وراثة الخطية الأصلية
| الكتاب | وراثة الخطية الأصلية |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الثانية، مارس 2020م |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا روحيًا وأدبيًا وكنسيًا ربما لم تشهده أجيالٌ كثيرة قبلاً. وفي نفس الوقت هذا التُراث لم نحصره تمامًا حتى الآن.
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم نبذة:
وراثة الخطية الأصلية
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
الخطية الأصلية
الخطية الأصلية[1]
مقدمة
محاضرتنا في اللاهوت المقارن، وفي الواقع ليس اللاهوت المقارن هو معالجة أمور لاهوتية بيننا وبين الطوائف الأخرى، إنَّما أيضًا بيننا وبين بعض الأقباط الأرثوذكس الذين لهم أفكار مُتعِبة وينشرونها وتحتاج إلى نقاش. بالنسبة لناس آخرين يقولون يحتاج (هؤلاء) إلى معاقبة، لكن بالنسبة لنا نتبع طريقة "امحُ الذنب بالتعليم"...
ولو أنَّ هؤلاء غير قابلين للتعليم، لكن على الأقل لا نترك هذه الأفكار تنتشر وسط كثيرين.
أولًا: موضوع وراثة الخطية الأصلية، هل الإنسان يرث الخطية الأصلية؟ أم كما يقول البعض، ما يرثه الناس هو فساد الطبيعة البشرية وليس وراثة خطية؟
نحن نؤمن بوراثة الخطية الأصلية، ولكن ربما يقول البعض: "وما ذنبنا نحن؟"
1- أول نقطة أود أن أقولها؛ "نحن كنَّا في صُلبِ آدم وحواء حينما أخطأ الاثنان وحُكِم عليهما بالموت". فلم نكن غرباء عن آدم وحواء إنَّما كنَّا فيهما، وهذا يذكِّرني بحكاية لطيفة موجودة في (عب 7)، حين أراد بولس الرسول أنْ يُثبت أنَّ كهنوت ملكي صادق أفضل وأعظم من كهنوت هارون، قال: "أنه عندما بارك ملكي صادق أبينا إبراهيم، كان هارون في صُلب إبراهيم"؛ يعني إبراهيم أنجب إسحاق، وإسحاق أنجب يعقوب، ويعقوب أنجب لاوي، ولاوي أنجب هارون.. فاعتبَر من كل هذا أنَّ هارون كان في صُلب إبراهيم حينما باركه ملكي صادق. في (عب 7) قال: "الأصغر يُبَارك من الأكبر". طبعًا الصغير هو الذي يُبارَك من الكبير، فلا بد أنَّ ملكي صادق هو الأكبر من هارون، وبالتالي كهنوت ملكي صادق أكبر من كهنوت هارون. هكذا اعُتِبر أنَّ هارون كان في صُلب إبراهيم حينما باركه ملكي صادق، وحينما دفع هو العشور إلى ملكي صادق. كذلك نحن كُنا في صُلب آدم وحواء...
وباختصار وبتوضيح أكثر، عندما حُكِم على آدم بالموت حُكِم عليه وكل ما فيه من حيوانات منوية. وحينما حُكِم على حواء بالموت، حُكِمَ عليها وكل ما فيها من بويضات. فإذا كان حصل أن خرج من هذا أو هذه شيء أصبح بني آدميين، يكونون محكومٌ عليهم بالموت قبل أن يولدوا، وهم بعد في صُلب آدم وحواء. أواضح هذا الكلام؟
2- انظر ماذا يقول في (عب 7): "وأمَّا الذين هم من بني لاوي، الذين يأخذون الكهنوت، فلهم وصيَّة أن يعشِّروا الشعب بمقتضى الناموس، أي إخوتهم، مع أنَّهم قد خرجوا من صُلب إبراهيم. ولكن الذي ليس له نسبٌ منهم (أي ملكي صادق) قد عشَّر إبراهيم، وبارك الذي له المواعيد! (أي أن ملكي صادق بارك إبراهيم الذي له المواعيد) وبدون كلِّ مشاجرة: الأصغر يبارَك من الأكبر" (عب7: 5-7)، فما دام إبراهيم بُورِكَ من ملكي صادق، إذًا يكون إبراهيم أصغر من ملكي صادق، وبالتالي كهنوت ملكي صادق أقوى من الكهنوت الذي يخرج من صُلب إبراهيم، "وبدون كُلِّ مشاجرة الأصغر يُبارَك من الأكبر، وهنا أناس مائتون...". هنا أقول: "كلمة أنَّ لاوي أيضًا الآخذ الأعشار قد عُشِر بإبراهيم، لأنه كان بعد في صُلب أبيه حين استقبله ملكي صادق" (عب7: 10)، أي أن لاوي كان في صُلب أبيه حين استقبله ملكي صادق.
3- نقول في المزمور الخمسين: "بالإثم حُبِل بي وبالخطية ولدتني أمي"، فما الذي يُقصد بذلك؟ طبعًا ليس هناك شك أنَّ الزواج طاهرٌ ومُقدَّس، والولادة التي تنتُج عن الزواج، طاهرةٌ ومقدَّسة، لكن لماذا يقول: "بالإثم حُبِل بي وبالخطية ولدتني أمي"؟ يعني بذلك الخطية الأصلية التي فيها أمي وحبلت بي، حُبِل بي بهذه الخطية.
