الطفل نظير جيد

🎬 مواد مرئية من السيرة
ميلاد "نظير" وعناية الله به (1923م)
ميلاد "نظير" وعناية الله به (1923م)
وُلد الطفل "نظير جيد" (قداسة البابا شنوده الثالث فيما بعد) في 3 أغسطس سنة 1923م، في قرية بسيطة بصعيد مصر، هي (قرية سلَّام) التي تتبع محافظة أسيوط، وهي تبعد عن القاهرة بنحو 360 كيلو مترًا.
عقب ولادة "نظير" مباشرةً أُصيبت والدته بحمى نفاس، كانت سببًا في وفاتها وانتقالها من هذا العالم. وهو من ثم لم يرضع من أُمه إطلاقًا، حيث تناولته نساء القرية بالاهتمام، فرضع من نساء كثيرات، مسلمات ومسيحيات، حيث لا يوجد في الريف فرق بين مسيحي ومسلم، إلى أن كبر ونمى.
ذكر قداسة البابا شنوده الثالث عن هذا الأمر قائلاً: "نظرًا لأن والدتي انتقلت بعد ولادتي مباشرة، فأنا لم آخذ لبنًا من والدتي؛ ولكن أخذت من لبن أمهات القرية، كان كل واحدة منهن تقول للثانية: "هذا الولد اليتيم لم يرضع لبنًا من أمه" لذا رضعت من أمهات كثيرة، وأنا مديون لكل هؤلاء الأمهات أنني ما زلت موجودًا حتى الآن!".
كما عبر عن مشاعره في قصيدة شعر عنوانها (أُمي)، وضعها عام 1939م، حين كان عمره 16 عامًا، ودارت حول موضوع مولده، حيث قال فيها:
أحقًا كان لي أمٌ فماتت |
| أم أني قد خُلقتُ بغير أم |
الأسرة
كانت الأسرة تتكون من خمس شقيقات متزوجات وثلاثة أشقاء هم: روفائيل، شوقي، نظير. وكانت أسرة ثرية ذات شأن كبير في صعيد مصر، إذ كان والده جيد روفائيل من أغنياء الصعيد. وكان لديه 525 فدانًا، ولكن الوالد تعرض لخسارة كبيرة بسبب زراعة القطن. وقد عاش "نظير" في الصعيد حياة هادئة، وكان أخوه الأكبر "روفائيل جيد روفائيل" قد انتقل إلى الوجه البحري بحكم وظيفته.
البيت
كان بيت نظير جيد - شأن الأسر المصرية الثرية في تلك الفترة - يضم ديوانًا (ساحة كبيرة) وعدة قاعات لاستقبال الضيوف، تنفصل عن باقي المنزل، وتبعد كذلك عن أماكن السيدات، والتخزين وتربية المواشي.
وبالبيت مكتبة كبيرة، وهو ما تفتحت عليه عينا الصغير فيما بعد، ولأنه كان يميل للوحدة منذ الصغر، فقد وجد في هذه المكتبة الصديق والسلوى، فاكتشف كنوزها من الكتب التراثية والثقافية، واتخذها خير ونيس وأفضل جليس، وفي مقدمتها دواوين أمير الشعراء أحمد شوقي، وشاعر النيل حافظ إبراهيم ورب السيف والقلم محمود سامي البارودي بالإضافة إلى أمهات الكتب الدينية والفلسفية، إذ كان والده مُحبًا للقراءة.
الدراسة ما قبل الابتدائية "المرحلة التحضيرية"
الدراسة ما قبل الابتدائية "المرحلة التحضيرية"
يقول قداسة البابا عن مرحلة تعلمه الأولى: "هكذا كانت طفولتي إلى أن وصلت إلى سن الدراسة، وأتذكر أن مدرستي كانت بعيدة وكان الشارع الذي أسير فيه وحدي طويلًا جدًا وهأنذا أتذكر ذلك الآن، وأتذكر أيضًا أنني ظللت عامي الأول ولم أحفظ "الأبجدية" فكان والدي يسألني كل يوم: "حفظت أ، ب يا نظير؟" أقول له: لسه..".
"وكان التعليم فيها يُسمى آنذاك تحضيريًا ومدته ثلاث سنوات، وقد اجتزت تلك المرحلة في سنة واحدة".
