مَاذا بَعد الموت؟!

مَاذا بَعد الموت؟!1
اعتقاد المسيحية
تؤمن المسيحية بالقيامة، التي تتحد فيها الأرواح بالأجساد كما ورد في (يو5: 28، 29). أما في الفترة ما بين الموت والقيامة، فتكون الأرواح في مكان انتظار. الأبرار في الفردوس (لو23: 43). والأشرار في الجحيم أو الهاوية، كما قيل في قصة لعازر والغني (لو16: 23).
ولا تؤمن المسيحية بتجسدات متعددة للروح بعد الموت، وحيوات متتابعة للإنسان:
كما ينادي بذلك (علماء) الروح حاليًا. وكما نادت بذلك الديانات الهندية والبوذية، وبعض الفلسفات مثل الأفلاطونية الحديثة والأوريجانية والفيثاغورية وغيرها… بل إن تعليم الكتاب المقدس واضح في قوله:
“وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الدَّيْنُونَةُ” (عب9: 27).
وعبارة (يموتوا مرة) تنفي نظرية (الحيوات المتتابعة) التي ينادي بها أولئك الذين يقولون إن الروح البشرية بعد مفارقتها للجسد تعود إلى تجسد آخر متحدة مع إنسان آخر أو حيوان. وربما تدخل تجسدات عديدة، مرة كامرأة، أخرى كرجل، مرة كطفل، وأخرى كشيخ…!! تتجسد ثم تموت، ثم تتجسد مرة أخرى وتموت…
الوجود السَابق: Pre – Existence
الذين يؤمنون بهذا الفكر، يؤمنون بما يسمونه الوجود السابق للإنسان. فالإنسان الموجود حاليًا، كان له وجود سابق في حياة بشرية أخرى. وبنفس المنطق سيكون له وجود في حياة تالية، حينما يدخل في تجسد آخر. ويسمون هذا بالعودة إلى التجسد.
العودة إلى التجسد: Reincarnations
وفي ذلك يقول كريشما في العودة إلى التجسد:
“كما لو أننا نرمي ثيابًا مستعملة، لنأخذ ثيابًا جديدة… نرمي الجسد المتهرئ، كي نلبس جسدًا جديدًا”.
وتوجد كتب كثيرة عن عودة التجسد:
* لعل من أشهرها باللغة العربية ما كتبه الدكتور رؤوف عبيد: (في العودة إلى التجسد) ــــــ (الإنسان روح لا جسد) ـــــ (مفصل الإنسان روح لا جسد) وهو في ثلاثة مجلدات.
* كتاب (العودة للتجسد) تأليف عبد العزيز جادو.
* كتب الدكتور على عبد الجليل راضي ومنها (المسيح قادم) ـــــــ (براهين حاسمة على الحياة بعد الموت) ـــــ (أنت تحيا بعد الموت).
* كتاب (هل عشت قبل هذه الحياة) تأليف رونالد وإعداد وتقديم وليد ناصف.
* كتاب (تناسخ الأرواح) للأستاذ مصطفى الكيك.
* (الحياة بعد الموت) ترجمة أحمد نذير السادات، عصام الشيخ قاسم.
* كتاب (جسد القيامة) في جزئين للأستاذ سمير هندي.
* (أضواء علمية على العالم الآخر) ـــــــ إعداد موريس شربل.
ونضع أمامك بالإنجليزية الكتب الآتية:
- Mark C. Albrecht: Reincarnation.
2.Robert A. Morey: Reincarnation and Christianity.
- Sri Chinmoy: Death and Reincarnation.
- Norman L. Geisler: The reincarnation Sensation.
- Hans Ten Dam: Exploring Reincarnation.
- Martha Knobloch: Reincarnation – The Gospel Truth.
- I am Wilson: Worlds Beyond.
وما أكثر الكتب، ولكني أكتفى بهذا الآن. أما لو تعرضنا لاستحضار الروح والتنويم المغناطيسي، فهناك كتب أخرى كثيرة. والعجيب أن غالبية الكتب بالعربية أو باللغات الأجنبية تتشابه في كثير من الأدلة والبراهين، مع الكتب التي يصدرها المهتمون بعلم الأرواح من بعض رجال الكنيسة أيضًا، حتى لتكاد تكون مدرسة واحدة!!
