ينبغي أن يكون الكاهن روحيًا في أهدافه وفي أسلوبه

ينبغي أن يكون الكاهن روحيًا في أهدافه وفي أسلوبه[1]
إن كان الآباء الرسل قد اشترطوا في الشمامسة أن يكونوا “مَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع6: 3)، فكم بالأولى يكون الآباء في رتب الكهنوت! وإن كان المؤمنون العاديون يجب أن يكونوا “سَّالِكِينَ… حَسَبَ الرُّوحِ” (رو8: 1)، (غل5: 16)، فكم بالحري يكون الرعاة والقادة! إذن ينبغي أن يكون الكاهن شخصًا روحيًا…
إن الكاهن ليس مجرد طاقة من نشاط، ولا هو مجرد معلومات ولا مجرد رئاسة، إنما هو روح لها تأثيرها.
هو روح له تأثيره الإيجابي، باعتباره “نُورُ الْعَالَمِ” (مت5: 14) و”مِلْحُ الأَرْضِ” (مت5: 13)، ينظر إليه الناس كقدوة ومثال في كل عمل صالح، يطلبون منه الإرشاد، ويستفيدون من منهج حياته.
ولهذا من المفروض في الكاهن أن يكون روحيًا في أهدافه، وروحيًا في أسلوبه. ونلاحظ أن الكاهن يوحنا المعمدان الذي أعد الطريق قدام المسيح، وهيأ له شعبًا مستعدًا، قيل عن هذا الكاهن القديس إنه: “مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (لو1: 15).
فرسالة الكاهن رسالة روحية، هدفها أن يخلص “عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْمًا” (1كو9: 22) كما قال بولس الرسول عن نفسه.
اهتماماته اهتمامات روحية، لا يصح أن يطغي عليها أي اهتمام آخر، وكما قال الرسول إن اهتمام الروح هو حياة (رو8: 6). فليس للكاهن سوى هدف واحد، هو قيادة الشعب إلى ملكوت الله. ومن ذلك قيادتهم إلى التوبة والمصالحة مع الله. إنها “خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ” كما دعاها الرسول. وقال في ذلك: “نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ” (2كو5: 20).
وكما ينادي للمبتدئين بالتوبة والمصالحة مع الله، ينادي للناضجين منهم بالنمو الروحي، وأن يمتدوا إلى قدام (في3: 13) حسب قول الكتاب: “انْمُوا فِي النِّعْمَةِ” (2بط 3: 18) “امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ” (أف5: 18). وليس فقط المناداة لهم، وإنما أيضًا مساعدتهم على ذلك.
هذا هو هدفه الوحيد. وإن استخدمنا كلمة (أهداف)، إنما نقصد بها مجرد تفاصيل هذا الهدف الواحد الروحي.
رسالته أن يوصل الناس إلى الله، وأن يبني ملكوت الله على الأرض، ويعدّ أبناءه للملكوت الأبدي.
وليست له رسالة أخرى في كل عمله الرعوي. وإن خدم رسالة أخرى، إنما يكون قد انحرف في عمله وضلّ الطريق.
قد يوجد كاهن يفكر في مشروعات وأنشطة. وهنا نسأل:
هل هذه المشروعات والأنشطة تخدم الهدف الروحي أم لا؟
إن كان الأمر كذلك، فما هو هدفها؟ وما هي الوسائل التي تحقق هذا الهدف الروحي. وإن لم يكن لتلك المشروعات والأنشطة هدفها الروحي، فليبعد عنها الأب الكاهن. إنها ليست عمله، ولا تدخل في نطاق واجبه ومسئولياته.
وسأضرب مثالًا: نادي الكنيسة، هل له هدف روحي؟
أم هو لمجرد التسلية وقضاء الوقت؟ فإن كان له الهدف الروحي وهو أن يعيش أولادنا في جو روحي وفي محبة وتآلف أثناء لعبهم وتسليتهم، وأن نتكشف أخطاءهم أثناء اللعب أو التسلية لكي نعالجها، حينئذ لا بد أن تكون الوسيلة الأولى هي الإشراف الروحي على النادي، وإيجاد جو روحي فيه، وإبعاده عن أي لون من العثرات والأخطاء. أما وجود النادي بدون إشراف روحي، وبدون أن يحقق أية رسالة روحية، فهو ليس من عمل الكنيسة بل قد يؤدي عدم الإشراف الروحي إلى أخطاء يقع فيها أبناؤنا وهم في حضن الكنيسة، مما يؤدي إلى اللامبالاة بالقيم وبقدسية الكنيسة وأنشطتها. فلا تصبح جوًا روحيًا لهم!!
حقًا إن الهدف يحدد ويوضح الوسائل المؤدية إليه.
مثال آخر: مكتبة الكنيسة: هل لها هدف روحي؟
أم هي مجرد نشاط أو مشروع؟ لمجرد القراءة والمعرفة والتسلية…! أو هي ديكور تستكمل به الكنيسة منظرها وهيبتها!