كان "نظير" قد نشأ مُدللًا.. يقول قداسته "كانت خطواتي المدرسية الأولى مُتعثرة، فقد كنت طفلًا يتيمًا يُدلـله الجميع ويحنون عليه فلا يعتمد على نفسه ولا يهتم بدراسته، وليس له إخوة يقاربونه في العمر.. إلى أن أخذني معه أخي الأكبر، وكان موظفًا في دمنهور، وحينئذ بدأت دراستي الأبجدية فيما يسمونه روضة، وكانت روضة أكثر من سنة، وهي ما تُسمى الآن (k.G) Kinder Garden".
الدراسة الابتدائية في دمنهور
كان الشقيق الأكبر روفائيل يعمل بوزارة المالية، وقد انتقل إلى دمنهور بمحافظة البحيرة. وفي زيارة للأسرة لاحظ عدم الاهتمام بدراسة نظير، فاصطحبه معه ليعتني بتربيته ودراسته، واصطحب معه أيضًا الأخ الأوسط "شوقي".
يقول قداسة البابا: "انتقلت بعدها إلى السنة الأولى الابتدائية"، و"في السنوات التي قضيتها مع أخي في دمنهور كنت أجلس معه ومع أصدقائه الكبار، فكنت أعيش في مجتمع أكبر مني سنًا، في تلك الآونة كانت الصحف تنشر دفاع مكرم عبيد في القضايا التي يترافع فيها، وكان خطيبًا مفوهًا بليغًا، فكنت أحرص دائمًا على قراءتها، وبذلك كنت ألتقط من ذلك المجتمع العقل والفكر والخبرة.. وأذكر أنني كنت في طفولتي مولعًا بالقراءة، إذ لم يكن حولي أطفال في مثل سني ألعب معهم، فكانت لعبتي المفضلة هي الكتب، أقرأها بنهم شديد".
في الإسكندرية
ثم انتقلوا بعد ذلك إلى مدينة الإسكندرية، وفيها التحق بالسنة الثانية والثالثة ابتدائي، في مدارس أهلية وليس في مدارس أميرية، لأنه لم يكن معه شهادة ميلاد تؤهله لأن يلتحق بمدرسة أميرية.
في أسيوط
في السنة الرابعة ذهب "نظير جيد" إلى مدينة أسيوط، وكانت سنة عجيبة، وتُعتبر نقطة تحول بالنسبة له في كثير من الأمور. يُذكر أن الدنيا كانت رخيصة جدًا في ذلك الحين، فقد أخذت الأسرة بيتًا كاملًا، "بيت من بابه"، لا يسكن معهم فيه أحد، يتكون من ثلاثة أدوار، بأجر شهري قدره خمسون قرشًا.
اهتمامات دينية (1933م)
اهتمامات دينية (1933م)
في هذه السنة كان شقيقه الأكبر "شوقي" في مرحلة الكفاءة غير أن كلًا منهما اندمج في الاهتمام بالدين، والسبب أنه في ذلك الوقت كان مطران أسيوط هو الأنبا مكاريوس الذي صار فيما بعد بطريركًا باسم البابا مكاريوس الثالث (البطريرك الـ 114: 1944-1945م) وكان يوقد نهضة روحية حقيقية في أسيوط، واستعان في ذلك بالواعظ الشهير الشماس إسكندر حنا، فأعطى الشاب شوقي جيد والفتى نظير جيد كل وقتهما للكنيسة، حتى أن أولهما لم يحصل على شهادة الكفاءة في تلك السنة (حوالي سنة ۱۹۳۳م) ولا ثانيهما حصل على شهادة الابتدائية.
يقول قداسته: "في هذه السنة كنا أنا وأخي الأكبر مني الأستاذ شوقي جيد، الذي أصبح فيما بعد أبونا بطرس جيد، نحضر في الكنيسة قداسات يصليها المطران الأنبا مكاريوس وكان معه أشهر واعظ في ذلك الزمان هو الأرشيدياكون إسكندر حنا.. تأثرنا بقداسات المطران الأنبا مكاريوس وبعظات الأرشيدياكون إسكندر حنا، تأثرًا جعلنا في التصاق بالكنيسة باستمرار".
"في المرحلة الابتدائية كنت قد حفظت تقريبًا جميع التراتيل الموجودة في الكنيسة، وانشغلت أنا وأخي شوقي جيد بالكنيسة انشغالًا كاملاً بالقداس الكيرلسي الذي كان يصليه نيافة الأنبا مكاريوس مطران أسيوط".
