وفصل الله بين النور والظلمة

نتأمل اليوم في قول الكتاب “وقال الله ليكن نور، فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة” (تك1: 3- 5). وأيضًا قول الكتاب “لأنه أية خلطة للبر والإثم، وأية شركة للنور مع الظلمة؟! وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟!” (2كو6: 14، 15).
وفصل الله بين النور والظلمة1
الإنسان الذي يسير في طريق الله، لابد أن يفصل ذاته عن كل طريق الخطية والعثرة، لأنه أية شركة للنور مع الظلمة. لا يستطيع إنسان أن يجمع بين الأمرين في حياته.
عندما دعا الله إبراهيم أبا الآباء، قال له في أول دعوته “أخرج من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك، إلى الأرض التي أريك…” (تك12: 1). وهناك “أباركك، وأعظم اسمك، وتكون بركة”. من الصعب عليك أن تحيا بطريقة روحية في هذا الوسط، لذلك أخرج من هذا المكان، ومن موضع الخطية…
وكما فعل الرب مع إبرام في إخراجه من أور، هكذا فعل مع لوط في إخراجه من سدوم، إذ قال له:
“اهرب لحياتك، ولا تنظر إلى ورائك، ولا تقف في كل الدائرة.. أسرع، اهرب إلى هناك” (تك19: 17، 22).
ولما فسدت الأرض كلها في أيام نوح، فصل الله نوحًا وبنيه وزوجاتهم، وأغرق الأرض بالطوفان… إنها عملية فصل بين النور والظلمة. وكما يقول الكتاب:
“اعزلوا الخبيث من وسطكم” (1كو5: 13، يش7: 13). وهكذا كان الرب باستمرار، يفصل أولاده عن كل وسط شرير. ولا يسمح لهم بأن يندمجوا في شعوب الأرض، ولا يتزاوجوا معهم… ويقول الكتاب أيضًا “لا تخالطوا الزناة” (1كو5: 9). بل يقول بالأكثر (1كو5: 11): “إن كان أحد مدعو أخًا، زانيًا، أو طماعًا، أو عابد وثن، أو سكيرًا، أو خاطفًا:
“أن لا تخالطوا، ولا تؤاكلوا مثل هذا…”.
وقال في ذلك أيضًا إن “المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة”. ووصل في عملية الفصل مع الخطية والخطاة، إلى حدود صعبة جدًا، قال فيها الرب “إن كانت عينك اليمنى تعثرك، فاقلعها وألقها عنك… وإن كانت يدك اليمنى تعثرك، فاقطعها وألقها عنك” (متى5: 29، 30). لا يوجد أعز من العين، أو الزم من اليد اليمنى. ولكن إن صارت إحداهما ظلمة، فانفصل عنها. اعتزل كل بيئة معثرة.
لأن الإنسان البعيد عن مادة الخطية ومصادرها ومعثراتها: إن حورب بالخطية، تكون له حرب واحدة، من الداخل فقط. أما الذي يعيش في وسط شرير: فإنه إذا حورب تكون أمامه حربان: حرب من الداخل وحرب من الخارج أيضًا…
لذلك فصل الله بين النور والظلمة منذ بدء الخليقة.
واستمر هذا الفصل طوال عصور الآباء والأنبياء. وكان موضع الخاطئ هو خارج المحلة، لكي تبقى المحلة كلها مقدسة.
والكنيسة أيضًا كانت تعزل الخطاة، وتخرجهم من شركة المؤمنين excommunication
يوحنا الحبيب، الرسول الذي يمثل الحب في أعماقه، تراه في هذه النقطة بالذات حازمًا جدًا، يدعونا أن نتجنب كل أخ يسلك بلا ترتيب. ويقول:
“لا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلام. لأن من يسلم عليه، يشترك في أعماله الشريرة” (2يو10، 11).
إن أولاد الله مجموعة مقدسة، اعتزلت أسباب الخطية، واعتزلت العالم كله، لأنها ماتت عن العالم وعن كل أعماله الرديئة.
أول اعتزال، يبدأ في المعمودية، بجحد الشيطان وكل جنوده وأعماله.
وفي المعمودية أيضًا ننفصل عن الإنسان العتيق، ونولد بإنسان جديد على صورة الله، ونلبس المسيح.
ونبقي حياتنا كلها منعزلين عن العالم والخطية والشيطان.
وفي الكنيسة الأولى نجد أن بولس الرسول عزل خاطئ كورنثوس (1كو5: 2). وبطرس الرسول فعل أكثر من هذا مع حنانيا وسفيرا.
فإن كنت أنت لا تستطيع أن تعزل الخطاة رسميًا، فليس أقل من إن تنعزل عنهم عمليًا، بعيدًا عن تأثيراتهم.
هذا الفصل بين النور والظلمة بدأ منذ أول البشرية، من أيام آدم وحواء، حينما فصل الرب أبوينا الأولين عن شجرة الحياة، وطردهما خارج الجنة…
ينبغي على الإنسان، ليس فقط أن يفصل نفسه عن الخطاة وإنما بالأكثر عن الخطية ذاتها، وكل مظاهرها ومسبباتها.
يفصل عقله عن الفكر الشرير، وقلبه عن الشهوة الرديئة والأحاسيس الخاطئة، ولا يجعل حياته: ساعة لله وساعة للعالم. لا يجوز أن تبقى في حياة الإنسان لحظة واحدة يشترك فيها مع الخطية، ولا يجوز أن يسمح بجزء ولو ضئيل من قلبه أو فكره للخطية، لأن الكتاب يقول “تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل فكرك” (تث6) ويقول الكتاب أيضًا:
“لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب”(1يو2: 15).
