يونان النبي

إن قصة يونان النبي هي قصة صراع بين الذات الإنسانية والله. يونان النبي كان إنسانًا تحت الآلام مثلنا. وكانت تتعبه ذاته.
ونود في هذه المحاضرة أن نتأمل صراع ذاته مع الله.
يونان النبي1
الذي يريد أن يسير في طريق الله، ينبغي أن ينكر ذاته، يجحدها وينساها، ولا يضع أمامه سوى الله وحده. ومشكلة يونان النبي أن ذاته كانت بارزة ومهمة في طريق كرازته. وكانت تقف حائلًا بينه وبين وصية الله. ولعله كثيرًا ما كان يفكر في نفسه هكذا:
ما موقفي كنبي، وكرامتي، وكلمتي، وفكرة الناس عني؟؟ وماذا أفعل إذا اصطدمت كرامتي بطريقة الله في العمل؟
ولم يستطع يونان أن ينتصر على ذاته…
كلفه الله بالذهاب إلى نينوى، والمناداة بهلاكها. وكانت نينوى عاصمة كبيرة فيها أكثر من 120000 نسمة. ولكنها كانت أممية وجاهلة وخاطئة جدًا، وتستحق الهلاك فعلًا. ولكن يونان أخذ يفكر في الموضوع: سأنادي على المدينة بالهلاك، ثم تتوب، ويتراءف الله عليها فلا تهلك.
ثم تسقط كلمتي، ويكون الله قد ضيع كرامتي على مذبح رحمته ومغفرته. فالأفضل أن أبعد عن طريقه المضيع للكرامة!!
وهكذا وجد سفينة ذاهبة إلى ترشيش، فنزل فيها وهرب. لم يكن يونان من النوع الذي يطيع تلقائيًا. إنما كان يناقش أوامر الله الصادرة إليه، ويرى هل توافق شخصيته وذاته أم لا.
ليس كذلك الملائكة. إنهم يطيعون بغير مناقشة، وبغير تردد. إن الله كلي الحكمة وهم مجرد منفذين لمشيئته، وليسوا شركاء له في التدبير حتى يناقشوا أو يعترضوا…
سواء كان الأمر رحمة أو قصاصًا، يطيع الملائكة بلا نقاش: يأمر الله أحدهم أن يذهب ليسد أفواه الأسود منقذًا دانيال فيطيع. وبنفس الطاعة يذهب الملاك الذي يأمره الرب بقتل جميع ابكار مصر. ملائكة يأمرهم الله بإنقاذ بطرس من السجن، أو بإنقاذ بولس، أو بإنقاذ لوط، أو بافتقاد هاجر، فيطيعون. وبنفس الطاعة ينفذ أمره الملائكة الذين يبوقون بالأبواق في سفر الرؤيا فتنزل الويلات على الأرض تحطمها تحطيمًا. لا يقولون عفوًا يا رب، أشفق وارحم، وابعدنا عن هذه المهمة. وظيفتهم هي التنفيذ، وليس التدبير أو التفكير. إنهم متواضعون، لا يعتبرون أنفسهم أحن على الناس من الله خالقهم.
يذكرني هذا بقوانين الأحوال الشخصية، ومنع الطلاق إلا لعلة الزنا، وعبارات الحنو التي يدافع بها البعض عن زواج المطلقات، كأنهم أكثر حبًا وعطفًا وحنانًا من المسيح الذي وضع الوصية…
أما نحن فوظيفتنا هي التنفيذ وليس المناقشة. لا نريد أن نعمل مثل يونان، الذي تلقى الأمر من الله، فناقشه ثم رأى الحكمة في مخالفته…! وهكذا استقل سفينة ليهرب من الرب! مسكين هذا الإنسان الذي يظن أنه يقدر على الهروب من الله! ترى إلى أين يهرب؟!
مهما هربت من الوصية ستجدها تطاردك حيثما كنت. ترن في أذنيك وتدور في عقلك، وتزعج ضميرك…
إن كلمة الرب قوية وفعالة، ومثل سيف ذي حدين، وتستطيع أن تخترق القلب والعقل، وتدوي في أرجاء الإنسان.
هرب يونان إلى ترشيش، ونسيَ أن الله موجود في ترشيش أيضًا. وركب السفينة وهو يعلم أن الله هو إله البحر، كما أنه إله البر أيضًا. ولم يشأ الله أن يصل يونان إلى ترشيش، وإنما أمسكه في البحر، وهيج الأمواج عليه وعلى السفينة كلها… والعجيب أن يونان كان قد نام في جوف السفينة نومًا عميقًا. لا أيقظه الموج، ولا صوت الأمتعة وهي تلقى في الماء ولا صوت ضميره!!