ويوضح البابا شنوده الثالث تأثره بالأفكار لا بالأشخاص في تلك الفترة، حيث يقول قداسته: "لكنني لم أكن تحت تأثير أحد، بل كنت طيلة حياتي أوثر على غيري، ولا أتأثر بهذا الغير. فمن الصبا كنت ناجحًا في حياتي، أما تأثري بالأنبا مكاريوس؛ فقد كان لفترة محددة، وبعدها انتقلت من أسيوط إلى بنها، وانتهى هذا التأثير. فما يهمني هو الفكر وليس الشخص الذي يصدر منه الفكر، فقد شعرت بفناء الدنيا، ورأيت أنه سيأتي يوم على الإنسان مهما كان سيفارقها، فلا بد من أن يعد نفسه للأبدية، وهذا ما كان يهمني".
حفظ المزمور 19 والجائزة إنجيل مُذّهب
اهتم نظير جيد في هذه الفترة بحفظ المزامير وأجزاء من الكتاب المقدس، وترديدها والاشتراك في المسابقات.
يتذكر قداسته هذه الفترة فيقول: "أذكر أيضًا أنني عندما كنت في الصف الرابع الابتدائي اشتركت في مسابقة في حفظ المزامير، فحفظت المزمور رقم 19: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ" (مز19: 1)، ومنحوني جائزة الفوز بالمسابقة إنجيلًا مُذهَّبًا، وسررت بهذا الإنجيل أيمَّا سرور.. وبعد انقضاء زمن على ذلك، وكان أخي الأكبر قد أصبح طالبًا بكلية اللاهوت فاستعار هذا الإنجيل ليستعين به على تحضير دروسه، فأعجبه ولم يعيده إليَّ. ثم وجدت هذا الإنجيل مصادفة فكتبت عليه: هذا الإنجيل يخص نظير جيد - وهو اسمي العلماني - ولا يحق لشوقي جيد أن يأخذه.. ومع ذلك فقد أخذه. غير أن زميلًا له في الكلية الإكليريكية احتاج إلى إنجيل ليُحضِّر منه فطلب من أخي أن يُعيره إنجيله فأعطاه إنجيلي نفسه، فأعجبه ولم يرده إليه، وحين قال له أخي: كيف لا ترد الإنجيل وأنت طالب إكليريكي- طالب لاهوت مؤمن - أجابه صديقه: مَن قال لك إنه إنجيلك؟ لقد كتبت عليه أنه لأخيك!!!
هذا الإنجيل الثمين الذي نلته كجائزة يشهد على أنني كنت أحفظ المزامير عن ظهر قلب وأنا في العاشرة أو الحادية عشر من العمر، بل أنني في تلك السن كنت أحفظ أغلبية تراتيل الكنيسة وأنا ما أزال تلميذًا في المدرسة.. ربما كانت هواية الشعر هي التي ساعدتني على حفظ هذه التراتيل، بالإضافة إلى كثرة القراءة".
تأثير مدارس الأحد على "نظير"
تأثير مدارس الأحد على "نظير"
اهتم "نظير جيد" بحضور خدمة مدارس الأحد، وهي دروس دينية يتعلم من خلالها الأطفال والصبية والشباب التعاليم والتراتيل الدينية، ودرس الكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة، وكان يتعمق فيها يومًا بعد آخر.
ممارسة الرياضة
يقول قداسته: "أتذكر في السنة الرابعة من المرحلة الابتدائية أنني مارست الرياضة في المدرسة، ويجوز أن نُمارس الرياضة ولكن ليس بالدرجة التي تُسيطر علينا بها.. وفي تلك السنة لا أنا قدمت على الشهادة الابتدائية، ولا أخي شوقي قدم على شهادة الكفاءة، وضاعت سنة من عمرنا".
في بنها
جاء شقيقه الأكبر الأستاذ روفائيل، ونقل شوقي ونظير إلى بنها، لكي يتابع معهما الدراسة. وفي بنها التحق نظير جيد بمدرسة الأمريكان وكان متفوقًا.
وعن حصول قداسته على الشهادة الابتدائية، يقول: "عدت مرة أخرى للمرحلة الدراسية، فقد حصلت على الشهادة الابتدائية من مدرسة أهلية ببنها".
