يونان النبي

بمناسبة صوم يونان، أحب أن أكلمكم مرة أخرى عن يونان النبي. لقد كلمتكم كثيرًا عن سفر يونان، ونشرت لكم كتابًا عنه. ولكني اليوم سأعرض لنقطة جديدة، عن أسلوب الله في تخليص النفس كما يوضحه سفر يونان النبي.
يونان النبي1
لما أنت أحشاء الرب على نينوي، ولما جاء ملء الزمان للإشفاق عليها، ولما حان ميعاد خلاصها، وفقًا لحكمة الله، ووفقًا لاستعداد قلوب الناس “صارت كلمة الرب إلى يونان بن أمتاي، قائلًا: “قم اذهب إلى نينوى…”
نحن لا نعلم متى يتكلم الله من أجل خلاصنا، لكننا نعرف أنه لابد سيتكلم، في الوقت الذي يراه مناسبًا ونافعًا.
نينوى المدينة الشريرة الغارقة في الإثم، من ملكها الجالس على العرش إلى أفقر رعاتها، هذه المدينة الشريرة رق قلب الله لها، وقال ليونان: “اذهب إلى نينوى…”.
فيها 120 ألف نسمة لا يعرفون يمينهم من شمالهم، ولكنني أنا أعرفهم واحدًا واحدًا، وعلى الرغم من شرهم وجهلهم، قد نقشتهم على كفي، وواحد منهم لا يسقط بدون إذن أبيكم.
+ الدعوة…
الله دعا يونان إلى الخدمة. هو الذي عين له الخدمة، وتفاصيلها، وموعدها، ونوع المناداة التي ينادي بها.
إن موضوع الدعوة في الخدمة موضوع هام، لأن السيد المسيح قال لتلاميذه: “لستم أنتم الذين اخترتموني، بل أنا اخترتكم”.
هو الذي يعين أصفياءه وخدامه “الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم… والذين سبق فعينهم، فهؤلاء دعاهم أيضًا” (رو 8: 29، 30)
الله هو الذي دعا إبراهيم، وموسى، وصموئيل، وإرميا، وباقي الأنبياء، كما دعا يونان أيضًا بطريقة واضحة.
إن الذين يقحمون أنفسهم في الخدمة، يتعرضون للفشل. أما الذين يدعوهم الله، فإنه يزودهم بالقوة اللازمة لنجاحهم.
هؤلاء يتكلم الله على أفواههم، وتقتدر كلمته في فعلها، ولا ترجع إليهم فارغة، إنما تكون كلمة قوية وفعالة، وتأتي بثمر، لأنها كلمة الله… فيجب أن يتأكد الخادم إذن من دعوة الله…
لقد دعا الله يونان، وأمره أن يذهب إلى نينوى، وينادي عليها بالهلاك، قائلًا له: “ناد عليها، لأن شرهم قد صعد أمامي”.
+ خلاص أم هلاك؟!
العبارة في ظاهرها هلاك مسبب، وفي أعماقها حب وخلاص. ناد عليها بالهلاك، الذي لا أريده لها، لأني أريد أن الجميع يخلصون.! فما معنى هذه المناداة إذن، وأين الخلاص؟
ناد عليها بالهلاك، فيخاف الشعب، ويفيق من غفلته، ويتوب، فأخلصهم. وهكذا تكون المناداة بالهلاك، وسيلة للخلاص!
أنا لست أقصد هلاكهم، إنما أريد إيقاظهم. وكخبير بالنفوس، أعرف أن إيقاظ هذا الشعب، لا يأتي إلا بهذه الطريقة!
إذن لم تكن في المناداة بهلاكهم أية شدة أو قسوة أو منافاه للحنو والحب. وهكذا لم يقل الرب ليونان “اذهب إلى نينوى المدينة الشريرة”، بل قال على العكس “المدينة العظيمة”.
أنا أعرف أنها ستكون مدينة عظيمة، في توبتها وفي انسحاقها.
اذهب إلى نينوى، لأن لي شعبًا كثيرًا في هذه المدينة، أكثر من السبعة آلاف ركبة التي لم تنحن للبعل، شعب تكفيه أول مناداة لكي يتوب في المسوح والرماد…
اذهب يا يونان، فإن الحقول قد ابيضت للحصاد. وسأرسلك لتحصد ما لم تتعب فيه. هناك 120 ألف نسمة، قد نضجت، وحان قطافها، لكي تمتلئ أهرائي حنطة.