كثيرة من هؤلاء يتحدثون عن أوريجانوس كأحد أعمدة المسيحية في الاعتقاد بعودة التجسد.
ويقعون في أخطاء تاريخية وعقيدية كأن يسمونه القديس أوريجين أو سان أوريجين St. Origene ويهاجمون معارضيه ومن ذلك مجمع القسطنطينية للروم الأرثوذكس الذي عقد سنة 553م.
يقولون إن أورجينوس نادى بالوجود السابق للروح، وبعودة الروح إلى التجسد. وكذلك ينسبون نفس الاعتقاد إلى آباء آخرين… وبينما يرى البعض أن عودة التجسد تكون عقوبة لأرواح انحرفت فنزلت لتتحد بأجساد أرضية كعقاب لها، يرى البعض أن “تكرار الوجود الأرضي مفروض علينا، لكي نتطور ونصبح سادة على غرائزنا التي استعبدت جد الخليقة آدم وسلالته”. وأن الفترة القصيرة لوجودنا على الأرض لا تكفي للنصر النهائي على الغرائز. لذلك أعطيت لنا مهلات أطول كثيرًا تقطعها فترات نوم أعمق من النوم اليومي. وكل نومة تسمى موتًا”.. هذا ما يقوله الدكتور رؤوف عبيد في كتابه (في العودة للتجسد). ويضيف بأنه: “من الصحيح أن الوجود اللاحق يكون مصحوبًا بنسيان كل وجود سابق (ص67). ويهاجم إنكار هذه العقيدة، بحجة أن العودة للتجسد، للتطور إلى أفضل، هي أسمى بكثير من التلويح بالنار الأبدية. ومع ذلك يصرح بأن “السواد الأعظم من رجال الاعتقاد قد وقف في الغرب في وجه انتشار هذا الاعتقاد (بعودة التجسد) (ص70).
ويرى أن عقيدة عودة التجسد هي مستقلة تمامًا عن مفهوم (التناسخ) أو تقمص أرواح الحيوانات والنباتات.
ونسب إلى أحد الآباء أنه قال: “هناك حاجة طبيعية للروح الخالدة، لأن تعالج رذائلها ولأن تتطور. فإذا لم تفعل ذلك خلال حياتها الأرضية، فإن العلاج يحدث في الحيوات التالية وما يتبعها” (ص73).
وهذا يعني في رأيه إمكانية التوبة بعد الموت، في حياة تالية:
وسوف نرد على هذه النقطة في مقال خاص إن شاء الله. ويكفي أن نقول هنا إن الروح لو مُنِحَت حياة أخرى في عودة التجسد، ما أدرانا أن حالتها ستتطور إلى أفضل. لأنه من الممكن أن تسوء حالتها أكثر مما كانت…
وأصحاب عقيدة (العودة إلى التجسد) يحاولون أن يثبتوا عقيدتهم باقتباسات من الكتاب المقدس، مما سنرد عليه في مقال مقبل بمشيئة الرب.
وجه الخطورة في هذا الاتجاه الذي يسير فيه (علماء) الروح، أن بعض رجال الكنيسة يجارونهم فيما يقولون، ويعتمدون على نفس براهينهم!!
وورد في مقدمة كتاب الأستاذ عبد العزيز جادو: “موضوع احتمال العودة للتجسد، أي عودة الروح إلى اتصالها بجسد مادي جديد بعد انفصالها عن جسدها السابق. هذه العودة عقيدة قديمة. وتتضمن جميع الأديان بغير استثناء إشارات متنوعة إليها تتفاوت في مدى وضوحها ودرجة رسوخها. كما نادى بها عدد ضخم من أبرز الفلاسفة والشعراء والمفكرين..” (ص12).