هكذا التحق نظير بإحدى المدارس الأهلية غير الحكومية، كانت معروفة باسم مدرسة الأمريكان، وهي مدرسة مسيحية ذات طابع ديني، فحصل منها على الشهادة الابتدائية.
المرحلة الثانوية والسكن مع أخيه روفائيل (1938م)
المرحلة الثانوية والسكن مع أخيه روفائيل (1938م)
انتقلوا بعد ذلك إلى القاهرة في عام 1938م، حيث عمل شقيقه رئيس قسم بوزارة المالية. وسكنوا في 8 شارع حسن باشا حلمي بشبرا واستقروا جميعًا هناك.
بعد ذلك أصبح الصبي نظير على عتبة مرحلة أكبر، تمهيدًا لحصوله على الثقافة العامة أو الثانوية العامة، لكن أوراقه لم تُقبل لعدم وجود شهادة ميلاد لأنه "ساقط قيد" فتم تسنينه، وبسبب تعقد الإجراءات ظل عامين في المنزل امتدت من سن 11 إلى 13 سنة، وبقي نظير في البيت بلا مدرسة أو عمل للمرة الثانية، ولم يجد أمامه مرة أخرى سوى المكتبة، سواء الموجودة بالمنزل أو دار الكتب بأسيوط، ينهل منهما أضعاف ما يمكن أن يحصّله في المدرسة، لدرجة أن تلك السنوات لعبت في حياته أدوارًا غاية في الأهمية لتكوين وعيه المبكر، فقد قرأ خلالها أكثر من 500 كتاب تقريبًا في كل أوجه المعرفة، والعجيب أن ذاكرة الصبي الطازجة كانت تستقبل كل هذه القراءات وتحتفظ بها لفترات طويلة، ومن هنا فقد استفاد من قراءاته المتعددة كثيرًا وأسست بنيانه الفكري مُبكرًا.
كان عقله مُزدحمًا بالمعرفة، مُنشغلًا بأفكار جيل عملاق من المثقفين أنجبتهم ثورة سنة 1919م، ذلك الجيل الذي قاد حركة النهضة المصرية خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين في جميع المجالات.
زاد على ذلك أن هذا الشغف بالمعرفة والتحصيل دفع الفتى نظير للتردد على دار الكتب المصرية بالقاهرة يوميًا للقراءة خلال فترة المساء، وكان وهو في هذه السن شغوفًا جدًا بما قرأه عن الزعيم الهندي المهاتما غاندي الذي عاصر بنضاله الزعيم الوطني سعد زغلول وكانت مصر تموج وقتها بكثير من الأفكار حول التحديث والتطوير والاستقلال.
وقرأ مرة في دار الكتب كتابًا يضم مرثيات الأدباء في فقيد الأمة بعنوان "دموع الشعراء في سعد زغلول"، فحفظ أبياته عن ظهر قلب، ولم تغب عن خاطره قصائد الديوان على كثرتها، بل ظل دائمًا يذكرها حتى بعد سنوات طويلة من حياته، منها قصيدة كان يرددها البابا كثيرًا كلما ذكر سعد زغلول في مجلسه تقول أبياتها:
قف في فم الدنيا وحدثنا |
التحق نظير جيد بمدرسة الإيمان الثانوية بشبرا. وكان متفوقًا جدًا كعادته وكان مجتهدًا في دراسته وكان دائمًا يحصد المركز الأول على زملائه.
تزوج "روفائيل" من السيدة "جوليا حليم" وكان لا بد أن توافق على أن يسكن معهما شقيقاه. ووافقت بل إنها أحبتهم جدًا وكانت تحب نظير جدًا وتعتبره ابنها فعلًا. روى قداسته أنها إن مرض أحدهم كانت تعتني به وتمرَّضه ولا تتركه حتى يُشفى تمامًا، وكانت ترفض أن يحضر روفائيل ممرضات بل كانت تجلس على كرسي بجواره وتظل ساهرة طوال الليل حتى تطمئن عليه. وأنها كانت له بمثابة الأم وإن تأخر تظل تنتظره في شرفة منزلهم حتى يعود.
ويقول أحد أصدقاء قداسة البابا من شبرا: "كانت له حجرة مستقلة بها مكتبته وكتبه وأغراضه، وكانت كمثل صومعة أو مكان للتعبد".
