موسوعة اللاهوت المقارن – الجزء الخامس – البيلاجية ووراثة الخطية

| الكتاب | موسوعة اللاهوت المقارن -الجزء الخامس – البيلاجية ووراثة الخطية الأصلية |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، نوفمبر 2019م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 20101 / 2019 |
| الترقيم الدولي | 978-977-85504-4-3 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم موسوعة اللاهوت المقارن:
الجزء الخامس– قضايا لاهوتية: أ-البيلاجية ووراثة الخطية
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
مقدمة نيافة الحبر الجليل الأنبا رافائيل
مقدمة نيافة الحبر الجليل الأنبا رافائيل
تمتعنا ببنوتنا وتلمذتنا لقداسة البابا شنوده الثالث منذ نعومة أظافرنا. وما زلنا ننهل من كنوز تعليمه النقي البسيط العميق في آنٍ.
موضوع علاقتنا بخطية آدم له تاريخ طويل في الفكر المسيحي، وقد تعددت النظريات والتفاسير، وكل منهما له منطقه ووجهات نظرته. لكن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية كان لها فهم مستنير لهذه العلاقة، صاغتها في صلواتها الليتورجية حيث نقول في القداس: "خالفنا وصيتك بغواية الحيّة، أكلتُ بإرادتي، تركتُ عني ناموسك برأيي...".
ونحن الآن بصدد احتفاظنا بنقاوة ما تسلمناه من إيمان مقدس مستقيم في نقاوة الفكر، ومسئولين عن تسليمه للأجيال القادمة بنفس الفكر السكندري الأرثوذكسي، غير متأثرين بمدارس الفكر المتعددة سواءً الحديثة أو القديمة منها. البابا شنوده يمثل هذا التيار الفكري السكندري في نقاوته البالغة.
وقد حباه المسيح إلهنا بنعمة حلاوة التعبير، وكاريزما التأثير، وسلاسة الأفكار، وسلامة الصياغة.
لذلك نحن أغنياء بالكنوز التي تركها لنا وما زلنا نتعلم منها. أتركك القارئ العزيز بين سطور ذهبية للكاتب ذهبي الفم والقلب والقلم.
الأنبا رافائيل
الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة
6 سبتمبر 2019م
هذا الكتاب
هذا الكتاب
يعلمنا الكتاب المقدس قائلاً: "كُفَّ يَا ابْنِي عَنِ اسْتِمَاعِ التَّعْلِيمِ لِلضَّلاَلَةِ عَنْ كَلاَمِ
إن الحديث عن موضوع هام كوراثة الخطية الأصلية ليس بأمرٍ سهلٍ لما تمت إثارته من شكوك حوله، ولذا وجدنا أنه من واجبنا كمركز يحفظ وينشر تراث البابا شنوده -والذي في حفظنا له نحفظ به جزء من إيمان الكنيسة خلال هذا الوقت - أن نصدر لكم هذا الكتاب الذي يوضح إيمان الكنيسة الأرثوذكسية، ويرد على كل الشكوك المثارة، ويوضح بالآيات وبأقوال الآباء مدى سلامة وصحة عقيدتنا.
لذلك يسر مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث قداسة البابا شنوده الثالث، أن يقدم لك عزيزي القارئ الكتاب الخامس من موسوعة اللاهوت المقارن لقداسة البابا شنوده الثالث.
وكان قد صدر من هذه الموسوعة الكتاب الأول: "مقدمات في اللاهوت المقارن"، والكتاب الثاني: "ضد لاهوت المسيح، الآيات التي أساء فهمها الآريوسيين".
وقد اضطررنا أن نسارع بإصدار الجزء الخامس، حسب التسلسل المنطقي لفكر البابا شنوده، قبل الجزء الثالث والرابع، لكثرة الأحاديث الموجودة هذه الأيام على الميديا عن وراثة الخطية، ورغبة الكثيرين في معرفة فكر الكنيسة السليم.
ونشكر الله الذي أعطانا أن نصدر الكتاب الخامس الذي بين يديك وهو عن: قضايا لاهوتية: قضية وراثة الخطية والمعروفة بالهرطقة البيلاجية.
وهذا الكتاب هو عبارة عن محاضرات قداسة البابا شنوده التي ألقاها في الكلية الإكليريكية عن هذه الهرطقة، وأيضًا يشمل على بعض من الأسئلة التي أجاب عنها قداسته عن موضوع وراثة الخطية سواء أثناء محاضرات الإكليريكية أو المحاضرات الأسبوعية، أو الأسئلة التي نُشرت في مجلة الكرازة.
إن قداسة البابا شنوده خلال هذه المحاضرات كان يهتم جدًا أن يفند كل ما يُقال أو يُنشر في الكتب عن موضوع وراثة الخطية، لذلك وجدنا للتوضيح أثناء إخراج هذا الكتاب أن نُميز كلمات " بعض الكتاب المعاصرين الذي يرد عليه قداسة البابا "بخطٍ مائل لضمان عدم حدوث أي خلط عند القارئ، بين كلام المفكرين المخالفين في الإيمان لكنيستنا، وبين كلمات وردود قداسة البابا شنوده الثالث.
وأثناء التحضير لهذا العمل لفَتّ نظر الباحثين بالمركز توافق وتطابق تعبيرات قداسة البابا شنوده الثالث مع أقوال الكثير من آباء الكنيسة عن وراثة الخطية، وقد اجتهد الباحثون في تجميع هذه الأقوال ووضعها في الحواشي أسفل الصفحة.
كما راعينا أيضًا أن نرفق بهذا الكتاب إسطوانة مدمجة CD، بها تسجيل لبعض من محاضرات البابا شنوده الثالث عن وراثة الخطية.. وذلك حتى تتمكن عزيزي القارئ من الاستماع إلى قداسة البابا أثناء الشرح، واثقين أن أسلوب قداسته وطريقة إلقاءه، لها تأثير قوي يصل إلى القلوب والعقول...
نشكر أبينا صاحب القداسة والغبطة البابا الأنبا تواضروس الثاني لتعضيده المركز ومتابعة كل إنتاجه، أدام الله رئاسته للكنيسة سنين كثيرة وأزمنة سالمة.
كما نشكر نيافة الحبر الجليل الأنبا رافائيل الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة – الذي راجع عمل الباحثين في استخراج هذا الكتاب من بين عظات قداسة البابا شنوده الثالث، كما قام بكتابة مقدمة للكتاب.
كما يودَّ المركز بأن يتقدم بخالص الشكر لفريق البحث الذي ساهم في العمل في هذا الجزء من الموسوعة والذي كان له عظيم الأثر في دفع العمل بالمركز.
نشكر الباحث القدير الأستاذ ملاك بُشرى على عمله ليلاً ونهارًا لإعداد الموسوعة بكلِّ أبوابها وفصولها قبل البدء في إصدار الجزء الأول، والأستاذ الدكتور بيتر نعيم، الأستاذ باسم يعقوب، والمهندس ميشيل جورج.
كما نشكر كافة خدام المركز الذين تضافرت جهودهم لإخراج هذا العمل مع فريق الخدام المتطوعين بالمركز، وقد لا يتَّسع المجال لذكرِ اسم كلِّ واحدٍ منهم.
كما ندعو الخدام والباحثين من كافة الكنائس بكل الإيبارشيات للمشاركة معنا في استكمال إصدار باقي موسوعات البابا شنوده الثالث؛ الثماني عشر.
طالبين شفاعة كلية الطهر والدة الإله القديسة العذراء مريم...
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده
الفصل الأول البيلاجية
البيلاجية[1]
البدعة البيلاجية
بيلاجية: نسبة إلى "بيلاجيوس" وهي لها موضوعات حساسة في أيامنا الحالية أيضًا، فبينما كان علماء اللاهوت في القرن الرابع يبحثون في اللاهوتيات وفي الثالوث القدوس، وفي لاهوت الابن وتطوروا إلى الكلام عن طبيعة الابن. كلها موضوعات لاهوتية.
قامت هذه البدعة للدخول في موضوع آخر تمامًا (طبيعة الإنسان والنفس البشرية وخطية الإنسان ونتائج هذه الخطية وحرية الإرادة والنعمة، والعلاقة بين الإرادة والنعمة..) كل هذه دخلت فيها موضوع غير موضوع الثالوث ولاهوت الابن ولاهوت الروح القدس إلى آخره.
بيلاجيوس
بيلاجيوس هذا كان أصله راهب بريطاني من بريطانيا، كان تقيًا وناسكًا ومشهور بالقداسة والتقوى وبدعوة الناس إلى الروحيات... أمر عجيب! أي أننا كثيرًا ما نجد رهبان كانوا رهبان ونساك ولكن بمجرد أن يدخلوا في اللاهوتيات، يسقطوا ويصبحوا مبتدعين مثل بيلاجيوس هذا، ومثل "أوطاخي" الذي كان راهب وناسك ورئيس رهبنة في القسطنطينية وانتهى إلى البدعة. وأيضًا فيما بعد سنسمع عن "جون كاسيان"، أنه اُتهم بأنه نصف بلاجي في الـ"semi pelagianism" أي نصف أو شبة بلاجي وكان راهب وناسك وحياته في الأديرة ومعه واحد آخر اسمه "فاوستوس" وكان زعيم رهباني.
يا ليت الرهبان يدخلوا في الروحيات ويسكتوا، ولا يتعرضوا إلى الأمور اللاهوتية التي
تتعبهم إلا من كان فيهم قديرًا على التحدث في اللاهوتيات.
بيلاجيوس كان راهب بريطاني ومحب للتقوى ويدعو الناس إلى الحياة المقدسة، فكان يتعبه كثيرًا أن البعض يقول: "أنا غير قادر، أنا ضعيف، أنا مجرد بشر، أنا لا أستطيع، الخطية شديدة، التقوى صعبة".. فلذلك هو تضايق من الناس الذين يتكلموا عن ضعف الطبيعة البشرية، وبدأ يتكلم عن قوة الطبيعة البشرية وقدرتها.
لدرجة أنه تطرف وقال: "أن الطبيعة البشرية قوية، وقادرة على أن يحيا الإنسان حياته كلها بدون خطية. وأن في العهد القديم قبل المسيح كان يوجد قديسين بلا خطية"، وقال: "نحن لسنا في حاجة إلى معونة إلهية من الخارج لتقويتنا حتى نعيش بلا خطية"، وهكذا أنكر "مفعول النعمة".
وقال: "أن النعمة الحقيقية التي ممكن أن تعطى للإنسان هي أن ربنا خلقنا بهذه الطبيعة أي أن النعمة الأصلية إن ربنا خلقنا بهذه الطبيعة التي يمكن أنها لا تخطئ ونعمة ثانية التي هي مغفرة الخطايا.
ولذلك اصطدم بإثنين من القديسين وقفوا ضده، وهما "القديس أغسطينوس" الذي كان أسقفًا لمدينة "هيبو" في شمال إفريقيا وفي إبيارشية قرطاجنة. يعني إن قلنا أن مصر كانت هي أكبر الكنائس الإفريقية في شمال إفريقيا من ناحية الشرق، نقول إن من ناحية الغرب كانت قرطاجنة.
و"القديس جيروم" أيضًا كان عنده رهبانات في أورشليم في بيت لحم. بيلاجيوس في وقت من الأوقات هرب إلى فلسطين، ففي شمال إفريقيا لقى "أغسطينوس"، وعندما ذهب إلى فلسطين وجد "جيروم" وهما الاثنين كانوا في خطٍ واحد.
في كلام بيلاجيوس عن قوة الطبيعة البشرية وقوة الإرادة وحرية إرادة الإنسان الضخمة التي تستطيع أن تختار الخير من غير النعمة... أنكر الخطية الأصلية التي ولد بها الإنسان، كيف يولد إنسان بخطية بذلك يكون ضعيفًا وتصبح طبيعته ضعيفه فأنكر الخطية الأصلية!!
وقال: أن خطية آدم أضرت آدم وحده، ولم تضر أحدًا من نسله أو من أولاده وهذه نقطة ثانية.
وما دام أنكر الخطية فبذلك أنكر أيضًا فائدة المعمودية. لاحظوا؛ أن هذه الأخطاء سلسلة، خطأ يقود لخطأ، يقود لخطأ إلى أن يقع الإنسان في مجموعة من الأخطاء. ولما أنكر المعمودية بالتالي أنكر أيضًا حاجة الأطفال إلى المعمودية، وبعدين قال: أن الأطفال حتى غير المعمدين هيروحوا الملكوت، المسألة ليست كلام عن حرية الإرادة وقوة الطبيعة البشرية ووقفت عند هذا الحد.. بل دخلت في سلاسل.
وقال: "إن المشكلة في أن الإنسان ربنا خلقه بطبيعة قوية، وبإمكانيات لكن هو الذي لا يستخدمها، وقال إننا لو أنكرنا هذا الأمر فبذلك نتهم الله بجهلٍ مزدوج – أنا آسف أن أقول هذا التعبير (هو تعبير بيلاجيوس) -، قال: "اتهمنا ربنا بجهله بطبيعة ما قد خلقه، وماذا أيضًا، وجهله بالوصية التي أعطاها للناس هي في مستواهم أم لا؟، على رأي الشاعر الذي قال على الإنسان غير القادر المُسير قال:
ألقاهُ في اليم أي في (البحر) مكتوفًا | .:. | وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماءِ |
أي ربنا الذي فعل هذا - حاشا..
بيلاجيوس قال: "الطبيعة البشرية قادرة وتقدر أن تمر صح في كل شيء، وتستطيع أن تصل إلى الكمال أيضًا وبدون النعمة"!! ما هذا الكلام؟! وأكد كلامه بأن طالما السيد المسيح قال: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت 5: 48)، وما دام أمرنا بالكمال إذًا الكمال ممكن! وطبيعتنا البشرية قادرة أن تصل إلى الكمال، - نحن لا نقل لا - لكننا نقول: تصل إلى الكمال بالنعمة، ولكن بيلاجيوس لا يذكر سيرة النعمة.
وحتى إن كان في العهد القديم ربنا قال لإبراهيم أب الآباء في دعوته له في تكوين 17 "سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلًا"، لا يمكن أن يقول له: "كن كاملًا"، الإ لو كان الكمال سهل وممكن.. ونحن لا نقل غير ممكن لكن عن طريق النعمة.
ولذلك عندما قُرأ عليه جزء من اعترافات القديس أغسطينوس التي قال فيها للرب "أعطي ما تأمر به وأمر بما تشاء"، يعني أعطي النعمة التي تجعل الواحد ينفذ ما تأمر به "أعطى ما تأمر به وأمر بما تشاء"، يعني أُأمر كما تريد ولكن بشرط أنك تعطي ما تأمر به. فقال بيلاجيوس: سواء الإنسان أراد أو لم يرد عنده القدرة أن يعمل الخير وبدون النعمة وأن يحيا بلا خطية ويصل إلى الكمال.
من أجل هذا وجدنا أن القديس أغسطينوس أخذ جهدًا كبيرًا في الرد على البيلاجيين لدرجة في مجموعة "The post Nicene Fathers"، آباء نيقية وما بعد آباء نيقية، فيها جزء مخصوص اسمه "Anti-pelagianism" يعني "ضد البيلاجية"، من ضمن هذا الكتاب في هذا الـ Volume- مجلد كبير فيه عدة كتب - من ضمن هذه الكتب كتاب عن: (مغفرة الخطايا، ومعمودية الأطفال، والروح والحرف، وطبيعة النعمة، ونعمة المسيح، والخطية الأصلية، وأصل النفس the origin of the soul، وأيضًا أربعة كتب ضد رسائل بيلاجيوس والنعمة وحرية الإرادة.. غيره). كل هذه المؤلفات من سنة 412م إلى سنة 426م أو427م يعني حوالي 14 سنة كتب عن بيلاجيوس.
من يحب أن يقرأ عن النعمة، يقرأ كلام أغسطينوس تحدث كثيرًا عن النعمة، طبعًا أغسطينوس تكلم عن أهمية النعمة بشدة ليرد على البيلاجيين.
لكن تظهر بعد ذلك طوائف تقول: النعمة كل حاجة وكل شيء بالنعمة، ولا يوجد أعمال ولا إرادة هذا تطرف من ناحية أخرى!! ويستغلوا الكلام الذي قاله أغسطينوس ضد البيلاجية ويأخدوه بصفة عامة.
أغسطينوس قال على الرغم من كلام البيلاجية إلا أنه لم يوجد إنسان واحد وصل إلى كمال البر بدون النعمة، يعني اذكر لنا مثال.. لن تجد، فلا بد من الحاجة إلى معونة.
البيلاجيون يقولون: أن تحدثنا عن النعمة فنتكلم عن معونة خارجية وليس عن معونة داخلية، لأن داخلية الإنسان قادر لكن إذا أراد نعمة فهي من الخارج وليس لها صلة بطبيعة الإنسان، وأنكروا الخطية الأصلية وقالوا ليس شيء ولد معنا، نحن ولدنا ونحن قادرون.
تاريخ هذه البدعة
تاريخ هذه البدعة راجع إلى أوائل القرن الخامس سنة 410-411م إلى أخره حتى 426-427م.
بيلاجيوس وهو راهب بريطاني كان يعيش في رومية، وكان هادئ وأفكاره يقولها من خلال الوعظ، ثم بعد ذلك كتب كتابًا عن تفسير رسائل بولس ظهرت فيه أفكاره، لكن مع ذلك الذي نشر أفكاره صديقٌ له اسمه "كولوستيوس" وكان رجل محامي بدأ ينشر تعاليمه، فالمسألة بدأت تنتشر وسط العامة من معلم وسط تلاميذه كبيلاجيوس إلى كلام وسط الناس. ووصل الحديث أيضًا إلى أغسطينوس، الموضوع كبر، وأصبح مسألة عامة، وأخيرًا هرب الصديقان إلى شمال إفريقيا وبعد فترة بيلاجيوس ذهب إلى فلسطين وترك كولوستيوس في شمال إفريقيا.
كولوستيوس كان يريد أن يكون كاهن، لكنه لم يكن متأسس جيدًا، كيف؟؟، خرج له شماس اسمه "باولينوس" اتهمه بالهرطقة وتكلم على 7 نقاط ضده في الهرطقة، فكانت النتيجة أن اجتمع مجمع في قرطاجنة سنة 412م لمحاكمة كولوستيوس الذي هو تلميذ وصديق بيلاجيوس، هذا المجمع كان برئاسة القديس"أوروليوس"؛ اسم مشهور لا بد أن تعرفوه لأنه كان رئيس الإيبارشية التي أغسطينوس كان ماسك مدينة صغيرة منها اسمها "هيبو".
هذا المجمع أُوقف كولوستيوس أمامه فلم ينكر شيئًا من الاتهامات التي وجهت إليه، ولكنه قال عن بعضها أن هذه أمور موضع دراسة بين الناس ولا تصل إلى حدود الإيمان المعترف به، وهذه موضع "investigation" أي دراسة، وبحث، وتحليل للأمور. وهذا الكلام لم يدخل في أذهان المجمع فحكموا عليه بحرمانه، فعندما وجد الحكم بالحرمان عاد لبلده التي هي أفسس واستطاع أن يقنعهم أنه يصير كاهنًا فرسموه قسًا في أفسس...
وهذا يظهر لنا مشكلة في تاريخ الكنيسة، أن أحيانًا إنسان لا يصلح في إبيارشية فيذهب إلى إيبارشية ثانية تحلله أو تعمله. مثل أوريجانوس لم ينجح في الإسكندرية فذهب لقيصرية الجديدة فرسموه قسيس هناك.
بيلاجيوس كان في فلسطين وهو موجود هناك وعايش بعيد وهادئ في صيف 415م جاء قس أسباني اسمه "باولوس أوروسيوس" يحمل رسائل من أغسطين إلى جيروم، - جيروم كان موجود في فلسطين -، وأغسطينوس أرسل له رسائل... طبعًا هذه الرسائل ليست كلها تحيات وسلامات، إنما كلها أمور لاهوتية. القس الأسباني عندما وصل إلى فلسطين سألوه، فحكى لهم مسألة حرم كولوستيوس في مجمع في قرطاجنة، وأنه أخذ التعليم من بيلاجيوس.. وانقلبت الدنيا فأحضروا بيلاجيوس ليحاكموه.
عملوا مجمع برئاسة "يوحنا الأورشليمي" واستدعى بيلاجيوس لكي يقدم إيمانه وكان الرجل الأسباني يحتاج لأحد ليترجم له ويقول هذا الكلام. المهم.. أن هذا المجمع لم يستطع أن يأخذ حق ولا باطل مع بيلاجيوس، وبيلاجيوس أنكر ما قيل فيه.
