نشيد الأناشيد

نشيد الأناشيد
اسمه نشيد الأناشيد، أو أغنية الأغنيات، يسمونه في الانجليزية song of songs، أي أنه لو اعتبرت جميع الأناشيد كأنها كلام عادي، يكون هذا السفر هو نشيدها أو أغنيتها.. كتبه سليمان الحكيم، شعرًا.
هذا السفر هو سفر الحب:
نفهم منه أن الله منذ القدم كان يريد أن تكون العلاقة بيننا وبينه هي علاقة حب. ولعل هذا واضح مما ورد في سفر التثنية “فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ “(تث 5:6). وقد قال السيد المسيح أن وصية الحب هذه، يتعلق بها الناموس كله والأنبياء.
سفر النشيد يتحدث عن المحبة الكائنة بين الله والنفس البشرية، أو بين الله والكنيسة، في صورة الحب الكائن بين عريس وعروسه.
سفر النشيد يتميز بكثير من الآيات الذهبية الشهيرة التي يستخدمها الوعاظ باستمرار مثل “اجذبني وراءك فنجري”، “أنا سوداء وجميلة”، خذوا لنا الثعالب، الثعالب الصغار المفسدة للكروم”، “أنا نائمة وقلبي مستيقظ”، “حبيبي لي، وأنا له، الراعي بين السوسن”، “حلقه حلاوة، وكله مشتهيات”، “المحبة قوية كالموت”، ” مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْمَحَبَّةَ، “…
ولكي نفهم سفر الرؤيا، لابد أن نفهمه بطريقة رمزية، وليس بتفسير حرفي..
أن التفسير الحرفي لسفر الرؤيا تفسير منفر، ولا يتفق مع روح الوحي، ولا مع مدلول الألفاظ. وهذا السفر لا يصلح إلا للمتعمقين في الروح، الذين لهم عمق في التأمل ولا يأخذون الألفاظ بفهم سطحي. إنه ليس للمبتدئين، بل للناضجين، وقديمًا لم يكن أحد يقرؤه إلا بأذن من أبيه الروحي.
هناك آيات في السفر لا يمكن أن تؤخذ بمعناها الحرفي. مثال ذلك قوله ” مَنْ هِيَ الْمُشْرِفَةُ مِثْلَ الصَّبَاحِ، جَمِيلَةٌ كَالْقَمَرِ، طَاهِرَةٌ كَالشَّمْسِ، مُرْهِبَةٌ كَجَيْشٍ بِأَلْوِيَةٍ؟ “…
إن عبارة (مرهبة كجيش بألوية)، لا يمكن أن تقبلها حبيبة على نفسها، فكيف تقبل المرأة أن توصف بأنها تثير الرهبة أو الخوف، بينما النساء من المفروض فيهن أن يتميزن بالرقة؟! ولكن الكنيسة يمكن أن تكون مرهبة بالنسبة إلى الشيطان والعالم، مخيفه لقوي الشر مثل جيش بألوية “أي من عدة لواءات”… كانت الكنيسة مرهبة للفلسفة الوثنية، ومرهبة لكهنة وعبدة الأصنام، ومرهبة للانحراف والفساد… لأنها كانت طاهرة كالشمس. وعبارة جميلة كالقمر، لا يمكن أن تمشي حرفيا مع عبارة(أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم). فكيف تكون سوداء وفي نفس الوقت جميلة كالقمر؟!
ولكن السوداء هي كنيسة الأمم، التي لم تكن تنتمي إلى الآباء والأنبياء، عاشت بلا شريعة، بلا نبي، بلا وعود، بلا صلة بالله، غريبة عن رعويته… ولكنها صارت جميلة، وجميلة كالقمر، بالإيمان الجديد، ببر المسيح، وبدمه الذي محا خطاياها. فهي تخاطب كنيسة العهد القديم، وتقول لأعضائها “أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم”…
وعبارة جميلة كالقمر، تحمل معني روحيا وعلميا في منتهي العمق والجمال. فالمعروف عن القمر أنه كوكب مظلم يستمد نوره من الشمس.