وعلى الرغم من مرحه الذي ظل يتسم به "نظير" طيلة عمره، إلا أنه كان جادًا في حياته العائلية والدراسية بالتزام تام. فقد كان ذا شخصية قوية منذ صباه. كانت زوجة أخيه الأكبر ورفائيل لا تدخل حجرته قبل استئذانه. فقد كان منذ الصغر يحب أن تكون له خصوصيته. لم يكن ينادي إخوته بأسمائهم مجردة. بل يسبقها بكلمة أستاذ أو أخويا. رغم أن فارق السن بينه وبين أخيه المتنيح القمص بطرس جيد كان خمس سنوات فقط. وهكذا عاش جادًا يحترم الجميع بحب وطاعة منذ الصغر.
مرض ابن الأخ
ذات يوم مرض عادل ابن شقيقه الأكبر روفائيل بمرض خطير وكان يحتاج لعملية جراحية ضرورية ونسبة الشفاء ونجاح العملية تكاد تكون معدومة، وكانت نسبة النجاح فيها ۱٪ حسب تصريح الدكتور المنياوي باشا في ذلك الوقت.
ووقفت الأسرة كلها تصلي، وكان قداسته في حجرته يُصلي بمفرده وكان يتشفع بالملاك ميخائيل منذ صغره. فجاء للأم في حلم في ذات الليلة الملاك ميخائيل وأخبرها أن ابنها شُفي تمامًا وفي الصباح أحضروا الطبيب. وأخبرهم أنه شُفي فعلًا ولكن لا يعلم كيف تم هذا، مُبديًا تعجبه، فعلموا أنها شفاعتهم بالملاك ميخائيل، ونذرت حسب رواية قداسته نذرًا أن تعمل فطيرًا كل عيد للملاك حتى نياحتها سنة 1967م".
وقد روى قداسته هذه القصة لبعض محبيه، وعلق باسمًا "أصل أنا والملاك ميخائيل عِشرة قديمة". وكان قداسة البابا يحرص دائمًا على الاحتفال بتذكار عيد الملاك ويقوم بتوزيع فطير الملاك.
مشكلة شهادة الميلاد
مشكلة شهادة الميلاد
لم يجد "نظير" مدرسة ثانوية يلتحق بها، فلم تكن في بنها غير المدرسة الثانوية الأميرية، ولم تقبله حيث لم تكن لديَّه شهادة ميلاد.
يتذكر قداسته هذا الموقف فيقول: "طبعًا رُفِعت قضية على والدي، لأنه لم يسجلني بعد ولادتي، وأدخلوني في سواقط القيد، ثم أرسلوني إلى طبيب ليقوم بتسنيني، بمعنى أن يُقّدر عمري كم يكون".
نصيحة للطبيب من طفل صغير
أراد أخوه الأكبر "روفائيل" تسجيله واستخراج شهادة ميلاد له، وذهب به لاستكمال تلك الإجراءات.
عن ذلك يقول قداسة البابا: "يخطر لي مثلًا أنه بسبب وفاة والدتي بعد ولادتي وانشغالهم بها، أهملوا تسجيل تاريخ ميلادي في موعده. تم تقديم دعوى بالمحكمة للتسنين، وأرسلوني إلى الطبيب من أجل تقدير سني الحقيقية، وكنت على ما أظن في الحادية عشرة من عمري. وقبل أن يُقدِّر الطبيب سني قلت له: آمل ألاّ تخطئ في تسنيني، فتعجب الطبيب من كلامي كيف أن طفلًا صغيرًا ينصحه، فقال لي: وأي خطأ تعني؟ قلت له: من الجائز جدًا أن يولد الإنسان بعد وفاة أبيه إذ كان الأب قد توفي وترك الأم حاملًا به. قال: جائز. قلت: لكن من المستحيل أن يولد الإنسان بعد وفاة أمه، فضحك الطبيب. ثم قلت له: توفيت أمي في حمى النفاس التي تصيب المرأة بعد الولادة، وتاريخ وفاتها معروف وهو مسجل في صك الوفاة، فلا بد إذًا من أن تستند في تقدير سني إلى هذه الوثائق الخاصة بي. وقد كان تاريخ ميلادي فعلًا هو الثالث من أغسطس يوم وفاة والدتي، ولم يقع الطبيب في خطأ".
