هل يعرف الابن تلك الساعة؟

المحاضرة تشرح بتعمق الآية التي قال فيها المسيح: «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعرفهما أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن، إلا الآب» (مرقس 13: 32).
قداسة البابا شنوده الثالث يوضح أن هذه الآية لا تعني جهل الابن، بل تشير إلى عمق العلاقة بين اللاهوت والناسوت في شخص المسيح، وإلى أسلوب الكتاب في التعبير عن الأسرار الإلهية.
1. الابن يعرف لأنه عقل الله الناطق
المسيح هو اللوجوس، أي عقل الله الناطق، وبما أن الله يعرف اليوم والساعة، فلابد أن يعرفها ابنه، لأنه «صورة الله غير المنظور» و«فيه مخبأة كل كنوز العلم والمعرفة» (كولوسي 2:3).
كيف يمكن أن يكون «حكمة الله وقوة الله» (1 كورنثوس 1:24) ولا يعرف؟
2. وحدة المعرفة بين الآب والابن والروح القدس
الروح القدس «يفحص كل شيء حتى أعماق الله» (1 كورنثوس 2:10)، وإن كان الروح يعرف، فبالضرورة الابن أيضًا يعرف لأن المسيح قال: «كل ما للآب هو لي» (يوحنا 16:15) و«أنا والآب واحد» (يوحنا 10:30).
فهم واحد في الطبيعة والمعرفة والإرادة.
3. المقصود بالقول «لا يعرف»
تعبير «لا يعرف» في الكتاب المقدس لا يعني دائمًا الجهل بل أحيانًا عدم الإعلان في الوقت الحالي.
مثلما قال الله لإبراهيم: «الآن علمت أنك خائف الله» (تكوين 22:12) — أي الآن أُعلن إيمانك، لا أن الله لم يكن يعلم مسبقًا.
إذًا «لا يعرف» معناها: لم يُعلن بعد، أو لم يُظهر هذه المعرفة بحسب التدبير الإلهي.
4. تمييز بين المعرفة والإعلان
الله يعرف كل شيء منذ الأزل، ولكن هناك أوقات محددة لإعلان المعرفة.
كما في العهد القديم حين قال الرب عن سدوم: «أنزل وأرى هل فعلوا بالتمام أم لا» (تكوين 18:21) — لم تكن عبارة جهل بل إعلان في وقت التدبير.
5. اللغة البشرية وحدود التعبير
الكتاب المقدس يستخدم لغة بشرية محدودة لتقريب الإلهيات إلى فهم الإنسان، لذلك تُقال عبارات مثل «نزل الرب» أو «غضب الله»، وهي تعبيرات رمزية تناسب عقولنا البشرية المحدودة.
6. الابن في تجسده
حين قال المسيح «ولا الابن»، كان يتحدث من حيث ناسوته، أي من جهة الطبيعة البشرية التي «أخذت شكل العبد» (فيليبي 2:7).
هذه الطبيعة، لو تُركت لذاتها، لا تعرف اليوم والساعة لأنها محدودة، ولكنها متحدة باللاهوت الذي يعرف كل شيء.
فمن حيث لاهوته يعرف، ومن حيث ناسوته لا يُعلن.
7. النمو البشري للمسيح
كما ورد في لوقا 2:52 «وكان الصبي ينمو في القامة والحكمة والنعمة»، هذا النمو لا يعني نقصًا في الحكمة، بل إعلان تدريجي لما هو مخبوء فيه من معرفة، بحسب مراحل الحياة البشرية.
8. المعنى الروحي
الكلمة «لا يعرف» تُظهر تواضع الابن في تجسده، وتكشف أن المعرفة الإلهية ليست موضوع فضول بشري، بل تُعلن في وقتها بحسب التدبير الإلهي.
المسيح لم يقل ذلك عن جهل بل عن قصد تربوي وتعليمي، ليعلّم التلاميذ أن الأزمنة في سلطان الآب، وأن الإنسان لا ينبغي أن يفتش عنها.