فهذه السوداء التي كانت بلا إيمان، وليس لها جمال في ذاتها: عندما ألقي الله عليها نوره، صارت جميلة كالقمر، كالقمر الذي ليس له جمال في ذاته، وإنما يستمد نوره من الشمس… فالتشبيه واضح، في السواد وفي الجمال. في السواد الذي تتميز به ذاتنا الخاطئة، والجمال الذي يهبه لنا الرب في فدائه العجيب وفي الطبيعة الجديدة التي يهبها لنا بالمعمودية…
وعبارة (عيناك حمامتان) تحمل نفس المعني الروحي الجميل… العين تمثل البصيرة، والحمام يرمز أحيانًا إلى الروح القدس كما يظهر في قصة العماد…، وأحيانًا يمثل المحرقة أو الذبيحة التي يقدمها الفقير المسكين إلى الله.
فعندما تكون العين بالمعني الأول، فمعني ذلك أن الإنسان يتميز بنظرة روحية، بفهم روحي، كأن عينه هي الحمامة التي ترمز للروح القديس. فكل بصيرته روحية.. وكل نظراته لمختلف الأمور نظرات مقدسة، بالروح…
وعندما تكون العين بمعني ذبيحة الفقير المسكين، إنما تعني انسحاق النفس بمسكنه الروح، وتقديم ذاتها ذبيحة للرب كما أمر الكتاب(رو1:12)، في انكسار قلب، مطيعة حتى الموت.
وعندما تكون العينان حمامتين، فإنما تمثلان المعنيين معًا…
وبنفس المعني الأخير يمكن أن نفهم قول الرب “حولي عينيك عني فإنهما قد غلبتاني”…
إن للإنسان الذي للرب عينين منسحقتين مملوءتين بالدموع وينطق منهما إنكسار القلب، فهذا هو الذي يجاهد مع الله ويغلب، مثل يعقوب المنكسر الضعيف الذي جاهد مع الرب قائلا “لا أتركك حتى تباركني”… وغلب، وأخذ البركة… لأن الذبيحة عند الله روح منكسر، القلب المنسحق والمتواضع لا يرذله الله”(مز 50).
إذن فالنفس الباكية، التي تطلب الله بدموع، هي التي قال لها الرب في النشيد: “حولي عينيك عني، فانهما قد غلبتاني“…
بهذا نفهم سفر النشيد بطريقة روحية، وبعمق، وبما فيه من رموز، وليس بفهم مراهق…
وتشبيه العين بالحمامة يحمل معني روحيا آخر. فالحمامة رمز للبساطة والنقاوة. ولذلك يقول الرب “كونوا بسطاء كالحمام”. فالعين التي تشبه بالحمامة، إنما تشبه أيضًا بالبساطة. وقد قال الكتاب “إن كانت عينك بسيطة، فجسدك كله يكون نيرًا”…
فالعين التي تشبه بالحمامة، ترمز للنظرة البسيطة إلى كافة الأمور… إلى الحياة البريئة الطاهرة البعيدة عن التعقيد… كان آدم في بدء حياته بسيطًا لا يعرف سوي الخير، قبل أن تتعقد حياته وتصبح خليطًا مركبًا من خير وشر، بعد أن أكل من شجرة الخير والشر…
وهكذا في سفر النشيد نجد العروس تقول عن العريس الذي هو المسيح: “عيناه كالحمام مجاري المياه”. أي أن بصيرته بالروح القدس، لأن الذي يقبل الروح القدس “تفيض من بطنه أنهار مياه حيه، تروي الناس” إذ أن الروح القدس ثابت فيه أقنوميًا. ولذلك حسنًا قيل “على مجاري المياه”، قال الكتاب. وبهذا شبه الرجل البار في المزمور بأنه كالشجرة المغروسة على مجاري المياه…
سفر النشيد ليس غزلا، وإنما هو تعبير عن المحبة المتبادلة بين الله والنفس البشرية، كما أنه شرح لصفات الله وصفات النفس المحبة له.
الله لا يريد أن تكون علاقتنا به علاقة رسميات، أو علاقة خوف ورعب من لاهوته وجلاله، إنما يريد أن نكون أحباء له، لأنه “محب البشر” وهو الذي قال: “لا أعود اسميكم عبيدًا بل أحباء”.
