أنا مجدتك على الأرض

من أجمل أصحاحات الإنجيل، صلاة المسيح الطويلة في مساء الخميس، في طريقه إلى الجلجثة، في خاتمة خدمته بالجسد…
ليتنا نحفظ هذا الأصحاح كله عن ظهر قلب…
ولنأخذ في هذا الليلة بعض آيات منه للتأمل، ولتكن:
“أنا مجدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته”
“أنا أظهرت اسمك للناس”
“الكلام الذي أعطيتني، قد أعطيتهم. وهم قبلوا وعلموا يقينًا أنني خرجت من عندك”.
“من أجلهم أنا أسأل…” (يوحنا 17)
أنا مجدتك على الأرض1
أنا مجدتك على الأرض:
هل أنت حقًا يا أخي مجدت الله على الأرض، كما مجّده المسيح بحياته، وبكرازته، وبموته؟ هل تستطيع أن تختم حياتك بهذه العبارة؟ هل كنت صورة الله ومثالًا، كل من يراك يمجد الله بسببك؟ يرى الناس أعمالك الحسنة فيمجدوا أباك الذي في السموات…
هل تمجد الله في خدمتك، في كلامك، في أسلوبك الروحي، في بنائك للملكوت، في جسدك وفي روحك التي هي لله؟ (1كو6: 20) هل كان هدفك في الحياة هو مجد الله؟ أم طغت عليك أهداف جانبية تتعلق بالذات ومجدها وراحتها وملاذها؟!
هل جعلت أمامك قول سليمان الملك “بنيت لنفسي بيوتًا، غرست لنفسي فراديس… ومهما اشتهته عيناي، لم أمنعه عنهما”… أم قلت كالسيد المسيح “أنا مجدتك على الأرض.
إن لم يكن مجد الله هو هدفك الوحيد، فهل هو على الأقل بين أهدافك؟ وإن كنت لم تمجد الله، فليتك تكون قد وقفت عند هذا الحد، ولم تسمح أن يجدف عليه بسببك…
إن السيد المسيح قد مجد الآب في كل شيء، وقال “مجدًا من الناس لست أقبل”. وأحباء الله في كل زمان، قالوا للرب “ليس لنا يا رب، ليس لنا، لكن لاسمك القدوس أعط مجدًا” ونحن في الصلاة الربانية، نطلب مجد الله أولًا، فنقول “ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك” وذلك قبل أن نسأل لأنفسنا…
فاسأل نفسك من الآن: ماذا فعلت لأجل مجد الله… واعلم أن الذين مجدوا الله على الأرض، مجدهم هو في السماء، وسيمجدهم، لأنه قال “أكرم الذين يكرمونني”.
العمل الذي أعطيتني لأعمل، قد أكملته:
أنا مجدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل، قد أكملته”.
لم يقل: عملته، بل: أكملته، أي وصل فيه إلى الكمال.. كان أمينا فيه إلى المنتهى. فهل أنت كذلك في عملك؟
لقد أعطاك الله نفسًا، وأولادًا، وخدمة، وأسرة، ومسئوليات ومواهب ووزنات. فهل مجدت الله في كل هذا؟ وهل أكملت عملك؟ ابنك الذي سلمته لك الكنيسة- يوم المعمودية- كإشبين، لتعلمه طريق الرب، هل علمته ودربته؟ كلمات الله التي يقول لك عنها الوحي الإلهي “وقصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك” (تث6: 6) هل قصصتها عليهم. وهل تستطيع أن تقول “العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته”؟
أنت مزمع أن تعطي حسابًا عن عملك أمام الله، عندما يقول لك “أعطني حساب وكالتك”. فهل ستقول “قد أكملته”؟
حاسب نفسك قبل أن يحاسبك الله. وإن وجدت فيها شيئًا غير كامل، فأكمله من الآن، قبل أن يغلق الباب. لأن الرب يقول لنا “كونوا كاملين، كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل”.
أنا أظهرت اسمك للناس:
هكذا قال السيد المسيح للآب “أنا أظهرت اسمك للناس” “عرفتهم اسمك، وسأعرفهم”.