كان يونان يعلم، سينادي على نينوى بالهلاك، فتتوب ولا تهلك، وهكذا تسقط كلمته. فأتعبته هذه الإرسالية وهرب.
كانت مشكلة يونان هي الذاتية. انشغل بكرامته أكثر من الخلاص.
وقد أراد الله أن يخلصه من هذه الذاتية، لكي يهتم بالخدمة، وليس بكرامته الشخصية. لا يهم نفذت كلمته أم سقطت، المهم هو خلاص الشعب. وعليه أن يخدم قضية الخلاص، كما قال بولس: “بمجد وهوان. بصيت حسن وصيت رديء”. لتسقط كلمتنا، ولتسقط كرامتنا، وليخلص الناس. لنفقد راحتنا، ونتعب ونتضايق، ولكن يخلص الناس…
لماذا أنت متضايق يا يونان من هذه الطريقة؟ أنت نفسك لن تخلص إلا إذا ناديت عليك بالهلاك، مثل نينوى…!
هذه الذاتية التي فيك، ومحبة الكرامة، والاعتداد بالرأي، والمخالفة والعناد، كل هذه لن تتخلص منها إلا إذا ناديت عليك بالهلاك، ودخلت في نفس الضيقة، فتتعرض للموت لكي تحيا.
وهكذا أعد الله حوتًا عظيمًا فابتلع يونان. ثلاثة أيام قضاها في الرعب، تعلم منها الطاعة ونفذ مشيئة الله ولو مغتصبا…
كان يونان محتاجًا إلى لطمة قوية لكي يفيق، مثل نينوى. وقبل هذه اللطمة كان أهل السفينة يصلون، ما عداه، إذ نام نومًا ثقيلًا دون أن يعبأ بهربه من الله! ربما يظن أن ابتلاع الحوت ليونان كان إجراءً شديدًا من الله لا يتفق مع حنوه!!
ولكن حنو الله كله حكمة. إنه حنو روحي يهدف إلى خلاص النفس وليس مجرد عطف وتدليل…
لقد علمنا الرب أن نحمل الصليب في طريق الخلاص، وأنه “بضيقات كثيرة ينبغي أن نرث ملكوت السموات”، كما أرشدنا إلى الباب الضيق وإلى الطريق الكرب. لأنه يحبنا ويريد خلاصنا. إنه يريد أن الجميع يخلصون، ولكن كيف؟
إن كانوا يخلصون بالحب والنعم والبركات، فلا مانع. وإن كانوا يخلصون بالألم والصليب، فلا مانع. المهم أن يخلصوا.
قد لا يفيق إنسان إلى خلاص نفسه إلا بكلمة شديدة، أو مرض أو تجربة أو حادث معين. لا مانع لدى محبة الله من كل هذا، المهم أن يخلص. إن الألم نافع، ولا يتعارض إطلاقًا مع محبة الله.
ونحن لا نشك في محبة الله، إن قادتنا في طريق الألم. إنما يجب إن نسلم ذواتنا لمشيئته، ونثق بها.
وهكذا نقول: المر الذي يختاره الرب لي، خير من الشهد الذي أختاره لنفسي. كل أعمال الله خير. قد لا أرى هذا الخير، ولكنني أؤمن بوجوده. أنت يا رب المحبة ذاتها، أنت ينبوع الحنان. وحنانك لا يتغير سواء أدخلت يونان في بطن الحوت، أو أخرجته منه…
إن الشدائد أفادت يونان، كما أفادت أهل نينوى أيضًا…
المناداة بالهلاك قادت نينوى إلى الصلاة والصوم والتوبة والانسحاق وإلى المغفرة تبعًا لذلك. وابتلاع الحوت أفاد يونان، فصلى في جوف الحوت، واصطلح مع الله، وخرج طائعًا.
كذلك الأمواج التي كادت تقلب السفينة أفادت ركابها روحيًا:
فصلوا كل واحد إلى إلهه، ونذروا نذورًا، وقبلوا الله وآمنوا، وذبحوا ذبائح للرب وخلصت نفوسهم.