4- إن كانت الخطية الأصلية لا تورّث فلماذا نُعمد الأطفال؟ هم لم يُخطِئوا بعد أية خطية فعلِية خاصة بهم، لكنَّنا نعمِّدهم من أجل الخطية الأصلية أو الخطية الجدية؛ أي التي ورثوها من الجدود.
5- ما ورد في رسالة رومية 5 عن هذا الموضوع: "من أجلِ ذلك كأنَّما بإنسانٍ واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموتُ إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع" (رو5: 12). الخطية انتقلت من إنسانٍ واحد إلى جميع الناس، ومع الخطية الموت، ويقول: "إذ أخطأ الجميع"، كيف أخطأ الجميع؟ في نفس خطية آدم.
ثم يقول: "لكن قد مَلَك الموت من آدم على الذين لم يُخطئوا على شبه تعدي آدم، لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون، فبالأولى كثيرًا بالنعمة"، وبعد ذلك يقول: "إن كان بخطية الواحد قد ملك الموت، فبالأولى تملك النعمة". فبخطية واحدة أخطأ الجميع، هذه هي الخطية الأصلية.
6- نقرأ في (رو 5: 12-18): "من أجل ذلك كأنَّما بإنسان واحد دخَلَت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموْت، وهكذا اجتاز الموْت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع. فإنَّه حتَّى الناموس كانت الخطية في العالم. على أن الخطيَّة لا تُحسب إن لم يكن ناموس. لكن قد ملَك الموْت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبهِ تعدِّي آدم، الذي هو مثال الآتي. ولكن ليس كالخطية هكذا أيضًا الهبة. لأنَّه إن كان بخطيةِ واحد مات الكثيرون، فبالأولى كثيرًا نعمة الله، والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح، قد ازدادت للكثيرين! وليس كما بواحد قد أخطأ هكذا العطية. لأن الحكم من واحد للدينونة، وأمَّا الهبة فمن جَرى خطايا كثيرة للتبرير. لأنَّه إن كان بخطية الواحد قد ملك الموْت بالواحد، فبالأولى كثيرًا الذين ينالون فيضَ النعمة وعطيَّة البِر، سيملكون في الحياة بالواحد يسوعَ المسيح! فإذًا كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا بِبِر واحدٍ صارت الهبة إلى جميع الناس، لتبرير الحياة". ثم يقول في (رو 5: 19): "بمعصية الإنسان الواحد جُعِل الكثيرون خطاة".
ثانيًا: إن كان ما ورثناه هو فساد الطبيعة البشرية، يكون ما نحتاج إليه هو التقديس وليس التبرير... والتقديس له طرقٌ كثيرة، أي ليس ضروريًا أن يكون بالفداء؟!!
فإذا كان الأمر مجرد فساد الطبيعة البشرية، فإن ربنا قادرٌ أن يُطهِّر الطبيعة البشرية بطرقٍ عديدة، أي لا تحتاج لسفك دم!! مجرَّد التقديس يعني تطهير الإنسان.. وهذا يحتاج إلى توبة، إلى توعية، إلى أي أمر كهذا. هذا عن التقديس، وليس في التبرير الذي يحتاج إلى فداء لأن الخطية معها عقوبة، والعقوبة تحتاج إلى فداء.
أيضًا إذا كُنا ورثنا خطية، فإن الخطية تحتاج إلى مغفرة، والمغفرة تحتاج إلى دفع ثمن للعدل الإلهي، وهذا يحتاج إلى الفداء والكفارة.
صاحب الاعتراض أو السؤال يقول في كتاب له: ما دام الخطية تورَّث فيلزمنا تعليم الناس ضرورة عدم الزواج.. لأن بالزواج سيوجد أناس يرثون الخطية ويكون بذلك كأن الزواج سبب لنقل الخطية؟!! ويكون ربنا لما وضع الزواج وضع أداة إلهية لنقل الخطية! أترون كل هذا الالتفاف حول الموضوع وإلى أين يوصِّلنا؟!!
ونحن نقول:
"الزواج ليس أداة لنقل الخطية، وربنا لم يضع أداة لنقل الخطية، فالخطية لا تأتي من الأداة إنما تأتي من سوء الاستخدام. ربنا وضع الزواج، وليس معنى هذا أن يأتي أولاد ومعهم الخطية! فهؤلاء الأولاد الوارثون للخطية وضع ربنا لهم المعمودية لإنقاذهم من هذه الخطية. أي أن الأمر انتهى، ولا يوجد ضرر. أي طالما أن الأولاد وارثون للخطية، فالله وضع لهم طريقة للنجاة من وراثة الخطية وهي المعمودية، لكن لا نستطيع أن نمنع الزواج لأن يأتي من خلاله أولاد وارثين للخطية! لأن لو مُنِع الزواج تنتهي البشرية، وبعد هذا الجيل الموجود تنتهي الحكاية. لن يكون هناك جيل تالي، وتكون البشرية انتهت، وبالطبع ليس هذا الحل أنْ نُنهي البشرية.