اجتمع مجمع ثاني في مدينة "اللدة" واستدعى بيلاجيوس، فبيلاجيوس أيضًا أنكر الاتهامات التي وصلت ضده وعلى رأي أغسطينوس قال: "المجمع حكم ضد الهرطقة وليس ضد الهرطوقي"، أي أنهم معترفين أن هذا الكلام هرطقة لكنهم لم يستطيعوا أن يمسكوا بيلاجيوس، وبيلاجيوس أدان الأفكار التي كان يقول بها، فانتهى الأمر أنهم تركوه بدون حكم.
هذا الخبر وصل إلى شمال إفريقيا، الذين حكموا من قبل على كولوستيوس، فاجتمع مجمعان، مجمع حضره 69 أسقف سنة 416م ومجمع آخر من 60 أسقف في مدينة "ميلا"، والاثنين حكموا ضد بيلاجيوس وضد كولوستيوس بالهرطقة. لعل بعضكم يقول إذًا، ما دام حكموا عليهم بهرطقة فبذلك انتهت الحكاية، وهذا حكم مجمع وانتهى من الموضوع! لأ هو حكم مجمع لكن لم ينتهي الموضوع.
وصلت الحكاية إلى روما، فالمجمع الثاني قال: هذا الرجل كان يعيش في روما طوال عمره نحوله على أسقف روما وننتهي منه. كان أسقف روما في ذلك الحين اسمه "إينوسنت الأول"، فأحضر بيلاجيوس يستمع لكلامه وأساقفة إفريقيا أرسلوا له تقرير عن موضوعه فوجد أن بيلاجيوس إنسان هرطوقي، وأن كولوستيوس إنسان هرطوقي فأيد كلام مجامع إفريقيا المكانية، وحكم بهرطقة بيلاجيوس وكولوستيوس، المشكلة أن بعد أسابيع من هذا الحكم مات إينوسينت وجاء بعد منه واحد اسمه "زوسيمينوس" مثل "زوسيما".
زوسيموس هذا يبدو أنه لم يكن دقيق في اللاهوتيات كما يجب، فذهب له بيلاجيوس وكولوستيوس وظلوا يشرحوا له أن إيمانهم سليم، فحكم أن بيلاجيوس وكولوستيوس إيمانهم سليم، وأرسل رسالة أساقفة إفريقيا شديدة اللهجة جدًا يصفهم بالقسوة، ويصفهم بالتسرع في الحكم، ويطلب إليهم إعادة النظر في الموضوع. وهؤلاء إفريقيين هاجوا وعقدوا مجمعًا من أكثر من 200 أسقف، وأرسلوا رسالة إلى زوسيموس وقالوا له: "أنت مخطئ والحكاية كذا كذا، وهذا الرجل ضد النعمة، وضد المعمودية وأنه كذا كذا وهما الاثنين بهذا الشكل"، وأرسلوا له رسالة بهذا الشكل، ولكي يضمنوا خط الرجعة اتصلوا بالإمبراطور وقالوا: "له هذا قرار المجمع و200 أسقف حاكمين بهرطقة بيلاجيوس وهرطقة كولوستيوس"، فالإمبراطور حكم بنفي بيلاجيوس ونفي كولوستيوس، ونفي كل من ينضم إليهم في الرأي، وأسقف روما وجد نفسه في حيرة ماذا يعمل؟!
فلكي يُخفي خجله قال لهم: أنا أحضرهم استدعيهم مرة أخرى لإعادة حكمهم. فاستدعاهم لم يأت أحد.. لأنهم منفيون! فأخيرًا خضع لقرار الإمبراطور وحكم بهرطاقتهم والبدع الخاصة بهم، وأقرّ أيضًا لزوم المعمودية، ووراثة خطية آدم، والأمور التي أنكرها هؤلاء، ووقع معه جميع أساقفة كراسيه ما عدا 18، فأمروا بنفي الـ18، وحرمانهم من كراسيهم، بعضهم رجع والبعض انتهى وكان مساء وكان صباح يومًا ثانيًا.
وظن البعض أن هرطقة بيلاجيوس قد ماتت... لكن قام فيما بعد مجموعة حاولوا أن يوجدوا حلًا متوسطًا ما بين أغسطين وبيلاجيوس الذين ألطقوا عليهم "Semipelagianism" يعني أشباه، للأسف منهم جون كاسيان، وكان تلميذًا لذهبي الفم. وواحد آخر اسمه فاوستوس وهما الاثنين كانوا أصحاب رهبنة وحياة رهبانية ومشهورين بالنسك، ومشهورين بالعبادة، ومشهورين بزيارة الرهبان والكتابة عنهم، ولكن سقطوا فيما لم يفهموا فيه.
يا ليت كل واحد يعرف حدوده، (راهب يعبد ربنا لكن يدخل في اللاهوتيات! اللاهوتيات تحتاج لغة معينة، تحتاج دقة في الألفاظ، تحتاج فهم عميق، وليس أي أحد يقدر أن يدخل فيها ويحفظ نفسه).
[1] المحاضرة التاسعة عشر من محاضرات قداسة البابا شنوده في تاريخ الكنيسة، بتاريخ 10 أبريل2000م
الفصل الثاني وراثة الخطية الأصلية
الخطية الأصلية[1]
الخطية الأصلية أو الخطية الجدية
موضوع الخطية الأصلية[2] يسموها الخطية الأصلية[3] أو الخطية الجدية[4] نسبة للأجداد القدامي[5] أو جدنا الأكبر آدم أو بالإنجليزية يسموها original sin.
وهناك من ينكرون الخطية الأصلية... وأذكر في هذا الموضوع، كان تكلم فيه أحد رهبان دير أبو مقار ونشر عنه في مجلة مدارس الأحد، وأنا قلت لهم في ذلك الحين: أننا نترككم على حريتكم تنتقدوا في سياسة الكنيسة كما تشاءون، لكن إذا كانت أمور تمس العقيدة لا يمكن أن نسكت عنها، ومن ذلك الحين منعوا هذا الراهب من إنه يكتب عندهم. وهذا الموضوع (عدم وراثة الخطية الجدية) يؤمن به أيضًا جورج حبيب بباوي.
اعتراضات منكري الخطية الأصلية
وفيما ينكرون الخطية الأصلية يقولون الآتي:
- أن هذا الموضوع لم يتكلم عنه غير القديس أغسطينوس، وإنه موجود من أيام القديس أُغسطينوس فقط، كما لو كان القديس أُغسطينوس غير معتبر داخل الكنيسة في نظرهم!
- ويقولون أيضًا: "ما ذنبنا نحن إن كان آدم وحواء اخطأوا"؟
- وهذا الاعتراض يكرره جورج حبيب، وهو: "أي عدل أن يموت بريء بدلًا من مذنب"؟! إن كان غفران الخطية سبب صلب المسيح فيقول: "أي عدل يموت بريء بدل من مذنب"، وفي ذلك يلجأون إلى ما ورد في (حز18: 20) "اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ، وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ"، خطية الخاطئ تكون عليه.
- ونقطة أخرى يقولها جورج حبيب بيباوي أيضًا كنوع من السخرية يقول: "إذا كان الإنسان يولد بالخطية الأصلية إذًا فلنُحَرِم الزواج أفضل، ما دام هو أداة لإيجاد نسل محكوم عليه"! وبهذا يكونوا قد ساروا في هرطقة (ماني).
الرد على منكري الخطية الأصلية
بالنسبة للقديس أغسطينوس[6]
إن هذا الموضوع طرقه مجمع قرطاجنة[7] 418م – وليس مجرد القديس أغسطينوس مع أن القديس أغسطينوس أسقف من أساقفة الكنيسة المقدسة، وعالم في اللاهوت وفي الروحيات وله مكانته -، وهذا المجمع يسمونه "مجمع إفريقيا" حيث اجتمع فيه أساقفة إفريقيا وبالذات شمال إفريقيا برئاسة "القديس أوريسيوس"، وأدان فيه الذين أنكروا الخطية الأصلية، كما أنه حكم أيضًا على بيلاجيوس؛ وهو صاحب هذه البدعة، وتلميذه كولوستيوس.
تعاليم الآباء الأوَّل قبل أغسطينوس عن وراثة الخطية[8]
ومع ذلك هذا الكلام الذي قاله أُغسطينوس هو نفس الكلام الذي ورد أيضًا بغير تفاصيل أُغسطينوس في تعليم أثناسيوس الرسولي، وفي تعليم ديديموس الضرير، وفي تعليم القديس باسيليوس والقديس غريغوريوس النيزينزي، وفي تعليم القديس كيرلس الكبير، في تعليم غالبية الآباء الأُول[9].
ومسألة الخطية الأصلية تتعلق أيضًا بالتجسد والفداء فالذي يُنكر الخطية الأصلية سيضطر إلى إنه يرتبك عقائديًا جدًا في مسألة التجسد والفداء[10].
ما ذنبنا نحن؟
أما عن موضوع ما ذنبنا نحن؟ فكان ممكن أن لا يكون لنا ذنب لو إننا وُلدنا قبل أن يُخطئ آدم وحواء، بالطبع ليس لنا ذنب، لكن ما دام وُلدنا بعد ذلك (السقوط). لأنه عندما حُكم على آدم بالموت بسبب الخطية الأصلية حُكم عليه وعلى كل الحيوانات المنوية[11] الموجودة فيه، وعندما حُكم على حواء بالموت حُكم عليها وعلى كل البويضات الموجودة في مبايضها، فأصبحنا نحن محكوم علينا بالموت قبل أن نولد لأننا كنا جزء من آدم وحواء أو على حسب تعبير الكتاب كنا في (صُلب آدم)[12].
وأكبر دليل على ذلك ما ورد في الرسالة إلى العبرانيين الإصحاح السابع، عندما يقارن بين كهنوت ملكي صادق وكهنوت هارون أو لاوي فيقول: إن ملكي صادق بارك إبراهيم، وإبراهيم كان في صُلبه لاوي الذي هو حفيده أو ابن حفيده. وطبيعي إن الصغير يتبارك من الكبير فبذلك لاوي وهارون الذين كانوا في صلب إبراهيم تباركوا من ملكي صادق. تكلم مُعلمنا بولس الرسول عن أفضلية كهنوت ملكي صادق على كهنوت هارون قال الآتي:
"ثُمَّ انْظُرُوا مَا أَعْظَمَ هذَا الَّذِي أَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ رَئِيسُ الآبَاءِ، عُشْرًا أَيْضًا مِنْ رَأْسِ الْغَنَائِمِ! وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ بَنِي لاَوِي، الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْكَهَنُوتَ، فَلَهُمْ وَصِيَّةٌ أَنْ يُعَشِّرُوا الشَّعْبَ بِمُقْتَضَى النَّامُوسِ، أَيْ إِخْوَتَهُمْ، مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ. وَلكِنَّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مِنْهُمْ قَدْ عَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارَكَ الَّذِي لَهُ الْمَوَاعِيدُ! وَبِدُونِ كُلِّ مُشَاجَرَةٍ: الأَصْغَرُ يُبَارَكُ مِنَ الأَكْبَرِ وَهُنَا أُنَاسٌ مَائِتُونَ يَأْخُذُونَ عُشْرًا، وَأَمَّا هُنَاكَ فَالْمَشْهُودُ لَهُ بِأَنَّهُ حَيٌّ. حَتَّى أَقُولُ كَلِمَةً: إِنَّ لاَوِي أَيْضًا الآخِذَ الأَعْشَارَ قَدْ عُشِّرَ بِإِبْرَاهِيمَ: لأَنَّهُ كَانَ بَعْدُ فِي صُلْبِ أَبِيهِ حِينَ اسْتَقْبَلَهُ مَلْكِي صَادَقَ" (عب 7: 4 – 10).
وهكذا ما دام الكبير هو الذي يُبارك الصغير وملكي صادق كان هو الكبير عندما بارك إبراهيم، ولاوي وهارون في صُلب إبراهيم. أي أنَّ إبراهيم أنجب إسحاق، وإسحاق أنجب يعقوب، ويعقوب أنجب لاوي، ولاوي أنجب هارون... فاعتبَر من كل هذا أنَّ هارون كان في صُلب إبراهيم حينما باركه ملكي صادق.
ماذا يقول؟ حتى أقول كلمة أن لاوي أيضًا الآخذ الأعشار قد عُشر بإبراهيم لأنه كان بعد في صُلب أبيه حين استقبله ملكي صادق، فعندما بارك ملكي صادق إبراهيم (كما في (تك 14)، فبذلك بارك أيضًا لاوي في صُلب إبراهيم وهارون في صُلب إبراهيم. نحن أيضًا كنا في صُلب آدم وحواء حينما أخطأ.
ما رود في حزقيال الإصحاح الثامن عشر
أما ما ورد في (حزقيال 18): "أن الابن لا يؤخذ بذنب الأب ولا الأب بذنب الابن"؛ فهذا عن الخطايا الفعلية وليس عن الخطية الأصلية، ولذلك أي خطية فعلية يرتكبها أب مسئول عنها الأب، وغير مسئول عنها الابن.
في حزقيال 18 يقول: "وكان إليَّ كلام الرب قائلًا: مَا لَكُمْ أَنْتُمْ تَضْرِبُونَ هذَا الْمَثَلَ عَلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، قَائِلِينَ: الآبَاءُ أَكَلُوا الْحِصْرِمَ وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ؟، حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، لاَ يَكُونُ لَكُمْ مِنْ بَعْدُ أَنْ تَضْرِبُوا هذَا الْمَثَلَ، هَا كُلُّ النُّفُوسِ هِيَ لِي. نَفْسُ الأَبِ كَنَفْسِ الابْنِ، كِلاَهُمَا لِي. اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ"، هذا الكلام عن الخطايا الفعلية.
ففي الخطايا الفعلية كما قال: "إن الأب لا يحمل من إثم الابن والابن لا يحمل من إثم الأب"، لكن الخطية الأصلية نحن كنا في صُلب آدم فكان محكوم علينا بالموت كجزء من آدم، ففرق بين الخطية الأصلية التي ورثناها والخطايا الفعلية، لذا يقول: "فَإِذَا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُ الَّتِي فَعَلَهَا وَحَفِظَ كُلَّ فَرَائِضِي وَفَعَلَ حَقًّا وَعَدْلًا فَحَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ" (حز18: 21)، إذًا (خطايا فعلية)، إن ترك الشر وتاب عن الخطايا الفعلية، لكن لا يستطيع أحد يتوب عن الخطية الجدية.
البريء بدلًا من المذنب[13]
أما عن موضوع: أي عدل أن يُجازى البريء أو يموت البريء بدلًا من المُذنب؟ هذه ليست مجازاة إنما هي نوع من المحبة، بمعنى أن الله لم يجازِ الابن ولم يُعاقبه لكن هو عاقب الخطاة والابن ناب عنهم، وناب عنهم حسب قوله في يوحنا: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13).
ولما المسيح قال نفسي حزينة حتى الموت، لماذا؟ لأنه سيقف أمام الآب كحامل خطية، وبعدين يأتي واحد من هؤلاء ساخرًا ويقول الآتي: "أنتم تقولوا إن الفداء أي موت المسيح عنا كان لإيفاء العدل الإلهي.. أي عدل في هذا؟! أن يموت البريء ويُطلق المذنب حرًا أُطلق سراحه؟ هل هذا عدل؟"، فهم هكذا يحطموا المبادئ المسيحية الأساسية التي هي الفداء، وأن بريء يموت عن مذنب.
لذلك يسألنا بعض الناس لماذا لا ترسل بعثات للخارج؟ فأجيب قائلًا: أرسلهم ويتلفوا، ويأخذون عقيدة خطأ يتعبوا منها، يرجعوا تعبانين!! لا يوجد لدينا مانع أن نرسل بعثات لدراسة اللغة، أو الفن، أو لدراسة التاريخ ولكن في المواضيع التي لا يُزيف فيها التاريخ، لكن نُرسل شخص لأجل أن يِدرس هذه الأشياء؟!
هناك بعض الناس في إنجلترا ينكرون المعجزات، وأساقفة ينكرون القيامة، وينكرون قيامة المسيح، وأسقف ورئيس أساقفة.. وفي أسقف منهم ألفّ كتابًا اسمه: Foolishness Of God) (The يعني (حماقة الله) وهو رجل من رجال الدين ولم يحدث معه شيء، والأسقف سبونچ الذي يدافع عن ال Homosexuality عن الشذوذ الجنسي، وجد إن القديس بولس الرسول هاجم الشذوذ الجنسي في (رومية الإصحاح الأول)، وفي (كورنثوس الأول الإصحاح السادس)، فبدأ يتكلم عن:
(The Abnormality Of Paul)، (Paul أي بولس)، (Abnormal) ليس لديه عقل، وما زال أسقف في الكنيسة، وكتابه موجود ولا أحد يسأله ماذا تفعل؟
نحن نعرف أن الجو هناك جو ملوث، ولذلك ربما واحد يذهب ويجلب هذا الفكر ثم يأتي وينشره داخل الكلية الإكليريكية، وبعد ذلك تُستقطب الكلية بهذا الفكر الخاطئ، ثم يجلس مع بعض الآباء فينقل إليهم الفكر أيضًا، فيأخذوه كما هو مُعد وجاهز، ويفلسفوه.. وتكون الكنيسة ضاعت وأُستقطبت نتيجة هذا الفكر الخاطئ!!
هذا الكلام موجود في كتب للأسف، - ليس للأسف! -، لا، كتر خيرهم، أحسن ما يكون كلام مخفي يُقال في الاجتماعات السرية أو المقابلات الخاصة، لا، هذا كلام موجود في كتب نقدر أن نرد عليه، لكي نُقَوِم أفكار القارئين فلا يُخدعون بمثل هذا الكلام، وللأسف هذا الكلام تردده شخصيات كبيرة، ولها اسم ولها سُمعة.
يقول: أين العدل؟ العدل إن البريء يُقتَل والمذنب يُطلق سراحه؟
لا، أقول لك أن العدل ظهر في إن هذا البريء قَبِل أن يُعاقب أو قَبِل أن يحمل عقوبة هذا المُذنب، وأيضًا لم يقبلها مُضطرًا ولم يُضغط عليه فلماذا تقول أين العدل؟ قال: "لا، أنا سوف أموت بدل عنه، أين توجد هذه؟ موجودة في إنجيل يوحنا (10: 17، 18) يقول: "لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا"، إذًا المسيح لم يُحكم عليه كبريء رغمًا عنه، إنما هو تقدم وهو بريء وقال: "أنا أموت عن هؤلاء المذنبين"[14].
هنا بَيَّن الله محبته لنا، وأيضًا العدل بأن الخطية استوفت حقها، كما قال القديس أثناسيوس الرسولي في كتابه (تجسد الكلمة)، قال: "الإنسان أخطأ وحُكِم عليه بالموت، إذ لم يمُت الإنسان لا يكون الله صادقًا ولا يكون الله عادلًا، لا يكون الله صادقًا لأنه قال له: "موتًا تموت"، فلو لم يمت فالله لا يكون صادق، ويصبح الله غير عادل لأن الخطية لم تستوفِ أُجرتها[15]، لا يوجد عدل، ولكي يُستوفى العدل ولكي يكون الله صادقًا، المسيح وَفَىَّ العدل الإلهي.[16]
ويقول: "يُدعى اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم"(مت1: 21)، إذًا ليس مجرد حُب، إنما قصد الحب إنه يُخلص شعبه من خطاياهم، وفي (رومية 5) يقول: "وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ!"، إذًا فيه غضب كنا معرضين له ونَخلُص بدمه.
الزواج والخطية الجدية
أما عبارة: "كان يجب أن يُحرَّم الزواج ما دام الزواج يُنتج جنسًا محكوم عليه" كما قال ماني..
نرد بأنه: ولو حُرَّم الزواج ما كان قد وُلد ماني، ولا كان قد وُلد جورج بباوي، ولا البشرية كلها ولكان العالم انتهى. العالم باقي بواسطة الزواج والنسل.. والزواج ليس هو السبب إنما السبب هو الخطية.
إن الزواج يباركه الرب ونقول: "الَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ"(مت19: 6)، فالله هو الذي جمعهم، والله هو الذي أمر بالنسل عندما قال: "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ" (تك1: 28)، والكنيسة تُبارك الزواج.