كل ما في الله يدعونا إلى حبه، كل صفاته جميلة، كل حنوه وعطفه ولطفه، من أجل هذا قيل له في سفر النشيد.
(لذلك أحبتك العذارى)..
والمقصود بالعذارى النفوس التي لم تهب ذاتها لآخر، المتفرغة الله وحده المكتفية بمحبته، هذه هي النفوس العذارى المخصصة له. مثلما قال شاعر عن أمانيه وآماله.
أمان عذاري لم يجلن بخاطر… وبعض أماني الناس شمطاء ثيب تحبك النفس العذراء التي لم تهب ذاتها للعالم ، ولا لشهوته ، ولم يمتلك قلبها إنسان ما.. مثلما قال بولس الرسول عن كرازته “خطبتكم لأقدم عذراء عفيفة للمسيح”.
ومن أجل هذا أيضًا شبه الرب النفوس التي تطلبه وتسعي إلى ملكوته السمائي “بخمس عذاري حكيمات”، والمقصود بهؤلاء العذارى كل المؤمنين الصالحين متزوجين أو بتوليين ما داموا لم يهبوا نفوسهم للعالم.
هذا النفس العذراء الخطوبة للمسيح، قال عنها الرب في سفر النشيد “أخي العروس جنة مغلقة، عين مقفلة، ينبوع مختوم”.
هي جنة فيها كل ثمار الروح، فيها كل شحرة تعطي ثمرًا جيدًا، وتقدم ثلاثين وستين ومائة في عمل الرب. ولكنها جنة مغلقة، لم تفتح أبوابها لكل طارق، وليست سائبة بلا سور… ولذلك قال لها المرنم في المزمور “سبحي الرب يا أورشليم.. لأنه قوي مغاليق أبوابك، وبارك بنيك فيك”.
أنها جنة مغلقة لم يدخلها حيوان مفترس، لم يدسها بأقدامه، لم يطأ زهورها الجميلة، ولم يعبث بأثمارها الحلوة. إنها جنة، فردوس من الفضائل، ولكنها مغلقة، محصنة، والله في داخلها، ولم تفتح أبوابها لعدو خارجي.
وهي عين ماء، وينبوع، فيها الماء الداخلي، رمز الحياة، ورمز الروح. وكما قال المزمور “سواقي الله مملوءة ماء”. ولكنها ينبوع مختوم، ليس مفتوحًا للتلوث، ولا للحشرات، ولكنه مختوم. يفتحه الله متى يشاء، ويغلقه متى يشاء، في حكمة وفي حب.. هو يفتح ولا أحد يغلق، وهو يغلق ولا أحد يفتح.
مثال ذلك فم الإنسان، قد تفتحه فتروي الناس بعلمك وتعزيتاك، وقد تفتحه للترتيل والتسبيح، كما تقول في المزمور “افتح يارب شفتي فيخبر فمي بتسبيحتك”… ولكنك في غير ذلك تحترس من أخطاء اللسان فتغلق هذا الفم، كما قال المرنم في المزمور “ضع يا رب حافظًا لفمي، بابًا حصينًا لشفتي”.. حقًا إنه ينبوع، ولكنه ينبوع مخترم. يعرف متى يصمت، كما يعرف متى يتكلم.
يا أخي، عندما تنظر إلى نفسك، فتجد أن كل كلمة تسمعها، تدخل إلى فكرك وإلى قلبك، فتشغلك، وتنفعل بها أحاسيسك ومشاعرك، وقد تطيش فيها أفكارك حتى في صلاتك.. هكذا لكل نظرة تنظرها، وكل لمسة تلمسها… إذن فاعرف أنك لست جنة مغلقة… أنك مفتوح لكل المشاعر وكل التأثيرات الخارجية… كلها تدخل إليك، بلا رقيب… وحينئذ لا يستطيع الرب أن يقول عن نفسك المخطوبة له (أختي العروس جنة مغلقة)…
من الجائز أيضًا أن عبارة “جنة مغلقة، وعين مقفلة، وينبوع مختوم، تقال عن بتولية النفس التي وهبت ذاتها للمسيح، أنها عذراء مختومة للرب.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة – العدد الثالث -19 أكتوبر1974م