لما حدث أن شمشون لم يعتزل دليلة، سقط، بينما كان روح الله قد حل عليه من قبل. لذلك فإن إيليا النبي يوبخ الذين يتأرجحون بين الطريقين، ويحاولون الجمع بين النور والظلمة، فيقول:
“حتى متى تعرجون بين الفرقتين؟ إن كان الرب هو الله فاتبعوه، وإن كان هو البعل فاتبعوه” (1مل18: 21).
اجلس إذن بينك وبين ذاتك وقل لنفسك: هل ما تزال لي خلطة الخطية وأسبابها وبالخطاة وتأثيرهم؟ هل ما أزال أعرج بين الفرقتين، وأسير يومًا في النور ويومًا في الظلمة؟!
الإنسان الذي يسلك في الظلمة، يحب الظلمة لأنها تخفي أعماله. إذ لا يستطيع أن يرتكب الخطية في النور أمام الكل…
لذلك تجدون أعمال الخطية دائمًا مخفاة، يدبرها أصحابها في السر وفي الخفاء. وإن ظهرت يغلفونها بالكذب والرياء… ودائمًا الشر يعيش في الظلام، ولهذا قال الرب لرؤساء اليهود “هذه ساعتكم وسلطان الظلام”.
أولاد الله يعيشون في النور في هذا العالم وفي العالم الآخر أيضًا…
وكما تكون لهم هنا أفكار منيرة ومشاعر منيرة، كذلك تكون لهم في العالم الآخر أجساد نورانية. ويقول الكتاب إنهم يضيئون كالجلد، وكالكواكب إلى أبد الدهور. وقد شبههم بالنجوم وقال إن نجمًا يفوق نجمًا في الرفعة.. أما الأشرار فقيل عنهم إنهم “يطرحون في الظلمة الخارجية”.
وفي الأبدية أيضًا سيفصل الله بين النور والظلمة، بين الخراف والجداء، بين القمح والزوان، بين الأبرار والأشرار، بين الغني ولعازر، سيفصل كل هؤلاء فصلًا كاملًا…
سوف لا يكون التقاء، كما في هذا العالم..
هنا يلقي الصياد شبكته في البحر، فتجمع من كل نوع، الجيد والرديء. أما على شاطئ الأبدية فسيفصل الجياد عن الأردياء. هنا تعيش العذارى العشر معًا. أما هناك فستفصل الخمس العذارى الحكيمات، عن الخمس الجاهلات. البعض سيدخل، والبعض يقف خارجًا…
هذا الفصل بين الأبرار والأشرار في الأبدية، سيكون سببًا لآلام الخطاة، إذ يحرمون من عشرة الملائكة والقديسين…
يرونهم من بعيد، ولا يستطيعون الوصول إليهم ولا التمتع بهم، كما ينفصلون أيضًا عن الله، وهذا هو الألم الأكبر.
لقد فصل الله بين النور والظلمة، حتى هنا، في الأسلوب والشكل واللغة، أولاد الله ظاهرون، وأولاد إبليس ظاهرون (1يو3: 10) وهكذا قيل لبطرس “لغتك تظهرك”. حياة أولاد الله مميزة، طرقهم وأساليبهم لها طابع خاص. بل حتى شكلهم وملامحهم، إنما يعبر عن روحهم في الداخل، نظراتهم، أحاديثهم، حركاتهم، ملابسهم، تسلياتهم… يمكن تمييزها بسهولة عن نظائرها في أهل العالم.
وأيضا نري هؤلاء يتجمعون معا، وأولئك يتجمعون معا… منفصلين…
وكما يقول المثل “إن الطيور على أشكالها تقع”…
أولاد الله نور للعالم، ينيرون بذاتهم، وينيرون لغيرهم.. كل مكان يحل فيه أولاد الله، يشرق النور فيه، وتختفي الظلمة.
لهم هيبتهم ووقارهم التي تجعل الظلمة تستحي وتتواري. ويخشى الناس أن يخطئوا في حضرتهم، ويفصل الله الظلمة عن هذا النور.
غير أن هناك ملاحظة هامة في انفصال الأبرار عن الأشرار:
ليس معني انفصال الأبرار عن الأشرار، أن يكون ذلك بلون من الكبرياء، كما كان الكتبة والفريسيون يترفعون عن معاشرة الخطاة ويلومون بالرب عندما يزور العشارين ويتكئ في وسطهم.
إنه اعتزال شامخ، يدل على الكبرياء، وعلى احتقار للآخرين.
أما اعتزال الأبرار، فهو اعتزال عن الاشتراك في العمل الشرير.
“لا تشتركوا في أعمال الظلمة غير المثمرة، بل بالحري بكتوها” وهكذا يقول الكتاب “طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار، وفي طريق الخطاة لم يقف، وفي مجلس المستهزئين لم يجلس” (مز 1) ويقول أيضًا “لا تشاكلوا هذا الدهر” (رو12: 2) أي لا تشابهوه.
الإنسان البار لا يجامل الخطاة، ولا يندمج في حياتهم وأساليبهم، يعتزل عنهم، ولكنه يشفق عليهم، ويصلي لأجلهم.
ملاحظة أخرى وهي أنه هناك فرق كبير بين الرعاة والمؤمنين العاديين في الصلة بالخطاة.
المؤمن العادي يبعد عن مجال الخطاة حتى لا يعثره فيسقط.
أما الرعاة والخدام فيفتقدون الخطاة لكي يردوهم إلى طريق الرب.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد السابع) 13-2-1976م


