واجب الأم في الأسرة

واجب الأم في الأسرة[1]
على المرأة واجبات عديدة في محيط الأسرة، تلزمها عناصر ينبغي توافرها لكي تسير الأسرة بمنهج سليم، يقود إلى سعادة الأسرة ومثاليتها.
فما هي العناصر اللازمة لصيانة الأسرة وحفظ سلامتها؟
عنصر الفهم
تحتاج المرأة في الأسرة أن تفهم عقلية الرجل ونفسيته وطباعه، وتتعامل معه بما يناسب هذا الفهم، كما ينبغي للرجل أيضًا أن يفهم نفسية المرأة وطباعها.
يُعوِز المرأة أيضًا أن تفهم نفسية أبنائها، في كل مرحلة من مراحل السن، وما يناسب كل مرحلة من أسلوب التعامل، عليها أن تدرس ذلك، أو على غيرها أن يفهمها هذه الأوضاع كلها.
يمكن أن تصدر لجنة المرأة كتبًا تشرح نفسيات الأطفال، وطريقة تربيتهم. وما قد يصدر عنهم من أخطاء في كل مرحلة من مراحل العمر، سواء عن قصد أو غير قصد وطريقة معالجة تلك الأخطاء. أو يمكن لمعهد الرعاية في كنيستنا أن يصدر أمثال هذه الكتب أو النبذات.. ومن المعروف أن هناك هيئات تربوية كثيرة قد اهتمت بهذا الموضوع. وأصدرت فيه مطبوعات عديدة.
مثال ذلك ما نُشِر عن الطفل الخجول وكيفية معاملته أو عن الطفل المشاكس والطفل العدواني، والطفل الأناني، والطفل العنيد وطريقة معاملة كل منهم.
على أنه ليس الآن مجال الحديث عن هذه الأمور بالتفاصيل.
طول البال
يلزم الأم أيضًا أن تكون طويلة البال مستريحة الأعصاب، ولا تجعل أولادها ضحية لحالتها النفسية. فقد تكون حالتها النفسية مُتعَبة في بعض الأوقات نتيجة لظروفها الجسدية أو الصحية. أو نتيجة لخلاف بينها وبين زوجها أو بعض المعارف فلا يجوز أن يدفع أولادها الثمن. ويتحملوا تعبها النفسي من جهة اضطراب أعصابها، أو كونها غير قادرة على الاحتمال، لو أنها تعاني ضيق الخلق. مجرد رؤية أولادها لها في هذه الحالة، عثرة لهم. ما ذنبهم في أن أمهم تكون وقتذاك عصبية. لا تحتمل كلمة منهم، تصيح وتنتهر، وترفض التفاهم. أو ربما تضرب وتؤذي!
وقد يلتقط أولادها منها هذا الأسلوب، في تعاملهم مع بعضهم البعض! بينما المفروض أنها تكون قدوة لهم في كل شيء ووسيلة إيضاح أيضًا لكل فضيلة.
عليها إذا غضبت أن تضع حدودًا لغضبها وأسلوبها. فيكون غضبها لسبب روحي يتفهمه الأطفال، ويأخذون منه درسًا ولا ينحرف الغضب إلى العنف، أو إلى استخدام ألفاظ غير لائقة ولا تستخدم فيه الضرب أو الشدة، أو التهديد بما لا تستطيع تنفيذه! مع إدراك الأبناء لعدم قدرتها على تنفيذ تهديداتها، فيسخرون منها في داخلهم أو يعلنون ذلك.
عنصر الحنان
المفروض في الأم أن تكون مصدر حنان لأبنائها، وينفع الأطفال جدًّا أن يشبعوا من حنان أمهاتهم. حتى لا ينحرفوا إلى التماس الحنان من مصدر خارجي لا نضمن سلامته. وحنان الأم ينبغي أن يكون بحكمة. فلا يتحول إلى تدليل خاطئ يسيء إلى تربيتهم، ولا يستغله الأبناء في أن يسلكوا بأسلوب اللامبالاة؛ إذ يجدون أمهم أمامهم راضية بأي خطأ، أو أنها أمام أبيهم تدافع عن أخطائهم، وتبررها، أو تغطي عليها فلا يراها!! وهكذا لا يجد الابن من يربيه.
