موسوعة اللاهوت المقارن – الجزء الثاني – الرد على الأريوسيين

| الكتاب | موسوعة اللاهوت المقارن الجزء الثاني لاهوت السيد المسيح – محاضرات في الرد على الأريوسيين |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الثانية، أكتوبر 2025م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 3035 / 2019 |
| الترقيم الدولي | 978-977-90-6090-3 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم موسوعة اللاهوت المقارن:
الجزء الثاني – لاهوت السيد المسيح، "محاضرات في الرد على الأريوسيين"
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
بين يديك عزيزي القارئ الجزء الثاني من موسوعة البابا شنوده الثالث في اللاهوت
وهذا الكتاب هو الذي نوهنا عنه في الجزء الأول "مقدمات في اللاهوت المقارن"، في تصنيف هذه الموسوعة. وفي هذا الجزء يتناول قداسته إثبات ألوهية السيد المسيح، من خلال الرد على الآيات التي أساء فهمها الأريوسيين حول لاهوت المسيح.
وتلك المحاضرات والمقالات، كان قداسته قد قام بمناقشتها وشرحها في وقت مبكر، إذ تبدأ هذه المقالات والردود على الأريوسيين منذ أن كان قداسته الشاب نظير جيد، حيث قام قداسته بإثبات لاهوت السيد المسيح في الردِ على شهود يهوه في عامي 1953م – 1954م، وقد تم نشر تلك الردود على شهود يهوه في مجلة مدارس الأحد في ذلك الوقت، ثم واصل قداسته شرح وتفنيد الفكر الأريوسي، بعد أن ترهب ثم صار أسقفًا للتعليم، وخلال فترة حبريته على الكرسي المرقسي، حيث كان قداسته يُدرّس مادة اللاهوت المقارن لطلبة الكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية ومعهد الرعاية والتربية.
ولقد شرح قداسته، وفنّد، وردّ على الفكر الأريوسي، مستندًا في ذلك إلى الكتاب المقدس وأقوال الآباء الذين تناولوا الرد على تلك البدعة.
ولقد أشار قداسته في تلك المحاضرات إلى الآباء الذين ردوا وفنّدوا تلك البدعة، وأورد قداسته المراجع التي يجب أن نرجع إليها، ومن الآباء الذين أشار قداسته إليهم:
- البابا أثناسيوس الرسولي وخاصة في مؤلفه (ضد الأريوسيين).
- القديس هيلاري أسقف بواتييه في مؤلفه (عن الثالوث).
- القديس كيرلس الكبير، (حوار حول الثالوث)، (الكنوز في الثالوث).
- القديس كيرلس الأورشليمي في كتابه (التعليم المسيحي).
- القديس باسيليوس الكبير في كتابه (ضد أونوميوس).
- القديس غريغوريوس أسقف نيصص في كتابه أيضًا (ضد أونوميوس).
- القديس يوحنا ذهبي الفم، وخاصة في تفسيره لإنجيل يوحنا، وفي تفسيره لإنجيل متى العظة (77).
- القديس أمبروسيوس أسقف ميلان في كتابه (عن الإيمان)، وخاصة الكتاب الخامس.
- القديس مار أفرام السرياني في أشعاره.
- القديس جيروم.
- القديس أغسطينوس.
- القديس إيريناؤس (ضد الهرطقات) خاصة الكتاب الثاني.
ولقد قام المركز بتوثيق شرح قداسة البابا مع كتابات الآباء الذين أشار إليهم، وقد رصد الباحثين تطابق تام وتوافق مذهل بين تعاليم قداسته مع تعاليم الآباء القديسين الذين تعرضوا للمشكلة الأريوسية، ولا يوجد فصل من فصول هذا الكتاب (الرد على الأريوسيين) إلاَّ وستجد فيه العديد من المراجع الآبائية موثقة مع فكر قداسة البابا.
ونظرًا للمراجع الكثيرة جدًا التي رصدت هذا التوافق، اكتفينا بما أوردناه في كل فصول الكتاب، وذلك للحفاظ على حجم الكتاب.
ولأن قداسته تكلم في تلك الآيات مرارًا كثيرة جدًا، لذا قمنا بإيراد المحاضرة التي تتكلم عن الآية موضع النقاش، وأشرنا إلى المحاضرات الأخرى التي تكلم فيها قداسته عن نفس الآية في تواريخها المحددة، وذلك لمن يرغب الرجوع إليها.
وهذا الكتاب الذي بين يديك:
يحتوي الفصل الأول منه على فصل تمهيدي يتكلم قداسته فيه عن المشكلة الأريوسية وعن كتابات الآباء اللاهوتية، وخاصة الذين تناولوا الرد على الفكر الأريوسي، ثم يتطرق قداسته للحديث عن أريوس وكيف سقط ومن أين أتت تلك البدعة؟ ثم بعد ذلك يورد قداسته نقاط جوهرية يجب أن نضعها أمامنا في الحوار مع الأريوسيين.
أما الفصل الثاني؛ فهو يوضح كيف أن الهرطقة الأريوسية استخدمت الآيات التي قيلت عن لاهوت السيد المسيح، استخدامًا خاطئًا، وأوضح قداسته ضرورة معرفة ما قيل عن طبيعة السيد المسيح الناسوتية، وما جاء عن طبيعته اللاهوتية، لكي لا نُسيء فهم تلك الآيات. ثم أورد قداسته مجموعة من تلك الآيات التي أساء فهمها الأريوسيون (23 آية)، ويختم قداسته هذا الفصل بالمراجع الآبائية الهامة التي يجب الرجوع إليها عند دراسة المشكلة الأريوسية.