إذًا المسألة ليست مسألة الزواج إنما مسألة الخطية الكامنة التي يتوارثها جيل عن جيل... هذه النقطة الأولى في الرد عليهم ويبقى بعد ذلك إثباتات معينة لإثبات الخطية الأصلية.
الزواج
نحن نقول: إن "الزواج ليس أداة لنقل الخطية"[17]، والله لم يضع أداة لنقل الخطية، فالخطية لا تأتي من الأداة إنما تأتي من سوء الاستخدام. ربنا وضع الزواج، وليس معنى هذا أن يأتي أولاد ومعهم الخطية! فهؤلاء الأولاد الوارثون للخطية وضع ربنا لهم المعمودية لإنقاذهم من هذه الخطية. أي أن الأمر انتهى، ولا يوجد ضرر، لكن لا نستطيع أن نمنع الزواج لأنه يأتي من خلاله أولاد وارثين للخطية! لأنه لو مُنِع الزواج تنتهي البشرية، وبعد هذا الجيل الموجود تنتهي الحكاية. لن يكون هناك جيل تالي، وتكون البشرية انتهت، وبالطبع ليس هذا الحل أنْ نُنهي البشرية.
سوء الاستخدام
ولنعرض مثالًا: الله خلق النار، والنار يمكن استخدامها للتدفئة، ويمكن استخدامها للأفران، ويمكن استخدامها لنفع البشرية، ومن جهة أخرى النار يمكن أن تحرق. فهل نقول لربنا: "لا داعي أن تخلق نار، لئلا النار تكون نتيجتها الحريق"! إن لها فوائد كثيرة جدًا، لكن الحريق يأتي ليس من النار، وإنَّما من سوء استخدام النار.
الله أيضًا خلق الحجارة، والحجارة يمكن أن تُستخدم في المباني وتُفيد، لكن أيضًا يمكن إذا رمى أحد شخصًا بحجر يميته. فهل نقول: "لا داعي يا رب أن تخلِق حجارة، لئلا أحد يرمي آخر بحجر فيميته؟". إن سوء الاستخدام هو السبب، وليس الخلق.
هكذا نحن لا نستطيع أن نمنع الزواج، لأن الزواج له أيضًا فوائد إيجابية كثيرة. به يولد أولاد لله، أعضاء في الكنيسة، أعضاء في جسد المسيح، وبه يوجد أبطال للإيمان، ومبشِّرون ينشرون الدين. وبالزواج وُجِد صاحب السؤال والاعتراض، لأن لو كنَّا ألغينا الزواج ما كان هذا الشخص وُجِد وقدَّم لنا هذا الاعتراض.
المزمور الخمسون
داود النبي يقول في المزمور الخمسين ونحن نكرر هذه العبارة في كل صلواتنا: "هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي"[18](مز51: 5)، ولا يقصد بالخطية حبلت بي أمي؛ أنها حبلت بطريقة خاطئة.. إنما بالخطية الأصلية ولدتنى أمي[19].
الزواج ليس إثمًا الزواج مُبارك من الرب ونقول: (ما جمعه الله) إذًا الزواج ربنا يجمعه والكنيسة تُباركه وتُصلي عليه، فما معنى بالإثم حُبل بي؟ يعني حُبل بي بإثم الخطية الأصلية[20].
فعندما حبلت بي أمي ورثت منها الخطية الأصلية وإلا كيف تُفسر هذه الآية؟! وآباء كثيرون اعتمدوا على هذه الآية فما دام الإنسان بالإثم حُبل به لذلك عندما يولد نعمده لمغفرة الخطايا، حتى الكبار أيضًا عندما يُعمدوا وهم في سن كبيرة يُعمدوا لمغفرة الخطية الأصلية، والخطايا الفعلية السابقة للعماد الاثنين معًا.
بيلاجيوس وأنصاره عندما وقفوا أمام المجمع أنكروا حتى في توارث الخطية الأصلية قالوا: "إن الطفل يولد وله بر الإنسان الأول قبل السقوط"، أي حالة آدم قبل السقوط، والمجمع طبعًا رفض هذا الكلام واعتبره بدعة.
المعمودية والخطية الأصلية
نقطة ثانية وهي نقطة هامة ولا يعرفوا كيف يردوا عليها وهي: لماذا نُعمد الأطفال؟ ومعروف أننا نؤمن بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، والطفل لم يرتكب خطية أبدًا وخصوصًا طفل (40 يوم أو 80 يوم) لم يرتكب خطية. ولا يعرف ماذا تكون الخطية؟ ولكن نعمده من أجل الخطية الأصلية. فلو لم تكن هناك خطية أصلية إذًا لماذا نُعمد الأطفال[21]؟ وبالنسبة للكبار أيضًا عندما نعمدهم.. نعمدهم كما ورد في (رو6) من يعتمد يموت مع المسيح وكما ورد في (كو2: 12) "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ"، وأيضًا كما ورد في (رو6) إن في المعمودية "يُصلب الإنسان العتيق"، فأي إنسان عتيق هذا الذي يُصلب؟!!
الرد هو: إن الإنسان الذي ورث الخطية الأصلية هو الذي يُصلب في المعمودية، كما أن المعمودية تعتبر تجديد وتبرير للطبيعة البشرية.
نقطة أخرى في إثبات وجود الخطية الأصلية؛ نحن لا نؤمن إطلاقًا بعقيدة الكاثوليك في أن العذراء حُبل بها بلا دنس الخطية الأصلية، يعني كأن العالم كله حُبل به بدنس ما عدا العذراء لكن لما نقول إننا لا نؤمن بهذا، فذلك يعني أنَّ حتى العذراء حُبل بها بنفس الخطية الأصلية.
دخول الخطية إلى العالم
نقطة أخرى مهمة وهي ما ورد في (رو5: 12- 19)[22] "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع. إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ" واضحة العبارة (أخطأ الجميع).
بعد ذلك يقول: "لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، الذي هو مثال الآتي، ولكن ليس كالخطية هكذا أيضًا الهبة. لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون، فبالأولى كثيرًا نعمة الله، والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح، قد ازدادت للكثيرين! ليس كما بواحد قد أخطأ هكذا العطية. لأن الحكم من واحد للدينونة، وأما الهبة فمن جرى خطايا كثيرة للتبرير. لأنه إن كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد، فبالأولى كثيرًا الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر، سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح! فإذا كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس، لتبرير الحياة لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة، هكذا أيضا بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبرارًا. هذا موجود في رو5 وجُعل الكثيرون خطاة.[23]
طبعًا ما ورد في الرسالة إلى رومية ممكن إننا نقرأ عنه في تفسير القديس يوحنا ذهبي الفم لرسالة رومية وتفسير كثير من الآباء أيضًا.
كذلك هناك نقطة مهمة ممكن إن الإنسان يقع فيها، لماذا نحن نعتبر إن "الحبل بلا دنس بالنسبة للسيدة العذراء" في اعتقاد الكاثوليك إنه بدعة؟
نقول عليها (بدعة الحبل بلا دنس)، فإن كان كل الناس لا يرثون الخطية الأصلية تكون العذراء كواحدة من بقية الناس لم ترث. لكن كون إننا نُصر إن السيدة العذراء حُبل بها بدنس الخطية الأصلية معناها إن الخطية الأصلية موروثة لجميع الناس حتى للسيدة العذراء، ولذلك السيدة العذراء تقول في هذا الأمر: "تبتهج روحي بالله مُخلصي". من أي شيء يخلصها!! من هذه الخطية الأصلية. (تبتهج روحي بالله مُخلصي).
أما بالنسبة لموضوع التجديد والتبرير في المعمودية نقول: أن كل الطوائف المسيحية تؤمن بالتبرير سواء بروتستانت أو أرثوذكس أو كاثوليك أيًا كانت. ولكن من ماذا يتبرر الإنسان في المعمودية؟ من أي شيء يتبرر؟
الإنسان في المعمودية يتبرر من الخطية الأصلية إن كان طفلًا، ومن كل الخطايا السابقة للمعمودية إن كان يافعًا أو كبيرًا.
هذه الخطية الأصلية التي ورثناها كانت من نتائجها الموت، فورثنا الخطية وورثنا معها الموت كما يقول الكتاب: "كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ" (رو5: 12)، فنحن ورثنا حكم الموت أيضًا لأننا كنا أمواتًا بالخطايا كما قال بولس الرسول. وأيضًا بالخطية الأصلية ورثنا الفساد وأصبحت طبيعتنا مائلة إلى الشر[24].
مدرسة التفسير الرمزي
هناك أمر وقع فيه أوريجانوس وأيضًا كثير من الناس أخدوها منه؛ وهو المبالغة الشديدة في المدرسة الرمزية التي يسموها Metaphorical Method في تفسير الكتاب، فاعتبر إن كل شيء في الجنة عبارة عن رموز. هؤلاء الناس يعتبروا أيضًا نفس الطريقة كل حاجه رمزية.
مثال ذلك يقولوا: أن العري؛ هو تعرية من النعمة.. لو كانت تعرية من النعمة هل يغطيها بورق التين؟! كيف إذا تعرى أحد من النعمة يغطيها بورق التين؟!
نقول أيضًا: إذا فرضنا أن ورقة التين هي الأخرى رمز، فهل القميص الجلد الذي عمله الله لآدم أيضًا رمز!! وهل هذا القميص جلب له النعمة؟!
ثم يقول أيضًا: أن الله عندما قال لآدم: "أين أنت؟" - حسب كلام هذا الأخ [25]-
لم يكن طلبًا في مُحاكمة آدم وإثبات جريمته استعدادًا لعقابه، بل كان نداءً لمن مات وتعرى وتغرب لعله يرجع ويحيا...!
نرد بأنه: كيف سيرجع ويحيا؟ إذا كان الله منذ أن نادى عليه قال له: ماذا فعلت؟ بدأ في فرض العقوبة من لحظتها.. وَقَالَ لآدَمَ: "لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ" يحدث لك كذا وكذا.. (تك3: 17)، وأنتِ يا حواء لأنك سمعت صوت الحية يحدث لك ويحدث لك (عقوبة). وبدأ فرض العقوبة من لحظتها. أي كان يقول لآدم أين أنت لكي يرجع؟! لكي يفرض العقوبة.
لكن هؤلاء الناس كما قلت لكم تتعبهم جدًا كلمة "العقوبة" لا يريدون أبدًا أن يكون في عقوبة.. وأن وربنا لا يريد أن يعاقب، ربنا ليس عشماوي!!
مدرسة التفسير الرمزي لها أُناس قديسين؛ مثل أُغسطينوس وديديموس الضرير إلى آخره... لكن اعتبار كل شيء رمزي هذا هو الخطأ، لدرجة إن أوريجانوس اعتبر الخطية الأولى خطية زنا!! فيقول: "لأن شجرة معرفة الخير والشر هذه ترمز للأعضاء التناسلية، كما إنها موجودة في وسط الجنة كذلك هذه الأعضاء موجودة في وسط جسم الإنسان"! ويقول أيضًا: "أن آدم عندما أكل من الشجرة عَرِفَ امرأته" إلى آخره..
في الرد على هذا التفسير نقول أنه: اعتبر هذا التفسير إن الخطية هي أنه عرف امرأته! ولكن الله عندما أوصاه قائلًا: "لا تأكل من الشجرة" ما الذي فهمه آدم من هذه الوصية.. لأنه لكي تعتبر أن شخص أخطأ لا بد أن يكون قد فهم الوصية أولًا لكي يكسرها.. ومن المستحيل أن يكون آدم فهم أمر المعاشرة الجنسية هذا؟! وإلا يكون ربنا هو الذي فتح عينيه وأفقده بساطته.. وهذا مستحيل لأنه لا يعرف شيء، مثل الطفل الصغير الذي يبلغ عام واحد تقول له: "لا تفعل كذا.."، فيقول لك: ما معنى كذا.. أنا لا أعرف؟! وتكون أنت الذي فتحت عينيه.. وبالتالي فإذا كانت الوصية معناها تفتيح العينين فيكون آدم بهذا الشكل لم يخطئ، وتكون وصية: "أكثروا واثمروا" تتعارض مع الأمر.
فالتفسير كله غير صحيح. ثم أنه عرف امرأته نتيجة للخطية، ليست هي نفسها الخطية. وأيضًا – إذا أخذنا كل شيء بطريقة رمزية - الخطية الجنسية هي خطية يفعلها اثنين معًا في نفس الوقت، فكيف أخذت حواء من الشجرة وأكلت وبعد ما أكلت أعطت زوجها؟! هذا غير ممكن جنسيًا لأنها لا تقدر أن تأكل من الشجرة لوحدها، لأن هذه عملية مشتركة. المهم إنها كلها خطأ في خطأ.
لكن الكاتب أصعب من أسلوب التمادي في المسألة الرمزية؛ استهانته بالكتاب المقدس. ماذا تعني!؟ فمثلًا يتكلم عن موسى النبي لما كتب في سفر التكوين عن خطية آدم والذبائح وغيرها، يقول "كاتب السفر" ولا يقول "الوحي الإلهي" ولا يقول "ربنا أمَر" مثلًا.
إنما يقول "هكذا فَهِم كُتّاب العهد القديم" (كتاب العدالة ص48)[26]. وهل كُتّاب العهد القديم هؤلاء هم الذين كتبوا أم هو وحي من الله؟؟ وكما يقول بطرس الرسول "كتبها أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس"(2بط 1: 21) وكما قال بولس الرسول: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ" (2تي 3: 16)، لكن يقول كُتّاب العهد القديم كما ورد أيضا في صفحة 48 يقول: (أما الله فليس كذلك إطلاقًا وإن كنا كثيرًا ما نصفه بهذه الصورة لأنها الصورة الوحيدة التي نعرفها للعدالة بل وهكذا قد فهم كُتّاب العهد القديم العدالة كما فهمها التلاميذ عندما طلبوا من الله أن يُنزل نار لتحرق من لم يقبلوه. إن الله حقًا نار آكلة كما يراه الأشرار).
"الله نار آكلة" هذا كلام الوحي الإلهي وليس الأشرار يروه إنه نار آكلة. وكثيرًا جدًا عندما يتكلم يقول (كُتاب العهد القديم كُتاب سفر التكوين كاتب كذا).
الموجود فعلًا في إنجلترا الاستهانة بالكتاب المقدس، وهذا الأمر بدأ يزحف إلى السويد أيضًا ويزحف لكثير من البلاد الغربية لا يوجد احترام للكتاب المقدس، ويكتبوا كلام المسيح بالأحمر وباقي الكتاب بالأسود لكي يميزوا كلام المسيح عن باقي الكتاب، وحتى كلام المسيح يقولون: لو كان المسيح موجود في أيامنا كان قال كلام غير ذلك.. يعني الاستهانة بالكتاب!!!!
نحن نريدكم أن تتمسكوا بالكتاب المقدس بكل قوتكم، ولا تصيروا مثل هؤلاء الناس الذين يقولون (كاتب سفر التكوين، كتّاب العهد القديم)، كما لو كانوا أشخاص عاديين، وصوّروا الله على حسب مفهومهم هما، وبعد ذلك يرون إن كل العقوبة الموجودة في العهد القديم هذه تصور هؤلاء الناس لله، والله ليس كذلك. يأتي أحدًا في وقت من الأوقات يقول: إن الله بريء من هذه الأمور، الله بريء من حكاية الكلام عن العقوبة الله بريء!
العقوبة وعدل الله
وبعدين هؤلاء الناس يتناقضون أيضًا مع أنفسهم في نفس الوقت (يقول إن أجرة الخطية هي موت هذا ناموس أزلي وضعه ربنا في ص48. إن الله هو واضع الناموس الأزلي: أن أجرة الخطية موت وهو أيضًا الديان العادل بمقتضى هذا القانون).
إذًا ما دام ديّان وعادل ووضع قانون وموت، فلماذا تتضايق عندما يقال لك: "إنه حكم بالموت على الناس"!! يقول لك: (لا، إن مُعاملات الله لا يصح أبدًا فهمها على شبه معاملات البشر).
ولكن الله حكم بالموت على العالم الخاطئ أيام الطوفان، كما حكم بالموت على قورح وداثان وأبيرام الأرض ابتلعتهم! وربنا حكم بالموت في العهد الجديد عن طريق بطرس الرسول في قصة حنانيا وسفيرة، وربنا قال: "اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ" في (حز18: 4).
لكن يأتي هؤلاء في وراثة الخطية يقولوا: لا ربنا قال إنه لا يعود أن يُذكر هذا المثل في (حز18). انظروا ماذا قال ربنا: "وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلًا: مَا لَكُمْ أَنْتُمْ تَضْرِبُونَ هذَا الْمَثَلَ عَلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، قَائِلِينَ: الآبَاءُ أَكَلُوا الْحِصْرِمَ وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ؟ حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، لاَ يَكُونُ لَكُمْ مِنْ بَعْدُ أَنْ تَضْرِبُوا هذَا الْمَثَلَ فِي إِسْرَائِيلَ. هَا كُلُّ النُّفُوسِ هِيَ لِي. نَفْسُ الأَبِ كَنَفْسِ الابْنِ، كِلاَهُمَا لِي. اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ" (حز18: 1-4).
هذا الكلام عن الخطايا الفعلية، ففي الخطايا الفعلية كما قال: "اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ"، لكن الخطية الأصلية نحن كنا في صلب آدم فكان محكوم علينا بالموت كجزء من آدم... في فرق بين الخطية الفعلية والخطية الأصلية التي ورثناها.
يقول لك: "فَإِذَا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُ الَّتِي فَعَلَهَا وَحَفِظَ كُلَّ فَرَائِضِي وَفَعَلَ حَقًّا وَعَدْلًا فَحَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ" (حز18: 21)، فيقصد خطايا أمور فعلية، إن ترك الشر وتاب؛ هذه عن الخطايا الفعلية لكن لا يقدر واحد أن يتوب عن الخطية الجدية! وبذلك هم ينكرون العقوبة.
وبعد ذلك يقول: (العقوبة كما يصورها المسيحيون! صـ52 - ربنا ليس بهذا الشكل. ويقول: إن هذا الاتجاه الفكري خاصة في الغرب يُشكل القاعدة الأساسية التي نما الإلحاد المُعاصر عليها وترعرع مُناديًا بحرية الإنسان وكرامته في مواجهة إله سادي صوره المسيحيون ولو عن غير قصد كما لو كان إما يريد القصاص لكرامته دائمًا كما علمت الكنيسة الغربية أو إرغام الإنسان على حبه قصرًا. أو السادية اللاهوتية؛ وقد وصفها بإنها إرادة إذلال الوضع البشري).. كل هذه أفكار شيوعية.
يقول (كما صورها المسيحيون)؛ وهي عقيدة الكنيسة!! من يقول إن الخطية ليس عليها عقاب؟ ومع ذلك يقولوا: (نحن نحب القداس الغريغوري المليان بالحب. والذي لم يتكلم إطلاقًا عن عقوبة الخطية).
صدقوني يبدو أنه لم يقرأ القداس الغريغوري بالظبط! "أنا اختطفت لي قضية الموت"؛ فالموت موجود، أو هو دائمًا يقول: "حولت لي العقوبة خلاصًا فصحيح في القداس الغريغوري يقول: خلاصًا.. لكن خلاصًا من ماذا؟ من العقوبة. إذًا في عقوبة.
أيضًا مثلًا يأتي في صـ50 تعبان من حكاية آدم وحواء ولعنة الأرض فيقول: (لما ربنا قال لآدم أين أنت - آخر صـ49 - لم يكن طلبًا في محاكمة آدم وإثبات جريمته واستعداد لعقوبته - وفعلًا عاقبه -، بل كان نداءً لمن مات وتعرى وتغرب لعله يرجع ويحيا)، فهل يعني لو آدم قال له: أخطئت لن توجد العقوبة لأن بهذا فرح الله؟!
وبعد ذلك يقول: (أما إعلان نتيجة الخطية من حيث لعنة الأرض وخروج الإنسان للألم خارج الفردوس فقد عرضه لنا الكاتب -كاتب سفر التكوين يعني- عاكسًا اختبار التغرب على الله، كما لو كان الله هو المُتسبب في العقوبة لأن هذا حال الإنسان الساقط أن يعكس ويُسقط بؤسه على الله).
فيكون كاتب سفر التكوين هذا، كان يتكلم على انفعالاته الشخصية ويعكسها على ربنا فهو كإنسان يؤمن بالعقوبة فيعكس العقوبة على ربنا ويقول ربنا عاقب!!