والحنان يشمل أيضًا عنصر العطاء لما يحتاجه الابن. فتشعر الأم باحتياجاته وتعطيه دون أن يطلب. ولا شك أن هذا يترك في نفسه أثرًا طيبًا ويبادلها حبًّا بحب. ولكن العطاء ينبغي ألا يمتزج بالإسراف والبذخ. وإنما يكون في حدود المعقول. وذلك حتى لا يشب الابن شاعرًا بأن كل ما يطلبه واجب التنفيذ، مهما كانت حالة الأسرة لا تسمح بهذا.
المرح وانضباطه
من الأمور اللطيفة التي يحبها الأطفال، جو المرح في البيت.. والأم اللطيفة المرحة تكسب محبة أبنائها، حتى إن الضيوف والأقرباء الذين يزورون البيت، إن كانوا يتصفون بالمرح يحبهم الأولاد ويلتفون حولهم، ويُسعدهم تكرار زياراتهم.
وإن لم يجد الأبناء مرحًا في البيت، سيبحثون عنه خارج محيط الأسرة. ولا نضمن أي نوع من المرح سيجدونه، وتأثير ذلك عليهم.
على أن المرح في البيت يجب أن يكون منضبطًا، فيتعود الأولاد أن للمرح حدودًا وأوصافًا، وإن خرجوا فيه عن الأسلوب المعتدل، يخطئون ولا يُقابَلون بتشجيع من أحد؛ بل تنبههم الأم إلى تجاوزهم في مرحهم، سواء بكلمة أو بإشارة أو بملامحها غير الراضية.
إذًا ينبغي الاهتمام بأسلوب المرح، وبوسائله. ومع من يكون؟ وإلى أي حد؟ ويدركون أنه يمكن لهم أن يمزحوا مع غيرهم، وليس أن يسخروا منهم. ويميزون بين الفكاهة المقبولة وغير المقبولة.
وكيف أن مجالس المرح لا تتحول إلى مجالس المستهزئين (مز1) وكذلك لا يتحول المرح إلى هرج، ولا يكون في كل وقت ولا مع كل أحد، لأن هناك أوقاتًا تحتاج إلى جدية. والخروج عن الجدية وقتذاك يكون ملومًا ومعيبًا.
عنصر الحكمة
التمييز بين أوقات المرح والجدية، وضبط الأم لهذا الأمر يحتاج إلى حكمة.. كذلك ينبغي أن تحل مشاكل البيت والأولاد بحكمة. فهناك أمور تحتاج من الأم إلى تدخل جاد، وأمور أخرى يحسن تركها بعض الوقت، حتى لا تأخذ الأم موقف الشرطي في محيط الأسرة!!
أمور تصمت عنها إلى أن تحلها فيما بعد، وأمور تأخذ فيها موقفًا في نفس الوقت. هناك ما تحله على مستوى الجلسة الخاصة مع أحد الأبناء وأشياء أخرى نتكلم عنها أمام الجميع، لكي يأخذ الآخرون منها درسًا وينتفعوا، ومسائل تحتاج إلى لون من التوعية والتفهيم.
والحكمة تدخل أيضًا في موضوع العقوبة.
العقوبة والمخاصمة
بعض الأخطاء تحتاج إلى عقوبة، إذا كانت فادحة ومقصودة، بينما أخطاء أخرى يكفيها مجرد التنبيه، أو التوبيخ أو الإرشاد، أو إظهار عدم الرضى عنها، أو الإنذار بالعقوبة إن تكرر الخطأ.
والعقوبة لازمة لأن كثيرين لا يشعرون بفداحة الخطأ إن لم يُعاقَبوا. وبدون العقوبة قد يستمر المخطئ في خطأه، وقد يصل إلى حد الاستهانة والاستهتار. والله – تبارك اسمه – قد عاقب كثيرين فرادا وشعوبا . أفرادًا وشعوبًا.
وقد حكم حكمًا شديدًا على عالي الكاهن، لأنه لم يؤدب أولاده، فمن حق الأم أن تُعاقِب، ومن حق الأب أن يُعاقِب، بل من واجبهما أن يفعلا ذلك، لأنهما مسؤولان عن تربية أولادهما.
