يشوع بن نون

تحدَّثَ قَدَاسَةُ البَابَا شِنُودَه الثَّالِث عَن يَشُوعِ بْنِ نُون، تِلْمِيذِ مُوسَى النَّبِي، الَّذِي خَلَفَهُ فِي قِيَادَةِ شَعْبِ إِسْرَائِيل بَعْدَ مَوْتِهِ.
بَيَّنَ قَدَاسَتُه أَنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَثِيلٌ فِي جِيلِهِ، وَكَانَ يَشُوعُ خَائِفًا أَنْ يَمْلأَ فَرَاغَهُ، لِعِدَّةِ أَسْبَابٍ:
-
صُعُوبَةُ أَنْ يَحِلَّ مَكَانَ مُوسَى النَّبِي العَظِيم.
-
تَمَرُّدُ الشَّعْبِ وَعِنَادُهُ.
-
وُجُودُ أَعْدَاءٍ خَارِجِيِّينَ أَقْوِيَاء.
وَأَوْضَحَ أَنَّ اللَّهَ يَخْتَارُ الضُّعَفَاءَ لِيُظْهِرَ قُوَّتَهُ فِيهِم، كَمَا قِيلَ: “اخْتَارَ اللَّهُ ضُعَفَاءَ العَالَمِ لِيُخْزِيَ بِهِم الأَقْوِيَاءَ”.
تَتَلْمَذَ يَشُوعُ عَلَى مُوسَى النَّبِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي البَرِّيَّةِ، وَامْتَصَّ مِنْهُ رُوحَ الحِلْمِ وَالوَدَاعَةِ وَالإِيمَانِ، وَشَاهَدَ المَعْجِزَاتِ بِنَفْسِهِ. وَتَعَلَّمَ مِنْهُ أَنَّ القُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي السَّيْفِ، بَلْ فِي الأَيْدِي الرَّافِعَةِ لِلصَّلَاةِ.
كَانَ يَشُوعُ أَمِينًا وَوَفِيًّا لِمُعَلِّمِهِ، لَمْ يُشَارِكِ الشَّعْبَ فِي خَطَايَاهُمْ، وَلَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ الذَّهَبِي. وَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ أَنْ يَدْخُلَ الأَرْضَ المَوْعُودَةَ مَعَ كَالِبَ بْنِ يَفُنَّه.
وَرَكَّزَ قَدَاسَتُهُ عَلَى فَضِيلَةِ التَّلَمَذَةِ، مُبَيِّنًا أَنَّهَا لَيْسَتْ مَعْرِفَةً نَظَرِيَّةً، بَلِ امْتِصَاصٌ لِلرُّوحِ وَالأَسْلُوبِ وَالطَّرِيقَةِ.
فَالتَّلْمِيذُ الصَّالِحُ يَتَعَلَّمُ مِنْ حَيَاةِ مُعَلِّمِهِ، مِنْ هُدُوئِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ، كَمَا يَتَعَلَّمُ الأَبْنَاءُ مِنْ آبَائِهِمْ، وَالخُدَّامُ مِنْ مَخْدُومِيهِمْ.
وَأَكَّدَ أَنَّ الحَيَاةَ الرُّوحِيَّةَ تَحْتَاجُ إِلَى رُوحِ التَّعَلُّمِ الدَّائِمِ، فَالإِنْسَانُ الحَكِيمُ يَظَلُّ تِلْمِيذًا طُولَ حَيَاتِهِ، يَتَتَلْمَذُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَرَى فِيهِ فَضِيلَةً، حَتَّى عَلَى الطَّبِيعَةِ نَفْسِهَا.
وَخَتَمَ قَدَاسَتُهُ بِقَوْلِ الرَّبِّ لِيَشُوع:
“لاَ يَقِفُ إِنْسَانٌ فِي وَجْهِكَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ، كَمَا كُنْتُ مَعَ مُوسَى أَكُونُ مَعَكَ. لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ. تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ.”
فَصَارَ يَشُوعُ قَائِدًا عَظِيمًا، وَمِثَالًا فِي الإِيمَانِ وَالأَمَانَةِ وَالتَّلَمَذَةِ.