أما من الفصل الثالث وحتى الفصل التاسع عشر فقد فنّد قداسته تلك الآيات، وقام بشرحها والرد على الفهم الخاطئ لها.
والملاحظ في أسلوب قداسة البابا شنوده في الرد على الأريوسيين، أنها نفس الطريقة التي اتبعها القديس أثناسيوس الرسولي في كتابه: (الرد على الأريوسيين؛ عبارة عن ثلاث مقالات). حيث قدم القديس أثناسيوس في المقالة الأولى مُلخصًا لتعاليم البدعة الأريوسية، ثم في المقالتين الثانية والثالثة يكمّل شرح النصوص التي يستند عليها الأريوسيين ويفندها ويرد على فهمهم الخاطئ لها.
أيضًا القديس هيلاري أسقف بواتيه في كتابه (عن الثالوث) وهو يتكون من 12 كتاب، قام القديس هيلاري في الكتاب الأول بتقديم تمهيد بشرح مبسط عن الطبيعة الإلهية، أما الكتاب الثاني فقد حوى مقدمة عن العلاقة بين الآب والابن، والكتاب الثالث دحض ادعاءات الأريوسيين بأن الابن أقل من الآب، ثم يتدرج في باقي الكتب في تفنيد والرد على الأريوسيين.
وهذا نفس المنهج الذي سار عليه قداسة البابا في الرد على الأريوسيين. وقد أكّدت كتابات قداسته اللاهوتية على أن كنيستنا كنيسة تقليدية Traditional ومحافظة Conservative، تحافظ على الإيمان الرسولي، وأنه لا ابتداع في اللاهوت ولا نقل للتخم القديم الذي للآباء.
وأن الإيمان في الكنيسة واحد ومصدره الكتاب المقدس، ثم أقوال الآباء وقوانين المجامع، والليتورجيات والطقس الكنسي، والتقليد الذي يوافق الإنجيل.
وكما فنّد أثناسيوس الكبير البدعة الأريوسية والأبولينارية، وفنّد البابا كيرلس البدعة النسطورية، هكذا أكمل البابا شنوده الثالث مسيرتهم التعليمية والدفاعية أمام الشكوك الإيمانية المعاصرة وأمام التيارات الطائفية المنحرفة[1].
ونتركك عزيزي القارئ في جولة رائعة مع فكر الآباء الأولين وقداسة البابا، ونتمنى لك أوقاتًا مباركة مع تلك الدرر الثمينة، التي لكنيستنا المجيدة.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث قداسة البابا شنوده الثالث
[1] إشعياء ميخائيل (القمص)، جورج، أنطون فهمي: البابا المُعلم، صـ141.
الفصل الأول المشكلة الأريوسية
المشكلة الأريوسية
كتابات الآباء اللاهوتية[1]
كثيرة هي كتابات الآباء في الموضوعات اللاهوتية، وبالأخص في المناقشات العقائدية والرد على الهراطقة. فمنذ قيام المسيحية والحرب الفكرية قائمة. قام ضدها الفلاسفة الوثنيون واليهود. ثم حدثت الانشقاقات والبدع وأصبحت الحرب داخلية.
إن العصر الذهبي للكتابات اللاهوتية كان خلال القرنين الرابع وبداية الخامس..
على إن القرون الأولى لم تخل من كتابات لاهوتية. ففي القرن الثاني ظهرت جماعة المدافعين (Apologists) ومن أشهرهم القديس الفيلسوف يوستينوس الذي استشهد حوالي سنة 165م.
وقد قدم دفاعه عن المسيحية والمسيحيين سنة 152م إلى الإمبراطور أنطونيوس وابنه ماركوس أوريليوس[2].
ومن المدافعين أيضًا العلامة أثيناغوراس؛ أستاذ المدرسة الإسكندرية اللاهوتية وقد قدم دفاعه إلى الإمبراطور ماركوس أوريليوس حوالي سنة 177م.
ومن الكتاب اللاهوتيين الذين ظهروا في القرنين الثاني والثالث، القديس إيريناؤس؛ أسقف ليون الذي تنيح حوالي سنة 202م. وأشهر مؤلفاته كتاب (ضد الهرطقات)[3]. وكذلك وضع القديس هيبوليتس كتابًا (ضد جميع الهرطقات)[4]. وكتب ضد أعداء الإيمان من اليهود والوثنيين والغنوسيين والمونتايين.
أما القديس كبريانوس؛ أسقف قرطاجنة فمن أشهر مؤلفاته (وحدة الكنيسة[5] Le Unitate Ecclesiae). وقد كان لهذا القديس أيضًا جهد لا يمكن أن ينكر في موضوع معمودية الهراطقة أدى إلى عقد مجمع في قرطاجنة لهذا الغرض.
ومن آباء الإسكندرية في هذين القرنين الثاني والثالث.. ظهر القديس إكليمنضس السكندري، والقديس ديونسيوس؛ البابا الرابع عشر الذي كتب كتابات تعتبر حجة في اللاهوتيات، كما ساهم مساهمة فعالة في الرد على سابيليوس.