وهناك ألوان من العقوبة يستخدمها الآباء والأمهات.
البعض منهم قد يمنع عن ابنه بعض المصروف أو الهدايا، أو يمنعه عن بعض النزهات أو بعض المشتهيات أو بعض الزيارات التي يحبها. أو يمنعه عن اللعب، أو عن بعض الصداقات، أو يلجأ بعض الآباء والأمهات في معاقبة أبنائهم إلى الضرب أو الشتيمة. وهذا بلا شك أسلوب غير روحي. إن كان مرتبطًا بالعنف والإهانة وجرح الشعور، وقد يأتي بنتائج مسيئة إذا كان منهجًا مستمرًّا.
على أن البعض قد يستخدم المخاصمة أو المقاطعة، فتستمر الأم مثلًا فترة طويلة لا تكلم ابنها، ولا تستمع إليه ولا ترد عليه إن كلَّمها. أو تتجاهله باستمرار. أو أن تغيظه في فترة مخاصمتها له بأن تعامل أحد إخوته بلطف وحنو ومودة، وقد تطول المقاطعة أو المخاصمة ويبدو الموضوع بلا حل.
وإن اشتكى الابن لأحد الأقارب أو الأصحاب، تعنفه بشده وتقول له: “أنت تفضحنا وسط الناس، وتنشر أسرار الأسرة في الخارج”، وتزداد مقاطعتها له ولا شك أن المخاصمة والمقاطعة لها أضرارها وأخطارها. فهي إجراء سلبي، وليست حلًّا لمشكلة. ويكون فيها الابن – وبخاصة إن كان صغيرًا – في وضع عاجز عن التصرف، ولا يعرف متى تنتهي هذه المخاصمة؟ وكيف؟ كما أنها لا تعطي مجالًا للتفاهم ولا للحوار، وإن طالت يزداد الأمر تعقيدًا.
يبدو أن هذه الوسيلة كعقوبة لا تصلح إلا إذا كانت لدقائق أو ساعات يعقبها عتاب. المهم في العقوبة أن تكون ذات نتيجة طيبة في تقويم الابن ولا تكون مجرد تنفيس عن غضب مكبوت، أو إراحة لأعصاب متوترة، والأم الحكيمة لا تهدد وإنما تتصرف تصرفًا حكيمًا، يجمع بين الحب والحزم وبين العقاب والعلاج.
فيكون العقاب هدفه العلاج، وليس لمجرد العقاب والمجازاة.. وبحكمة تكون العقوبة وتعرف صاحبتها متى تكون؟ ولأي سبب؟ هل تصلح؟ وإلى أي مدى؟
شروط العقوبة
الشرط الأول
أن يعرف الابن أنه مخطئ ويستحق العقوبة؛ لذلك ينبغي توضيح الموقف له، وشرح نوعية الخطأ الذي وقع فيه ونتائجه.. على أن يقتنع بذلك، لأنه إذا لم يدرك أنه قد أخطأ، سيشعر أنه واقع تحت ظلم، وأن سلطة الوالدين تُستَخدم بطريقة عشوائية وبدون حق، وهذا الشعور يضره ويتعبه.
الشرط الثاني
يجب إقناعه أيضًا بأن العقوبة نافعة له وأنها تفيده وتربيه، حتى يبتعد عن الخطأ، ولا يكرره ولا يصبح عادة له. وكلما يتذكر العقوبة، يذكر أنه قد فعل ما لا يليق، وقد أغضب الله ووالديه بما فعله، وربما قد أساء كذلك إلى سمعة الأسرة، وقدَّم صورة غير لائقة لإخوته، الذين قد يقلدونه إذا وجدوا أن خطأه قد مر بسهولة دون عقاب، فالعقوبة كما هي نافعة له، فهي نافعة أيضًا لغيره.
الشرط الثالث
إشعاره بأن العقوبة لا تمنع المحبة، فمحبة أمه له قائمة، تُظهِرها نحوه بأساليب أخرى على الرغم من بقاء العقوبة. وأن هذه المحبة هي جزء من طبيعة الأم، وقد أظهرتها نحوه في مناسبات عديدة تُذكّره بها. وأن الله نفسه قد عاقب البشر، على الرغم من محبته لهم.