فيكون إن عندما قال الله: "ملعونة الأرض بسببك شوكًا وحسكًا تُنبت لك"، وإنك أنت بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك وبعرق جبينك تأكل خبزك"، كل هذا ليس فيه عقوبة!!! و"تأكل عشب الأرض" هذه لم تكن في عقوبة؟! ولا في هذه كاتب سفر التكوين يعكس انفعالاته وينسبها لربنا!! حاجة عجيبة جدًا هؤلاء الناس!!
يقول: (الإنسان هو حقيقة عشماوي نفسه يعني هو الذي يحكم على نفسه بالموت)، إذا كان الإنسان يحكم على نفسه بالموت، فمن أين جلب لنفسه الموت؟ من كلام ربنا الذي قال: "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23). يقول: (ربنا خيّره بين الحياة والموت وهو اختار لنفسه الموت)! طيب الذي خيّره بين الحياة والموت، مَن الذي وضع أساس الموت نتيجة الخطية؟ ما هو ربنا.
في سفر التثنية في آخر السفر ربنا يقول للإنسان: "اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ" (تث30: 15) يبقى الله ربط الخير بالحياة والشر بالموت وبعدين يقول: "أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا" (تث30: 19)، يبقى مَن الذي وضع قانون الموت إلا ربنا. (ولعنة الخطية هذه جابها كاتب سفر التكوين في لعنة الأرض يقول إن الله بريء من هذا الظلم الذي ينسب العقوبة إليه).
انظروا الكلام: (إن الله بريء من هذا الظلم الذي ينسب العقوبة إليه). فهل عقوبات الله في العهد القديم وفي العهد الجديد تعتبر ظُلمًا؟ وهل عقوبة الأشرار في الأبدية تعتبر ظُلمًا؟ وهل الضربات الموجودة في سفر الرؤيا تعتبر ظُلمًا؟ أم نحذف كل هذا؟ وهل مُعاقبة واحد مثل عالي الكاهن لأنه لم يربي أولاده تعتبر ظُلمًا؟ وهل مُعاقبة الشعب الخاطئ بإنه سُلم إلى أيدي أعدائه ونُفي وسُبي سبعين سنة هل كانت ظُلمًا؟ هل كل ما فعله الله ظُلم؟ إلى أن يأتي هذا المُدافع الكريم ويقول: (إن الله بريء من هذا الظُلم الذي ينسب في العقوبة إليه كمُريد ومُنفذ عقوبة الخاطئ إنما هو أسلوبنا البشري القاصر في التعبير الذي قد يُظهره هكذا)!
التمييز بين الأبرار والأشرار
هو أيضًا نوع من فكر شهود يهوه، الذين يعتبروا إن الأشرار يصيبهم الفناء ولا توجد عقوبة.
السيد المسيح في المُحاكمة الأبدية يوم الدينونة جعل الأبرار عن يمينه والأشرار عن يساره، وقال للأشرار: "اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ" (مت25: 41). ألم يكن يعاقب هنا؟! يقول الكتاب: "فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" في آخر الإصحاح (مت25: 46) ألم تكن هذه عقوبة؟
وفي (يو5: 29) يقول: "يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ"، فهل هذه الدينونة ليست عقوبة؟
ولما تكلم ربنا يسوع المسيح نفسه في الأمثال التي ذكرها في (مت13) ماذا يقول أيضًا عن التمييز بين الأبرار والأشرار، يقول: "يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ. حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ" (مت13: 41-43). فالله الذي يلقي بهؤلاء في آتون النار نقول عليه: إله سادي وقاسي ويتلذذ بالعقوبة؟!
هذا كلام المسيح نفسه ولا يقول: (كاتب إنجيل متى يقول هذا الكلام!!).
وأيضًا هؤلاء الناس من أخطائهم أنهم يُشككون في الكتاب المُقدس نفسه وفي الوحي به وفي صحة كلامه، ويحكون مفهومهم الخاص على اعتبار أنه المفهوم السليم. وبهذا يقولون في صـ49 (إن الله هو المُدافع عن الخاطئ لأنه الباراقليط، والباراقليط يعني محامي، وهو مُدافع عن الخاطئ). يعني يطبطب على الخطاة. إذا كان ربنا هو المُدافع عن الخاطئ. فأي إنسان خاطئ يدافع عنه ربنا؟ هو المؤمن التائب، لكن إذا مات في خطيته ولم يتب فالمسيح نفسه يقول في (لو13: 3، 5): "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" هذه عقوبة أم ليست عقوبة؟
لكن نطبطب ونقول: لا ربنا ليس صاحب عقوبة أبدًا أبدًا!! يقول إيه (كيف للإنسان أن يمس كرامة الله في صـ49 حتى لو فعل الإنسان كل ما في وسعه من شر ولو حتى أردنا مُطابقة عدل الله ودينونته للإنسان بعدل البشر الناقص والمُتعطش للدماء فلم نستطيع لأن الله الذي هو السُلطة التشريعية والقضائية هو نفسه أيضًا المحامي والمُدافع عن الخاطئ الباراقليط). مُدافع عن الخاطئ، عن كل خاطئ! أم عن الخاطئ التائب فالتائب يستحق رحمة الله وغير التائب يستحق العقوبة.
يتكلم على الذبيحة في صـ46 يقول: (الآب قد قبل الذبيحة ليس لأنه طلبها أو كان في احتياج إليها ولكن لأجل تدبيره، لأن الإنسان لا بد أن يُقدس بإنسانية الله). كيف يمكن للإنسان أن يُقدس بإنسانية الله يعني؟ وكلمة إنسانية الله؛ تعبير غير ظريف، أي يقصد عندما لبسَ الله جسدًا.. يتقدس فيه عندما تقول: باركت طبيعتي فيك، لكن ما الله تجسد وتأنس لكن ليس جميع البشر تقدسوا إنما الذين ثبتوا في الله والله فيهم. ويقول: (نحن احتجنا لإله مُتجسد، إله يُميت الموت).. وكيف يميت الموت؟! يقول: (هو يدخل في الموت ويموت - لمجرد إنه ينجينا من الموت يعني – يقول: موت الرب عنّا كان ضرورة حتمية، يدخل إلينا داخل سجن الموت في صـ44.
[1] عن ثلاث محاضرات لقداسة البابا شنوده الثالث: بتاريخ (17 أبريل 2007 م، و19 مايو 1998م، و17 ديسمبر2002م).
[2] يقول القديس الأرشيدياكون حبيب جرجس: "الخطية هي التعدي ومخالفة ناموس الله. والخطية نوعان أصلية وفعلية. فالخطية الأصلية هي الموروثة في الطبيعة البشرية من أبينا آدم، والخطية الفعلية هي التي نرتكبها باختيارنا، وهي كل فكر أو عمل اختياري، أو قول، أو فعل، أو إهمال مضاد لناموس الله تعالى". (راجع: كتاب المبادئ المسيحية الأرثوذكسية للمدارس الابتدائية الكتاب الرابع صـ85) (الناشر).
[3] يقول أيضًا القديس يعقوب أسقف سروج (السروجي): "والملك الأزلي لا بداية لملكه ولا نهاية، وصار وسيطًا وسالم الجانبين المتخاصمين، سحق أبواب الجحيم ولم يعد بحاجة إلى هارون، لأن الابن أخذ مكانه وجاء ليحرر الأرضيين من قيود الخطية الأصلية". في قول داود عن الرب يسوع: "أنت حبر إلى الأبد على طقس ملكي صادق". (مختارات من قصائد مار يعقوب السروجي الملفان، ترجمها من السريانية إلى العربية مار ملاطيوس برنابا متروبوليت حمص وحماة وتوابعها للسريان الأرثوذكس، تقديم ونشر غريغريوس يوحنا إبراهيم متروبوليت حلب – دار الرها – حلب).
[4] ورد في قرارات مجمع قرطاجنة عام 418م في القانون 2 (110): إن قال أي إنسان أنَّ الأطفال حديثي الولادة لا يحتاجون إلى معمودية، أو أنهم يجب أن يعتمدوا لغفران الخطايا، لكن ليست فيهم "أية خطية أصلية موروثة من آدم".. بطريقة حرفية، إنما بطريقة رمزية، فليكن محرومًا (الناشر).
[5] القديس ساويرس الأنطاكي يقول: وكما أننا حينما نبشر بفضل القيامة نبين أن بها قمنا من سقطة الخطية القديمة، هكذا في اليوم الأربعين من قيامة مخلصنا من بين الأموات إذ صعد على عرش ملكه الموضوع" عظة الصعود للقديس ساويرس الأنطاكي، مترجم عنها الفرنسية من الكتاب الأول من الجزء الثاني من مجموعة "الآباء الشرقيين" العظة رقم 71، ترجمة الشماس المتنيح يوسف حبيب.
Patrologia orientalis, R. griffin f. nau les homelies cathedrals de severe d’ntioche homelie LXXI
[6] انظر مقال قداسة البابا شنوده عن القديس أغسطينوس في نهاية الكتاب.
[7] وقد أيّد مجمع أفسس المنعقد (431م) برئاسة البابا كيرلس عمود الدين قرارات مجمع قرطاجنة، حيث ذُكر في الرسالة المجمعية، التي أرسلها مجمع أفسس إلى سلسلتين الأول أسقف روما، وأخبروه بما حدث في مجمع أفسس التالي (الأعمال "القرارات" الغريبة عن إدانة البيلاجيين، والكاليستيين، وأتباعهم: جوليانوس، بريسيديوس، فلوروس، مارسللينوس، وأورونتيوس.. إلخ، ثم قراءتها والحكم "الإدانة" البابوي عليهم تم الموافقة عليهم بالإجماع)، انظر: تاريخ مجامع الكنيسة، Hefele,c.J,Vol.3,P.69؛ انظر أيضًا الأنبا غريغوريوس، اللاهوت العقائدي، جـ3، في أسرار الكنيسة السبعة، صـ53؛ مجموع الشرع الكنسي، لحنانيا كسّاب صـ338، 339 قوانين عصر المجامع القمص صليب سوريـال، صـ126.
[8] من محاضرة قداسة البابا شنوده الثالث: الخطية الأصلية، 17 ديسمبر 2002م
[9] أقوال بعض الآباء الذين سبقوا القديس أغسطينوس والمعاصرين له (الناشر)
Didymus the blind: (c. 313- 398 AD): if Christ had received his body from a marital union and not in another way it would be supposed that he too is liable to an accounting for that sin, which indeed, all who are descended from Adam contract in succession[9] (Didymus the Blind, in Jurgens Comment on Romans 5 : 12, vol. 2, p.64
القديس ديديموس الضرير (313- 398م): "إذا كان المسيح أخذ جسدًا من اتحاد مادي وليس من طريق آخر، كان المفترض أنه هو أيضًا يكون عرضة للمحاسبة على تلك الخطية، التي بالفعل جميع الذين انحدروا من آدم اصيبوا بها على التوالي".
القديس كيرلس السكندري:
“Human nature has, therefore, contracted the malady of sin through the disobedience of one man, Adam. It is in this way that the many have been made sinners - not as though they had transgressed with Adam (for they did not yet exist), but because they are of his nature, the nature that fell beneath the law of sin… Human nature grew ill with corruption in Adam because of the act of disobedience, and so the passions entered in….”, Burghardt, S.J., Walter J., The Image of God in Man According to Cyril of Alexandria. Woodstock, Maryland. Woodstock College Press.1957. Chapter 10, p.152; In Romanos, Rom 5:18-19.
"لذلك تعاقدت الطبيعة البشرية مع مرض الخطية خلال معصية إنسان واحد وهو آدم. وبهذه الطريقة صار كثيرون خطاة ليس كأنهم تعدوا مع آدم) لأنهم لم يكونوا موجودين (ولكن لأنهم من طبيعته التي سقطت تحت ناموس الخطية.. مرضت الطبيعة البشرية بالفساد في آدم بسبب عصيانه وبهذا دخلت الشهوات".
[9] القديس أثناسيوس الرسولي:
St. Athanasius: for since Adam, the first man, altered his course, and through sin death came into the world. For as when Adam transgressed, his sin reached unto all men. NPNF 2-04. Athnaasius: select works and letters: against the arians 1: 51.
القديس أثناسيوس: آدم الإنسان الأول غيّر مساره، ومن خلال الخطية دخل الموت إلى العالم.. عندما أخطأ آدم، بلغت خطيته إلى كل البشر. آباء نيقية وما بعد نيقية: القديس أثناسيوس: أعمال مختارة ورسائل ضد الآريوسيين، المقالة الأولى فقرة 51.
St. Athanasius: the race made after god’s image came to be, namely men؛ for though Adam only was formed out of the earth, yet in him was involved the succession of the whole race. NPNF 2-04. Athanasius: select works and letters: against the Arians: Discourse II ch19: 48.
القديس أثناسيوس: الجنس الذي خُلق على صورة الله، أي البشر، لأن على الرغم من أن آدم وحده هو الذي خُلق من التراب، إلا أن فيه تعاقب كل الجنس. آباء نيقية وما بعد نيقية: القديس أثناسيوس: أعمال مختارة ورسائل ضد الآريوسيين المقالة الثانية فصل 19: 48.
[10] القديس ساويرس الأنطاكي يقول: "المسيح هو آدم الجديد، آدم الثاني، فمن ناحية هو من نفس جنس آدم الأول، ومن ناحية أخرى هو من السماء لأنه إله من إله، وليس من التراب، فلم يتواضع لدرجة تراب الخطية، ولم يسمع القول: "لأنك تراب وإلى تراب تعود" لكنه أظهر في ذاته طبيعتنا بلا عيب "وجعل مع الأشرار قبره ومع غنى عند موته على أنه لم يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش" (إش9:53). "الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر" (1بط22:2)، كيف إذًا يكون من لم يكن خاضعًا للخطية خاضعًا لضريبة الدرهمين المطلوبة من أجل خطية آدم أبينا الأول؟" عظة "ضريبة الدرهمين" للقديس ساويرس الأنطاكي، مترجم عنها الفرنسية من الكتاب الأول من الجزء الثاني من مجموعة "الآباء الشرقيين" العظة رقم 74، ترجمة الشماس المتنيح يوسف حبيب.
[11] يقول القديس كيرلس السكندري (378 – 444م):
“So it is that we too are heirs of the curse in Adam; for surely we have not been visited with punishment as though we disobeyed with him the divine command which he received, but because…become mortal he transmitted the curse to the seed he fathered. We are mortal because mortal-sprung”, Burghardt, S.J., Walter J., The Image of God in Man According to Cyril of Alexandria. Woodstock, Maryland. Woodstock College Press. 1957. Chapter 10, p. 151; De dogmatism solution 6 (Pusey, In Ioannem 3, 560)
"وهكذا صرنا نحن أيضًا "وارثين" للعنة في آدم، لأننا بالتأكيد لم نعاقب كأننا عصينا معه الوصية الإلهية التي استلمها، ولكن... لأنه صار مائتًا فقد نقل اللعنة إلى البذرة التي ولدها. نحن أموات لأننا نبعنا ممن هو مائت".
[12] القديس ساويرس الأنطاكي: "فلتقنعك الوحوش نفسها فقد كانت كسائر قطيع حيوانات المرعى تجتمع حول آدم، حينما كان يعطيها أسماء بطريقة خاصة كان يميز كل نوع باسمه، ولكن الآن بعد أن أنتُزع عنا هذا السلطان بسبب الخطية لم نعد نحمل في أنفسنا السمة الطاهرة التي للصورة الإلهية، فإننا نخشى قساوة الوحوش الضارية، نتذكر سلطاننا القديم فتنكشف خطية جنسنا" عظة الصعود للقديس ساويرس الأنطاكي، مترجم عن الفرنسية من الكتاب الأول من الجزء الثاني من مجموعة "الآباء الشرقيين" العظة رقم 71، ترجمة الشماس المتنيح يوسف حبيب.
[13] محاضرة قداسة البابا شنوده عن وراثة الخطية 19 أكتوبر 1993م
[14] إكليمنضس الروماني:
"Jesus christ our lord gave his blood for us by the will of God, His flesh for our flesh and His soul for our souls" Clement, First Epistle of Clement to the Corinthians 49, in The Ante-Nicene Fathers (hereafter ANF), eds. Alexander Roberts and James Donaldson, 10 vols. (Peabody, Mass: Hendrickson, 1994) 1:18
"يسوع المسيح ربنا أعطانا دمه بإرادة الله، وجسده عوضًا عن جسدنا، ونفسه عن نفوسنا". رسالة إكلمينضس الروماني الأولى لأهل كورنثوس فصل 49.
[15] وهكذا تم (في جسد المسيح) فعلان متناقضان في نفس الوقت، الأول هو: أن موت الجميع قد تم في جسد الرب (على الصليب). والثاني: هو أن الموت والفساد قد أبيدا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به. فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتم الموت نيابة عن الجميع لكي يوفي الدين المستحق على الجميع. (تجسد الكلمة فصل 20: 5).
[16] ولما كان من الواجب وفاء الدين المستحق على الجميع، إذ - كما بينا سابقًا - كان الجميع مستحقين الموت، فلأجل هذا الغرض جاء المسيح بيننا. وبعدما قدم براهين كثيرة على ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد فإنه قدم ذبيحة عن الجميع، فأسلم هيكله للموت عوضًا عن الجميع، أولًا: لكي يبررهم ويحررهم من المعصية الأولى، وثانيًا: لكي يثبت أنه أقوى من الموت، مظهرًا جسده الخاص أنه عديم الفساد، وأنه باكورة لقيامة الجميع (تجسد الكلمة فصل 20: 2).
[17] القديس كيرلس الكبير يقول: "وبما أننا صرنا شركاء الطبيعة الإلهية، صرنا على صورة المسيح وهكذا نصد المعاصي، فتختفي النجاسة ويهرب كل الدنس الذي قبلناه، لأن ولادتنا لا تغذي بعد الفساد بسبب معصية آدم، لكن تصير نبعًا للحياة وعدم الفساد بفضل تبريرنا بواسطة المسيح الذي قبل أن يقدم نفسه ذبيحة لأجلنا مثل حمل حقيقي بلا عيب، كيمامة إلهية وروحية. إذًا هذه هي الطريقة التي تحقق بها خلاصنا وليس بأي طريقة أخرى. ألم يتحقق خلاصنا بواسطته". (صـ622 عن كتاب السجود والعبادة بالروح والحق، للقديس كيرلس عمود الدين، ترجمة جورج عوض إبراهيم، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد بطرس).
[18] يقول القديس أمبروسيوس: "نحن البشر كلنا ولدنا تحت الخطية، وأصلنا ذاته في الشر، كما نقرأ عبارة داود: "هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي" (مز 51: 5). ولكن جسد المسيح أدان الخطية، إذ لم تكن له عند ميلاده، وصلبها بموته، لكي يتبرر جسدنا بالنعمة، الجسد الذي كان قبلًا ملوثًا بالإثم"St. Ambrose, Concerning Repentance, Book 1, Ch. 3, p.733
[19] القديس ساويرس الأنطاكي: ولننظر كيف أن بطرس ويوحنا والرسل الآخرين أقاموا الكنيسة على مثال هذا الأعرج: كانت الكنيسة قديمًا تعرج بنفس الطريقة فيما يختص بمعرفة الله، ومن بطن أمها مشلولة بالخطية بسبب تعدي آدم وحواء، وكانت تقول: "هأنذا بالإثم صورت وبالخطية ولدتني أمي"(مز5:51). ماذا قال لهما إذًا بطرس ويوحنا حينما كانت تعرج ومع ذلك كانت تطلب أن تأخذ صدقة؟ قالا: "أنظر إلينا"(أع4:3) فيما يختص بالتعليم والصحة التي تتدفق منها، والاستقامة الجديدة، يقول الرسل القديسون يكفيك فقط أن تنظري إلينا" عظة "الصعود" للقديس ساويرس الإنطاكي، مترجم عنها الفرنسية من الكتاب الأول من الجزء الثاني من مجموعة "الآباء الشرقيين" العظة رقم 74، ترجمة الشماس المتنيح يوسف حبيب.
[20] قداسة البابا تواضروس الثاني: كل إنسان يولد بالخطية، لأن رأس البشرية أخطأ؛ آدم وحواء. المسيح هو الوحيد الذي بلا خطية، والخطية إذا أردنا أن نعرفها قالها داود النبي في المزمور الخمسين: "بالآثام حُبل بي وفي الخطية ولدتني أمي"، فأصبح كل إنسان يحمل هذه الوصمة، ومن آدم إلى نهاية الخليقة ينطبق عليهم مقولة داود النبي: "بالآثام حُبل بي وبالخطايا ولدتني أمي". ولذلك الكنيسة في تعاليمها، تعلمنا أن نعمل المعمودية بدري أوي حتى الطفل وهو ما زال لم يفهم أو يعرف أو يعي، نعمل المعمودية وهو عمره أيام لكي ينال مسح هذه الخطية. (عظة قداسة البابا تواضروس الثاني، بعنوان "المسيح يسألك: من أنا في نظرك؟"، بتاريخ 22 مارس 2017م).