ولنعرض مثالًا: ربنا خلق النار، والنار يمكن استخدامها للتدفئة، ويمكن استخدامها للأفران، ويمكن استخدامها لنفع البشرية، ومن جهة أخرى النار يمكن أن تحرق. فهل نقول لربنا: "لا داعي أن تخلق نار، لئلا النار تكون نتيجتها الحريق"! إن لها فوائد كثيرة جدًا، لكن الحريق يأتي ليس من النار، وإنَّما من سوء استخدام النار.
ربنا أيضًا خلق الحجارة، الحجارة يمكن أن تُستخدم في المباني وتُفيد، لكن أيضًا يمكن إذا رمى أحد شخصًا بحجر يميته. فهل نقول: "لا داعي يا رب أن تخلِق حجارة، لئلا أحدٌ يرمي آخر بحجر فيميته؟ ".. لا.
إن سوء الاستخدام هو السبب، وليس الخلق. هكذا نحن لا نستطيع أن نمنع الزواج، لأن الزواج له أيضًا فوائد إيجابية كثيرة. به يولد أولاد لله، أعضاء في الكنيسة، أعضاء في جسد المسيح، وبه يوجد أبطال للإيمان، ومبشِّرون ينشرون الدين. وبالزواج وُجِد صاحب السؤال والاعتراض، لأن لو كنا ألغينا الزواج ما كان هذا الشخص وُجِد وقدَّم لنا هذا الاعتراض.
ووراثة الخطية هي أيضًا التي بسببها شاء الله أن يتجسَّد وأن يفدي العالم، فكان من نتائجها التجسُّد والفداء.
يقولون أيضًا في هذا الأمر: أن الفداء هو مجرد تجديد للطبيعة.. هذا لأنهم يشعرون أن المسألة هي مجرد فساد الطبيعة البشرية، وبالتالي أصبح غرض الفداء تجديد الطبيعة. فلا نستطيع أن نقول بهذا. ليس غرض الفداء هو مجرد تجديد الطبيعة.
حقيقة تجدَّدت الطبيعة بعد الفداء، لكن أيضًا بالفداء تم إنقاذ الإنسان من الهلاك. ويقول السيد المسيح: "لأنَّه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهِلك كلَّ من يؤمن به" (يو 3: 16). إذًا الأمر ليس مجرد تجديد الطبيعة، إنَّما أيضًا إنقاذ الإنسان من الهلاك الأبدي. ويقول بولس الرسول في الرسالة إلى أفسس الإصحاح (2) "أننا كُنَّا أمواتًا بالذنوب والخطايا، ثم أحيانا المسيح بالفداء". إذًا الإنسان لم يأخذ فقط الطبيعة فاسدة، ولكن أيضًا كان محكوم عليها بالموت. المسألة ليست تجديد الطبيعة وإنَّما إنقاذها أيضًا من الموت، لأنَّنا كنَّا أمواتًا بالخطايا والآثام. هنا أيضًا نحتاج أن نعرف ما معنى الكفارة؟ وما معنى أنَّ المسيح مات لأجلنا؟ إلخ.
لكن هؤلاء المعترضون يدخلون في إشكال آخر عن العقوبة، وهل كان صليب المسيح مجرد محبة أم عقوبة، وهل المسيح رفع العقوبة عن الإنسان؟!
هنا أقول لكم قاعدة تحفظونها وتفهمونها ولا تغيب عن ذكائِكم دائمًا الناس المخطئون يحاربون العقوبة في الكتاب المقدس. يقولون إنهم يتطوَّروا بينما هم يتورَّطوا في مشكلة أخرى سوف نشرحها لكم هناك نقطة هامة وهي:
ثالثًا: هل الصليب مجرَّد محبة أم عقوبة، وهل رفع المسيح العقوبة عن الإنسان؟!
يسأل البعض: "هل صليب المسيح كان لرفع العقوبة عن الإنسان؟" ويجيبون: لا.
يروْن أنه لم يكن فيه عقوبة إطلاقًا، الصليب مجرَّد محبة" لأن "هكذا أحبَّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد" (يو3: 16). ليس هناك عقوبة ولا شيء آخر!