نام يونان، لم يهتم بمشيئة الله وأمره، ولم يهتم بنينوى وهلاكها أو خلاصها، ولم يهتم بأهل السفينة وما تجره عليهم خطيئته… لكنه تمركز حول ذاته، وشعر أنه حافظ على كرامته. فنام نومًا ثقيلًا…
هذا النوم الثقيل كان يحتاج إلى إجراء حاسم من الله: به ينقذ ركاب السفينة جسديًا وروحيًا، وينفذ مشيئته من جهة نينوى وخلاصها، وينقذ نفس هذا النبي الهارب، ويعلمه الطاعة والحكمة. مستبقيًا إياه في خدمته بطول أناة عجيبة، على الرغم من كل أخطائه ومخالفته…
ومن هم جنودك يا رب الذين ستستخدمهم في عمليات الإنقاذ الكبرى هذه؟ يجيب الرب عمليًا:
عندي الموج، والرياح، والبحر، والحوت، والشمس، والدودة، واليقطينة…إن كانت خليقتي العاقلة لم تطعني، فسأبكتها بالجمادات والحيوانات.
وهكذا أمر الله الرياح، فهاج البحر، وهاجت أمواجه، وصدمت السفينة حتى كادت تنقلب. وازداد هيجان البحر، لأن أمر الرب كان لابد أن ينفذ، وبكل سرعة، وبكل دقة. وتصرف ركاب السفينة بحكمة وحرص شديدين، وبذلوا كل جهدهم الفني، وصلوا كل واحد إلى إلهه وألقوا قرعةً ليعرفوا بسبب من كانت تلك البلية، فأصابت القرعة يونان…
الوحيد الذي لم يذكر الكتاب أنه صلى كباقي البحارة، كان يونان. وحتى بعد إن نبهه أو وبخه رئيس النوتية، لم يلجأ إلى الصلاة. كان عناده أكبر من الخطر المحيط به…
حاول البحارة إنقاذ يونان بكافة الطرق فلم يستطيعوا. واعترف يونان أنه خائف من الله الذي صنع البحر والبر!! إن كنت خائفًا منه حقًا، نفذ مشيئته. ما معنى أن تخافه وتبقى مخالفًا؟ ولكن كبرياء يونان كانت ماتزال تسيطر عليه. إن الإنسان إذا تعلق بذاته وكرامته، يمكن أن يضحي في سبيل ذلك بكل شيء… كان يونان يدرك الحق، ومع ذلك تمسك بالمخالفة، من أجل الكرامة التي دفعته إليها الكبرياء، فتحولت إلى عناد… قالوا له: “ماذا نصنع بك ليسكن البحر عنا؟”. فأجابهم: “خذوني واطرحوني في البحر”. وهنا أقف متعجبًا!!
على الرغم من كل هذه الإنذارات والضربات الإلهية، لم يرجع يونان. لم يقل أخطأت يا رب في هروبي، سأطيع وأذهب إلى نينوى… فضل أن يلقى في البحر، ولا يقول اخطات…!
لم يستعطف الله. لم يعتذر عن هروبه. لم يعد بالذهاب. لم يسكب نفسه في الصلاة أمام الله. إنما يبدو أنه فضل أن يموت “بكرامته” دون أن تسقط كلمته!! وهكذا ألقوه في البحر…
أما مشيئة الله فكانت لابد أن تنفذ. هل تظن يا يونان أنك ستعاند الله وتنجح؟! هيهات، لابد أن تذهب مهما هربت، ومهما غضبت. إن الله سينفذ مشيئته سواء أطعت أم عصيت، ذهبت أم هربت…
ألقيَ يونان في البحر، وأعد الرب حوتًا عظيمًا فابتلع يونان.
يا يونان، صعب عليك أن ترفس مناخس. إن شئت فبقدميك تصل إلى نينوى. وإن لم تشأ فستصل بالبحر والموج والحوت. بالأمر، إن لم يكن بالقلب.
وفي جوف الحوت وجد يونان خلوة روحية هادئة، ففكر في حاله. إنه في وضع لا هو حياة، ولا هو موت. وعليه أن يتفاهم مع الله، فبدأ يصلي. إنه لا يريد أن يعترف بخطيئته ويعتذر عنها، وفي نفس الوقت لا يريد أن يبقى في هذا الوضع. فاتخذ موقف العتاب، وقال: “دعوت من ضيقي الرب، فاستجابني… لأنك طرحتني في العمق… طردت من أمام عينيك”.