ومن كبار الكتاب في هذين القرنين أوريجانوس، وترتليانوس وقد وضعا مؤلفات كثيرة وكانت لكل منها شهرة جبارة، غير أن أوريجانوس حُرم من الكنيسة ودخلت شخصيته في علامة استفهام كبيرة تنازع بسببه قديسون مع قديسين.
أما ترتليانوس فهرطقاته واضحة لانضمامه إلى المونتانيين. وعنه يقول جيروم: "أما ترتليانوس فليس لي أن أقول عنه أكثر من أنه لا ينتمي إلى الكنيسة".
وعندما هلّ القرن الرابع وبدأ عصر المجامع المسكونية..
قدم لنا التاريخ نخبة ممتازة من الكتاب اللاهوتيين أمثال؛ القديس أثناسيوس الرسولي، وباسيليوس الكبير، وغريغوريوس الناطق بالإلهيات، وهيلاري أسقف بواتييه، وكيرلس أسقف أورشليم، وديديموس الضرير، وغريغوريوس أسقف نيصص، وإبيفانيوس أسقف قبرص، والبابا تيموثاوس الإسكندري، والبابا كيرلس عمود الدين، وأمبروسيوس أسقف ميلان، وأغسطينوس وأفرام السرياني.. هؤلاء عاشوا في القرنين الرابع والخامس.
أما في القرن السادس..
فلا يمكننا أن نعبر دون أن نذكر اسم القديس العظيم الأنبا ساويرس بطريرك أنطاكية. ويعوزنا الوقت إن تكملنا عن كل ما وضعه هؤلاء من كتابات لاهوتية..
المشكلة الأريوسية:
غالبية هؤلاء الآباء تعرضوا للمشكلة الأريوسية، وكتبوا الكثير في لاهوت المسيح.
القديس أثناسيوس الرسولي؛ وضع مؤلفه المشهور(الرد على الأريوسيين)[6] في أربعة كتب. كما كتب كثيرًا عن تاريخ هذه الحركة والدفاع عن إيمان مجمع نيقية.
والقديس هيلاري أسقف بواتييه؛ وضع مؤلفه المشهور(عن الثالوث) في 12 كتابًا رد فيه على المفهوم الخاطئ للآيات التي اعتمد عليها الأريوسيين آية آية حتى خصص الكتاب الثاني عشر كله عن آية واحدة هي: "اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ، مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ الْقِدَمِ" (أم 8: 22)، وعن هذه الآية ذاتها خصص القديس أثناسيوس الفصول 16- 22 من كتابه الثاني.
بمثل هذه الطريقة سلك القديس باسليوس الكبير في كتابه المشهور (ضد أونوميوس)، إذ تناول خمس عشرة آية يعتمد عليها الأريوسيين، وشرحها واحدة فواحدة مُثبتًا لاهوت المسيح. وكذلك سلك أيضًا أخوه القديس غريغوريوس أسقف نيصص في مؤلفه (ضد أونوميوس)[7]، الذي يشمل 12 كتابًا، كما وضع مؤلفًا آخر في الإجابة على الكتاب الثاني لأونوميوس.
و"ضد أونوميوس" أيضًا ألقى القديس غريغوريوس الثيئولوغوس مقالات لاهوتية له[8]. وبلغت شهرة مقالات هذا القديس أنه مُنح لقب (الناطق بالإلهيات). وضد الأريوسيين كتب كذلك القديس كيرلس أسقف أورشليم في كتابه عن (التعليم المسيحي) للموعوظين قبل المعمودية الذي شرح فيه قانون الإيمان المسيحي فقرة فقرة.
وخارج نطاق الأريوسيين. كتب كثير من الآباء ضد الهرطقات والبدع القائمة في زمانهم كما كتبوا في موضوعات لاهوتية عامة.
أريوس[9]
ما أكثر ما يمكن أن يقال عن أريوس كاهن الإسكندرية، الذي كان من أفصح أهل عصره، ومن أقوى الوعّاظ في زمانه. وكان كثيرون يلتفون حوله، ويعجبون بعظاته، وكان له تأثير عجيب على الناس حتى تبعه الآلاف، بل من عظمته في أيامه تبعه كثير من الأساقفة في تعليمه. بل كان له تأثير على الإمبراطور نفسه الذي دافع عنه، وطلب أن يُسمح له بالصلاة بعد حرمِه.
أي امتحان للكنيسة كان سقوط أريوس في الهرطقة...
كان ولا شك امتحانًا قاسيًا جدًا من أشد الامتحانات ضراوة وسقط كثيرون في هذا الامتحان، واستطاع أريوس أن يُتعب الكنيسة زمنًا. ولما مات ميتة دخلت فيها يد الله، أصرّ أتباعه على العناد والمقاومة، واتعبوا القديس أثناسيوس تعبًا شديدًا استمر مدة..
ولكن أريوس على الرغم من صلابته وعناده وقوته، سقط سقوطًا عظيمًا، وحرمه المجمع المسكوني الأول وما يزال محرومًا وملعونًا من الكنيسة.
وبدعة أريوس لم تضر الكنيسة بل نفعتها وثبّتت إيمانها. قام قديسون كثيرون بالرد عليها، مثل القديس أثناسيوس الرسولي، والقديس هيلاري أسقف بواتييه والقديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس أسقف نيصص، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات وكل هؤلاء أثروا الفكر المسيحي بتعمقهم في لاهوت المسيح.
إن الكنيسة لم تجامل البدع والهرطقات ولم تخَف منها، بل واجهتها بكل قوة، بالجدل وبالتعليم وبالحرمان أخيرًا، وبتثبيت الشعب في الفكر اللاهوتي السليم.