ونقول لمن لهم هذا الفكر: إذا لم تكن هناك عقوبة، فمعنى هذا أن من يستخدم هذه الآية يترك نصفها الثاني! "هكذا أحب الله العالم"، حسنًا، الصليب فيه محبة.. ثم "حتى بذل ابنه الوحيد"، فبذل ابنه الوحيد فيه محبة. ولكن لماذا بذله؟!! "لكي لا يهلك كل من يؤمن به"... يعني محبة ربنا أنَّه ينقذنا من هذا الهلاك، وأن تكون لنا الحياة الأبدية بدلًا من حكم الموت، "هكذا أحبَّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كلُّ من يؤمن به" إذًا بذَل ابنه لكي لا نهلك. ولماذا؟ لأنَّنا محكومٌ علينا بالهلاك نتيجة الخطية إذًا العقوبة موجودة. ثم من جهة المحبة، يستند هؤلاء إلى جملة أخرى في (رو 5: 8): "ولكن الله بيَّن محبته لنا، لأنَّه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلِنا" ويرون في هذا فقط "محبة"! وماذا عن عبارة "مات لأجلنا"؟ ماذا تعني؟ مجرَّد محبة؟ أم أنَّه مات لأجلِ غرضٍ معيَّن؟ كما لو أحد يقول لآخر: "أحبك حتى الموت"! هل يحب أحد فيموت لأجله؟ بلا سبب؟ هل ربنا لأنَّه يحبنا يقول: "أنا ما دمت أحبكم سأموت"؟ بدون سبب؟ أم أن موته كان لكي ينقذنا نحن من الموت؟ هو يموت لكي ينقذنا نحن من الموت. لكن شخص يأخذ نصف آية ويترك النصف الثاني! لا بد أن تكمِّل الآية، بعد (رو 5: 8) "ولكن الله بيَّن محبته لنا، لأنَّه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلِنا" نقرأ في (رو 5: 9): "فبالأولى كثيرًا ونحن متبرِّرون الآن بدمِهِ نخلُص به من الغضب"!
إذًا بدمه تحقَّق التبرير، وماذا يعني التبرير؟ إنَّه يعني إنقاذ الإنسان من نتائج الخطية، وبه نخلُص من الغضب، لأنَّ خطيَّتنا تجلب لنا غضب الله، فينقذنا منه.. "فإن كنَّا ونحن أعداء قد صولِحنا مع الله بموتِ ابنه، فبالأولى ونحن مصالحون نخلُص بحياتِه" (رو 5: 10). أي أنَّ الخطية جعلتنا أعداء مع الله ونحتاج إلى صُلح معه.
نقطة أخرى يثيرونها - واحتفظ بأجزاء من كتبهم في هذا - يقولون إن هناك أفكار حول الفداء يريدون تصحيحها، من بينها: "استرضاء وجه الله". فيقولون إن هذه النظرية "استرضاء وجه الله" تقوم على أساس تصادم العدل عند الله في مواجهة الخطية.
في الحقيقة هذا كلام أثناسيوس الرسولي، أن الخطية اصطدمت بعدل الله. لماذا؟ لأن ربنا قال له: "يوم تأكل من الشجرة موتًا تموت"، فأصبح الإنسان محكومًا عليه بالموت. لذلك قال القديس أثناسيوس: "إن لم يمت الإنسان لا يكون الله عادلًا ولا يكون الله صادِقًا"! أي أنَّ عدل الله يقتضي أن يموت الإنسان، وإلا يتساوى الخاطئ والبار ولا فرق".
ويستطردون؛ إنَّ هذه النظرية تقوم أساسًا على تصادم العدل عند الله في مواجهة الخطية، فالله قدوس، والخطية إساءة مباشرة لقداسته. وهنا عدالة الله تتبع الخاطئ الذي أساء إلى قداسة الله وكرامته، فلا تتركه دون عقاب. وهكذا يقف الخاطئ أمام عدل الله مُدانًا إلى أن تُرفع الإساءة ويُكفَّر عنها، وإذ لا توجد خليقة ما قادرة أن تُعوِض إساءة الخطية عن عمد ضد الله الذي لا يُحَد، لهذا لزِم أن يكون للوسيط هذه اللامحدودية. هذا كلام أثناسيوس!! أي أنَّه ما دامت هناك كفَّارة، وهناك خطية الإنسان ضد الله، والله غير محدود، إذًا تكون خطية غير محدودة، ولا بد أنَّ الكفارة تكون غير محدودة. أي لا بد أنَّ الشخص الذي يقوم بالفداء يكون غير محدود، وما دام لا يوجد غير محدود إلا الله، إذًا الله هو الذي يقوم بهذا العمل. هذا كلام أثناسيوس!
أما صاحب الكتاب فيقول: "أنَّ هذا مجرَّد نظرية. لذلك لزم أن يتجسَّد ابن الله ليسترضي أولًا عدل الله حتى ينسكب حب الله ورحمته للإنسان. فهنا عدل الله في مواجهة الحب والرحمة، حيث على الابن المتجسد أن يسترضي العدل أولًا. هذا الفداء بالموت الذي يؤديه ابن الله في بشريته يرفعه بلاهوته ليتساوى مع طبيعة الله غير المحدودة.. إلخ". ثم يقول (صاحب الكتاب): "هذا هو المنطق الديالكتيكي Dialectic"، أي حواري - هناك دائمًا أناس يستخدمون ألفاظًا كهذه ليظهروا أنهم على مستوى عالٍ من العلم -. ويستطرد قائلًا: "هذا المنطق الديالكتيكي بقدر ما أنَّه يدخل في الحبك الفلسفي التأملي بقدر ما يبتعد عن البساطة التي في المسيح وعن واقع الفداء بصورته المجروحة الدموية، وفكرة استرضاء الله وإن كانت مستمدة من العهد القديم فيهوه؛ النار الآكلة في العهد القديم قد صار بميلاد ابن الله واستعلان بنوته أبًا يسكب روحه بدل اللعنة".