من الواضح أن الله لم يضع يونان في الضيق، ولم يطرحه في العمق، ولم يطرده ولكن خطيئة يونان هي السبب.
هو الذي أوقع نفسه في الضيقة، ثم شكا منها، ونسب تعبه إلى الله… ولكن النقطة البيضاء هي أنه رجع إلى إيمانه في بطن الحوت. فآمن أن صلاته ستستجاب، وقال للرب: “أعود أنظر إلى هيكل قدسك”. آمن أنه حتى لو كان في جوف الحوت، فلابد سيخرج منه ويرى هيكل الرب.
أتت هذه الضيقة الكبرى بمفعولها. ونجح الحوت في مهمته. والظاهر أن يونان نذر نذرًا أنه إن خرج من جوف الحوت، سيذهب إلى نينوى.
لأنه قال للرب وهو في جوف الحوت: “أما أنا فبصوت الحمد أذبح لك، وأوفي بما نذرته” (2: 9). أي نذر تراه غير هذا؟! ثم أنه لما قذفه الحوت إلى البر، وصدر إليه أمر الرب ثانية، نفذ نذره، وذهب إلى نينوى…
ولكن الظاهر أنه ذهب بقدميه مضطرًا، وليس بقلبه راضيًا. ذهب من أجل الطاعة، وليس عن اقتناع.
بلغ الرسالة إلى الناس. ونجحت الرسالة روحيًا. وتاب أهل نينوى وتذللوا أمام الرب، وصاموا، وصلوا. وقبل الرب توبتهم، ولم يهلك المدينة. ورأى النبي أن كلمته قد سقطت، ولم تهلك المدينة فاغتاظ.
وكان غيظ يونان دليلًا على الذاتية التي لم يتخلص منها.
ما كان يجوز إطلاقًا أن يغتاظ النبي لخلاص أكثر من 120000 نسمة، قد رجعوا إلى الله بالتوبة وقلب منسحق، لأن الكتاب يقول: “يكون هناك فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب”. لا شك إذًا أنه قد كان هناك فرح عظيم جدًا في السماء بخلاص أهل نينوى. ولكن يونان لم يشارك في هذا الفرح من أجل ذاتيته. كما أن الابن الأكبر لم يشارك في الفرح برجوع أخيه الصغير وفي الحفل الذي أقيم له لأجل ذاتيته أيضًا.
في كل هذا لم تكن مشيئة يونان موافقة لمشيئة الله.
ولم يكتف يونان بهذا، بل عاتب الله، وبرر ذاته وظن أن الحق في جانبه. فصلي إلى الله وقال: “آه يا رب، أليس هذا كلامي إذ كنت بعد في أرضي. لذلك بادرت بالهرب إلى ترشيش، لأني علمت أنك إله رؤوف ورحيم” (4: 2).
كيف صلى، وهو في تلك الحالة القلبية الخاطئة المغتاظة؟ وكيف تكلم كما لو كان مجنيًا عليه وقال: “آه يا رب”؟ وكيف ظن الحق في جانبه قائلًا: “أليس هذا كلامي…2”. وكيف برر هروبه قائلًا: “لذلك بادرت بالهرب…”. لم يقل ذلك في شعور الندم أو الانسحاق، بل شعور من له حق، وقد رضيَ بالتعب صابرًا!!!
عجيب هو الإنسان حينما يجامل نفسه على حساب الحق! ويرفض الاعتراف بالخطأ مهما كانت أخطاؤه واضحة!!
على أن الله استخدم في علاجه أربعة أمثلة من مخلوقاته غير العاقلة التي كلفت بمهام صعبة، وأدتها عل أكمل وجه، دون نقاش: الأمواج التي لطمت السفينة حتى كادت تغرق، الحوت الذي بلع يونان، الشمس التي ضربت رأسه فذبل، الدودة التي أكلت اليقطينة…
أما يونان فجلس شرقي المدينة ليرى ماذا يحدث فيها. كما لو كان ينتظر أن يعود الله فيهلك الشعب كله إرضاء لكرامة يونان!!!
وأعطاه الله درسًا من كل تلك الكائنات غير العاقلة التي كانت أكثر تنفيذًا لمشيئته من هذا النبي العظيم، الذي لم يتركه الرب بل هداه إلى طريقه، بركة صلواته فلتكن مع جميعنا آمين.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد التاسع) 28-2-1975م