فإن كان للمكتبة هدف روحي. فطبيعي أنه سيكون المعرفة الروحية التي توصل إلى الحياة الروحية السليمة. وكذلك المعرفة اللاهوتية والعقيدية التي تقود إلى الإيمان السليم، والمعرفة الكتابية التي توسع مجال الفهم والتأمل واشراق نور الكتاب… إلى جوار سير القديسين التي تشعل الرغبة في الاقتداء بهم… يضاف إلى كل هذا وأمثاله المعرفة العامة النقية البعيدة عن الخطأ والعثرة.
إن عرفنا هذا، تكون من أهم الوسائل الدقة في انتقاء الكتب، بحيث تكون كلها نافعة وبناءه.
مع وجود أمين مكتبة يصلح أن يكون مرشدًا يوجه الذين يقرأون أو يستعيرون إلى ما يفيدهم. وهنا تكمل المكتبة عمل الكنيسة ورسالتها في الوعظ والتعليم.
أما أن تكون مكتبة الكنيسة مجرد مخزن واسع للكتب بدون مراجعة ما تحويه وضمان منفعته، فإن هذا يخرجها عن هدفها الكنسي. ويتعقد الأمر إن شملت كتبًا تعثر القراء من جهة العقيدة أو الروحيات أو الفهم السليم للكتاب…
بنفس المنطق، يمكن أن نتحدث عن الحضانة، والمدرسة، والمشغل، والمستشفى، وما تفكر فيه الكنيسة من مشروعات.
هل كل هذه المشروعات لها هدف روحي أم هدفها مادي لتنمية إيرادات الكنيسة؟ وهل يدخل فيها الإشراف الروحي، أم لا يدخل؟ وهل تتميز عن المشروعات التي يقوم بها أهل العالم أم لا فرق؟!
إن الكنيسة لا تنافس أهل العالم في مشروعاتها، ولا تشابه أهل العالم في أساليبه. إنها تضع أمامها قول الرسول: “لاَ تُشَاكِلُوا هَذَا الدَّهْرَ” (رو12: 2). وكل مشروع يضع الكاهن يده فيه، يكون لأجل الله وبناء ملكوته. و”بِهَذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ” (1يو3: 10).
ننتقل إلى نقطة أخرى وهي الوعظ والتعليم.
ليس هدف الكاهن الروحي مجرد إضافة معلومات دينية إلى عقول سامعيه. إنما هدفه من الوعظ أن تتغير القلوب إلى أفضل.
هناك كاهنان يعظان: أحدهما يعظ، فيقول السامع: “ما أعظم هذا الأب في وعظه! ما أكثر معلوماته وما أعمق أسلوبه وترتيب أفكاره!”، بينما يعظ الكاهن الآخر فيخرج السامع وقد بكته ضميره على خطاياه، وقال في قلبه: “لا بد أن أحيا حياة نقية مع الله، واملأ قلبي من محبته”. لم يشغله الواعظ، بقدر ما شغلته الحياة مع الله…
الكاهن الروحي إذا تكلم في العقيدة، يشرحها بكل إقناع دون أن يشتم الطوائف، أو يتحدث عنهم بأسلوب جارح.
هدفه موضوعي هو الإيمان، وليس التعرض للآخرين. وبهذا يستطيع أن يحتفظ بأدب الحوار في مناقشاته اللاهوتيه.
ولعل من أبرز الآباء في هذا المجال: القديس ديديموس الضرير، الذي استطاع – برفقه وأدبه – أن يجذب بعض الفلاسفة الوثنيين إلى الإيمان السليم، دون أن يخدش شعورهم…
والكاهن الروحي لا يتعالى في التعليم.
لأن التعالي يفقده محبة سامعيه، فيفقد انجذابهم إلى تعليمه. وهكذا يفقد الهدف من هدايتهم بتعليمه. وهكذا كان المعلمون الكبار متواضعين ما دام هدفه أن يقود السامعين إلى الخير، فهو لا يقدم لهم من التعليم ما لا يستطيعون تنفيذه – متباهيًا بسمو تعليمه. إنما كما قال بولس الرسول لأهل كورنثوس: “سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ” (1كو3: 2). وكما قرر الآباء الرسل أنهم لا يثقلون على الراجعين إلى الله من الأمم (أع15: 19، 20).
الكاهن الروحي تختفي ذاته في التعليم، لأن ذاته ليست هدفه.
ما دام هدفه هو الله، إذن لا بد أن تختفي الذات. فهو في عظاته وكل تعليمه، لا يظهر ذاته أنه عالم وفيلسوف، إنما يكلم سامعيه بالبساطة التي يفهمونها، وبالروحانية التي تؤثر فيهم. وكما قال القديس بولس: “لاَ بِحِكْمَةِ كَلاَمٍ لِئَلاَّ يَتَعَطَّلَ صَلِيبُ الْمَسِيحِ” (1كو1: 17).
إن الكاهن الذي يقصد أن يرفع ذاته بالتعليم، ليس كاهنًا روحيًا. لأن الذات أصبحت هي الهدف، والتعليم وسيلة لظهورها. إنما يجب أن يهتم الكاهن كل الاهتمام في كل وعظه وتعليمه، كيف يمكن أن يوصل الناس إلى الله.