[21] يقول القديس الأرشيدياكون حبيب جرجس: "إن الأطفال مشتركون في الخطية الجدية مثل الكبار، ولا يمكنهم التطهير منها والدخول إلى ملكوت النعمة إلاَّ من هذا الباب بشهادة الرب نفسه: "إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله، المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح" (يو 3: 5، 6) فيجب أن يولد الأطفال هذه الولادة الثانية الروحية ليكونوا مستحقين الدخول إلى ملكوت الله". كتاب أسرار الكنيسة السبعة للأرشيدياكون حبيب جرجس، الطبعة الأولى 1934م، صـ36.
[22] نص رسالة رومية بحسب الترجمة اللاتينية والتي توافقها أيضًا الترجمة القبطية واليونانية، ويترجمها نيافة الأنبا غريغوريوس – دكتوراة في اللغة اليونانية - هكذا: "وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس بالذي جميعهم خطئوا فيه"، ويشرح ذلك بقوله: "هذا النص المقدس يقرر مبدأ انتشار الخطية من الإنسان الأول آدم إلى كل الناس"، كما يعلق قائلاً: ويُلاحظ أن الترجمة البيروتية قد أوردت هذا النص مبتورًا.. ولكن النص اليوناني والقبطي والترجمة اللاتينية المعروفة بالفوجاتا كلهم أوردوا النص على النحو الذي أثبتناه، ثم يورد نيافته النصوص في اللغات الثلاثة:
- باليونانية: καὶ οὕτως εἰς πάντας ἀνθρώπους ὁ θάνατος διῆλθεν, ἐφ᾽ ᾧ πάντες ἥμαρτον
- وباللاتينية: In guo omnes peccaverunt
- وبالقبطية:
\iten ourwmi `nouwt ouo\ ebol \iten ``vnobi a `vmou ]wpi ouo\ pairh; a pimou ]e `e'oun `erwmi niben vhetauernobi `n'htf.
(موسوعة اللاهوت العقيدي – سر التجسد والفداء – صـ237)
[23] يقول القديس البابا كيرلس السادس: "على أن الخطأ الذي وقع فيه آدم قد شمل كل جنسنا أن آدم كان أبًا للجنس البشري ونائبًا عنه، وفي آدم أخطأ الجميع. قال الوحي: "بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، بالذي جميعهم خطئوا فيه. وعلى ذلك فلم تكن خطية آدم مجرد خطيئة شخصية ولكن الجنس البشري كله سقط في آدم. راجع رسالة عيد القيامة 17 أبريل 1960م لمثلث الرحمات القديس البابا كيرلس السادس، والتي نُشرت بكتاب (الرسائل البابوية للبابا كيرلس السادس)، صـ15، 16، 17.
[24] Saint Cyprian Of Carthage:"And to those who have sinned much against god, when they subsequently believed, remission of sins is granted- and nobody is hindered from Baptism and from grace- how much rather ought we to shrink from hindering an infant, who being lately born, has not sinned, except in that, being born after the flesh according to Adam, he has contracted the contagion of the ancient death.. Approaches the more easily on this very account to the reception of the forgiveness of sins- that to him are remitted, not his own sins, but the sins of another" [24]
القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة: "إذا كان أعطى الخطاة الذين اخطأوا كثيرًا ضد الله، عندما يؤمنون ينالون مغفرة الخطايا - ولا يُمنع أحد من المعمودية أو من النعمة - فكم بالأحرى ينبغي علينا أن نحجم عن منع الأطفال الذين ولدوا حديثًا ولم يفعلو خطية، سوى أنهم مولودين بالجسد حسب آدم، أصابهم وباء ذلك الموت القديم.. أن يكون الأيسر لهم بسبب ذلك أن ينالوا مغفرة الخطايا - فالخطايا التي تُغفر له ليست خطاياه الخاصة بل خطايا آخر (أي الخطايا الموروثة من آدم).
[25] إشارة إلى أصحاب الكتب التي تنادي بتعاليم غريبة.
[26] كتاب (العدالة الإلهية حياة لا موت مغفرة لا عقوبة) للدكتور هاني مينا ميخائيل، يحوي تعاليم عن أنه لا توجد عقوبة.
وراثة الخطية الأصلية. أم فساد الطبيعة البشرية
وراثة الخطية الأصلية. أم فساد الطبيعة البشرية [1]
في موضوع وراثة الخطية الأصلية، البعض يقول: "إننا لم نرث الخطية الأصلية إنما ورثنا فساد الطبيعة البشرية"، وهذا الكلام كان من تعليم جورج حبيب أحيانًا، ولعله أخذ الفكرة أولًا من أوريجانوس، وأوريجانوس على الرغم من شهرته الكبيرة له أخطاء أكبر من هذه الشهرة.
والسؤال: هل ورثنا الخطية الأصلية أم ورثنا فساد الطبيعة البشرية؟
والإجابة: ورثنا كليهما، ورثنا الخطية الأصلية أو الخطية الجدية أو خطية آدم وحواء[2]، كما ورثنا نتائج هذه الخطية التي هي فساد الطبيعة البشرية، الأمرين مع بعض[3].
لأننا لا نستطيع أن نقول إننا ورثنا فساد الطبيعة البشرية بدون الخطية، لأن الفساد جاء من أين؟ جاء من الخطية. لا يوجد فساد بدون خطية، فمن نتائج الخطية الأصلية الموت والدينونة وملَك الموت على العالم كله.
أنواع الموت
هنا وأحب أن أقول لكم إن هناك على الأقل أربعة أنواع من الموت:
- موت الجسد: وهو انفصال الروح عن الجسد وهذا ماته آدم بعد مدة.
- والموت الأبدي: وهو الإلقاء في بحيرة النار والكبريت وهذه تكون في الأبدية وهذه التي أنقذنا منها المسيح بالفداء.
- الموت الروحي: الذي هو الانفصال عن الله.
- والموت الأدبي: الذي هو فقد الصورة الإلهية وفقد البراءة والبساطة التي كانت قبل الخطية.
فآدم أول ما أخطأ انفصل بالفعل عن الله، لأن الله هو الحياة فهو ما دام انفصل عن الحياة فيكون مات، مات موتًا روحيًا يعني. وكما قال القديس أغسطينوس: "موت الجسد هو انفصال الروح عن الجسد، وموت الروح هو انفصال الروح عن الله".
ولذلك في قصة الابن الضال نجد الأب يقول: "ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ" في (لو15: 24). ميتًا هو لم يمت موت جسداني لكن كان ميت روحيًا بواسطة الخطية.
وفي (أف2: 1) يقول: "إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا". إذًا الذنوب والخطايا تجعل الإنسان في حكم الميت وفي (رؤ3: 1) ويقول لراعي كنيسة ساردس: "أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ"؛ وأنت ميت روحيًا فيكون فعلًا آدم مات يوم ما أكل من الشجرة، مات موتًا روحيًا بانفصاله عن الله، وبدأ يفقد العشرة مع الله، وبدأ يخاف من ربنا ويختبئ من الله وراء الأشجار.
وأيضًا فقد الصورة الإلهية من حيث إنه فقد البراءة والبساطة، فهو وحواء بدآ يشعران إنهما عريانان، بينما في الأول لم يشعروا بذلك، فقد البراءة والبساطة فيكون هو فعلًا في يوم أخطأ مات الموت الروحي ومات الموت الأدبي بفقده الصورة الإلهية وأيضًا بالخطية الأصلية أصبح الإنسان ميالًا إلى الخطية، يعني ليس مجرد إنه أصبح يعرف الخطأ بل أكثر من هذا يميل إلى الخطأ، وهذا بيحاول سر المعمودية إنه يجددنا حتى نرجع إلى طبيعتنا الأولى.
الكفارة
إذًا حدثت المغفرة على الصليب وكيف حدثت المغفرة؟ بإن المسيح حمل خطايانا[4]، مات عن خطايانا كان كفارة عن خطايانا[5]،
عندما تقرأ أو تسمع لجورج حبيب يقول لك: (كلمة كفارة هذه ليس لها وجود خالص، كلمة كفارة هذه جاءت في أفكار ابن العسال، وأنسلم Anselm رئيس كنيسة إنجلترا في القرن الحادي عشر، لكن لا يوجد عنده شيء اسمه كفارة)، لماذا يا ولدي؟ الكفارة موجودة على الأقل في: (يوحنا الأولى 2: 2)، و(يوحنا الأولى 4: 9) و(رومية 3).
في (1يو2: 1، 2): "وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ، وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا".
وفي (1يو4: 9، 10) يقول: "بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ. في هذا هي المحبة[6]: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا".
وفي (رو3: 24،25) تجدوا نفس الكلام عن الكفارة، يقول: "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الذي بيسوع المسيح الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ"[7].
ما معنى حكاية "أنَّ الله بيَّن محبته لنا"؟ الموجودة في (رومية5: 8) يقول: "وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا"، فصحيح ربنا أحب العالم حتى بذل ابنه الوحيد"، لكن لماذا بذله؟ لأن "فيما نحن خطاة مات المسيح لأجلنا"، مات لأجلنا أي مات بدلًا عنا، "الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ" (1بط 3: 18).
"لأَنَّ الْمَسِيحَ، إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ" (رو5: 6)، مات لأجل الخطاة[8]، مات لأجل الفُجار[9]، ما معنى مات لأجلهم؟ ما معنى بيَّن محبته؟ بيَّن محبته للخطاة إنه حمل خطيتهم بدلًا منهم، بيَّن محبتهم للفجار إنه حمل فُجرهم بدلًا منهم، بيَّن محبته للخطاة والفُجار ففيما هم محكوم عليهم بالإعدام، محكوم عليهم بالموت[10] الأبدي بذل دمه ليمحو خطاياهم ومات بالنيابة عنهم[11]، لكن مجرد حب يعني حب هكذا بلا سبب أو بلا نتيجة؟! ما سبب الحب وما نتيجة الحب؟ سبب الحب إن العالم محكوم عليه بالموت، نتيجة الحب إن المسيح مات عنهم ولذلك صار فاديًا لهم، لذلك الكتاب يقول: "كنا أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا" في (أف 2).
البراءة
إذًا هناك خطايا حملها المسيح وعفا عنها، من أين عفا عنها؟ من العدل الإلهي... وبعد ذلك يأتي أحدهم[12]، (واحد من الآباء) ويقول: "لا توجد عقوبة على الصليب، لا الآب عاقب ابنه، ولا الابن عاقب نفسه، ولا نحن عوقبنا بل إننا فزنا بالبراءة"، براءة، كيف!؟ وما معنى أموات بالخطايا؟ "وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا"(رو5: 8)، فهل بهذا الشكل إن كلمة "خطاة" يكون معناها "براءة"؟! لا توجد براءة، لكن في خطاة محكوم عليهم بالموت وهناك من مات عنهم، فنتيجة الموت لم يحصلوا على البراءة وإنما حصلوا على العفو أو الصفح أو المغفرة أو التبرير بدمه، لكن ليس براءة، لأن لو في براءة يبقى لا يوجد حكم بالموت، ولو في براءة، فلماذا مات المسيح؟ مات لأجل ناس عندهم براءة!!؟ أما بالنسبة لقصة أن "لا الآب عاقب ابنه؟"، فما رأيك في الآية التي تقول: "سُر أن يسحقه بالحزن"، أليس فيها عقوبة؟، وما معنى الذي قاله المسيح: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟"، هنا كان الإنسان يسوع المسيح ابن الإنسان يقول: "لماذا تركتني؟"، ابن الإنسان سُحق بالحزن، فسُحقت فيه البشرية كلها، وحمل العقوبة فعوقبت فيه البشرية كلها، ليس لأنه خاطئ وإنما لأنه حامل خطية[13].. فرق بين خاطئ وحامل خطية، هو بار وقدوس ولكن حامل خطية، حمل خطية العالم كله.
[1] محاضرة قداسة البابا شنوده الثالث: وراثة الخطية الأصلية أم فساد الطبيعة البشرية؟ بتاريخ 19 أكتوبر 1993م
[2] مار يعقوب السروجي: "عرف داود بإلهام ربه أن الذبائح اللاوية لا تحرر العالم المحتاج إلى الخلاص، وأن الخطيئة التي تتوارثها الأجيال التي أدخلتها الحية لا يمكن أن تغفر بذبائح عادية لاوية، لا بد لها من فداء، والفداء يجب أن يكون ذاتيًا وتأكد أن الابن سيكون هو الفادي ليصير حبرًا، فشبهه بملكي صادق في الغنى بالمحاسن" في قول داود عن الرب يسوع: "أنت حبر إلى الأبد على طقس ملكي صادق"، مختارات من قصائد مار يعقوب السروجي الملفان، ترجمها من السريانية الي العربية مار ملاطيوس برنابا متروبوليت حمص وحماة وتوابعها للسريان الأرثوذكس، تقديم ونشر غريغريوس يوحنا إبراهيم متروبوليت حلب – دار الرها – حلب.
[3] St. Athanasius: Adam, the first man, altered his course, and through sin death came into the world... When Adam transgressed, sin reached out to all men. ( St, Athanasius, Discourses Against the Arians 1:51)
القديس أثناسيوس: "آدم الإنسان الأول غير مساره، ومن خلال الخطية دخل الموت إلى العالم.. عندما أخطأ آدم، بلغت الخطية إلى كل البشر". ضد الآريوسيين، المقالة الأولى، فقرة 51.
St. Athanasius: he was made man for us... Because all men being lost according to the transgression of Adam. ( St, Athanasius, Discourse Against the Arians, Ch. 21:61, p. 381
القديس أثناسيوس: "صار إنسانًا من أجلنا... لأن كل البشر إذ هلكوا بسبب معصية آدم".
[4] القديس أثناسيوس الرسولي: "المسيح قدم ذبيحة نفسه أيضًا نيابة عن الجميع إذ سلَّم هيكله للموت عوضًا عن الجميع لكي يحرر الجميع من الخضوع للمعصية الأصلة"، عن كتاب قضايا لاهوتية خطيرة، وراثة الخطية الأصلية (2)، صـ18، الأنبا بيشوي مطران دمياط وكفر الشيخ والبراري.
إكليمنضس الروماني:
"Jesus christ our lord gave his blood for us by the will of God, His flesh for our flesh and His soul for our souls" Clement, First Epistle of Clement to the Corinthians 49, in The Ante-Nicene Fathers (hereafter ANF), eds. Alexander Roberts and James Donaldson, 10 vols. (Peabody, Mass: Hendrickson, 1994) 1:18
"يسوع المسيح ربنا أعطانا دمه بإرادة الله، وجسده عوضًا عن جسدنا، ونفسه عن نفوسنا". رسالة إكلمينضس الروماني الأولى لأهل كورنثوس فصل 49.
أغناطيوس الأنطاكي: "والآن، فقد تألم كل هذه من أجلنا، حتى نخلص".
Ignatius, Epistle of Ignatius to the Smyrnaeans 2, ANF 1:87
رسالة برنابا (نسبها التقليد إلى برنابا المذكور في سفر الأعمال): "من أجل هذه الغاية سلم الرب بشريته للموت، حتى يمكننا أن نتقدس عن طريق غفران الخطايا، الذي تم بواسطة دمه المرشوش. لأنه مكتوب بخصوصه، جزئيًا عن إسرائيل، وجزئيًا عنا؛ والكتاب يقول هكذا: "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا.. وبحبره شفينا. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ" (إش53: 5-7).
Epistle of Barnabas 5, ANF 1:139
"والأكثر من هذا، لما سُمر المسيح على الصليب، قُدمَ له خل ممزوج بمرارة ليشرب.. استمعوا كيف يشير كهنة الشعب إسرائيل من قبل لهذا الأمر. إن وصيته قد كتبت، الرب قد حذر، أن كل من لا يحفظ الصوم يجب أن يوضع للموت، ولأنه هو نفسه أيضًا إناء للروح ولا بد أن يقدم كذبيحة من أجل خطايانا، حتى يتم تحقيق الرمز المؤسس في إسحاق لما قُدمَ على المذبح".
Epistle of Barnabas 7, ANF 1:141
[5] القديس إيرينيئوس: "فدانا الرب بدمه، بذل حياته من أجل حياتنا وجسده بدلًا من أجسادنا، ساكبًا من روح أبيه ليحفظ وحدة الله والإنسان، منزلًا الله للإنسان بالروح ورافعة الإنسان الله بواسطة التجسد، وحافظة وبالحق واهًبا لنا عدم الفساد بواسطة ميلاده خلال الشركة مع الله.
Saint Irenaeus: Dratsellas, PhD. Constantine. Questions of the soteriological Teaching of the Greek Fathers. (Ad. Haeres, V, 1, IPG7, 1121). Athens 1969. p. 19.
[6] الرسالة إلى ديوجنيتوس (القرن الثاني): "لما فاض مكيال شرنا... حمل هو نفسه ثقل خطايانا، وسلم ابنه كفدية لأجلنا، القدوس من أجل الأثمة، الذي بلا عيب من أجل الأشرار، البار من أجل الخطاة آه ما أحلاها بدلية! ما أعجبه من عمل، آه لبركات تتخطى كل التوقعات! أن شر الكثيرين يتم إخفائه في شخص بار واحد، وأن بر شخص واحد يبرر أثمة كثيرين"(Mathetes, The Epistle to Diognetus 9, ANF 1:28).
[7] أمبروسيوس أسقف ميلانو: دعونا نُذكر أنفسنا بالبركات التي للإيمان الصحيح. إنه مفيد لي أن أعلم أن المسيح حمل كل خطاياي بدلًا مني، وخضع لكل احتياجات جسدي، وأنه من أجلي، أعني من أجل كل إنسان، قد صار المسيح خطية، ولعنة، هذا من أجلي، وفيَّ قد اتضع وصار خاضعًا، أنه لأجلي صار حمل، وكرمة، وصخرة، وعبدًا، وابن أمة، ولا يعلم يوم الدينونة، لأجلي لا يعلم الوقت والساعة. Ambrose, Of the Christian Faith 9, NPNF2 10:236
[8] القديس غريغوريوس النيزنزي: "فلننظر، تاليًا، موضوع خضوع الابن للآب. ماذا تقول، هل هو الآن غير خاضع، أو هل يجب أن يكون خاضع، لو أنه لله؟ (هذا سؤال يظن به محاور غريغوريوس أنه قد هدم جزء من الإيمان فيرد عليه قائلًا) أنت تتعامل مع الموضوع كما لو أنه بخصوص سارق ما أو آلهة متصارعة مع بعضها. ولكن لتنظر له في هذا المنظور: أنه من أجلي قد قيل أنه صار لعنة، ذاك الذي أزال لعنتي؛ وخطيتي، الذي يرفع خطية العالم؛ الذي صار آدم الجديد لكي يأخذ مكان القديم، وهكذا فقد جعل طاعته هي طاعتي كرأس للجسد كله. وبمقدار ما أنا عاصي ومتمرد، عن طريق إنكار وجود الله، وعن طريق شهواتي، بمقدار ما دعيَّ المسيح عاصي بدلًا مني. ولكن لما يتم إخضاع كل شيء له من ناحية عن طريق تتويجه، ومن ناحية عن طريق التجديد، بعدها سوف يتمم هو نفسه خضوعه، بأن يحضرني أنا الذي خلصه إلى الله. لأجل ذلك، تبعًا لنظرتي، فإن خضوع المسيح بالتحديد، هو إتمامه لإرادة الله".
Gregory, The Fourth Theological Oration 5, NPNF2 7:311
[9] الرسالة إلى ديوجنيتوس (القرن الثاني): لما فاض مكيال شرنا.. حمل هو نفسه ثقل خطايانا، وسلّم ابنه كفدية لأجلنا، القدوس من أجل الأثمة، الذي بلا عيب من أجل الأشرار، البار من أجل الخطاة، آه ما أحلاها بدلية! ما أعجبه من عمل، آه لبركات تتخطى كل التوقعات! أن شر الكثيرين يتم إخفائه في شخص بار واحد، وأن بر شخص واحد يبرر أثمة كثيرين". Mathetes, The Epistle to Diognetus 9, ANF 1:28
[10] هيلاري أسقف بواتييه (300-393): ولقد فدانا ربنا يسوع المسيح من اللعنة، كما يقول الرسول: "اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ" (غل3: 13). هكذا فقد قدم نفسه لموت اللعنة حتى يمكنه أن يكسر لعنة الناموس، مقدمًا ذاته طواعية كذبيحة لله الآب، حتى أنه بواسطة ذبيحة تطوعية يمكن إزالة اللعنة التي صاحبت عدم استمرارية الذبيحة المعتادة.