فهل كنت أنت فخورًا بهذا الاسم؟ وهل أظهرته للناس؟ وهل قلت مع داود النبي “تكلمت بشهاداتك قدام الملوك ولم أخز”.
هل أحببت اسم الرب، وجلت بين الناس تحدثهم عنه؟
هل كل إنسان دفعه الله إلى طريقك، حدثته عن الرب وطريقه ومحبته وفدائه العجيب؟ هل كنت تربح على كل حال رجلًا؟
هل وضعت أمامك وصية الرب إذ قال “وتكونون لي شهودًا” وجعلت هدفك في الحياة أن تشهد الرب وتظهر للناس اسمه…
كم عدد الذين أحبوا الله عن طريقك، بكلامك، وبقدوتك؟
هل تستطيع أن تقول عن هؤلاء كما قال الرب “الذين أعطيتني، حفظتهم، ولم يهلك منهم أحد”. هل تستطيع أن تقف معهم منتصرًا في اليوم الأخير، وأنت تقول “هأنذا والأولاد الذين أعطانيهم الرب”.
ما أكثر حاجتنا إلى أناس يعملون في كرم الرب، ويظهرون اسمه للناس، ويحفظونهم في حقه، ويعطونهم كلامه..
الكلام الذي أعطيتني، قد أعطيتهم:
أنا يا رب لم أتكلم من ذاتي إطلاقًا. الكلام الذي وضعته أنت في فمي، هو الذي نطقت به.
أنا لم أعطهم أفكاري ومبادئي الخاصة، وإنما كلامك أنت…
من ذاتي لم أنطق شيئًا. فأنا “لست صاحب كلام” “أنا ثقيل الفم واللسان” “لا أعرف أن أتكلم لأني ولد” كل عملي هو أن آخذ كلمة منك، وأعطيها للناس”…لست صاحب مدرسة فكرية، ولا فلسفة خاصة، ولست باحثًا، ولا دارسًا، ولا معلمًا. ولكنني مجرد قارع على بابك، يأخذ منك كلمة عند افتتاح فمه، لكيما يعطيها للناس…
فإن كنت يا رب قد أرسلتني، فأعطني إذًا الرسالة التي أقولها لهم. افتح يا رب شفتي، فيخبر فمي بتسبحتك.
أدخلني في الخبرة التي ذاقها تلاميذك حينما قلتَ لهم “لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم”.
لست أريد أن أتكلم من ذاتي. فيعقوب الرسول يقول “لا تكونوا معلمين كثيرين يا أخوتي، لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا”.
أعطني الكلمة التي تصلح للناس، فأنت أدرَى بما ينفعهم، وبما يناسبهم، أنت يا عارف الخبايا، يا فاحص القلوب والأفكار..
أنا لا أريدهم أن يشعروا بأن هذا كلامي، بل كلامك. لذلك أنا أبحث عن كلمتك أين هي، متى عثرت عليها، أكون “كمن وجد غنائم كثيرة” لأن كلامك “أحلى من العسل والشهد في فمي” “كلمة الرب منيرة تنير العينين…”.
لذلك اسأل نفسك يا أخي باستمرار: هل كل كلمة تعطيها لأذن غيرك، قد سبقت فأخذتها من الله؟ أم تراك تتكلم بفكر بشري، وليس لك “فكر المسيح”؟
أسكب نفسك أمام الله، وخذ منه ما سوف تعطيه… احذر من أن تعتمد على حكمتك البشرية، فالكتاب يقول: “وعلى فهمك لا تعتمد”. وتذكر أن الله “اختار جهال العالم ليخزي بهم الحكماء”. لأن “الجهال” إذ ليست لهم حكمة يعتمدون عليها، لذلك يبتهلون باستمرار إلى الله طالبين حكمته، ليتكلموا بها…
لذلك كان القديسون صامتين، “مبطئين في التكلم”. لا يسرعون بالنطق، بل ينتظرون مصلين، حتى يأخذوا الكلام من الله… وعندما ينطقون، إنما ينقلون إلى الناس رسالة الرب إليهم…
لهذا كان الناس يأتون إليهم، طالبين أن يسمعوا كلمة الرب من أفواههم. ويأخذون منهم كلمة المنفعة، كأنها من فم الله.. كان القديس يصمت ويصلي “إن أعطيتني يا رب كلمة سأقولها لهم. وإن لم تعطني سأظل صامتًا، فهذا خير لي ولهم.