الشرط الرابع
من شروط العقوبة أن تكون على قدر الاحتمال، على قدر ما يستحق الخطأ من جهة، وعلى قدر ما يحتمل المخطئ من جهة أخرى. ويُراعَى في هذا شعور الابن الحساس، والابن الصغير، والابن المحب قد تصدمه العقوبة في أمه. وأيضًا يُراعَى شعور الابن المحتاج إلى حنان لظروف خاصة، ويُراعَى أيضًا عامل السن، وعامل المعرفة أو الجهل.
الشرط الخامس
تكون العقوبة لوقت محدد، تنتهي بعده. لأن هناك أمهات إذا غضبت مرة واحدة يكون غضبًا مستمرًّا لا تعرف متى ينتهي! وإن خاصمت تستمر المخاصمة إلى مدى لا تعرف نهايته! وهكذا إذا عاقبت، لا يعرف الابن متى تنتهي عقوبته! وإذا منعته عن شيء، لا يعرف متى ينتهي هذا المنع!
وكل هذا خطأ بلا شك. فالله نفسه تبارك اسمه قيل عنه في المزمور: “الرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لاَ يُحَاكِمُ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَحْقِدُ إِلَى الدَّهْرِ”(مز103: 8 – 9).
الشرط السادس
تكون العقوبة لونًا من العلاج، فتعاقبه الأم بمنعه عمَّا يضره وإبعاده عن أسباب الخطأ، ويكون هذا علاجًا له، بحيث يدرك أيضًا أن هذا لونًا من العلاج، وليس مجرد عقاب؛ كمنعه مثلًا من صداقات ضارة. وعن زيارات تسبب له خطايا، أو منعه عن مرفِّهات ومسلِّيات تضره.
الشرط السابع
ويشترط في العقوبة أن تكون على أساس ثابت. بحيث يفهم الابن أنها تمثل مبادئ وقيمًا ثابتة، وهكذا لا تكون الأم مترددة تمنعه عن شيء في وقت ما. وتصرح بنفس الشيء في وقت آخر، فلا يدري الابن الحكمة من تصرفها ومن معاقبتها، ما دامت هي تأمر بالشيء وعكسه!!
مصادقة الأبناء
يفيد جدًّا في التربية، وفي العلاقات الأسرية، أن تكون الأم صديقة لأبنائها تربطها معهم عوامل من المودة، وليست مجرد سلطة الأعلى على الأدنى. وفي هذه الصداقة والمودة، توجد الثقة والمصارحة.
فيستطيع الابن أن يفتح قلبه لها، ويحدثها بكل صراحة عمَّا في داخله، وعن مشاكله وحروبه الروحية، دون أن يخشى عقابًا أو توبيخًا أو فقدانًا لثقتها به. بل يطلب المشورة والإرشاد، ولا مانع من الحوار، لا بلون من المجادلة والكبرياء، بل – فقط – للتوضيح وبحث كل وجهات النظر معًا.
وحتى إن كشف لها الابن أخطاءه ومشاكله، يكون على يقين أنها ستحفظ السر، ولن تعايره بخطأ وقع فيه، أو تعاقبه عليه. وفي هذا يثق الابن أن أمه موضوعية وليست انفعالية وتحلل ما يقوله لها في موضوعية، وترشده إلى الواجب عليه، دون أن تثور، ودون أن تتضايق أو تبكي، أو تطالبه بأكثر مما يستطيع، أو تشتد في لومه وفي إيلامه. وفي حفظها للسر لا يكون ذلك بحفظ اللسان فقط من الكلام، بل أيضًا بحفظ ملامحها فلا تكشف شيئًا، وبالحرص في معاملاتها له فلا يستنتج منها ما أرادت أن تخفيه بصمتها.
مثل هذه الأم التي لا تتصرف بطريقة انفعالية، تكون موضع ثقة ابنها وتقديره، ويستطيع أن يتخذها كصديقة ومرشدة.. وفي ثقته بها توجد المصارحة وكشف القلب والفكر، على أساس من المودة والحب.
ويا ليت الابن أيضًا يثق بذكاء أمه وحكمتها وحسن تصريفها للأمور، فليست كل أم تصلح أن يتخذها أبناؤها مرشدة لهم.