من أين أتت البدعة؟[10]
الأريوسيون كانوا ضد لاهوت السيد المسيح (ضد لاهوت المسيح فقط)[11]، قالوا: "إن المسيح ليس إلهًا، وأنه ليس مساويًا للآب في الجوهر، وإنما أيضًا قالوا إنه كانت له إرادة حرة ممكن تسير في الخير وممكن تسير في الشر"، وهم غير ممسكين عليه شرًا لكن نظريًا له إرادة حرة ممكن تسير في الخير وممكن أن تسير في الشر.
نقاط جوهرية في الحوار مع الأريوسيين[12]
حول لاهوت المسيح: الأريوسيون ينكرون لاهوت المسيح، وينكرون مساواة الابن للآب في الجوهر، أي ينكرون مساواته له في الطبيعة الإلهية. وقبل أن نتناول الآيات التي يسيء الأريوسيون فهمها، لكي نفسرها تفسيرًا سليمًا هناك بعض نقاط أو ملاحظات، ينبغي أن نوضحها أولًا:
1- لغة الكتاب المقدس:
يستخدم الكتاب المقدس في بعض الأحيان لغة يسهل على البشر فهمها[13]. ولكنها لو أخذت حرفيًا، لا يمكن أن تؤدي المعنى المطلوب.
مثال: يقول السيد المسيح: "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأيضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ" (يو16: 28). كلمة (خرجت) لا يمكن فهمها بالمعنى اللغوي المألوف. فالذي يخرج من مكان، معنى ذلك أنه يفارقه. بينما السيد المسيح خرج من الآب، وبقيَ في الآب.
فكيف نفهم ذلك منطقيًا؟ نضرب لذلك مثلًا: الفكر يخرج من العقل، وهو لا يزال في العقل. ويمكن للفكر- في خروجه من العقل - أن يعبر محيطات وقارات، ويذهب إلى بلاد بعيدة. ومع ذلك فهذا الفكر لا يزال في عقل صاحبه لم يفارقه.
ويقول السيد في نفس الآية: "أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأيضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ". ولو أخذنا هذه الآية بالمعنى الحرفي، لا يمكن قبولها لاهوتيًا. فالسيد المسيح كان في العالم، قبل أن يأتي إليه بالجسد. واستمر موجودًا فيه بعد أن تركه بالجسد. إذًا عبارة (أتيت) تفسّر بأن يكتب بعدها (جسديًا). وكذلك عبارة (أترك) تفسّر بأن يكتب بعدها (جسديًا). فترك المسيح للعالم، لا يعني مفارقته له. فهو الذي قال لتلاميذه: "لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت18: 20). وأيضًا قال لهم: "هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت28: 20). كذلك عبارة (واذهب إلى الآب) ليس معناها أنه لم يكن في الآب ثم ذهب إليه!! لأنه باستمرار كما يقول: "أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ" (يو14: 10) "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو10: 30).
كذلك ما قيل عن الصعود "ثُمَّ إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللهِ" (مر16: 19). عبارة (ارتفع) لا يمكن أن تُفهم من جهة اللاهوت. لأن الله لا يرتفع ولا يهبط. فهو موجود في المكان الذي يرتفع إليه. وهو لا يفارق المكان الذي يرتفع منه. إنما عبارة (ارتفع) تُفهم من الناحية الجسدية. أي صعد جسديًا.
وبالمثل عبارة (يمين الله). فالله ليس له يمين ولا شمال، لأنه غير محدود بيمين وشمال، بل هو مالئ الكل. وليس هناك فراغ في يمينه يجلس فيه أحد! إنما عبارة (يمين) هنا ترمز إلى القوة والبر. وعبارة (جلس) تعني استقر، أي أنه استقر في قوة الله وبره. أي انتهت فترة إخلاء الذات.
وبالمثل قول الرب: "وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو3: 13). كلمتا (صعد، نزل) ليس المقصود بهما اللاهوت. فاللاهوت لا يصعد ولا ينزل كما قلنا. إنما قيلتا من الناحية الناسوتية. لذلك استعمل هنا تعبير(ابن الإنسان). فهما يدلّان في نفس الوقت على ناسوته ولاهوته أيضًا، كما يبدو من قوله: "الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ". فهو إذًا في السماء والأرض معًا.
وبنفس المنطق والتحليل نفهم آيات أخرى كثيرة مثل:
1) مثل قول الرب عن سَدوم: "أَنْزِلُ وَأَرَى هَلْ فَعَلُوا بِالتَّمَامِ حَسَبَ صُرَاخِهَا الآتِي إِلَيَّ، وَإِلاَّ فَأَعْلَمُ" (تك18: 21). فهنا عبارة "أنزل وأرى"؛ معناها أضبطهم في ذات الفعل.
2) قول الكتاب عن آدم وحواء بعد الخطية: "وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ" (تك3: 8).
إنها لا تعنى بلا شك أن الله يمشي، فهو لا يتحرك من مكان إلى مكان، إذ هو في كل مكان إنما تعني إحساس آدم وحواء بقرب الله منهما في الجنة.. أو إحساسهما باقتراب الله إليهما.
3) وبالمثل نفهم ما قيل إن السماء هي كرسي الله (مت5: 34). فالله ليس له كرسي، إنما هذا رمز لمجده. وأيضًا عبارة "الجالس على كرسي مجده" وأمثالها من عبارات.