جميل أن الروح القدس حل “كألسنة” من نار… “ألسنة” لأنه هو “الناطق في الأنبياء”، هو الذي يتكلم من أفواههم…
“الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم. وهم قبلوا، وعلموا يقينًا أنني خرجت من عندك”.
إن الله عندما يعطيك كلمة، يعطي في نفس الوقت قابلية لها في قلوب الناس، وتكون الكلمة لها قوة وفاعلية.
الذي يتكلم من ذاته، قد يناقشه الناس في كلامه، ويجادلونه. وقد يدخل الكلام إلى آذانهم، ولا يدخل إلى قلوبهم… أما إن كان الكلام معطى من الله، فسيقبلونه. ويعرفون أن محدثهم قد دخل إلى حضرة الله، وخرج إليهم بهذا الكلام…
الكلمة التي نأخذها من الله لنعطيها للناس، هي “كلمة قوية وفعالة وأقوى من كل سيف ذي حدّين” وتخترق القلب وتدخل إلى أعماقه لذلك فالذي يقول كلمة الله “يتكلم كمن له سلطان”…
فمتي نفتح أفواهنا ونقول للرب “فتحت فمي واجتذبت لي روحًا”؟ متى نأخذ من الروح موهبة المعرفة وموهبة الكلام؟ متى نصمت لكي يتكلم الله؟ متى نرفض حكمتنا لكي نأخذ حكمة من الله؟ متى نقول في كل حديث “الكلام الذي أعطيتني، قد أعطيتهم؟” متى…؟
“ليكن كل إنسان مسرعا إلى الاستماع، مبطئا في التكلم…” منتظرًا وله “الحواس مدربة”. حتى يسمع كلمة الله التي يقولها. وإن لم يأخذ من الله شيئًا فليصمت، ولا يقف أمام الناس فارغًا يحدثهم من فراغه…
لذلك فإن تحضير الدرس في الخدمة، إنما هو تحضير ذاتك…
هو انسكابك في حضرة الله، لكيما يحضّر الله الدرس، ويسلمه لك، فلست أنت المتكلم، بل هو المتكلم، على لسانك.
عجيب أن السيد المسيح، وهو كلمة الله، وحكمة الله، ونطق الله العاقل، المدخرة فيه كل كنوز العلم والمعرفة، يقول للآب “الكلام الذي أعطيتني، قد أعطيتهم”… فماذا نقول نحن الجهال غير العارفين؟!…
من أجلهم أنا أسأل:
لا يكفي يا رب أن آخذ كلامًا من عندك وأعطيهم… فقد يكون الكلام جميلًا ومقنعًا وعميقًا. ولكنهم عندما يحاولون تنفيذه، يجدون أمامهم: أولا الضعف البشري، وثانيًا محاربات الشياطين… لذلك من أجلهم أنا اسأل… أقول الكلمة وأصلّي.
إن الخدمة ليست مجرد كلام وتعليم، وإنما أيضًا صلاة… تصلي أن يعطي الرب قوة للكلمة، وقوة للسامع، يعطيه القابلية والفاعلية، والإرادة والرغبة، والقدرة على التنفيذ، والصمود أمام المحاربات…
من الجائز أن ترى في حياتك بعض الخطاة، فماذا أنت فاعل بهم؟ ربما تنتقدهم، وربما تعظهم، وربما تتحاشاهم وتتجنبهم… ولكن هل قلت يومًا في أعماقك “من أجلهم أنا اسأل”… لماذا لم تسندهم بصلواتك؟ لماذا لم تختبر عمل الصلاة في تغيير الناس؟
ليتنا نصلي من أجل الكل، وأيضًا من أجل أنفسنا.
ولا نقف عند عتبة التعليم، ولا نكتفي بمجرد التعليق والانتقاد…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث بمجلة الكرازة السنة السادسة – (العدد الثالث والثلاثون) 15-8-1975م




