يوم الخمسين ورموز النار
تحدث قداسة البابا عن يوم الخمسين (العنصرة)، اليوم الذي حلّ فيه الروح القدس على التلاميذ على شكل ألسنة كأنها من نار، كما وعد المسيح حين قال: «جئت لألقي نارًا على الأرض» (لوقا 12). هذه النار ترمز إلى حضور الله القدوس وعمله المحيي في الكنيسة.
النار في الكتاب المقدس
يشرح البابا أن النار في العهد القديم كانت علامة قبول الله للذبيحة، مثلما حدث مع إيليا النبي، وكانت نار المحرقة دليلًا على أن التقدمة كلها لله. كما كانت النار لا تنطفئ في هيكل الله، رمزًا لحضوره الدائم. لذلك، فالنار تشير إلى الله نفسه، وبالتالي إلى الروح القدس الذي يسكن في المؤمنين.
المؤمن هيكل للنار الإلهية
كل مؤمن صار هيكلًا للروح القدس، والنار الإلهية يجب ألا تنطفئ في داخله كما لم تنطفئ في الهيكل القديم. هذه النار تُرمز إليها في الكنيسة بالشموع والبخور والمجمرة التي لا تخلو من النار أبدًا.
رموز النار في الكنيسة
-
الشموع أمام الأيقونات: ترمز لقديسين أضاءوا حياتهم للآخرين، كما تذوب الشمعة لتضيء.
-
الشموع على المذبح: تشير إلى حضور الملائكة في الذبيحة الإلهية.
-
الشموع أثناء قراءة الإنجيل: ترمز إلى النور الروحي الخارج من كلمة الله.
-
النار في المجمرة: تمثل اتحاد اللاهوت بالناسوت كما يتحد الفحم بالنار، ولهذا تُدعى العذراء “الشورية الذهبية”.
البخور وحياة المؤمن
البخور الذي يُرفع على النار يرمز إلى حياة المؤمن التي تُقدَّم لله رائحة طيبة من خلال البذل والتضحية. والمسيح نفسه قدّم حياته عطية عطرة لله من أجل خلاص العالم.
الملائكة والنار
الكتاب يقول: «خدامه نار تلتهب»، أي أن الملائكة أرواح نارية تخدم بإيمان وغيرة مقدسة. وهكذا ينبغي أن يكون خدام الله في الكنيسة، مشعلين بالنار الإلهية التي لا تحتمل هلاك أحد بل تشتاق لخلاص الجميع.
قصة السرافيم وأشعياء النبي
عندما رأى إشعياء رؤيا السرافيم المشتعلين نارًا وهم يسبحون قائلين: «قدوس، قدوس، قدوس»، خاف واعترف بخطيئته، فأخذ أحد السرافيم جمرة من على المذبح وطهّر بها شفتيه. يشرح البابا أن هذا يرمز إلى عمل الروح القدس الذي يطهّر الإنسان ويُلهب قلبه بخدمة مقدسة.
ألسنة النار في يوم الخمسين
ألسنة النار التي حلّت على التلاميذ كانت تعبيرًا عن عمل الروح القدس في الكلمة والخدمة. فكل خادم حقيقي لا يتكلم من ذاته، بل يجعل روح الله يتكلم فيه بكلمات مشتعلة تؤثر في القلوب وتشعل النفوس بمحبة الله.
الخادم الناري
الخادم الروحي هو من يلمس الآخرين بالنار التي في داخله، فيتحولون هم أيضًا إلى نار. كما حدث مع الرسل الذين امتلأوا غيرة مقدسة في يوم الخمسين وصاروا شعلات تنتشر في العالم كله.
أمثلة على الخدام الناريين
ذكر البابا بولس الرسول الذي ارتعد أمامه فيلكس الوالي عندما تكلم عن البر والدينونة، واغريباس الملك الذي تأثر حتى قال: «بقليل تقنعني أن أصير مسيحيًا». كذلك داود النبي الذي واجه جليات بقوة نارية قائلاً: «اليوم يحبسك الرب في يدي».
حرارة الروح القدس
الكتاب يقول: «كونوا حارين في الروح»، أي ليكن في المؤمن حرارة داخلية من الإيمان والغيرة. هذه الحرارة هي العلامة الفارقة بين النفس الحية المشتعلة والنفس الميتة الخاملة. الرسل لم يستطيعوا السكوت لأن “النار كانت مشتعلة في داخلهم”.
الكنيسة المشتعلة
في العصور الأولى، ظلت الكنيسة مشتعلة بالنار الإلهية في الإيمان والنسك والدفاع عن العقيدة، سواء في حياة الشهداء أو الرهبان أو المعلمين. هذه الحرارة الروحية جعلت المسيحية تنتصر حتى صارت الإمبراطورية الرومانية مسيحية.
خاتمة
يدعو البابا في النهاية كل خادم وكل مؤمن أن تكون فيه نار الروح القدس، لتشتعل الخدمة والكنيسة كلها بالنور والغيرة والمحبة الإلهية، فيتحول العالم بنار الروح الحي.