هنا نقطة مهمة لا بد أنْ نفهمها جيِّدًا: الله هو هو أمس واليوم وإلى الأبد، الله لم يتغيَّر في العهد القديم عن العهد الجديد، ولا في العهد الجديد عن العهد القديم، الله هو هو.
إنْ كان الله عادلًا في العهد القديم هو عادلٌ في العهد الجديد، وإن كان الله يعاقب في العهد القديم فهو يعاقب في العهد الجديد. لكن البعض يصوِّر الله في العهد القديم نار آكلة ويعاقب، وفي العهد الجديد أب يسكب روحه بدل اللعنة، ويقول هؤلاء: هذه الصورة (الله يعاقب) لا تتناسب الآن مع "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكيلا يهلك كلُّ من يؤمن به". ولكنَّنا نقول: هنا العدل والرحمة اتفقا مع بعضهما، العدل يقول لا بد من عقوبة، والرحمة يقول: "أنا أقدِّم العقوبة". فالابن قدَّم العقوبة وانتهى الأمر. عدل الله استُوفِي، لهذا جاء في المزمور أنَّ: "الرحمة والحق تلاقيا" (مز 85: 10). أما قولهم: "الله في العهد القديم نار آكلة، وفي العهد الجديد أب يسكب حبَّه"، فدعونا نرى كيف في العهد الجديد يسكب حبَّه: المسيح يقول في (لو 13: 5): "إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون"، فنقول: انتبه، أنت في العهد الجديد.. فهل تقول للمسيح: "تجاوز عن كلمة "تهلكون" لأنك كنت تقولها في الماضي، وأنت يهوه، أما الآن فالشعب يهوى شيء آخر منك؟ أنَّك تَبذل حبك"؟!!
لقد قال لبطرس: "إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب" (يو 13: 8)، مجرَّد أنَّه لا يغسل رجليه يفقد نصيبه؟! ثم تقول: عهد جديد وعهد قديم! الأمر كما هو.
في العهد الجديد المسيح قال عن يهوذا: "كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد" (مر 14: 21)، فهل تقول له: "لماذا؟ أنت في عهد المحبة التي تنسكب منك! اترك مسألة العقوبات هذه، ودعنا نكون في محبة مع بعضنا البعض"! لا، في العهد الجديد أيضًا عبارة "نار آكلة" موجودة في الرسالة إلى العبرانيين، لكن هؤلاء يريدون استخدامها للعهد القديم فقط.
الحقيقة في العبرانيين توجد آية أصعب من هذه في (عب 10: 31) "مخيفٌ هو الوقوع في يديّ الله الحي"! هل تريد أكثر من هذا؟ ليس هذا فقط بل أنَّ الإصحاح كله مُخيف، رغم أنه في العهد الجديد. هل يطلب صاحب هذا الفكر نقله للعهد القديم، ويقول هذا الإصحاح لا يتَّفق مع محبة الله في العهد الجديد؟
فلنستعرض بعض آيات من هذا الإصحاح (عب 10: 26-31)، يقول: "فإنَّه إن أخطأنا باختيارنا بعدما أخذنا معرفة الحق، لا تبقى بعد ذبيحة عن الخطايا". أين نذهب بهذه الآية، هل نحوِّلها إلى سفر الخروج؟! ويكمل: لا تبقى بعد ذبيحة عن الخطايا بل قبول دينونة مخيف وغيرة نار عتيدة أن تأكل المضادين، من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة. فكم عقابًا أشر تظنون أنه يُحسب مستحقًا من داس ابن الله، وحسب دم العهد الذي قُدِس به دنسًا وازدرى بروح النعمة؟ فإنَّنا نعرف الذي قال: "ليَّ النقمة أنا أجازي يقول الرب"، وأيضًا "الرب يدين شعبه"، "مخيفٌ هو الوقوع في يدي الله الحي". أليس هذا في العهد الجديد أم لا؟ هل يقولون بعد هذا أن هذا الكلام يصلح للعهد القديم ولا يصلح للعهد الجديد؟
إذًا خذوا أيضًا من العهد الجديد، من (عب6: 4-6) "لأنَّ الذين استنيروا مرة، وذاقوا الموهبة السماوية وصاروا شركاء الروح القدس، وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتي، وسقطوا، لا يمكن تجديدهم أيضًا للتوبة، إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه". هذا معناه إذا كان ربنا أظهر محبته لنا، فهل نستغل محبة الله هذه في التسيُّب وفي الخطية؟ هذا كلام غير لائق، ومع ذلك يقول المعترض كلام صعب: "صورة الله في هذه النظرية وهو طالبٌ من يسترضي عدله وكرامته لا تتناسب الآن مع عبارة "هكذا أحب الله العالم"! وكلام كثير أصعب من هذا ليس لدينا وقت له.