الاحترام والتقدير
من المفروض أن يحترم الأبناء آباءهم وأمهاتهم، فالكتاب يقول: “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ”(خر12:20)، “وَلِكَيْ يَكُونَ لَكَ خَيْرٌ علَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ”(تث16:5).. وقد علَّق القديس بولس الرسول على هذه الوصية بأنها أول وصية بوعد (أف2:6).
ويكون احترام الإنسان لأمه، ليس لمركزها العائلي كأم فحسب، ولكن حبَّذا إذا كان ذلك أيضًا بسبب تقديره لعقلها وحكمتها، وحسن مشورتها، وحسن تصريفها وتدبيرها لأمور الأسرة. ولا تكون مثل “بثشبع” أم سليمان الملك، التي جاءته في طلب فقام عن كرسي ملكه وسجد لها، وأجلسها على كرسي عن يمينه. ولكن لما طلبت منه طلبًا شعر أنه ضد الشريعة، لم يستجب لها، بل عاقب من جاءت تتوسط لأجله وقال: “حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي ثَبَّتَنِي وَأَجْلَسَنِي عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ أَبِي، وَالَّذِي صَنَعَ لِي بَيْتًا كَمَا تَكَلَّمَ، إِنَّهُ الْيَوْمَ يُقْتَلُ أَدُونِيَّا”(1مل2: 19 – 25).
هناك إذًا فرق بين الاحترام للمركز، واحترام الصفات والشخصية. والأم الحكيمة العاقلة هي الأم التي يحترمها أبناؤها للأمرين معًا. حتى لو لم تكن أمًا، لا يقل احترامهم لها، فشخصيتها تُوجِب الاحترام. وكلامها يجب تنفيذه، ليس لأنه فقط كلام أم، بل بالأكثر لأنه كلام منفعة، كله حكمة وفائدة.
هذه هي الأم التي لها مواهب وشخصية، وحياة ماثلة، إنه احترام من عمق القلب والعقل، لأنها موضع ثقة. غير أن بعض الأمهات، للأسف، يطلبن الاحترام والطاعة في مواقف وأوامر خاطئة لا يمكن للابن الحكيم أن يطيعها! كما حدث لــ “بثشبع” مع ابنها سليمان الحكيم.
وإن حدث لمثل هذه الأم أن خالفها ابنها! أن تثور عليه وتوبخه، وتقول له: بهذا الأسلوب تُكلِّم أمك؟! وأين هي الطاعة التي أمرك بها الرب؟! ونفس الوضع بالنسبة إلى الأب المخطئ في أوامره، وهكذا يقول الكتاب: “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ”(أف1:6). نعم في الرب، فهذا حق. أما خارج دائرة الرب، فيقول السيد الرب: “مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي“(مت37:10). أما في الرب فكل كلمة تقولها الأم، تكون موضع الطاعة وموضع التنفيذ، برضى وبشكر.
والأم الحكيمة تحترم أولادها أيضًا كما يحترمونها لا تهينهم، ولا توبخهم بغير سبب يستحقون عليه التوبيخ، ولا تجرح شعورهم، ولا تصغِّر من شأنهم، بل تكلمهم بألفاظ رقيقة، ويكونون في نظرها كبارًا تفتخر بهم، وترفع من قدرهم أمام الكل، وتمتدح ما فيهم من حسنات، وتسرّ بنجاحهم وتفوقهم. الابن يعاملونه خارج بيته معاملة طيبة وباحترام، ولكنه – للأسف – لا يجد في بيته نفس الاحترام الذي يجده خارجًا. فإنه في نظرهم باستمرار، صغير مهما كبر، لهذا يعاملونه في البيت كصغير لا يستحق احترامًا، وبهذا قد ينشأ الابن معقدًا، يبحث عن احترامه دائمًا خارج بيته!
أما في البيت فقد يجد الابن العناية، ولكن ليس الاحترام. لهذا أقول باستمرار أن الزواج يحتاج بكل تأكيد إلى مواهب تربوية سليمة. والأم بالذات، تحتاج بالأكثر إلى هذه المواهب التربوية؛ لأن الأب غالبًا ما يكون مشغولًا بعمله خارج البيت، تاركًا مسؤولية تربية أبنائه على أمهم.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 15-3-1998م