Hillary, Homilies on the Psalms 13, The Nicene and Post-Nicene Fathers (hereafter NPNF), ed. Philip Schaff, 12 vols. (Grand Rapids: Eerdmans, 1976) 9:246 ,1Series
[11] القديس أثناسيوس الرسولي: وهكذا تم (في جسد المسيح) فعلان متناقضان في نفس الوقت، الأول هو: أن موت الجميع قد تم في جسد الرب (على الصليب)، والثاني: هو أن الموت والفساد قد أبيدا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به. فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتم الموت نيابة عن الجميع لكي يوفي الدين المستحق على الجميع. ولهذا كما ذكرت سابقًا طالما أن الكلمة كان من غير الممكن أن يموت، إذ أنه غير مائت، فقد أخذ لنفسه جسدًا قابلًا للموت حتى يمكن أن يقدمه، كجسده الخاص نيابة عن الجميع، حتى إذا ما تألم عن الكل باتحاده بالجسد، فإنه يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية (عن كتاب تجسد الكلمة فصل 20: 5، 6).
[12] يقصد على أصحاب التعاليم الغريبة.
[13] 1- الابن هو الحمل الذي بلا عيب البار والقدوس، ومع ذلك صار خطية لأجلنا وهذا ما أكده القديس كيرلس أثناء حديثة عن التيس المرسل إلى البرية قائلًا: "لهذا صار المسيح ذبيحة عن خطايانا" حسب الكتب المقدسة (انظر 1كو3:15)، ولهذا السبب نقول إنه دعيَّ خطية، وهكذا يكتب بولس الحكيم جدًا: "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا" (2كو21:5). والمقصود هنا هو الآب (فهو الذي جعله خطية). لأننا نقول إن المسيح صار خاطئًا – حاشا - بل لكونه بار وبالحري هو البر نفسه، لأنه لم يعرف خطية، فالآب جعله ذبيحة عن خطايا العالم. راجع: رسائل القديس كيرلس، الجزء الثالث، نصوص الآباء: 34، ديسمبر1995صـ65 وما بعدها.
2- يشرح القديس كيرلس: (يو 11:10-13) حيث يوصف المسيح كراعٍ صالح، يقول: "حينما أعلن المسيح كالراعى الصالح على الكل، ففي صراعه مع هذين الوحشين المرعبين، فإنه بذل حياته لأجلنا، فهو احتمل الصليب لأجلنا، لكي بالموت يبيد الموت، وقد أدين من أجلنا لكي يخلص كل البشر من الدينونة التي بسبب الخطية، قد أبطل طغيان الخطية بواسطة الإيمان، وسمرّ في صليبه الصك الذي كان ضدًا لنا كما هو مكتوب (انظر كو14:2). وتبعًا لذلك فإن أب الخطية اعتاد أن يضعنا في الهاوية مثل الخراف مسلمًا إيانا للموت كراع لنا حسب ما قيل في المزامير (انظر مز15:48). أما الراعي الصالح بالحق، فقد مات من أجلنا، لكي يخرجنا من حفرة الموت المعتمة ويهيئنا لكي يجعلنا بين صحبة السمائين، ويعطينا منازل في الأعالي، مع الآب بدلًا من الأوكار التي في أعماق الهاوية أو في تجاويف البحار، شرح إنجيل يوحنا، الإصحاح العاشر، المجلد الأول (صـ781 – صـ136عن كتاب السجود والعبادة بالروح والحق، للقديس كيرلس عمود الدين، ترجمة جورج عوض إبراهيم، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد بطرس).
حول وراثة الخطية الجدية والعقوبة
حول وراثة الخطية الجدية والعقوبة[1]
نتابع كلامنا عن بعض الإخوة الذين من داخل الكنيسة ويتكلموا كلام ضد عقيدة الكنيسة، وينشروه، سنراجع بعضًا من كلامهم.
هؤلاء الناس ينكرون وراثة الخطية الأصلية وذلك امتدادًا إلى رفضهم للعقوبة كمبدأ إلهي عندهم. يقولون في هذا الكتاب إن أغسطينوس فقط هو الذي تكلم على موضوع الخطية الأصلية، لكن هذا الكلام غير صحيح، وموجودة في كثير من أقوال الآباء.[2]
فقد الصورة الإلهية ووراثة الدينونة
قيل في (مز14: 3) "الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ". وأيضًا فقدنا الصورة الإلهية الأولى التي خُلق الإنسان عليها كما قال القديس أثناسيوس الرسولي: "إننا فقدنا الصورة الإلهية، فجاء السيد المسيح يُعيد إلينا الصورة الإلهية"[3].
وأيضًا ورثنا الدينونة أصبحنا مُدانين. في مسألة الموت إن آدم لما قيل له يوم تأكل من الشجرة موتًا تموت إنما حُكم عليه بأنواع من الموت. الموت العادي أو موت الجسد؛ هو انفصال الروح عن الجسد وفعلًا مات آدم وكلنا متنا أو سنموت فهذا نوع من أنواع الموت، وفي موت أبدي؛ الذي نجانا منه السيد المسيح بصلبه، وفي موت روحي؛ وهو انفصاله عن الله، وفي موت أدبي؛ وهو فقد الصورة الإلهية.. فلما جاء السيد المسيح نجانا من الموت الأبدي لكن بقية أنواع الموت تعرضنا لها [4].
العقوبات في العهدين
إن هؤلاء الناس وأمثالهم، - لا أتكلم على شخص واحد -، تجدوها عند أُناس كثيرين، وعند آباء كبار أيضًا، يخافوا من العقوبة، فماذا يقولون؟ يصوّرون إله العدل إله العهد القديم تصويرًا مخيفًا ضارًا لا يقبله الإنسان الروحي، لدرجة إن واحد قال إن: " لو كان إله العهد القديم هو إله العهد الجديد كنت قد كفرت به"، ما معنى هذا الكلام؟ أهناك إله عهد قديم وإله عهد جديد وكل واحد يختلف عن الآخر!؟
الله لا يتغير، هذا الكلام تجدوه في عبرانيين 13 وفي يعقوب 1، الكتاب المقدس يقول: "إن الله لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ" (يع 1: 17)، "يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ" (عب 13: 8)، فهل في العهد القديم كان ربنا مخيف وكان إله قاسي وفي العهد الجديد ربنا حنين ومحب!؟ أو هل في العهد القديم كان ربنا سيد يكلم عبيد، وفي العهد الجديد أب يكلم أبناءه؟ إطلاقًا!! الاثنين واحد.
في العهد القديم في (تكوين 6) يقول: "أَنَّ أَبْنَاءَ اللهِ رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ"، فكلمة أبناء الله اُستخدمت في قصة الطوفان التي هي قصة العقوبة الكبرى. وفي سِفر أيوب يتكلم عن أبناء الله، وآية مشهورة الجميع يحفظها في (أمثال 23:26) يقول: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ"، وفي (إشعياء 1) يقول: "رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ"، يبقى ما هي الحكاية؟ ربنا كان أب في العهد القديم أيضًا، لكن نحن لم نكن شاعرين بأبوته بسبب خطايانا، بل بالعكس، قال: "إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ" (خر 4: 22)، ابنه، شعب بحاله سماه (ابن)، فهل كان هو سيد في العهد القديم وأب فقط في العهد الجديد؟
في العهد الجديد ماذا يقول؟ "فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟ طُوبَى لِذلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هكَذَا!" (لو12: 42، 43)، وفي اليوم الأخير يقول للأبرار الصالحين يقول لكل واحد: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِينُ!" (لو19: 17)، هو نحن أبناء ولسنا عبيد؟ أبناء وعبيد في العهد الجديد وأبناء وعبيد في العهد القديم، ربنا غير متغير، لا يختلف أبدًا.
هل ربنا كان يعاقب في العهد القديم ولا يعاقب في العهد الجديد؟ من قال هذا الكلام؟! اقرأوا سفر الرؤيا، وانظروا الأبواق والجامات الخاصة بالملائكة، والعهد الجديد ألاَّ يوجد فيه "هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ"؟ بل لقد بلغ من عقوبة السيد المسيح إن بطرس الرسول لما استحى من هيبة سيده واعتذر عن غسل رجليه قال له: "إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ" (يو13: 8)، أي يفقد نصيبه الأبدي لمجرد إنه استحى أن سيده يغسل رجليه.
ألاَّ يوجد في العهد الجديد أن بطرس الرسول عاقب حنانيا وسفيرة بالموت ولم يعطهما فرصة حتى للتوبة؟ في العهد الجديد بولس الرسول في (1كو 5:5) عن خاطئ كورنثوس قال: "أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ"؟
إنَّ العهد القديم والعهد الجديد كلاهما سياسة واحدة والله فيهما هو نفس الإله...
الله لم تتغير صورته، هل الله في العهد القديم كان إله قسوة، وفي العهد الجديد إله محبة!!؟ إن كان في العهد الجديد يقول: "وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا" (رو5: 8)، والله بيَّن محبته في العهد القديم أيضًا أنه خلقنا، أوجدنا، لولا ذلك لم نكن موجودين أبدًا، أتريدون محبة أكثر من ذلك؟ أنه أوجدنا.. ولماذا أوجدنا؟ من محبته شاء أن نوجد.
فمهاجمة العهد القديم إرث ورثه البعض من الكتابات البروتستانتية...! تأثير بروتستانتي يتغلغل داخل الناس وناس كبار، ويتغلغل داخلهم من غير ما يشعروا، ويهاجموا العهد القديم ويكون ربنا إله قاسي في العهد القديم؟! اتصلّح يعني في العهد الجديد؟! أم غيّر أسلوبه؟ أم تاب؟ ربنا بيتغير؟!! ربنا هوَ هوَ.
وبعدين مثلًا الآية التي تقول: "وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ"(يو3: 36)، في صـ51، عبارة غضب الله هذه لا تعجبه، فيقول (الإنسان هو الذي يُميت نفسه مثل الغصن الذي لا يثبت في الكرمة هو الذي يقع، والذي يشرب السُم هو الذي يميت نفسه، هكذا نفهم تعبير "يمكث عليه غضب الله" على إنه الإحساس الذي تولده الخطية في داخل الإنسان الخاطئ(، يعني ليس غضب حقيقي أم مجرد إحساس؟!
ثم يقول: (إن قارئ أقوال الآباء الأرثوذكسية في القرون الأولى الآباء الشرقيين Greek Fathers لا يشعر بأي تركيز على مشكلة العقوبة والقصاص أبدًا(، معنى كلامه أنه هو الذي لم يقرأ، لأن العقوبة موجودة في أقوال الآباء، لكن خداع الإنسان بأن الآباء لم يقولوا غير ذلك، هذا كلام غير مضبوط، ياريت كان يقولوا لنا الشواهد على ذلك، يقول: (لا يشعر بأي تركيز على مشكلة العقوبة والقصاص في شرح الفداء والخلاص بل التركيز كله على رغبة الله في تأليه الإنسان والاتحاد معه ورده إلى رتبته الأولى)، الفداء أي بموته عنّا، أم كيف سيكون فداءٍ؟! فداء لمجرد إنه يُأله الإنسان؟ وكيف يُأله؟ أمر بسيط، يقول: "الله بَينَ محبته لنا لأننا ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا"، ونحن خطاة مات المسيح لأجلنا ولم يقل: "تأليهنا"، وإلا كان يأله هؤلاء الخطاة أم ماذا؟ إذا كان مات المسيح لأجل الخطاة يبقى جاء لتأليه الخطاة؟ ثم يقول: "لأَنَّ الْمَسِيحَ، إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ" كل هذا في (رومية 5)، مات لأجل الفجار؛ أي لينقذهم من الموت، أم لتأليه الإنسان جاء يموت لأجل الفجار؟ لتأليه الفجار؟!!! كلام غير متناسق مع بعضه.
[1] محاضرة قداسة البابا شنوده الثالث بعنوان لاهوت وراثة الخطية، بتاريخ 19 أكتوبر1993م.
[2] لعدم التكرار راجع رد قداسة البابا عن وراثة الخطية في الصفحات السابقة.
[3] كتاب تجسد الكلمة، الفصل العشرون (20).
[4] راجع أنواع الموت في الصفحات السابقة.
هل المسيح ورث الخطية الأصلية؟
هل المسيح ورث الخطية الأصلية؟[1]
السبتيون الأدفنتست يعتقدون أن السيد المسيح وُلدَ بالخطية الأصلية!
بِدعتَهم
يعتمدون اعتمادًا خاطئًا على ما ورد في الرسالة إلى العبرانيين عن السيد المسيح: "فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ" (عب2: 14). وأيضًا "مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا ِللهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ" (عب 2: 17).
وهكذا يقولون في كتابهم [الكتاب يتكلم] صـ197:
"لقد اشترك يسوع في لحم البشرية ودمها بعد سقوطها، لذلك صار شبيهًا لإخوته في كل شيء ومجربًا مثلهم..".
"أما أن السيد المسيح وُلد من أم خالية من الخطية، ولم يرث الميل إلى الخطية، فهي فكرة مغلوطة تبعد المسيح عنا، وتضعه في مركز حيث لا ننال منه نفعًا. نعم قد ورث السيد المسيح في تجسده ما يرثه جميع أبناء آدم".
ويقولون في كتابهم (إيمان الأدفنتست السبتيين) صـ78، 79:
هل يستطيع المسيح أن يخطأ؟ يختلف المسيحيون حول مسألة ما إذا كان المسيح قابلًا للخطية. ونحن نتفق مع فيليب شاف الذي قال: "لو كان (المسيح) معصومًا كلية من الخطية منذ البداية، أو لو كان يستحيل عليه أن يخطأ، لما استطاع أن يكون إنسانًا حقيقًا، ولا أن يكون مثالًا نقتدي به. فقداسته، بدلًا من أن تكون فعلًا خاصًا به مكتسبًا من ذاته واستحقاقًا ملازمًا له، سيكون موهبة طارئة أو خارجية، وستكون تجاربه تمثيلاً
غير واقعي".
ويضيف كارك أولمان "لن يكون لقصة التجربة، كيفما شُرحت، أي مغزى. وسيكون بلا معنى التعبير في الرسالة إلى العبرانيين "لقد جرّب في كل شيء مثلنا".
الرَد على السبتيون الأدفنتست
- إن عبارة "جُرّب في كل شيء مثلنا" تعني جُرب من الخارج، دون أن يكون في داخله أي ميل للخطية، أو أي خضوع للتجربة.. والعجيب أنهم يوردون في كتابهم الآيات الخاصة بقداسة المسيح. ولكنهم لا يعتقدون أن هذا راجع لطبيعته القدوسة، وإنما لأنه انتصر في الحروب.
والرد على هذا واضح، لأن الملاك الذي بشر بولادته قال للسيدة العذراء: "لِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو 1: 35). إذًا وُلد هكذا.
- ونقول أيضًا إن السيد المسيح شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية.
عبارة "في كل شيء" تعني كمال ناسوته، أي أنه قد وُلد بطبيعة بشرية كاملة، لا ينقصها شيء. لذلك عندما قامت هرطقة تقول إن السيد المسيح لم يكن محتاجًا إلى الروح، لأنه يحيا بلاهوته! حرمت الكنيسة الجامعة هذه الهراطقة، لأنه - بدون روح - لا يكون قد شابهنا في كل شيء، من جهة تركيب هذه الطبيعة البشرية.
أما أن يرث الميل إلى الخطية، فهذا ضد كمال المسيح.
والعجيب أنهم نشروا كلامهم هذا في مؤلفهم [الكتاب يتكلم] تحت باب أسموه (كمال المسيح)..! فكيف يكون المسيح كاملًا، مع وراثته الميل إلى الخطية، بينما الميل إلى الخطية نقص.. نقص في البر والنقاوة.
- إن الميل إلى الخطية، لا يتفق مع قول الملاك جبرائيل المبشر للقديسة العذراء قائلًا لها: "الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 35). فكيف يكون قدوسًا، وله ميل إلى الخطية، حسب بدعتهم؟! وعبارة "القدوس المولود منك" تعني أنه وُلد بالقداسة.
- وكما ذكر ذكر رئيس الملائكة جبرائيل عبارة (قدوس)، ذكرها أيضًا الآباء الرسل. فيقول عنه القديس بولس الرسول: "لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب7: 26). وعبارة "بلا شر ولا دنس" تعني أيضًا لا ميل فيه إلى الخطية، وعبارة "انفصل عن الخطاة" تعني كذلك أنه لم يشابههم في كل شيء من جهة خطاياهم. وورد هذا في نفس الرسالة إلى العبرانيين التي اقتبسوا منها "يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ" (عب 2: 17).
والقديس بطرس الرسول في توبيخه لليهود، يقول لهم: "وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ" (أع 3: 14).
بل الشعب أيضًا صلّى لله قائلًا: "لأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ اجْتَمَعَ عَلَى فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ، الَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ مَعَ أُمَمٍ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ" (أع 4: 27).
بل إن السيد المسيح يشهد عن نفسه هذه الشهادة في رسالته إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا، في سفر الرؤيا. فيبدأها بقوله: "هذَا يَقُولُهُ الْقُدُّوسُ الْحَقُّ، الَّذِي لَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ" (رؤ3: 7).
فكيف يجرؤ هؤلاء السبيتون أن يقولوا إن السيد المسيح له المجد، القدوس البار، قد ورث الميل إلى الخطية مثل باقي بني آدم؟!
هذه البدعة التي ارتفع عن مستواها الشيطان نفسه!!
إذ في معجزة شفاء رجل من روح نجس، صرخ الشيطان قائلًا: "مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا! أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ: قُدُّوسُ اللهِ!" (مر 1: 24) (لو 4: 34).
- السبتيون أصحاب هذه البدعة يتجاهلون عمل الروح القدس في الحبل المقدس بالسيد المسيح.
إنه لم يكن حبلًا عاديًا مثل سائر بني آدم، بل إن الملاك جبرائيل قال بشارته للقديسة العذراء مريم: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 35).
وبحلول الروح القدس في بطن العذراء كان له عملان: أحدهما تكوين جنين في بطنها (بغير زرع بشر). والعمل الثاني هو تقديس مستودعها، حتى أن المولود منها لا يرث الخطية الجدية الأصلية، فلا يرث أي ميل إلى الخطية..
لو كانت ولادة عادية، لكان لكم العذر فيما تقولون. ولكن هذا التجسد الإلهي، هو سر عجيب (1تي 3: 16)، لا يجوز لكم إطلاقًا أن تنكروا عمل الروح القدس. لذلك نحن نقول في قانون الإيمان: "تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء".
- إن الميل إلى الخطية، لا يتفق مع لاهوت هذا المولود. فكيف يتحد اللاهوت مع جسد فيه ميل إلى الخطية؟! مستحيل.
نقول هذا لأن السبتيين الأدفنتست: فيما يقولون إن السيد المسيح ورث الميل إلى الخطية، هم أيضًا يؤمنون بلاهوت السيد المسيح.
وكتابتهم [الكتاب يتكلم]، كما ذكر وراثة السيد المسيح للخطية صـ197، تحدث في القسم الثاني منه عن (ألوهية المسيح) من صـ66 إلى صـ69.
وأورد في تلك الصفحات "وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ" (عب 1: 8)، و"كَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ" (يو1: 1).. ونبوة ميخا النبي عنه "وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ" (ميخا5: 2). وركزوا في مجيئه الثاني على ملكوته وملائكته ومختاريه، وعلّقوا بعبارة "عرف بألوهيته السامية ومساواته بأبيه في السموات". وذكروا عبارة "فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كو 3: 9). ومع كل ذلك يقولون - وفي نفس الكتاب - إنه ورث الميل إلى الخطية!! أليس في هذا لون من التناقض (بين اللاهوت والميل إلى الخطية)؟!
هوذا الكتاب يقول: "أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟!" (2كو6: 14، 15). ومن له أذنان للسمع فليسمع..
- وراثة الخطية الأصلية، هي بدعة ضد الفداء الذي قدمه المسيح.