2- عبارات قيلت عن ناسوته:
مثل العبارات التي قيلت عن إنه جاع (مت4: 2) أو إنه عطش (يو19: 28) أو إنه تعب (يو4: 6) أو إنه نام (مت8: 24) أو إنه تألم (مت16: 21)... إلخ.
كل هذه عبارات قيلت عن ناسوته وليس عن لاهوته.
لأن اللاهوت لا يجوع، ولا يعطش، ولا يتعب ولا ينام، ولا يتألم، ولكن لأن السيد المسيح اتحد بطبيعة بشرية مثلنا، بناسوت كامل قيل عن ناسوته كل هذه الأمور. بل قيل أكثر من هذا أنه مات على الصليب. وأنه دفن في مقبرة ليوسف الرامي بعد أن كفنوه (يو19: 38-42). فهذا كله عن ناسوته. لأن اللاهوت لا يموت. لذلك حينما كان السيد المسيح ميتًا بناسوته، كان بلاهوته حيًّا لا يموت..
أما عبارة إنه "كان يَتَقَدَّمُ (ينمو) فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ" (لو2: 52). فهي أيضًا عن ناسوته، بدليل أن كان ينمو في القامة. إذًا فما معنى أنه كان ينمو في الحكمة، بينما السيد المسيح هو حكمة الله (1كو1: 24)؟!
طبعًا هو لم يكن ينمو في الحكمة من جهة لاهوته، لأن اللاهوت لا ينمو. إنما قيل عنه ذلك من الناحية الناسوتية. وهذا تعبير عن تدرجه في مراحل السن. فحينما كان طفلًا كان من الناحية البشرية له الحكمة المناسبة للطفل. ولما صار فتى كانت له الحكمة المناسبة للفتى.. ولما صار شابًا ثم رجلًا، صارت له الحكمة المناسبة للشاب ثم للرجل. أما من حيث لاهوته فحكمته غير محدودة.
إذًا كانت توجد مستويات من الحكمة البشرية، كان يأخذ الحد الأقصى منها في كل مرحلة من مراحلها.. وبين كل مرحلة وأخرى يوجد طبعًا نوع من النمو.. وإن لم يكن هذا، لا يكون قد شابهنا في كل شيء.. ننتقل إلى نقطة أخرى وهي:
3- إخفاء لاهوته عن الشيطان:
ذلك لأنه لو تأكد الشيطان من لاهوته، لكان يعرقل موضوع الفداء. فهناك أمور فعلها السيد المسيح، كانت تبدو أمام الشيطان ضعفًا، أو تتنافى في نظره مع اللاهوت، بينما كان يقصد المسيح إخفاء لاهوته. من أمثلة ذلك ولادته في مذود بقر (لو2: 7) وهروبه إلى مصر من وجه هيرودس الملك (مت2). وبقاؤه ثلاثين سنة تبدو بلا عمل! كذلك قبوله التجربة من الشيطان (مت4). وقبوله الاضطهاد من الكتبة والفريسيين، ومعيشته فقيرًا بعيدًا عن كل مظاهر العظمة، ثم أخيرًا قبوله آلام الصليب، كل ذلك لإخفاء لاهوته.
لذلك كان الشيطان يسأل أكثر من مرة: لو كنت ابن الله..
قالها في التجربة على الجبل: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا" (مت4: 3). بل حتى على الصليب، قدم له هذا السؤال أيضًا على لسان البعض: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!" (مت27: 40).
لذلك كان السيد المسيح، بعد كل معجزة كبيرة، يخلي ذاته، فلا تظهر عظمته: بعد الميلاد المعجزي من العذراء وشهادة الملائكة، يهرب إلى مصر. وبعد الظهور الإلهي أثناء العماد وشهادة الآب، يجلس جائعًا على الجبل. وفي معجزة كإقامة لعازر، يصلي (يو11: 41). (وللمزيد من المعلومات الكثيرة، اقرأ كتابنا عن تسبحة البصخة).
4- التدرج في الإعلان:
هكذا قال القديس هيلاري أسقف بواتييه: "كان هناك تدرج في الإعلان عن طبيعة المسيح اللاهوتية وقوته". ذلك لأن الناس ما كانوا يحتملون.. كيف كانوا سيتعاملون معه لو أعلن أنه الله بصريح العبارة. أما من جهة رؤساء اليهود، فكانوا لا بد سيرجمونه كمُجدّف. إنه عندما قال: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ" كانوا يطلبون أن يقتلوه.. لأنه "قَالَ أيضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللهِ" (يو5: 17، 18). وعندما قال: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ"، "تَنَاوَلَ الْيَهُودُ أيضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ" (يو10: 30، 31). إذًا كان لا بد لسياسة من التدرج وعدم التصريح.
ملاحظة هامة:
في مناقشة الأمور الخاصة بلاهوت المسيح، سواء مع الأريوسيين أو غيرهم كشهود يهوه مثلًا، لا يجوز أن نعتمد على آية واحدة، ونترك باقي الآيات. إننا دائمًا ننبّه إلى خطورة استخدام الآية الواحدة. فإن استشهد أحدهم بآية من الإنجيل، وقال لك مكتوب.. قل له كما قال السيد المسيح من قبل: "مَكْتُوبٌ أيضًا" (مت4: 7).[14]
[1] من محاضرة الأنبا شنوده أسقف التعليم (البابا شنوده الثالث) لطلبة الكلية الإكليريكية للأقباط الأرثوذكس في الستينات من القرن العشرين وهي بعنوان: كتابات الآباء.