وماذا يقولون أيضًا؟ يقولون: "المسيح ألغى الموت كعقوبة للخطية"، ماذا؟
ألغى الموت كعقوبة للخطية! يقول: "يلزم أن نعرف كيف دان المسيح الخطية ليصنع بها كلَّ هذه الأوصاف، والخطية قوَّتها وسلطانها هو الموت الذي تؤدي إليه، والنفس التي تخطئ هي تموت (حز 18: 4)، وأيضًا "لأنَّ أجرة الخطية هي موت" (رو 6: 23)، فعقاب الخطية موتٌ حتمي، هنا المسيح لما مات ثم قام من الموت، ألغى الموت كعقوبة للخطية، انحلَّت الخطية وضاعت قوَّتها وانكسرت شوكتها"!!
نقول إن شوكتها انكسرت عند التائبين، لكن الخاطئ لا يزال سيموت. فلنرَ هل المسيح ألغى الموت أم لا؟ بولس الرسول يقول: "كنَّا أمواتًا بالخطايا"، والمسيح يقول: "إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون"، "إن لم تؤمنوا أني أنا هو تموتون في خطاياكم" (يو 8: 24)، "حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا" (يو 8: 21) أين إذًا ألغى الموت؟ وماذا عن الكلام عن الموت الثاني الذي ورد في سفر الرؤيا؟ كيف يمكن القول إنه ألغى الموت كعقوبة للخطية؟
الموت ننتصر عليه بالقيامة، لكن الموت كنتيجة للخطية يبقى، طالما الخاطئ باقٍ في خطيته فهو باقٍ تحت حكم الموت، وإن كان قد قام مع المسيح وترك الخطية وتاب، فإنَّه لم يعد تحت حكم الموت. هكذا حين نقول أنَّ المسيح قضى على الموت، فهذا يعني أنه قضى على الموت بالنسبة للتائبين.
أمَّا إذا استمر الخطاة في خطيتهم، فالموت ينتظرهم، يقول لهم: "أنا هنا". في رسائل المسيح للكنائس في سفر الرؤيا يقول: "لكن عندي عليك قليل: أنك تسيب المرأة إيزابل التي تقول: إنها نبية، حتى تعلم وتغوي عبيدي أن يزنوا ويأكلوا ما ذبح للأوثان وأعطيتها زمانا لكي تتوب عن زناها ولم تتب. ها أنا ألقيها في فراش، والذين يزنون معها في ضيقة عظيمة، إن كانوا لا يتوبون عن أعمالهم، وأولادها أقتلهم بالموت. فستعرف جميع الكنائس أني أنا هو الفاحص الكلى والقلوب، وسأعطي كل واحد منكم بحسب أعماله" (رؤ2: 20-23). فطالما أنه سيعطي كلَّ واحدٍ بحسب أعماله، هل نقول: "ربنا ألغى الموت بموته؟!" يبدو أن البعض يأخذ ما يقال عن الأبرار ويجعلوه كلام عمومي لجميع الناس!!
أيضًا نرى ما إذا كان المسيح قد ألغى الموت، نقرأ في رسالة رومية - التي فيها بيَّن محبته لنا في إصحاح (5) - يقول في (رو 8: 13): "إن عشتم حسب الجسد فستموتون، ولكن إن كنتم بالروح تُميتون أعمال الجسد فستحيوْن". فكيف يكون ألغى الموت؟ ويقول أيضًا: "لأن اهتمام الجسد هو موت، ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام، لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله" (رو 8: 6). أي إذا كنتم تمشون حسب الجسد فستموتون. المشكلة أن كلمة واحد يأخذها البعض ويبني عليها ويترك الباقي كله، "تضلُّون إذ لا تعرفون الكتب"، يحتاج هؤلاء الناس أن يقرأوا الكتاب، وأن يعرفوه بكلِّ ما فيه، وليس مجرَّد آية وترك الباقي.
هل صليب المسيح هو مجرَّد محبة؟ إنَّه محبة لها مفعول.. وهذا المفعول العنصر الأول فيه مغفرة الخطايا، ومغفرة الخطايا يعني إزالة العقوبة. هذا معنى المغفرة. إن لم تكن هناك مغفرة، تظل العقوبة موجودة، لأنَّ المسيح في موته كان كفَّارة لخطايانا: "وهو كفَّارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كلِّ العالم"، "كان حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يو1: 29). ليست مجرَّد محبة. هل ربنا فرّد ذراعيه على الصليب وقال: "أنا أُحبكم يا أولاد، أُحبكم يا أولاد"! ما معنى تحبنا؟ ماذا تعمل لأجلنا؟" "أُحبكم أي أنَّني أغفِر خطاياكم على الصليب، كيف؟ بأن أموت بالنيابة عنكم، أمحو خطاياكم بدمي". هي ليست حب فقط ولا شيء غير الحب؟
لكن لأن الذين يخطئون يخافون من عقوبة خطاياهم، لهذا يقولون: "ليس هناك شيء اسمه عقوبة، الصليب مجرَّد حب". نعم هو حب، لكن ما نتيجة هذا الحب؟ غفران الخطايا، أنَّه مات بالنيابة عنَّا. ماذا يقول الكتاب؟ يقول في (إش 53: 6): "كلُّنا كغنمٍ ضللنا. مِلنا كلُّ واحدٍ إلى طريقه، والربُّ وضع عليه إثم جميعنا". أي أن المسيح لم يبيِّن محبته بأن قال: "أُحبكم على الصليب"، لا، لقد قال: "أحبكم، ولهذا حملت جميع خطاياكم لكي أمحوها بدمي".