فالذي له خطيته، يموت عن خطيته. أما الذي بلا خطية: فإن مات، يمكن أن يموت عن خطية غيره. وهكذا لا بد أن يكون الفادي بلا خطية. وإذ ليست له خطية يموت بسببها. فإنه يموت عن غيره فيفديه.
وهم يقولون إنه كان بلا خطية. وإنه "اتخذ طبيعة الإنسان في حالته الساقطة، حاملًا نتائج الخطية وليس إثمها. كان واحدًا مع الجنس البشري إلا في الخطية. كان يسرع مُجربًا في كل شيء مثلنا بلا خطيئة، لأنه قدوس بلا شر".
فكيف مع كل هذا يكون قد ورث الميل إلى الخطية؟! هل في هذا نوع من التناقض. أم يقصدون ورث الميل إلى الخطية دون أن يمارسها بالفعل!!
فإن كان المسيح قد وُلد بميل إلى الخطية - حسب بدعتهم - ما كان ممكنًا له أن يقوم بعمل الفداء فيفدي البشرية كلها.
إذًا عقيدتهم التي ينشرونها هي ضد الفداء الذي هو أساس خلاص العالم كله.
يقولون عن السيد المسيح إنه إن كان لا يشبهنا في كل شيء، لا يكون ذا نفع. نعم إنه يشبهنا في كل شيء ما عدا الخطية. لأنه لو كان لديه ميل إلى الخطية - حاشا - لا يكون حينئذ ذا نفع لنا.
وعلى الرغم من هذا فالسبتيون يؤمنون بالخلاص، والخلاص بالمسيح وحده، الذي جاء ليخلص شعبه من خطاياهم (صـ80 الكتاب يتكلم) ويستخدمون عبارة "ليس بأحد غيره الخلاص" (أع 4: 12)، وأنه "بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ" (1تي2: 6). وأن من مؤهلات الفادي والمخلص: القداسة أو الانفصال عن الخطية (صـ81 الكتاب يتكلم) ويستخدمون قول الكتاب عن المسيح "الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ" (1بط 2: 22).
ومع كل هذا يقولون إنه ورث الخطية الأصلية والميل إلى الخطية. وكان معرضًا للسقوط!! ما أعمق هذا التناقض الذي يعيشون فيه وينشرونه!
وفي تناقض آخر يقولون في (كتاب إيمانهم صـ80): "أخذ يسوع على عاتقه طبيعتنا بكل احتمالاتها. لكنه كان متحررًا من الفساد الموروث أو من الفسوق والخطية الفعلية.. لم يكن لدى يسوع نزعات أو ميول شريرة أو حتى أهواء أثيمة". إذًا ما معنى وراثة الخطية والميل إلى الخطية؟!
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 21 أبريل 2006م
هل الروح مولودة أم مخلوقة؟
هل الروح مولودة أم مخلوقة؟[1]
البعض يثير هذا الموضوع فيقول أنَّ جسد الإنسان هو الذي يولد من الوالدين، ثم يخلق روحًا تحل في هذا الجسد، فيصبح إنسانًا كاملًا.. وهكذا تكون الروح مخلوقة، بينما الجسد هو المولود!!
فمن أين هذا الفكر؟؟ وكيف نادى به بعض اللاهوتيين؟!
الفيلسوف اليوناني أفلاطون قال: "إن الأرواح كانت في عالم المُثل، وهي تهبط لتحل في الأجساد"... وأوريجانوس تأثر بالفلسفة الأفلاطونية. وعن أوريجانوس أخذ كثير من محبيه غير ناظرين إلى أخطائه التي أدت إلى حرمانه من الكنيسة...
ونحن نريد الآن أن نردّ على موضوع خلق الروح..
إنه موضوع قديم.. وقد حسمه القديس أغسطينوس في حواره مع جيروم فقال: لا يمكن أن تكون الروح مخلوقة، وإلاَّ فلماذا نعمد الأطفال؟
1- لو كانت الروح مخلوقة، لا تكون قد ورثت الخطية الجدية الأصلية.
وإن كانت لم ترث الخطية الأصلية، إذًا فما لزوم عمادها؟ في العماد يتبرر الطفل من الخطية الجدية، ويموت الإنسان العتيق الذي ورث الخطية، ليبطل جسد الخطية (رو 6: 6).. ويقوم إنسان جديد قد لبس بر المسيح (غل 3: 27).. فأن كانت الروح الإنسانية هي روح جديدة لا علاقة لها بالإنسان القديم، فما علاقتها بالمعمودية، التي نُدفن فيها للموت مع المسيح (رو 6: 4).. ونقول: "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ" (كو 2: 12).
2- كذلك إن كانت الروح مخلوقة، تكون روحًا غير آدمية أي ليست من نسل آدم. وبهذا تكون لنا طبيعتان: طبيعة آدمية، وطبيعة أخرى غير آدمية.
ولا نستطيع أن نقول إننا من بني آدم.. وكيف إذًا ينطبق علينا قول الكتاب: "بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ" (رو 5: 12). فكيف يُقال قد أخطأ الجميع، بينما هنا أرواح جديدة قد خلقت ولم تخطئ؟!
وحينئذ نقع في خطأ آخر من جهة طبيعة المسيح!
إننا نقول إن طبيعة المسيح هي اتحاد طبيعتين: الطبيعة اللاهوتية مع الطبيعة البشرية.. على أنه لو صح رأى هؤلاء، يكون السيد المسيح من ثلاث طبائع.. لأنه بالإضافة إلى الطبيعة البشرية الآدمية، تضاف طبيعة أخرى غير آدمية هي الروح...
إذًا كيف يمكن أن ندعو المسيح ابن الإنسان؟؟ أي ابن الإنسان الذي أخطأ وحكم عليه بالموت.. وكيف يمكن أن ندعوه "آدم الثاني" حسب تعليم الكتاب (1كو 15: 45) وكيف يكون ابن الإنسان الذي يحمل خطية ذلك الإنسان، وهو لم يأخذ نفس طبيعته؟
3- المعروف إننا ولدنا بنفس الطبيعة الخاطئة الفاسدة.
وليس بروح جديدة طاهرة لم تخطئ.. ولهذا يقول داود في المزمور الخمسين: "لأني هأنذا بالإثم حُبل بي، وبالخطية اشتهتنى أمي"، أين هو هذا الإثم وهذه الخطية، إن كنا نولد بروح جديدة مخلوقة، نزلت من عند الله، لم تعرف خطية بعد؟ إنما يقول: "بالإثم حبل بي"، حينما يكون قد حُبل به بروح خاطئة هي من نسل آدم...
فأن قلنا أنه يتكلم عن خطيئة الجسد، نقع في إشكال آخر وهو:
4- ما ذنب روح بريئة طاهرة، في أن تتحد بجسد نجس خاطئ؟!
وهكذا تتنجس بنجاسته!! ولا تكون نجاسة طبيعية فيها، إنما تكون نجاسة من طبيعة آدم، الذي أخطأ ونحن في صلبه... وكأن فينا طبيعتين إحداهما خاطئة تحت حكم الموت، والأخرى طاهرة ليست تحت حكم الموت.. فما ذنب الروح الطاهرة في أن تتحد على الرغم منها بعنصر الجسد.. كأنه بعروس جميلة طاهرة يزوجونها برجل أبرص، فتتحد به وتأخذ من برصه!! وليس في هذا عدل...
5- والذين ينادون بخلق الروح، يختلفون في وقت خلقها، وفي وقت اتحادها بالجنين..
البعض يقول بعد شهر من الحبل، والبعض يقول بعد 40 يومًا، والبعض يقول بعد 4 شهور، أو بعد كمال تكوينه الجسدي... وهكذا يدخلون في موضوعات فوق مستوى إدراكهم البشري، ولا يمكنهم أن يدخلوها في نطاق العلم ولا في نطاق الدين، ولا يمكنهم إثباتها بنصوص كتابية.. وإنما هي مجرد تكهنات يقدمها بعض رجال الدين كعقيدة، وبعض علماء الأرواح كعلم.
وبهذا يقع هؤلاء وأولئك في مشكلة أخرى وهي:
6- بهذا المعتقد يمكنهم أن يقولوا بجواز الإجهاض في فترات الحمل الأولى
حينما لا يكون إنسان قد تكّون بحسب عقيدتهم، قبل حلول الروح فيه أي يكون مجرد دماء في بطن الأم بلا روح، يمكن إسقاطها دون أن نقول إن إنسانًا قد تم قتله بالإجهاض... وفي هذه الحالة يتوقف تصريحهم بالإجهاض على اعتقادهم في موعد حلول الروح في الجسد - حسب فكرهم - بعد شهر أو 4 أشهر.. والمعروف أن الإجهاض مؤتم من وجهة نظر الدين، ومن وجهة نظر القانون المدني، لأنه يحمل معنى ارتكاب جريمة قتل.
7- إن كان الله يخلق الروح لكل إنسان على حدة، فهل يخلقها على صورته ومثاله كما في البدء (تك1)؟
طبيعي أن الله لا يخلق شيئًا شريرًا.. فأن خلق للمولود الجديد روحًا على صورة الله، فما الحكمة أن يدعها تتحد بجسد خاطئ، ثم بعد الولادة من الأم، تتعمد لكي تكون خليقة جديدة مرة أخرى، لأنه قيل "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ" (2كو 5: 17). فهل يحمل هذا لونًا من الازدواج في الخلق، أو تكرارًا في الخلق، بالنسبة إلى كل إنسان منا. ما معنى أن الله يخلق للإنسان روحًا، يعود فيخلقها روحيًا من جديد بعد بضعة أشهر؟؟
8- وهل غير المؤمنين أيضًا سيخلق لهم أرواحًا جديدة على صورته كشبهه؟
بينما يولد البعض منهم ملحدًا إن كان من أسرة ملحدة، أو يولد عابدًا للأصنام، أو يولد غير مؤمن إن كان من أسرة غير مؤمنة، وهو منذ بضعة أشهر كان له روح على صورة الله كشبهه ومثاله؟؟
9- إننا ننادي بأن الإنسان يلد إنسانًا من نوعه.. وتحبل المرأة بابن من نفس نوعها..
وهكذا كل الكائنات الحية تنتج نسلًا، أو ثمرًا، من نفس النوع، من نفس الجنس.. وهكذا الإنسان بلا شك.. نسله فيه من نفس الطبيعة.. ما دام الإنسان له روح يكون نسله له روح من نفس وقت الحبل به.
ولكن الذين يقولون بعقيدة خلق الروح، لهم آراء لا مانع من أن نناقشها معهم...
إن الله هو أب للإنسان كله، جسدًا وروحًا.. وهكذا دعيّ في الكتاب أبًا لنا، وليس لأرواحنا فقط.. ويحتج هؤلاء بالآيات التي وردت فيها "جابل الروح" (زك 12: 1). وما أشبه من عبارات الخلق. فنقول إن الإنسان كله يعتبر مخلوقًا، باعتباره مولودًا من مخلوق.. وليس المقصود خلقًا مباشرًا له. والأمثلة عديدة..
يقول الكتاب: "فَاذْكُرْ خَالِقَكَ فِي أَيَّامِ شَبَابِكَ" (جا 12: 1) بينما هو يكلم إنسانًا مولودًا، ولكنه من نسل مخلوق فيعتبر مخلوقًا.. ويقول الرب لتلاميذه: "اكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر 16: 15).. بينما كلهم مولودون، ولكنهم من نسل مخلوق.. ويقال في سفر الرؤيا: "لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ" (رؤ 4: 11). كل البشر يعتبرون مخلوقين، لأنهم من أصل مخلوق.. مع أنهم مولودون من آباء وأمهات، ولم يخلقوا مباشرة.
فيقول الكتاب: "لِيَعْلَمَ كُلُّ النَّاسِ خَالِقَهُمْ" (أي 37: 7). ويقول: "لِيَفْرَحْ إِسْرَائِيلُ بِخَالِقِهِ" (مز 149: 2)، وأيضًا "نَجْثُو أَمَامَ الرَّبِّ خَالِقِنَا" (مز 95: 6). نعم "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا" (أف 2: 10).. الكل مخلوقون كبشر، ليس كأرواح فقط...
الإنسان كله يعتبر مخلوقًا، مع أنه مولود من امرأة.
[1] من كتاب الأرواح بين الدين وعلماء الروح، قداسة البابا شنوده الثالث
الفصل الثالث أسئلة
ما الحكمة في أن يخلق الله آدم وهو يعلم أنه سيسقط؟
سؤال
الله لم يُفاجأ بسقوط آدم في الخطية وعصيانه لأوامره لأنه كان يعلم مقدمًا بهذا السقوط كما قال يعقوب: "مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ" (أع 15: 18). إذًا ما الحكمة في أن يخلق الله آدم وهو يعلم أنه سيسقط في الخطية وبالتالي نرث الخطية معه إلى آخره؟
الجواب
أنا فاكر زمان عندما زرت روسيا عام 1972م لأول مرة، كنا عاملين على ما أظن مائدة طعام وكان معنا وزير الأديان يعني البطريرك والمطارنة ووزير الأديان فأنا جعلت الجلسة دينية، وبقيت أتحدث عن آيات الكتاب المقدس ودخلنا في خطية آدم، فوزير الأديان سألني سؤال - هو نفس هذا السؤال – قال لي: "إذا كان ربنا يعرف بأن آدم سيسقط قبل ما يخلقه فلماذا خلقه"؟
فقلت له: "نصف الحقيقة إن الله كان يعلم إن آدم سيسقط، والنصف الثاني إن ربنا كان يعلم أنه سوف يخلص آدم. يعني كان عارف النصفين؛ عارف إن آدم سيسقط، وعارف إن هو سيخلص آدم من السقوط فخلقه لأنه كان قد أعَدّ له طريق الخلاص من الخطية قبل أن يُخطئ. فنظر إليَّ وقال: "لقد أرحتني كثيرًا في هذه النقطة"، وانتهينا على ذلك، لأن نحن لا نأخذ نصف الحقيقة ونقول: ربنا كان عارف آدم إنه سيسقط!! حقًا، كان يعرف أن آدم سيسقط ولكنه يعرف أيضًا أنه سيخلص آدم.
هل ورثنا الخطية الجدية؟
هل ورثنا الخطية الجدية؟[1]
سؤال
هل ورث الإنسان خطية آدم نفسها، أم ورث الطبيعة الفاسدة التي نتجت عن هذه الوصية؟
الجواب
أستطيع أن أقول: ورث كليهما...
انظر ماذا يقول القديس بولس الرسول فى رسالته إلى رومية:
"مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ" (رو5: 12) لاحظ عبارتي "دخلت الخطية إلى العالم"، "أخطأ الجميع".
ويقول أيضًا: "بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ" (رو5: 15). ويقول كذلك: "بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ" (رو5: 17). "بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ" (رو5: 18).
وانظر بالأكثر إلى هذه العبارة الواضحة:
"بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً" (رو5: 19).
هنا لا يتكلم عن فساد الطبيعة البشرية، وإنما عن خطية الواحد، ومعصية الواحد، وعن خطية واحدة. وبسببها اجتاز الموت إلى جميع الناس... أما عن الفساد فتعبر عنه عبارة "دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ" (رو5: 12).
ولعلك تقول: وما ذنبنا نحن؟ فأجيبك بأمرين:
1- لقد كنا في صُلب آدم حينما أخطأ. فنحن لسنا غرباء عنه، وإنما جزء منه.
وبنفس التفسير يتحدث بولس الرسول عن أفضلية الكهنوت الملكي صادقي على الكهنوت الهاروني بأن هارون "كَانَ بَعْدُ فِي صُلْبِ أَبِيهِ حِينَ اسْتَقْبَلَهُ مَلْكِي صَادَقَ" (عب7: 10). كذلك حينما بارك ملكي صادق إبراهيم، كان هارون في صلبه. وعندما دفع العشور لملكي صادق كان هارون في صلبه (عب7).
2- عملية الفداء تحل مشكلة عبارة "ما ذنبنا نحن؟"
اذكر أيضًا قول داود النبي في المزمور الخمسين: "لأني هأنذا بالإثم حبل بي، وبالخطية اشتهتني أمي" (مز50). إن الزواج مكرّم، وهو سر من أسرار الكنيسة. ولكن أمهاتنا ولدتنا والخطية الأصلية فيهن... وإلا، فإننا نسأل سؤال عقيديًا هامًا، وهو:
لماذا إذًا نعمد الأطفال؟
لأنهم ورثوا الخطية الأصلية الجدية، وعاقبتها الموت... والإنسان الكبير السن حينما ينال سر المعمودية، ينال غفران الخطية الجدية، التي ورثها عن جدية آدم وحواء. وأيضًا الخطايا الفعلية التي ارتكبها قبل المعمودية بسبب فساد طبيعته البشرية.
* * *
[1] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19 يوليو 1991م.
ما معنى أن الله يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، ما ذنب الأبناء؟
ما معنى أن الله يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، ما ذنب الأبناء؟[1]
سؤال: ما معنى إن الله يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، ما ذنب الأبناء؟ ولماذا ورثنا خطية آدم وحواء مع أننا لا دخل لنا بها؟ وهل معنى ذلك أننا ورثنا كل خطايا أجدادنا الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم؟ حقًا، أشكر المسيح الذي حمل الخطية الجدية التي لم أدرِ بها حين فُعلت، ولم أدرِ بها حينما خلصني منها.
الجواب:
إن الخطايا الشخصية غير الخطايا الجدية، لا نرثها من آبائنا ولا من أجدادنا نهائيًا، ولا ذنب لنا فيها. كل الخطايا الفعلية الشخصية أنت لا ترثها؛ خطايا آبائك وأجدادك.
وهذا الكلام ورد في سفر حزقيال يقول: "اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ، وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ" (حز 18: 20)، لأنهم سألوا سؤال لماذا يُضرب هذا المثل إن: "الآبَاءُ أَكَلُوا الْحِصْرِمَ وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ؟"(حز 18: 2) فقال: "حيٌ هو الرب، إن هذا المثل لا يُقال مرة أخرى" هذه وردت في (حز18: 1، 2) ثم بعد ذلك بدأ يشرح.. فالخطايا الفعلية التي يفعلها الأب أو الأم لا يرثها الابن.
فلماذا إذًا ورثنا خطية آدم؟
عندما أخطأ آدم، كنا نحن في صُلبه، ولما أخطأت حواء كنا نحن بويضات في داخلها.. لو إن آدم أخطأ بعدما أنجب أولادًا، كان الأولاد الذين أنجبهم في البداية لم يرثوا الخطية، لكن الأولاد الذين كانوا في دالخه، في صلب آدم وحواء محكوم عليهم بالموت فهم جزء من آدم وجزء من حواء. وبالطبع، عندما حُكم على آدم بالموت، حُكم بالموت على جميع الحيوانات المنوية الموجودة فيه.. وعندما حُكم على حواء بالموت، حُكم عليها وعلى جميع البويضات التي فيها.
كنا جزء من آدم وجزء من حواء عندما أخطأوا وعندما حُكم عليهم بالموت.. هذه غير الخطية الفعلية العادية التي لا ذنب لنا فيها!
ولذلك، عندما تقول: "لماذا ورثنا خطية آدم وحواء مع أننا لا دخل لنا بها" فهذا السؤال خطأ! "كيف لا دخل لنا بها؟!" نحن كنا جزء من آدم وحواء.
وهل معنى ذلك أننا ورثنا كل خطايا أجدادنا؟
بالطبع لا، لا دخل لنا بهم أبدًا.. لأن هذه خطايا فعلية شخصية لم نكن نحن داخلهم.
وعلى كل حال عبارة "لا ذنب لنا فيها" هذه تم حلها بأن ربنا فدانا وخلصنا من عقوبة تلك الخطية. فأنت لماذا تذكر "ذنب" لأن الله محا ذنبنا، يقول: "كنا أمواتًا بالذنوب والخطايا والمسيح خلصنا"(أف 2).
* * *
[1] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث، في عظة بعنوان السلام والاطمئنان جـ1، بتاريخ 28 أغسطس 1996م
هل الفداء لم يحررنا من وراثة الخطية الأصلية؟
هل الفداء لم يحررنا من وراثة الخطية الأصلية؟
سؤال
هل الفداء لم يحررنا من وراثة الخطية الأصلية[1]؟
الجواب
بلى، إن الفداء حررنا من عقوبة الخطية الأصلية لكن وراثة الخطية هذه مسألة في دمنا، لأن نحن كان محكوم علينا بالموت ونحن في صُلب آدم وحواء، أي إن آدم عندما حُكم عليه بالموت؛ حُكم عليه بالموت هو وكل ما فيه من الحيوانات المنوية التي في جسمه وحواء حُكم عليها بالموت هي وكل البويضات الموجودة في جسمها. الموجودة والتي ستتكوّن، وهو أيضًا الموجود والذي سيتكون.. فنحن كنا جزء من آدم عندما حُكم عليه بالموت وكنا جزء من حواء عندما حُكم عليها بالموت، فمحكوم علينا بالموت قبل أن نولد. فلا بد أن ننجو من الموت بالفداء[2].