ويقول الأستاذ عبد العزيز جادو: “إننا إذا رجعنا إلى الديانات القديمة والحديثة، سواء كانت هندوكية، أو جينية، أو برهمانية، أو بوذية، أو زرادشتية، أو غنوسية، أو مانوية… أو إسلامية أو يهودية أو مسيحية، كل ما تحويه هذه الأديان من ينابيع العلم ومصادر المعرفة، نجدها متفقة وبدرجات متفاوتة حول مذهب العودة للتجسد (ص19، 20).
فلنبحث إذن معًا ما ورد في تاريخ الديانات الشرقية القديمة.
التقمص وتناسخ الأرواح: Transmigration
يشرح الأستاذ مصطفى الكيك في كتابه (تناسخ الأرواح) فيقول: إنه مع الإيمان بخلود الروح، فإنه توجد فترة طويلة بعد الموت وعودة الروح إلى جسدها الآدمي لتحل فيه وتستأنف به حياتها الثانية في عالم الروح. فالروح لا تقضي هذه المدة الطويلة في فراغ. فيمكنها خلال هذه الفترة الإلمام بطائفة من المعلومات والخبرات، حتى في ميادين الحياة في عالم الحيوان. فيقول: “من أجل ذلك تتجسد في أجنة حيوانات الأرض والبحر والجو”. ويقتبس هذا من أحد المراجع في كتب التاريخ المصري. ثم يتحدث عن اتصال دول العالم القديم ببعضها البعض عن طريق الرحلات والتجارة. وأن فكرة التقمص تطورت في الفكر الهندي، والبوذي. وأنه نتيجة رغبة الروح في الحصول على خبرات جديدة “فلكي تكمل هذه الحصيلة، تتجسد روح الرجل في جسد امرأة، وروح المرأة في جسد رجل” (ص14، 15).
ويقول أيضًا: “أما الذين يريدون العودة إلى الحياة الأرضية بقصد إشباع رغبات جسدية.. فهذه الأغراض تخرج عن الغرض الأصلي للتناسخ وهو جمع صنوف الخبرة والتجربة” (ص16).
التناسخ عند الهنود:
يؤمن الهنود بتجوال الروح من جسد إلى آخر، إلى أن تنتهي أخيرًا هذه التجسدات كلها، وتتحد بالكائن الأعلى بالحالة التي يسمونها (النرفانا).. [انظر كتاب: أديان العالم الكبرى].
ويحكم التناسخ والعودة إلى التجسد قانون (الكارما). وهي كلمة سنكريتية معناها الجزاء، حيث يحكم نوعية التجسد ما قام به الإنسان من خير أو شر في فترة تجسده. فيكون التجسد التالي لونًا من الثواب أو العقاب.
والوصول إلى النرفانا لا يأتي بالأعمال الصالحة، فهذه تهيئ الروح في عقيدتهم إلى تجسد أفضل. لكن النرفانا تأتي بالنسك الشديد والتخلص من محبة المادة تمامًا. حينئذ تقف دورة التناسخ، وينتهي تجوال الروح. وتصل إلى السكينة المطلقة، ولا يعود الإنسان إلى الحياة في العالم الأرضي.
بالنسبة للنسك الشديد ـ حسب المعتقد الهندي ـ مع الحرمان من ملاذ الأكل وباقي ملاذ الجسد، وانعدام المطامع، وعدم إيذاء أي كائن حي، تتحرر الروح من التقمص في جسد آخر، سواء جسد إنسان أو حيوان أو طير. لذلك كبار الهنود – مثل المهاتا غاندي وغيره- ما كانوا يأكلون اللحوم، ولا يقتلون حيوانًا أو طيرًا أو حتى حشرة… لأنه ربما يكون هذا الكائن الحي هو تجسد لإنسان تقمص فيه…!
في العدد المقبل إن شاء الله، سوف نتناول موضوع العودة إلى التجسد لنناقشه ونرد على ما يتعرض فيه للكتاب المقدس، وما يقتبسه منه هذا المذهب بتفسير خاطئ …
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الرابعة والعشرون – العددان 21، 22 (6-6-1996م)