[2] Migne PG 6,327
[3] Migne PG.7.
[4] Migne PG.10,261
[5] Migne PL "4"
[6] Migne PG.26
[7]Migne PG.45
[8] Migne PG.37
[9] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث "البدعة كالكبرياء كل قتلاها أقوياء(3)"، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 3 يونيو 1978م.
[10] من محاضرة لقداسة البابا شنوده الثالث "تاريخ البدع والهرطقات التي قامت في العصور الأولى"، بتاريخ 27 مارس2000م.
[11] يشرح ذلك القديس كيرلس الكبير في كتابه حوار حول الثالوث إذ يقول: "إنهم يسمّون كلمة الله الوحيد، بالابن وهذا صحيح، وهم يتفقون معنا في أنه مولود، ولكنهم يتجنون على كلمة الحق حينما يقللون بعدم تقوى من مجد الابن ويقولون إنه من طبيعة أخرى مختلفة عن طبيعة الآب". (القديس كيرلس عمود الدين: حوار حول الثالوث، ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية نوفمبر 2018، الحوار الثاني، ص36).
[12]مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، "نقاط جوهرية في الحوار مع الأريوسيين"، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 30 أغسطس1996م.
[13]هذه الفكرة التي شرحها قداسة البابا شنوده الثالث شرحها القديس أثناسيوس في المقالة الثالثة ضد الأريوسيين 18 يقول: "لقد اعتاد الكتاب المقدس أن يستخدم الظواهر الطبيعية كصور وإيضاحات لأجل البشر وهو يفعل هذا لكي يشرح أفعال البشر الاختيارية مما يحدث في الطبيعة". ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي (ترجمة عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017 م)، صـ314.
[14] يشرح القديس كيرلس الكبير نفس الفكرة بضرورة فهم الآيات في سياقها الصحيح فيقول: "لا يجب أن نلجأ إلى الكتب المقدسة بنفس رخوة، إذ أنهم يفعلون ذلك ويحيدون عن الطريق المستقيم حتى يصلوا إلى التطرف سواء يسارًا أو يمينًا بينما اتباعنا للطريق الملوكي يوجب علينا ألا ننحرف لا يمينًا ولا يسارًا ولتلاحظ كيف أنهم بسبب فقدان البصيرة يتركون أنفسهم للانقياد بأهوائهم دون أن يفحصوا أي من آيات الكتب المقدسة تتحدث عن اللوغوس في حد ذاته، أي قبل التجسد، وأي آيات تتحدث عنه بعد أن تشبه بنا. (القديس كيرلس عمود الدين: حوار حول الثالوث، ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية نوفمبر 2018، الحوار الأول، صـ 19–20).
الفصل الثاني ضد لاهوت المسيح
ضد لاهوت المسيح[1]
استخدمت الهرطقة الأريوسية الكثير من الآيات، وللأسف الشديد هذه الآيات لا تزال مستخدمة في هذا الجيل الذي نعيش فيه، فنحن نرد على كل ما قيل ضد لاهوت السيد المسيح سواء من الحركة الأريوسية أو ما بعدها. أيضًا الهرطقة النسطورية فيها شيء ضد لاهوت المسيح.
نبدأ نرد على الهرطقة الأريوسية آية آية ليس آيات فقط بل ومشاكل لاهوتية أيضًا. مشاكل لاهوتية مثل: أن أحدًا يقول لك: "كيف أن الله يأكل ويشرب ويتعب وينام؟!" نحن طبعًا نقول: يأكل كإنسان، ويشرب كإنسان، ويتعب كإنسان، وينام كإنسان، وليس كإله.
الطبيعة البشرية
تقول لي إنك بذلك ستفرق بين الطبيعتين.. أقول لك: لا نفرق، ولكن أُعطي كل طبيعة ما يناسبها دون تفريق مثلما أقول: أنت كإنسان لك جسد ولك روح، فعندما تأكل.. تأكل بالجسد، وعندما تنام تنام بالجسد، وعندما تتعب تتعب بالجسد، وعندما تشرب تشرب بالجسد، وهذا لا يمنع أن جسدك متحد بروحك اتحادًا بغير انفصال في طبيعة واحدة هي الطبيعة البشرية.
لكن لا أستطيع أن أقول: إن الروح أفطرت اليوم كذا وكذا، لا أستطيع أن أقول هذا الكلام، لأن الروح لا علاقة لها بالأكل. لكن الجسد هو الذي أكَل، والجسد هو الذي شبع، والجسد هو الذي جاع، لكن كون إن الجسد هو الذي عمل ذلك ليس معناه أن هناك انفصال داخل الإنسان إطلاقًا.
جسده وروحه متحدين معًا في طبيعة واحدة اسمها الطبيعة البشرية، لكن هناك ما يُنسَب إلى الجسد. مثلما نقول: المسيح تألم، لا أستطيع أن أقول: إن اللاهوت تألم، لأن اللاهوت أسمى من الألم، لكن نقصد تألم بالجسد، أي الطبيعة البشرية هي التي تألمت، لكن حينما تألمت الطبيعة البشرية كانت متحدة بالطبيعة الإلهية اتحادًا كاملًا بغير انفصال.