[1] نصلي في القطعة الأولى من صلاة الساعة السادسة في الأجبية ونقول: "يا من في اليوم السادس وفي الساعة السادسة سمرت على الصليب، من أجل الخطية التي تجرأ عليها أبونا آدم في الفردوس، مزق صك خطايانا أيها المسيح إلهنا وخلصنا..."(الناشر).
[2] القديس كيرلس الكبير يقول: "لأن الخطية ملكت على كل من على الأرض، لذا انجذب كثيرون من الأحداث إلى الشرور كما هو مكتوب (تك5:6)، وقد أصر الجميع تمامًا على تحقيق كل ما يريدونه، وهكذا وجدنا أنفسنا حتمًا محبوسين لقضاء. سوف تفهم هذه بسهولة جدًا عندما تتفكر في أننا صرنا شركاء مخالفة آدم، ومن جراء أخطائه عوقبنا، إذ طالت اللعنة الجميع والغضب امتد على نسله. للذلك تنازل وحيد الجنس وأخضع ذاته لله الآب وصار إنسانًا وسكن بيننا. لأنه يقول: "وأطاع حتى الموت" (في8:2)، ماحيًا نتائج عصيان الكل، وعصيان كل واحد على حدة، وبهذا قد خلصنا (صـ140 وصـ461 عن كتاب السجود والعبادة بالروح والحق، للقديس كيرلس عمود الدين، ترجمة جورج عوض إبراهيم، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد بطرس).
القديس أغسطينوس
القديس أغسطينوس[1]
(354-430م)
نشأته
القديس أغسطينوس من أشهر قديسي التوبة. وُلد سنة 354م وتنيح سنة 430م عن 76 عامًا.
ولد في الجزائر في شمال إفريقيا في مدينة ثاغسطا. وتعمد سنة 387م وعمره حوالي 34عامًا. وكان رافضًا العماد في صغره. لأنه أراد حينما يعتنق المسيحية أن يكون ملتزمًا بكل تعاليمها. وهو لم يكن ملتزمًا بذلك في صغره.
وكونه تعمد سنة 387م فهذا يعني أنه لم يحضر المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقية سنة 325م، ولا المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية سنة 381م. ولا المجمع المسكوني الثالث المنعقد في أفسس سنة 431م، لأنه تنيح قبل انعقاده بعام. لكنه حضر مجمع أفريقيا الذي عُقد في قرطاجنة حينما كان أسقفًا.
رُسم القديس أغسطينوس قسًا سنة 391م بيد فاليريوس أسقف هبو Hippo الذي استعان به ليكون أسقفًا مساعدًا له سنة 395م. ثم صار أسقفًا لهذه الإيبارشية (هبو) بعد نياحة أسقفها سنة 395م.
وهذا يرينا أن وظيفة أسقف مساعد كانت موجودة منذ القرن الرابع، وكذلك ترقية الأسقف المساعد إلى أسقف إيبارشية.
كان القديس أغسطينوس شابًا في منتهى الذكاء في صغره. كان متفوقًا على زملائه في الدراسة. وكان رقيق الطبع جدًا.
درس التعليم الابتدائي في بلده. ثم أرسلوه إلى معهد مادورا بعيدًا عن والديه، وعاش في حياة الطياشة مع أصحابه.
ثم درس التعليم الجامعي في قرطاجنة. درس الخطابة والفصاحة والقانون. ولكنه رفض أن يكون محاميًا، إذ قال إن المحامين كثيرًا ما يلجأون إلى الكذب لكسب قضاياهم (طبعًا ليس كلهم).
تعلم الفصاحة والحساب والهندسة، والموسيقى (بدون معلم). وبعد أن أنهى دراسته في قرطاجنة، أنضم إلى المانيين. والمانيون هم أتباع ماني المهرطق. كذلك درس أغسطينوس الفلسفة الأفلاطونية الحديثة Neoplatonism. وعاد إلى بلده ليكون مدرسًا للفصاحة.
كان بينه وبين تلاميذه محبة كبيرة. بينما كثير من أساتذة عصره كانوا يتعالون على الطلاب ولا يختلطون بهم. بل علاقتهم بهم هي في فصول الدراسة فقط. أما أغسطينوس فلم يكن كذلك. كان يختلط بتلاميذه. وكانوا يحبهم ويحبونه.
ثم سافر إلى روما. ولم يستقر بها، فسافر إلى ميلانو. وفي ميلانو بدأت الخطوات الأولى لتغيير حياته، إذ تعرف على أسقفها القديس أمبروسيوس، الذي كان واسع العلم وفصيحًا جدًا.
كانت محاضرات القديس أمبروسيوس ذات تأثير كبير في النفوس. وقد تأثر به أغسطينوس جدًا. كما تأثر بكاهن شيخ هناك. وبدأ يعد نفسه للعماد. وإذ كان محبًا للبحث عن الحقيقة، أخذ قبل عماده فترة خلوة، يجلس فيها إلى نفسه، ويبحث عن الحقيقة. وقد تأثر بأشياء دفعته إلى التوبة.
توبته
أستطيع أن أذكر أربعة أمور دفعته إلى التوبة.
أول شيء هو دموع أمه القديسة مونيكا من أجله. كانت تبكي كثيرًا من أجله، وترجو الله أن يعود إليه. وكان القديس أمبروسيوس يقول لها: "إنَّ ابن هذه الدموع لن يهلك".
الأمر الثاني الذي دفعه إلى التوبة هو مرارة الخطية. إن الخطية – على الرغم مما فيها من لذة – فيها أيضًا مرارة. ولا بد لمن يعيش فيها، أن يأتي وقت يملها ويتعب منها.
الأمر الثالث الذي دفعه إلى التوبة هو حياة التأمل التي عاشها وهو يبحث عن الحقيقة. وقد دعاه أحد أصدقائه إلى قراءة سيرة القديس أنطونيوس التي كتبها القديس أثناسيوس إلى أهل رومية باسم Vita Antonii. قرأها أغسطينوس وتأثر بها جدًا، لأنه وجد فيها جوًا روحيًا يسمو على المتع العالمية التي كان منغمسًا فيها. تأثر أيضًا برسائل القديس بولس الرسول، وبخاصة الرسالة إلى رومية (رو 13: 11-14) الذي يقول فيه: "أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا. قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ. لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ..".
تأثر أغسطينوس أيضًا بعظات القديس أمبروسيوس. ولما طلب من هذا القديس نصائحه وعرض عليه رغبته في التوبة وفي العماد، نصحه القديس بقراءة سفر إشعياء النبي.
إشعياء النبي يبدأ سفره بعتاب من الله للناس يقول فيه: "اِسْمَعِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَأَصْغِي أَيَّتُهَا الأَرْضُ، لأَنَّ الرَّبَّ يَتَكَلَّمُ رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ" (إش 1: 2). ويوجد عتاب آخر للرب في نشيده للكرمة، الذي يقول فيه: "وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا، احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْهُ لَهُ؟ لِمَاذَا إِذِ انْتَظَرْتُ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا، صَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا؟" (إش 5: 3، 4).
سفر إشعياء النبي يسمونه الإنجيلي، لأن فيه أشياء عن ميلاد المسيح من عذراء وعن لاهوته (إش 7 و9). وفيه كلام عن الإيمان بالله من إصحاح 42 إلى 48. ويقول فيه الرب: "أَنَا هُوَ قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ" (إش 43: 10). وفي سفر إشعياء أيضًا كلام عن آلام المسيح وحمله لخطايانا (إش 53).
بالإضافة إلى كل ما ذكرناه، تأثر بالتأمل والصلاة. إنه يمثل الشخص الذي لم تستطع الفلسفة أن تقوده إلى الله. إنما قاده التأمل والصلاة والسيرة الحسنة التي للقديسين.
ومن أمثلة تأملاته وصلواته ومشاعره قبل توبته وبعدها، قوله: "عجبت من الدخان الكثيف المتصاعد من براكين الشهوة الجسدية، هذا الدخان الذي يحجب عنا رؤية الله". ثم يتكلم عن مرارة الخطية، فيقول لله: "أنت إلى جواري مازجًا حلاوة طيباتي المحرمة بمرارة. لعلني ألتمس لذة خالية من المرارة. وأين توجد هذه اللذة إلا عندك". ويقول له أيضًا: "أنت تدمينا لتشفينا. تهلك منا الجسد، لتحيي فينا الروح".
أمور كثيرة من هذه تجدونها في كتابه (الاعترافات). وبخاصة في الفصل التاسع منه، ويقول للرب: "كنت يا رب معي، ولكنني من فرط شقاوتي لم أكن معك"، "تأخرت كثيرًا في حبك أيها الجمال الفائق".
وكان يصرخ إلى الرب بقول المزمور: "إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ النِّسْيَانِ؟ إلى الانقضاء" (مز12). إلى متى أقول غدًا غدًا ولا أقول الآن؟! ثم قال لله: "تركتنا حينًا. فمن يصلح بيننا؟ أي وسيط؟ الوسيط بين الله والناس يلزم أن يكون شبيهًا بالله وبالناس. لو كان شبيهًا بالله فقط لصار بعيدًا عن الناس. ولو كان شبيهًا بالناس فقط لصار بعيدًا عن الله. ووصل إلى أن الوسيط الحقيقي هو يسوع المسيح، الإله المتأنس الذي ظهر بين الخطاة المائتين، وهو بار غير مائت. هو مائت مع البشر، وبار مع الله".
ولما أوصله الله إلى التوبة، قال له: "ها إني قد وجدتك. كنت داخلي وأنا أطلبك خارجًا عني. كنت أفتش عليك في أشياء خارجة، ثم وجدتك في نفسي وفي قلبي". ثم شكر الله بقول المزمور: "حَلَلْتَ قُيُودِي فَلَكَ أَذْبَحُ ذَبِيحَةَ حَمْدٍ" (مز 116: 16، 17).
تطوّر فكره
لما تاب أغسطينوس، بحث عن العماد وتعمد. ثم بدأ فكره يتطور. يتطور من الفلسفة إلى اللاهوت. ولم يكن هذا الأمر سهلًا. عقل جبار جدًا مثل عقل أغسطينوس، كيف يتحول إلى عقل روحاني، فيه التأمل العجيب، وفيه عمق الروح، وليس فيه تعقيد العقل.
في أول حياته في التوبة، كان يحاول أن يتخلص من الفلسفات التي في ذهنه، من جهة الأفلاطونية الحديثة، والمانوية. ثم تدرج إلى أن أصبح يتكلم عن اللاهوتيات بأسلوب فيه روح الأفلاطونية الحديثة.. إلى أن بدأ يتكلم عن لاهوتيات محضة مثل كتابه عن (الثالوث) أو كتابه (مدينة الله).
في الأول كان يتحاور حوارات لاهوتية وفكرية في السنة الأولى بعد عماده، مع أسرته وأصحابه. وكانت تتكون من أمه القديسة مونيكا، ومن ابنه ديوداتس (ابنه من الفساد طبعًا)، كذلك كان يتحاور مع أخيه ومع صديقه أليبوس. أخيرًا الفيلسوف الذي فيه، خضع للاهوتي الذي صار إليه.
صفاته
بدأ يتصرف كلاهوتي. وقبل أن أدخل في هذا الموضوع أود أن أقول إن أغسطينوس له صفات متعددة: منها الذكاء، والدقة العجيبة، وإنه لاهوتي، وفيلسوف، وفيما بعد صارت له صفة الكهنوت.
وقبل الكهنوت كانت له صفة الواعظ. وعمومًا له صفة رجل التأملات، ومفسر الكتاب. واستطاع أن يحيا حياة رهبانية فيها الوحدة والخلوة. فيها لجأ الناس إليه، فصار أب رهبنة. لقد باع كل ما له بعد وفاة أمه ووزع المال على الفقراء، وعاش فقيرًا راهبًا.
ويمكن أن نقول إن له صفة أخرى وهي كاتب ومؤلف. مؤلفاته بلغت 260 مؤلفًا. نفرق فيها بين مؤلفاته الأولى في حياة الفلسفة ومدرسة الفصاحة التي نشكر الله أنه لم يبق لنا منها الكثير.. ثم أيضًا مؤلفاته بعد أن صار كاهنًا وأسقفًا.
ومؤلفاته منها الكتب الروحية، واللاهوتية، وردوده على الفلسفات وعلى الهرطقات. وقبل أن أدخل في تفاصيل هذا كله، أذكر كتابين فيهما روح الاتضاع بعمق. وأولهما (الاعترافات) Confessions.
كتاب الاعترافات
إنه بخور عطر في حياة هذا الإنسان. يحرص كل شخص أن يعترف سرًا على أحد الآباء الكهنة. وسمعنا عن بعض القديسين أنهم اعترفوا علانية كالقديس موسى الأسود. ولكن القديس أغسطينوس انفرد بأنه اعترف على العالم كله. وليس فقط على الجيل الذي عاش فيه، إنما حتى على الأجيال التي أتت بعده. في كتاب كلنا نقرأه.
ما كان أحد يستطيع أن يعرف خطايا أغسطينوس في حياته كلها، لولا أنه كتبها، وكشف نفسه. كشف ضعفاته وسقطاته. وكشف انحرافه إلى الوثنية والمانوية في حياة الفلسفة في عشرة الشباب. وكذلك إنجابه ابنًا من علاقة غير شرعية.
وفي عمق وروحانية كشف عما لم يكن يعرفه من أخطائه. فمثلًا قال: أنا لا أذكر خطاياي وأنا طفل رضيع. ولكنه استنتج ذلك من أخطاء الأطفال والرضع الذين يراهم. فكثير منهم يزعجون غيرهم ببكائهم وصراخهم. وكثير منهم شديدو الغيرة جدًا، يغارون من الأطفال الآخرين، ويريدون أن كل شيء يكون لهم! فقال أغسطينوس: "لا بد أنني كنت هكذا وأنا طفل".
كان أغسطينوس أمينًا في اعترافاته ومتواضعًا وصادقًا.
لقد تاب توبة صادقة لم يخفِ فيها شيئًا مما فعله. ولم يمنعه الخجل من كشف أخطائه. بل كان خيرًا له أن يكشف نفسه ويخجل. كما كان يشرح حيرته وتساؤلاته في سعيه إلى الله.
والعجيب أنه كتب اعترافاته بعد أن صار أسقفًا. نشر اعترافاته سنة 397م. بعد أن صار راهبًا وكاهنًا وواعظًا ومؤلفًا. وبعد أن صار أسقفًا للإيبارشية سنة 396م. وفي نشر اعترافاته لم يفقد احترام الناس له. بل أعجبوا بأمانته واتضاعه. وأصبح كل إنسان يستطيع أن يجد تجاوبًا مع القديس أغسطينوس في كتابه (الاعترافات). هناك كتاب آخر يدل على اتضاعه وهو كتاب التراجعات.
كتاب التراجعات Retractations
هو كتاب أصدره في السنوات الأخيرة من حياته ربما سنة 427م أو سنة 428م (هو تنيح سنة 430م). ما معنى هذا العنوان؟ إنه لون آخر من تواضع القديس أغسطينوس. إذ بدأ يراجع نفسه في ما كتبه من قبل. ويرى هل هناك خطأ فيما سبق أن كتبه أو علّم به؟! ويحتاج الأمر منه إلى تصحيح. ففي هذا الكتاب بدأ يصحح في كتاباته الأولى ما يراه في حاجة إلى تصحيح. سواء ما كتبه قبل أسقفيته أو أثناءها. صحح ما يبدو له ضعيفًا أمام نضوجه في المعرفة. أو ما يراه باطلًا أو غامضًا، أو بعيدًا عن التعليم الصحيح.
في كتابه (الاعترافات) اعترف بضعفاته في حياته الشخصية وسلوكياته وفي كتابه (التراجعات) اعترف بأخطائه الفكرية أو ما رآه كذلك.
أراد قبل أن يموت أن يعطي حسابًا لله عن كل شيء. تذكر في كتابه قول الوحي الإلهي: "كَثْرَةُ الْكَلاَمِ لاَ تَخْلُو مِنْ مَعْصِيَةٍ" (أم 10: 19). وكأنه يقول للرب: "أنا - كمعلم وكأسقف – تكلمت كثيرًا. فربما يوجد في كلامي شيء من المعصية - وهأنذا اتراجع عنه". إنه تواضع منه.
وتذكر أيضًا عبارة: "لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا" (1كو 11: 31). فبدأ يحكم على نفسه ويدين نفسه، قبل أن يُدان أمام الله. كتابه (الاعترافات) كان في أول حياته الإيمانية والرعوية. وكتابه (التراجعات) أو التصحيحات، كان في أواخر حياته كأسقف لكي يكون نظيفًا أمام الله سلوكًا وفكرًا.
باقي كتاباته
له رسائل عديدة حوالي 270 رسالة كتبها من سنة 386م من أول عماده وتوبته إلى سنة 429م قبيل وفاته. تمثل إجابته على تساؤلات عصره، وتمثل قلبه الكبير الذي يجد فيه كل أحد مجالًا، كما قال بولس الرسول: "صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ" (1كو 9: 22). رسائله تحتاج بلا شك إلى دراسة، لكي نلخصها.
له أيضًا دراساته اللاهوتية: مهاجماته للمانوية والغنوسية والبيلاجية.
وعلى المونتانيين، والإلحاد والوثنية، والقائلين بوجود إلههين: إله للخير وإله للشر. وفي رده على البيلاجيين تعرض كثيرًا لموضوع (النعمة). حتى أن بعض اللاهوتيين يسمونه "قديس النعمة".
وله أيضًا حوار مع القديس جيروم، وبخاصة حول (أصل النفس).
هل النفس مولودة مع الإنسان أم مخلوقة، منحها الله للجسد من عنده، وكان أغسطينوس يعارض جيروم في كونها مخلوقة. وقال عبارته المشهورة: "لو كانت النفس مخلوقة – أي إنها مُنحت بلا خطية – فلماذا إذًا نعمد الأطفال؟!".
والقديس أغسطينوس من أكثر القائلين بوراثة الخطية الأصلية. ورثناها عن أبوينا الأولين آدم وحواء. وما دام الطفل قد ورث الخطية الأصلية، إذًا هو في حاجة إلى العماد. على أن القديس أغسطينوس في رده على القديس جيروم عن أصل النفس، لم ينشر هذا الرد إلا سنة 419م بعد وفاة جيروم، لكي لا يجرحه. وقد لحقه بعد 11 سنة.
وللقديس أغسطينوس كتابات أخرى عن الثالوث، وعن الأسرار، وعن الإيمان، وعن الزواج، وعن حرية الإرادة. وله كتاب عن "تعليم المبتدئين في أصول الدين"، وله كتاب آخر عن "المعلم" أو "المربّي". وتحدث عن المسيح باعتباره المعلم المعصوم في تعليمه.
وله أيضًا كتب في التفسير نذكر من بينها تفسير القديس أغسطينوس للمزامير، وتفسيره لرسالة يوحنا الأولى، وتفسيره للعظة على الجبل، ولفصول عديدة من الأناجيل. وهو معروف بأنه أحد قادة مدرسة (التفسير الرمزي). وكنت وأنا شاب مبتدئ في الرهبنة أود أن أضع كتابًا عن "فلسفة الأرقام في تفسير القديس أغسطينوس". وهو موضوع طويل.
ومن أشهر كتبه "مدينة الله". كتبه ما بين سنة 413م، وسنة 426م. بعد غزو روما. وهو مؤلف ضخم يشمل في داخله 22 كتابًا. يتحدث فيه عن مدينة العالم التي ستتحطم، ومدينة الله التي تبقى إلى الأبد.
ومن كتبه أيضًا "ضد الأكاديميين" Contra Academicos
كتبه سنة 386م. يقول فيه إن الإنسان لا يمكن أن يصل إلى الحق الكامل. وأقصى ما يصل إليه هو الاحتمالات إلى الوصول إلى الحق، إلى معرفة الله الكاملة، الله الذي هو الخير الأعظم. ما أكثر مؤلفات أغسطينوس، وما أعمقها فكرًا وروحًا!
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 28 سبتمبر2001م