"قضيت سنتين، لا أذهب إلى مدارس، لأنه لم توجد مدارس أهلية، وشهادة ميلادي لم تكن قد اُستخرجت بعد، وتم ذلك وأنا في السنة الثانية الثانوية، كما يقولون يوم الحكومة بسنة- في ذلك الحين - ومكثت بغير التحاق بالمدارس في هذه الفترة".
والد نظير جيد
يتذكر قداسة البابا شنوده علاقته بأبيه فيقول: "أحيانًا كنا نمكث مع والدي، وأحيانًا أخرى كنا نسافر عند أخي الأكبر. بالطبع، وقد أدركت مشاعري لأبي بعد أن انتقل من الصعيد إلينا".
"كنت دائمًا أحب والدي، ولا أقدر على مضايقته أبدًا وهو كان يحبني جدًا.. وكان يقول: نظير ده أمير! لكن كان يتضايق مني، عندما كنا نلعب طاولة وكان لما يلاقيني هكسب يقول لي وبعدين يا واد؟ أنت هتكسبني لأنك بتقرص على الزهر.. طيب هنلعب من أول وجديد!!".
نذر الأخ شوقي توفيه السيدة العذراء (1935م)
نذر الأخ شوقي توفيه السيدة العذراء (1935م)
في تلك السنة (1935م) فكر الأخ شوقي، بل وأصر، على أنه لا بد أن يلتحق بالكلية الإكليريكية، وكان أول شخص في العائلة يُكرِس نفسه لله، ويذكر القمص بطرس جيد في مذكرات كاهن أنه كان يحضر في يوم عظة للواعظ إسكندر حنا الذي أخذ يكرر عبارة "هَلُمَّ وَرَائِي" وما حدث كالتالي:
"كان بين الحاضرين شقيقان، أما أكبرهما سنًا، فمست هذه الآية شغاف قلبه، ووجد نفسه مشدودًا تمامًا إلى الكلمة، واعتبر أن الله يدعوه في هذا اليوم لكي يترك كل شيء ويتبعه، وكأن هذه العظة، له هو بالذات، ولما عاد إلى بيته، كان قد عقد العزم، ألا يفتح كتابًا من كتب الدراسة، ونذر أن يدخل الإكليريكية، ونذر أن يذهب إليها ماشيًا، من المدينة حيث كان يقطن، وكانت تبعد عن القاهرة 48 كيلو مترًا. ولما ألحوا عليه، ترك أوراق امتحانه في (البكالوريا) بيضاء لمدة سنتين، والتحق بالإكليريكية عام 1935م، وتكرس تكريسًا كليًا لله، والعجيب أنه بعد أن تخرج، عاد يكمل تعليمه الجامعي"[1]، وكان سفره إلى الكلية الإكليريكية بمعجزة. كان قد نذر أن يذهب من بنها إلى الكلية الإكليريكية بالقاهرة سيرًا على الأقدام وحمل حقيبته، وربما أنه ما كان يعرف أن المسافة بينهما حوالي 45- 48كم.. وبعد أن مشى حوالي 2 أو 3كم، وتعب، وجد أن عربة وقفت بجانبه وفيها سيدة جميلة جدًا، ولها هيبة ووقار عظيم.
وقالت له: يا ابني، أنت رايح فين؟
قال لها: أنا رايح الكلية الإكليريكية في مصر.
قالت له: تعالى، اركب معي، المسافة طويلة.
قال لها: ده أنا ناذر إني أذهب مشيًا على الأقدام.
قالت له: نذرك عليَّ أنا.
ركب معها وفي لحظات بسيطة كان قد وصل إلى الكلية الإكليريكية، ونزل وأخذ حقيبته، وبحث عن العربة وعن السيدة، فلم يجد لا السيدة ولا العربة التي حملته.. وهو يعتقد أنها كانت السيدة العذراء. ومن ذلك الحين كان جادًا جدًا في دراسته، وكان ترتيببه باستمرار الأول، وأحيانًا كان الفارق بينه وبين الثاني في الترتيب 100 أو 120 درجة".
[1] مذكرات كاهن، للقمص بطرس جيد روفائيل، نشرت في مجلة الكرازة، ذكريات في آيات، بتاريخ 3 نوفمبر 1978م