وهذا ليس ضد الطبيعة الواحدة، فنحن في صلاة الساعة التاسعة نقول: "يا مَن ذاق الموت بالجسد في وقت الساعة التاسعة"، فالسيد المسيح عندما مات، مات بطبيعته البشرية، لأن اللاهوت لا يمكن أن يلحق به الموت، قدوس الله قدوس القوي قدوس الحي الذي لا يموت، لكنه مات بالجسد (مات بالطبيعة الجسدية). وكون أنه يموت بالطبيعة الجسدية ليس معناها أن هناك انفصال بين اللاهوت والناسوت، الطبيعة الواحدة موجودة لكن الموت خاص بالطبيعة البشرية، التعب والأكل والشرب والنوم والجوع والعطش والموت، كل هذا خاص بالطبيعة الجسدية.
كثير جدًا من الآيات التي هي ضد لاهوت المسيح يكون حلّها هو الطبيعة البشرية، أي أن يكون شيء بالطبيعة البشرية وتكون بهذا الشكل ترد على أشياء كثيرة.
أيضًا من الأمثلة: لماذا يصلي السيد المسيح، وكيف وهو إله يصلي؟!
هو بالطبيعة البشرية يصلي، أما إن كانت هناك مناجاة بين الابن والآب ويسميها البعض صلاة كما في (يو17) أنا دائمًا أميل إلى تسميتها مناجاة بين الابن والآب، فهذه لا تعتبر صلاة بالمفهوم البشري أي (طلبة من مخلوق إلى خالق).
ولو كان السيد المسيح لا يصلي لأعتُبر هذا نقصًا في قدسيته من الناحية البشرية. ولأنفضَ الناس من حوله على اعتبار أنه غير روحاني لأنه لا يصلي، والمسيح كان يريد أن يكون بلا عثرة، بل أراد أيضًا أن يكون قدوة للناس.
لذلك لا نأخذ هذه المسائل ضد لاهوته أبدًا، إنما نتكلم فيها عن قدسية ناسوته وليست شيء ضد لاهوته.
أريد أن من يقرأ منكم كتب الآباء، أن يقرأ إجابات الآباء عن الآيات التي أساء الأريوسيون فهمها.
هناك أناس أحيانًا يخطئون ويقولون الرد على الآية الفلانية!! نحن لا نرد على آيات أبدًا. كلمة الرد على الآية تعبير غير لاهوتي. تعبير غير مضبوط، نحن نقول: الرد على الفهم الخاطئ للآية.
القديس باسيليوس الكبير في كتابه ضد يونوميوس - أحد الهراطقة الأريوسيين - رد على الفهم الأريوسي الخاطئ لخمس عشرة آية.
الآيات التي أساء فهمهما الأريوسيون
أول آية من تلك الآيات هي عن خضوع الابن للآب؛ "وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أيضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" (1كو15: 28). هذه الآية أيضًا يستخدمها شهود يهوه فعندما نتكلم على الرد على الأريوسيين نتكلم أيضًا في نفس الوقت الرد على شهود يهوه، والرد أيضًا على من يحاربون لاهوت المسيح في أيامنا الحاضرة.
الآية الثانية عبارة "وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ" (في2: 9).
الآية الثالثة "أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي" (يو14: 28).
الآية الرابعة عن معرفة اليوم والساعة؛ "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ" (مت24: 36).
وأصعب منها الآية الخامسة "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ" (مر13: 32).
الآية السادسة "يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ" (مت26: 39).
الآية السابعة "وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ" (يو6: 57).
الآية الثامنة "لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا" (يو5: 19).
الآية التاسعة في (يو15: 1) "أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ"، إن الأريوسيون يقولون في هذه الآية: أنه ما دام الابن هو الكرمة ونحن الأغصان، يكون هو مشترك معنا في طبيعتنا وما دام هو الكرمة والآب هو الكرَّام، فتكون طبيعة الكرمة غير طبيعة الكرَّام، فيكون هو ليس من طبيعة الآب ولا من جوهر الآب.
الآية العاشرة وردت في (مت 19: 17)، (مر10: 18) "لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ".
الآية الحادية عشر "مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ" (يو17: 5).
الآية الثانية عشر؛ حيث قيل عن المسيح إنه: "بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ" (كو1: 15).
الآية الثالثة عشر "اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ" (أم 8: 22)، وهذه رد عليها القديس باسيليوس، وأيضًا رد عليها القديس أثناسيوس في سبع مقالات في كتابه "Contra Arianos".
أما الآية الرابعة عشر؛ عن الجلوس عن يمينه ويساره في طلبة أم ابني زبدي فقال: "وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِيني وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَبِي" (مت20: 23) و(مر10: 40).
الآية الخامسة عشر؛ "أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" (يو17: 3).
الآية السادسة عشر "مَنْ هُوَ إِلهٌ غَيْرُ الرَّبِّ؟" (مز18: 31).
كل هذه الآيات شرحها شرحًا قويًا القديس باسيليوس الكبير، وشرحها أيضًا أخوه القديس غريغوريوس أسقف نيصص. وهناك آيات أخرى منها..
الآية السابعة عشر موجودة في (مز45: 7)، و(عب1: 9) "مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ". فما المقصود بعبارة (الله إلهك)؟
وفي (يو20) كلام المسيح لمريم المجدلية: "اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ" (يو20: 17).
أما الآية الثمانية عشر، (عب1: 4) "صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ".