أي أنَّنا لا نقدر أن نفصل الصليب عن مغفرة الخطايا. ولا نقدر أن نفصل مغفرة الخطايا عن العقوبة. ولا نقدر أن نفصل الاثنين عن عدل الله. فعدل الله يقول إن الخطية لها عقوبة، والعقوبة تحتاج مغفرة، ولكن "بدون سفك دم لا تحدث مغفرة" (عب 9: 22). وسفك الدم يتم على الصليب، إذًا الصليب لغفران الخطايا.
بيَّن الله محبته لنا بأنَّه غفر خطايانا، وكيف غفر خطايانا؟ بأن جعل الذبيحة تدفع ثمن الخطية، لأن بدون سفك دم لا تحدث مغفرة. إذًا هناك عقوبة، وهناك مغفرة.
على الصليب كان المسيح أيضًا مخلِّصًا للعالم. وكلمة مُخلِّص هذه نجدها كثيرًا في الكتاب المقدس. منذ ولادته أسموه يسوع، وكلمة "يسوع" تعني مُخلِّص "لأنَّه يُخلِّص شعبه من خطاياهم". وكيف يخلِّصهم من خطاياهم؟ بأن يمحو خطاياهم بدمه. أين؟ على الصليب. إذًا ليس مجرَّد حب، ليس مجرد كلام "أحبكم، أحبكم"، ليس ضحك على الناس. وإنَّما نقول إن الله بيَّن محبته لنا أنه مات.
فلنعرض بعض آيات، يقول في (لو 19: 10): "قد جاء لكي يطلب ويخلِّص ما قد هلك". ما معنى هذا؟ أنه جاء يخلِّص الذين هلكوا بالخطية، الذين تحت حكم الهلاك بالخطية. إذًا توجد عقوبة أم لا؟ وما معنى كلمة "هلك" وأن يُخلِّصه من الهلاك؟
تعني أن يُزيل عنه العقوبة. وبولس يقول: "ليخلِّص الخطاة الذين أولَّهم أنا" (1تي 1: 15). فهو ليس فقط يُحِب الخطاة، فهو بالطبع يحب الخطاة، لكن يحبهم فقط لا تفيد. هو يحب الخطاة الذين تابوا، لكن الخطاة المستمرون في الخطية هؤلاء لا يتمتَّعون بثمرةِ هذا الحب. هذا معنى "ليخلِّص الخطاة الذين أولَّهم أنا" (1تي 1: 15)؛ "لم آتِ لأدين العالم بل لأُخلِّص العالم" (يو12: 47)؛ "المسيح مخلِّص العالم" (يو4: 42)، "أرسل الابن مخلِّصًا للعالم" (1يو4: 14)، "بالنعمة أنتم مُخلَّصون".. كيف أنتم مُخلَّصون؟ بالفداء.. كيف؟.. بالصليب.
أما مجرَّد التركيز على الحب فهؤلاء يريدون أن نحبهم وهم في خطيتهم! بينما نحن نقول لهم: توبوا ونحن نحبكم. نحن نحب أن تتوبوا. أمَّا أن تستمروا في الخطية وتقولون: الله في العهد القديم يهوه كان يقول: "النفس التي تُخطئ هي تموت"، وهذه السياسة لا تصلُح في العهد الجديد، لأنَّه في العهد الجديد يسكب محبته!
فنقول إنه يسكب محبَّته بالتوبة. إذا لم تتب تظل تحت حكم الموت في العهد الجديد، وتجد الآية من العهد الجديد تلاحقك: "مخيفٌ هو الوقوع في يديّ الله الحيّ". سوف تلاحقك هذه الآية أينما كنت وفي كلِّ وقت "مخيفٌ هو الوقوع في يدي الله الحي".
لا فائدة. لن يفيدك القول إننا في العهد الجديد حيث تنسكب محبة الله، فهل محبة الله تعنى أنك تبقى في الخطية وتقول: أنه يحبني وأنا خاطئ، فقد أحبَّ الابن الضال. الحقيقية أنَّه أحب الابن الضال عندما رجع، ولو استمر ضالًا لظل ضائعًا. كان ميتًا، حكم عليه بأنَّه ميِّت. أليس هذا موت في العهد الجديد أيضًا، حيث اعتبرت الخطية موْت؟! وفي (رؤ 3: 1) في كلامه لملاك كنيسة ساردس قال له: "أنَّ لك اسمًا أنَّك حيُّ وأنت ميِّت" (رؤ3: 1).
