هل العذراء……… عروس ؟

هل العذراء……… عروس ؟[1]
سؤال:
قرأت لأحد البلاميس انتقادًا شديدًا لتسميتنا العذراء بالعروس، قائلاً إن الكنيسة هي العروس وليست العذراء… فنرجو التوضيح…
الجواب:
حقًا إن الكنيسة دُعيت العروس، كما قال يوحنا المعمدان، ولكن كل نفس بشرية هي أيضًا عروس للرب…
ومن مجموع هذه العرائس تتكوَّن العروس الكبرى، وبنفس الوضع وبنفس المعنى دُعيت الكنيسة عذراء، كما قال بولس الرسول: “خَطَبْتُكُمْ لِرَجُل وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ” (2 كو11: 2).
هنا الكنيسة عذراء، عروس المسيح. وفي نفس الوقت يتكلَّم الكتاب عن كل نفس كعذراء للمسيح، فيقول: “لِذلِكَ أَحَبَّتْكَ الْعَذَارَى” (نش1: 3).
كون الكنيسة عذراء عروس للمسيح، لم يمنع أن تكون كل نفس عذراء عروس للمسيح، كما يعلِّمنا الكتاب المقدس.
والسيد المسيح نفسه هو الذي يقدِّم هذا التعليم، فيقول إن ملكوت السموات يشبه خمس عذراى حكيمات خرجن لاستقبال العريس، وكن مستعدات، فدخلن معه إلى العرس…
هؤلاء العذارى الحكيمات، رمز لكل نفس عروس للمسيح…
ولم يقل الكتاب أن عذراء واحدة عفيفة مخطوبة للمسيح هي التي كانت تنتظره ودخلت معه إلى العرس، لتتمتع بعريسها، بل قال (عذارى) يعني كل نفس على حدة.
فما يُطلق على الكنيسة هنا، يُطلق على كل نفس.
لذلك كل فتاة كرَّست نفسها للرب، تدعو ذاتها عروسًا للمسيح.
كذلك كل نفس تحبه، نفس رجل أو امرأة، هي عروس للمسيح، تنتظره لتدخل معه إلى عرسه السمائي. ولا نستطيع أن نصدم أية نفس من النفوس في محبتها للرب، ونقول إن العروس واحدة وهي الكنيسة!
وسفر نشيد الأناشيد يقدِّم هذه الحقيقة بأجلى وضوح.
ولا نستطيع أن نحرم أية نفس من تأملها في سفر نشيد الأناشيد، ونقول إنه خاص بالكنيسة وليس بالأفراد.
بل إن في هذا السفر تعبيرات لا يجوز أن تُطلق على الكنيسة، بل إن إطلاقها على الأفراد أنسب وأليق، مثل قول العروس النشيد: “أَنَا نَائِمَةٌ وَقَلْبِي مُسْتَيْقِظٌ”؛ “حَبِيبِي تَحَوَّلَ وَعَبَرَ”؛ “طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ” (نش5). فمن الصعب أن توصف الكنيسة بأنها نائمة أو أنها رفضت أن تفتح للرب، وأن الرب تحوَّل عنها وعبر، أو: طلبَته فما وجدَته، ودعته فما أجابها. بل هذا الكلام يليق بالأفراد الذين قد يوصفون بالفتور الروحي وبالسقوط…
وتعبير عروس، مألوف جدًا في سفر النشيد.
“مَا أَحْسَنَ حُبَّكِ يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ!”، “شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْدًا”، “أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ، عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ” (نش4: 8 ــــــ 12).
ونلاحظ في هذه الآيات استخدام عبارتيْ (العروس) و(عروس) بلا تفريق، تؤديان معًا معنىً واحدًا.
إن كلمات السفر من الممكن أن تعني الكنيسة حينًا، أو تعني أية نفس بشرية في أحيانٍ كثيرة.
وكلمات الكتاب من الصعب أن نحدَّها في مفهومنا الخاص.
من الصعب أن نضرب حولها نطاقًا ضيقًا، ونقول: هذا هو المفهوم الوحيد لعبارة قد يجعلها التأمل بلا حدود.
مثال ذلك السبعة رسائل إلى السبع كنائس التي في سفر الرؤيا، تؤخذ أحيانًا على أنها رسائل لكنائس معينة في زمن القديس يوحنا، وتؤخذ على أنها رسائل لأية كنيسة في أي عصر تجوز نفس الحالة، وتؤخذ أيضًا على أنها رسائل لكل نفس بشرية.
وكلمة الله لا تُحدُّ. وصدق داود النبي حينما قال:
“لِكُلِّ كَمَال رَأَيْتُ حَدًّا، أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا” (مز 119) فإن كانت كلمة (عروس) يمكن أن تُطلق على أية نفس بشرية، لماذا لا تُطلق بالأولى على العذراء؟!
أي خطأ في هذا يجعل إنسانًا يتحمَّس ويهاجم؟! ويضيع وقته في الكتابة، ووقت غيره في الرد عليه!! ويثير شكوكًا للبعض! ألا توجد أمورًا جوهرية أكثر تحتاج إلى الرد وإلى الدفاع عن الكتاب، وبخاصة حينما يُتَّهم الكتاب كله بالتحريف والتزوير؟!!
وهل هي مشكلة حقًا أن يثور بشأنها التساؤل: هل هذا الكلام عن إنسان أم عن الكنيسة؟ أليس الإنسان نفسه كنيسة؟
ألم يقل الكتاب: “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ” (1كو3: 16، 17) الإنسان إذًا كنيسة صغيرة، ومن مجموع هذه الكنائس تتكوَّن الكنيسة الجامعة. هو (الإنسان) عروس للمسيح، ومجموع هذه العرائس تكوِّن العروس الكبرى التي هي الكنيسة، جسد المسيح…
ويحقُّ لنا أن نخاطب كل نفس طاهرة، وليست العذراء فقط، ونقول لها: “وجدتِ نعمة أيتها العروس”… كم بالأولى العذراء الممتلئة نعمة؟!
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة – العدد الثامن والثلاثون 21-9-1979م