في شبابنا كنا نتوق إلى سماع عظات الأستاذ إسكندر حنا. وكان أعظم واعظ في زمانه. وكان وعظه بسيطًا جدًا، حافلًا بالقصص…
الكاهن الروحي تظهر روحياته أيضًا في الافتقاد.
الافتقاد عنده ليس عملًا اجتماعيًا يزور فيه العائلات أو الأفراد في جلسة اجتماعية يسودها السمر. إنما افتقاده هو عمل روحي. يدخل البيت ويدخل الله معه في ذلك البيت، ويبقى هناك. ويكون الله هو أساس هدف الزيارة، بحيث كيف يرتبط به أهل البيت من كل ناحية، ويشعرون أنهم قد بدأوا حياة مع الله منذ زيارة الأب الكاهن لهم، أو أن علاقتهم بالله ازدادت عمقًا واتسع مجالها.
نفس الوضع يكون في الافتقاد الذي يقوم به أي خادم للكلمة.
الأسلوب الروحي يلتصق بالكاهن في كل عمل يقوم به.
وبهذا الأسلوب يكون رقيقًا شفيقًا في كل معاملاته، بحيث في شخصه يحب الناس الدين، إذ يجدون فيه باستمرار النفس المريحة التي تريح الكل، وتتعامل مع الكل بالرفق واللين، كما قال عن السيد المسيح إنه كان “لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ” (مت12: 19، 20).
وبهذا الأسلوب لا يجرح شعور إنسان:
السيد المسيح لم يجرح شعور السامرية مع أنها كانت امرأة خاطئة. بل حدثها عن الماء الحي، والسجود لله بالروح والحق. (يو4: 10، 23) ولم يخجلها لما تطرق إلى حياتها الخاصة، بل امتدحها في بعض النواحي وقال لها: “حَسَنًا قُلْتِ… هَذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ” (يو4: 17، 18). وبهذه الرقة في الحديث اجتذبها إلى الإيمان، وإلى السعي لنشر الإيمان بين الناس.
والسيد المسيح أيضًا لم يجرح شعور المرأة المضبوطة في ذات الفعل، بل على العكس خلّصها من الذين أرادوا رجمها. وقال لها: “ولاَ أَنَا أَدِينُكِ…” (يو8: 11).
لذلك من صفات الراعي أنه لا يكون غضوبًا (تي1: 7).
بل يكون “حَلِيمًا، غَيْرَ مُخَاصِمٍ” (1تي3: 3). يتصف بالوداعة، حتى في معاملة الخطاة. كما يقول بولس الرسول عن إصلاح هؤلاء: “أَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هَذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا” (غل6: 1). ويقول يعقوب الرسول: “مَنْ هُوَ حَكِيمٌ وَعَالِمٌ بَيْنَكُمْ فَلْيُرِ أَعْمَالَهُ بِالتَّصَرُّفِ الْحَسَنِ فِي وَدَاعَةِ الْحِكْمَةِ” (يع3: 13).
بهذه الوداعة، الكاهن الروحي يصلح الآخرين.
وحتى في تقبله لاعتراف الناس بخطاياهم، يكون مشجعًا، لا يحرج المعترف ولا يعصره عصرًا. بل يستمع إليه في رفق، كمن يريد علاجه لا توبيخه. كما قبل الأب عودة ابنه الضال (لو15).
بنفس الأسلوب الشفوق يتعامل مع الفقراء والمحتاجين.
ليسوا كطالبي الإحسان. بل كأخوة له في الإيمان. وقد دعاهم السيد الرب أخوة له. وقال: “بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ” (مت25: 40). فالكاهن ذو الأسلوب الروحي لا يقابل هؤلاء المحتاجين بالشك فيما يقولون، كأنهم يدّعون، أو من المحتالين… بل يعاملهم بكل رفق، ويحاول أن يحلّ كل اشكالاتهم، ولا يتبرم بهم وبكثرة طلباتهم. ويجعلهم يخرجون من عنده مجبوري الخاطر…
إن الكاهن كثير الانتهار يخسر الناس، بل قد يتركون الكنيسة بسببه. ولا يرون فيه صورة المسيح الوديع الطيب.
ليس كل الذين تركوا الكنيسة، تركوها لأسباب عقائدية، بل إن بعضهم أتعبته معاملة سيئة، أو نفرته قسوة من بعض الخدام.
ولذلك فإن الله- في سفر حزقيال النبي- يوبخ الرعاة الذين بسببهم صارت غنمه غنيمة، وصارت مأكلًا لكل وحش الحقل (حز34: 8).
وضرب الرب مثالًا طيبًا للرعاية فقال: “أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا… وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ” (حز34: 15، 16). مبارك الرب في كل عمل رعايته لنا.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – ينبغي أن يكون الكاهن روحيًا في أهدافه وفي أسلوبه، بمجلة الكرازة 17/8/2001