هل لا زلت تقول لي: ليس هناك موت، والمسيح ألغى الموت؟! كيف؟ لا، لا، لا. غير صحيح إطلاقًا فكرة أنه ألغى الموت. لكن الموت يخرج الناس منه بالتوبة: "إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون" (لو13: 3، 5). هل هذه الآية في العهد الجديد أم في العهد القديم؟ أليس إنجيل لوقا في العهد الجديد، أم ما رأيكم؟
هل المسيح على الصليب كان مجرد حب؟
نقول: المسيح على الصليب كان يقوم بعدة أعمال، من ضمنها مصالحة الناس مع الله. نقرأ في (كو1: 20): "عاملًا الصُلح بدم صليبه"، وفي (2كو 5: 18) "الله، الذي صالحنا لنفسه بيسوعَ المسيح، وأعطانا خدمة المصالحة". أي أنَّنا كنَّا من قبل أعداء، ثم صالحنا لنفسه. ويستطرد قائلًا: "الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه، غير حاسبٍ لهم خطاياهم" (2كو 5: 19). أي كانت هناك عملية مصالحة، وكانت هناك عملية أخرى هي مغفرة الخطايا "غير حاسبٍ لهم خطاياهم". ولماذا غير حاسبٍ لهم خطاياهم؟ لأن خطاياهم المسيح دفع ثمنها. وكيف دفع ثمنها؟ يقول: "لأنَّه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلِنا، لنصير نحن برَّ الله فيه" (2كو 5: 21). هو إذًا كان يعمل عملية صُلح، وكان يغفر الخطايا، كيف؟ بأنه يدفع ثمنها.
لا تظنوا أبدًا أن هناك خطية بدون ثمن. هل يمكن أن ربنا يقول: "اذهبوا يا أولاد، مغفورة لكم خطاياكم" فما لزوم التجسُّد؟ وما لزوم الصلب، طالما مغفورة لكم خطاياكم؟! خطاياكم مغفورة لكم بدفع ثمنها على الصليب، وبدون دفع ثمنها تبقى الخطية قائمة، ثابتة ضدَّك.
ثم في أفسس (1: 7) ومكرَّرة في (كو 1: 14) "الذي فيه لنا الفداء، بدمِ غفران الخطايا". هل كان إذًا على الصليب مجرَّد يحب؟ فقط؟ دون نتيجة الحب مغفرة الخطايا؟ حبٌ من غير مغفرة، مثل أم تُحب ابنها ولا تُرضِعه، تقول له: "أحبك لكن ليس هناك لبن"! الحب نتيجته مغفرة الخطايا، ومغفرة الخطايا تتحقَّق بدفع ثمن الخطية. وفي (رو 3: 24) يقول: "متبرِّرين مجَّانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح، الذي قدَّمه الله كفَّارة بالإيمان بدمِه، لإظهار برِّه، من أجل الصفح عن الخطايا السالفة" (رو3: 24-25). هكذا يبقى التبرير والفداء والكفارة بالصفح عن الخطايا السالفة، والصفح يتحقَّق بدفع ثمن الخطية، وليس بدون ثمن.
وفي (1تي 2: 5، 6): "لأنَّه يوجد إلهٌ واحدٌ ووسيطٌ واحدٌ بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فِديةً لأجلِ الجميع". هكذا أصبح مُصالح، ويغفر الخطايا، ووسيط. وماذا أيضًا؟ في (غلا 3: 13): "المسيح افتدانا من لعنةِ الناموس". أي أنه لم يقل أحبكم فقط، وإنَّما رفع عنَّا لعنة الناموس. ولعنة الناموس هذه نجدها في (تث 27، 28) "ملعونٌ من يعمل كذا وكذا". فكيف افتدانا من لعنة الناموس؟ بأن صار لعنة لأجلنا. ليس مجرد حب، بل قال: لعناتكم كلكم آخذها أنا. "وصار لعنة لأجلنا، لأنَّه مكتوبٌ ملعون كل من عُلِّق على خشبة". هل هذا مجرَّد حب؟ هل يظن هؤلاء الحب يوزَّع مجانًا؟ دون توبة؟ إذًا فلتبقوا في خطاياكم لتروا من يمكن أن يحبكم؟
يقول إنه افتدانا من لعنة الناموس بأنه صار لعنةً لأجلنا، والذي لم يعرف خطية جُعِل خطية من أجلنا. على الصليب جُعِل خطية من أجلنا، وصار لعنة من أجلنا، وحمل جميع خطايانا، الرب وضع عليه إثم جميعنا، وبدمه محا كل هذا. لكن نترك كلَّ هذا ونقول: "ربنا يحبنا". حسنًا، لكن محبة ربنا محبة عملية، ليست مجرَّد عاطفة. محبة عملية بحمل الخطية، محبة عملية بغفران الخطية، محبة عملية بدفع ثمن الخطية، محبة عملية بمحو الخطية بدمه. أمَّا أن نقول إن ربنا كان مجرَّد حب ولا توجد عقوبة؟ "لا، لا، لا، لا يمكن القول إن الصليب لا شأن له بالعقوبة، ولا شأن له بالفداء، وأنَّه مجرَّد حب"!
[1] محاضرة قداسة البابا شنوده الثالث لطلبة الكلية الإكليريكية بتاريخ 19 مايو 1998م



