يفترقون. وقد خفيت هذه البيعة عن أعين الناس وصارت للقديسين مسكنًا ومدفنًا.
وبعد فراغنا من خدمة القداس قال لي موسى: “أرني يا أبي المكان الذي فيه عظام القديسين”. فمضيت به إليه وفتحت الباب ليتبارك منه. فدخل وأنا أنظره، ووقع على وجهه ساجدًا على جسد أحد القديسين. ولما أبطأ دخلت إليه وناديته فلم يجبني فوضعت يدي على وجهه وتحققت أنه قد مات فغطيت وجهه وصليت عليه وتباركت منه وخرجت وأغلقت الباب كما كان. ثم كتبت ما كان قد شرحه لي من اخباره في كتاب أرسلته مع رجل مؤمن كان من المسافرين. وسألته أن يجعل الخبر في بيعة القديس مارمرقس بالإسكندرية ليقرأه الناس ويتعجبوا مما نال القديس من تجارب الشيطان، وكيف كانت توبته ورجوعه إلى الله.
(عن مخطوطتين رقم 382، 383 بدير السريان)
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الأولى– العدد السادس – اغسطس 1965




