هل هناك توبة “بعد الموت”؟!

هل هناك توبة “بعد الموت”؟![1]
سؤال
هل يمكن أن يتوب الإنسان بعد الموت، كما ورد في كتابات البعض، الذين قالوا إن الرسل في العالم الآخر يكرزون ويبشرون ويقودون إنسانًا إلى الإيمان وإلى التوبة…؟
الجواب
الدينونة تكون للإنسان كله روحًا وجسدًا.
ولذلك فالدينونة تكون لفترة وجودنا بالجسد على الأرض.
وفي هذا يقول الكتاب “لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا” (2كو5: 10).
وهذا ما تؤيده طقوس الكنيسة، إذ نقول في صلاة النوم:
“توبي يا نفسي ما دمت في الأرض ساكنة..”
ويعلل ذلك بقولنا “لأن التراب في القبر لا يسبّح. وليس في الموتى من يذكر، ولا في الجحيم من يشكر..” أي أنه ليس بعد الموت مجال للتسبيح وللشكر لمن مات في الخطية.
وهنا نسأل سؤالًا هامًا وهو:
الذين يكرزون في العالم الآخر فرضًا، هل يكرزون للإنسان كاملًا أم لروحه فقط؟ طبعًا للروح فقط.
فإن تابت الروح، ماذا عن الجسد وتوبته؟!
وكيف تتوب الروح، ولا تواجهها معطلات الجسد والمادة؟
هل نعتبر هذه توبة حقيقية كاملة؟! بينما الإنسان في العالم الآخر لا توجد أمامه المغريات المادية ولا المحاربات الجسدية على كافة أنواعها، ولا توجد أمامه العثرات التي في هذا العالم الحاضر، من “شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ” (1يو2: 16).
ما معنى التوبة، حيث لا توجد حروب للجسد والحواس؟!
بل حيث لا توجد حروب للروح أيضًا، من المعاشرات الردية، ومؤامرة الناس الأشرار، والطموح العالمي، وردود الفعل إزاء تصرفات الآخرين، وأيضًا شهوة تعظم المعيشة…!!
هناك دليلًا آخر على أن الذي يموت في خطاياه، لا مجال له في التوبة، وهو:
إننا لا نصلّي على الذي يموت في خطيته.
فإن مات الإنسان وهو غير مؤمن أو وهو هرطوقي أو مبتدع، لا نصلي عليه.. ولو كان هناك مجال لتوبته عن طريق تبشير الرسل في العالم الآخر، لكنا نصلي من أجله ونذكره في أوشيه الراقدين، لعل الله يرسل له بعد الموت إنسانًا قويًا في نشر الإيمان مثل بولس الرسول، أو القديس أثناسيوس الرسولي، ليهديه فيؤمن…!
ولو مات إنسان منتحرًا وهو عاقل، لا نصلي عليه..
ولو مات إنسان وهو في حالة زني أو سرقة، أو وهو يعتدي على آخرين ظلمًا، أو ما أشبه.. لا نصلي عليه.. بينما لو كانت أمامه فرصة للتوبة في العالم الآخر على يد واعظ مؤثر، مثل القديس يوحنا ذهبي الفم أو مار أفرام السرياني، أو القديس أوغسطينوس، لكنا نصلي لكي يرسل له الله من يهديه في العالم الآخر…!!
وكيف يهديه ما دامت لا توجد أمامه فرصة للزني ولا للسرقة ولا للظلم ولا للاعتداء في العالم الآخر.
ولعل عدم الصلاة على أمثال هؤلاء يؤيده قول الرسول:
“تُوجَدُ خَطِيَّةٌ لِلْمَوْتِ. لَيْسَ لأَجْلِ هذِهِ أَقُولُ أَنْ يُطْلَبَ” (1 يو5: 16).
بينما هناك خطايا أخرى يمكن الصلاة من أجلها.
إذًا ما جدوى التبشير في العالم الآخر؟ وهل تكون مثل هذه الكرازة ضد تعليم القديس يوحنا الرسول؟!
بل إن هذه أيضًا ضد قول السيد المسيح لليهود:
“أَنَا أَمْضِي وَسَتَطْلُبُونَنِي، وَتَمُوتُونَ فِي خَطِيَّتِكُمْ. حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا” (يو8: 21).