كثيرون يقولون للرب على جبل التجلي “جيد أن نكون ههنا”. فيجيبهم الرب: “لقد أخطأتم الطريق”، ويقودهم بمحبته إلى بستان جثسيماني.
هناك في جثسيماني يدعوهم أن يسهروا معه. هناك ينبغي أن يتألموا معه، لكي يتمجدوا معه أيضًا. إن حياة الألم نافعة للإنسان، تعلمه الانسحاق والاتضاع والصلاة، وتعالج قسوة القلب فيرق. وفي الألم نبصر وجه الله…
قال الله ليونان: “اذهب إلى نينوى، وناد عليها، لأنه قد صعد شرهم أمامي”… ومع ذلك فأنا لست يائسًا منهم.
أنا أرى توبتهم وخلاصهم، على الرغم من شرهم الصاعد أمامي. لست يائسًا منهم، ولا قلبي قد تغير من جهتهم.
هكذا أيضًا لم ييأس الله من شاول الطرسوسي، الذي كان يضطهد الكنيسة، ويجر رجالًا ونساءً إلى السجن… على الرغم من هذه القسوة الخارجية، كان الله يرى في شاول الإناء المختار الذي سيحمل رسالته إلى الأمم، والذي سيتعب أكثر من جميع الرسل، وسيصعد إلى السماء الثالثة، ويرى أشياء لا ينطق بها…
في نينوى الخاطئة سأعطيك يا يونان أمثولة صالحة، خبرة روحية عجيبة في تغيير النفوس، لن تجدها في كل معاهد الرعاية!
تعال معي، تدرب على الخدمة العملية، وسترى كيف ينسحق الناس بالآلام، وحينئذ سوف تدرك بركة الألم، وتختبر حكمة الإرسالية التي كلفتك بها، وتطيع بعد ذلك بلا فحص…
إن الملائكة في السماء يطيعون، بكل سرعة، وبلا جدال…
مهما كان نوع الإرسالية، نعمة أم عقوبة: ملاك يرسله الله ليرفع السيف على أورشليم، آخر بسيف من نار يمنع الطريق إلى شجرة الحياة، ثالث يقتل جميع الابكار، رابع ليسد أفواه الأسود… الكل يطيع، في ثقة، وبلا تذمر، وبلا مناقشة…
لتكن يا رب مشيئتك. مشيئة كلها حب، وكلها حكمة. ليس لنا أن نفهمها، إنما علينا أن ننفذها، وأن نقبلها في رضى وفي ثقة.
إن أعددت حوتًا ليبتلع يونان، فهذا حب كبير، لكي يتعلم الطاعة، ولكي يخدم. وإن أمرت الشمس أن تضربه على رأسه حتى يذبل ويشتهي الموت، فهذا حب كبير أيضًا، إذ كان وسيلة تفاهم بها معك، وعرف واقتنع…
نحن يا رب، لسنا أحن منك، ولسنا أعرف منك بالنفوس…
أنت قد خلقت النفوس، وتعرف طبيعتها، وتعرف كيف تخلص… يوحنا تجذبه إليك باتكائه على صدرك، ومريم بجلوسها عند قدميك، والمرأة الخاطئة تكسبها بقولك لها “اذهبي بسلام، وأنا أيضًا لا أدينك”. ويونان تخلصه بالحوت، وبضربة من ريح شرقية حارة، وأهل السفينة تخلصهم بالأمواج والزوابع، وأهل نينوى بمناداة الهلاك…
نحن لا نفحص أحكامك، ولكننا نتأملها، فنرى عجائب من حكمتك
كنت تحب داود، حين ثار عليه أبشالوم، وحين شتمه شمعي بن جيرا، في عينيه دموع كنت تريدها أن تخرج، وفي قلبه مزمور كنت تريده أن يرتله…
إنك تحب وأنت ممسك بالسوط، تمامًا كما وأنت تحتضن الأطفال. أنت تحب تعطي، تمامًا كما تحب وأنت تأخذ. ليس عندك تغيير ولا ظل دوران مبارك أنت في كل أعمالك. الرب أعطى، الرب أخذ، ليكن اسم الرب مباركًا في كل حين.
ما أجمل الدروس التي نتعلمها من قصة يونان! حسن أن جعلتها الكنيسة مقدمة وممهدة لأيام الصوم الكبير…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثامن) 20-2-1976م