فما معنى عبارة “تَمُوتُونَ فِي خَطِيَّتِكُمْ” هنا؟ وقد كررها الرب ثلاث مرات في تلك المناسبة.. مثل قوله “إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ” (يو8: 24).
وإن كان هناك مجال للتوبة أو للإيمان في العالم الآخر، فما معنى قول الرب “حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا” (يو8: 21).
أليس هذا حكمًا قاطعًا بعدم إمكانية التوبة، وعدم إمكانية الإيمان في العالم الآخر؟!
هناك أيضًا نصوص من الكتاب تثبت هذه الحقيقة، منها:
أ- قصة الغنى ولعازر:
لم تكن هناك فرصة لهدايته، مع أنه كان يبدو استعداده لذلك:
فأبونا إبراهيم كان يمكنه أن يقوم بعمل كرازي من جهته، بدلًا من قوله له “بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ، حَتَّى إِنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْعُبُورَ مِنْ ههُنَا إِلَيْكُمْ لاَ يَقْدِرُونَ، وَلاَ الَّذِينَ مِنْ هُنَاكَ يَجْتَازُونَ إِلَيْنَا” (لو16: 26).
إن كان هناك مجال للتوبة، فلماذا الهوّة العظيمة الفاصلة، واستحالة العبور إلى الجانب الآخر؟!
ولماذا لم يقم أبونا إبراهيم بهداية هذا الغني، الذي يتشفع من أجل أهله وأقاربه في العالم، حتى لا يأتوا إلى موضع عذابه. وهذا يدل على رغبة في الخلاص…!
ب- زمانًا لكي تتوب:
ورد في قول الرب لرسوله يوحنا في سفر الرؤيا عن المرأة إيزابل (وهي رمز بلا شك).. “وَأَعْطَيْتُهَا زَمَانًا لِكَيْ تَتُوبَ عَنْ زِنَاهَا وَلَمْ تَتُبْ” (رؤ2: 21).. ولا شك أن أقصى مدة لهذا الزمان هي الحياة على الأرض قبل الموت. وهنا نورد قول الكتاب:
“وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ” (عب9: 27).
ولم يقل إن هناك توبة بعد الموت، بل دينونة.
نذكر من الكتاب مثالًا آخر، قاله رب المجد وهو:
ج- العذارى الجاهلات:
وهن يمثلن كل الجنس البشري، الذي فقد الخلاص..
لقد كن عذارى، ولهذا معناه الروحي. وكن ينتظرن العريس، ومعهن مصابيحهن. فلما جاء العريس وكادت مصابيحهن تنطفئ. وذهبن ليبتعن لهن زيتًا.. أتراهن استطعن أن يبتعن زيتًا؟ هل أعطيت لهذه الأنفس فرصة أخرى، مع سعيها لابتياع الزيت؟! أم قد أغلق الباب في وجوههن، وقال لهن الرب “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ” (مت25: 12).
ومن يظن أن هناك فرصة لابتياع زيت بعد الموت، فليأخذ درسًا من مصير العذارى الجاهلات..
نقطة أخرى أساسية نقولها وهي:
فكرة إمكانية التوبة بعد الموت، تقدم فرصة للاستهتار واللامبالاة..
على اعتبار أن الإنسان يسلك حسب هواه هنا على الأرض، ولا يسير زمان غربته بخوف (1بط1: 17)، معتمدًا على توبته بعد الموت!! وهكذا يجمع واهمًا بين المتعة في الدنيا، والتوبة والخلاص في الآخرة..
إن الكتاب ليس فقط يعلمنا التوبة خلال هذه الحياة، بل أكثر من هذا يقول لنا: “اذْكُرْ خَالِقَكَ فِي أَيَّامِ شَبَابِكَ” (جا12: 1).
ويعلل ذلك بقوله “قَبْلَ أَنْ.. تَجِيءَ السِّنُونَ إِذْ تَقُولُ: لَيْسَ لِي فِيهَا سُرُورٌ” أي قبل أن تزول فترات الحروب الشبابية.. فماذا إذًا عن زوال الدنيا كلها، والخروج من هذا الجسد أيضًا؟!
“مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ” (مت13: 43).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة عشرة – العددان 33، 34 (28-9-1990م – ونشر في 13-9-1996م)