الآية التاسعة عشر، وعبارة "حال كونه" يقول: "حَالَ كَوْنِهِ أَمِينًا لِلَّذِي أَقَامَهُ، كَمَا كَانَ مُوسَى أيضًا فِي كُلِّ بَيْتِهِ" (عب3: 2).
الآية العشرون في (أع2: 36) "أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا".
الآية الواحدة والعشرون "الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ" (يو14: 10)،
الآية الثانية والعشرون (يو10: 30) "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" وهذه تدل على لاهوته، لكنهم يضعوا بجانبها آية "لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ" (يو17: 11) فيقارن وحدة المسيح مع الآب بوحدة التلاميذ.
الآية الثالثة والعشرون "كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي" هذه في (مت11: 27) ومعها في (مت28: 18) "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ" فإذا دفع إليه السلطان ودُفع إليه من أبيه فأين المساواة؟! ومعها (يو3: 35) "اَلآبُ يُحِبُّ الابْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ"، الآية التي بعد ذلك في (لو2: 52) "كَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ".
* * *
مراجع آبائية هامة
أيضًا من ضمن المراجع الهامة التي ينبغي أن تقرأوها في هذا الأمر الآيات الموجودة في متى ويوحنا، ممكن تقرأوا لها أيضًا تفسير يوحنا ذهبي الفم الذي فسر إنجيلي متى ويوحنا. وإن كان عندكم تفسير كيرلس الكبير ليوحنا فهذا جيد أيضًا. من المراجع التي أُحب أن ترجعوا إليها أيضًا القديس هيلاري أسقف بواتييه؛ كانوا يسمونه أثناسيوس الغرب من براعته الكبيرة في الرد على الأريوسيين، وله كتاب مشهور اسمه Trinitate De أي (عن الثالوث)، والكتاب موجود ومترجم في مجموعة...
.Nicene and Post-Nicene Fathers
من الكتب التي أريد أن تقرأوها أيضًا لغريغوريوس النيازينزي الناطق بالإلهيات، صديق القديس باسيليوس، أما غريغوريوس أسقف نيصص فهو شقيق القديس باسيليوس. كما أن لقب الناطق بالإلهيات يدل على أنه جبار بأس.
ومن الذين أريد لكم أن تقرأوا لهم أيضًا القديس كيرلس الأورشليمي في عظاته للمعمدين وكلامه عن لاهوت المسيح.
العجيب أن الأريوسيين استخدموا آيات كثيرة جدًا من إنجيل يوحنا. بينما إنجيل يوحنا أكثر الأناجيل حديثًا عن لاهوت المسيح!
وكنيستنا تتحدى هذا الاتجاه الأريوسي فأكبر آية أساء الأريوسيون فهمها هي (يو14: 28) "أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي" الكنيسة تجعل هذه الآية تُقرأ كل يوم في إنجيل الساعة الثالثة، أي لا تخشى شيئا!! أنتم (الأريوسيون) تقولون إن هذه الآية صعبة!! ها نحن نجعل المؤمنين يقولونها كل يوم في صلاة الساعة الثالثة، نحن لا يهمنا شكوك، نحن لسنا أصحاب شكوك، لأننا نفهم اللاهوت جيدًا.
في مسألة أخرى أن المسيح كان في بعض الأحيان يخفي لاهوته عن الشيطان، فكان يتعمد بعض الأمور لإخفاء هذا اللاهوت، لكن ليس معناه أن لاهوته غير موجود، لأنه في مناسبات أخرى كان يعلن هذا اللاهوت.
مسألة بنوة المسيح لله، وبنوة البشر لله، أيضًا مسائل تحتاج الناس أن يفحصونها جيدًا ويعرفونها. وتعبير ابن الإنسان أيضًا يجب على الناس أن يفهمونه، وأن يفهموا لاهوت المسيح من الناحية الإيجابية وأيضًا في الرد على السلبيات.
في آيات أخرى عن قيامة المسيح ونسبة القيامة إلى الآب الذي أقامه الله. أيضًا موجودة في معجزة شفاء الأعرج عند باب الجميل، ونضمّها إلى هذه الآيات كل ما يُنشر في بعض الكتب ضد لاهوت المسيح سنأتي به أيضًا وليس فقط عن الآيات التي أساء الأريوسيون فهمها.
أيضًا مسألة صلب السيد المسيح وهل كانت تدل على ضعف أم فيها قوة؟! وكلام الشيطان للسيد المسيح بقوله: (اسجد لي)! هل هذا يدل على عدم لاهوته؟!
أي أن الشيطان استهان به!! طبعًا إن كان الشيطان غير مهذب ويكلم السيد المسيح بأسلوب خالي من الأدب أو من اللياقة لا تعني أن السيد المسيح ضعيف، والدليل عندما انتهره قال له: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ".. فذهب. وبدليل أن الشياطين كانوا يصرخون أمامه: "أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ الْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا؟" (مت8: 29). وبدليل قوته وإخراجه للشياطين. بل أيضًا أعطى هذا السلطان لتلاميذه لكيما يخرجوا الشياطين.
أكثر الناس الذين دافعوا عن لاهوت المسيح كانوا في القرن الرابع.. منهم مجموعة الآباء الكبادوكيين؛ بقيصارية كبادوكية وهُم "باسيليوس الكبير، غريغوريوس أسقف نيصص، غريغوريوس الناطق بالإلهيات. وأثناسيوس الرسولي، وهيلاري أسقف بواتييه.
هناك أيضًا القديس أفرام السرياني وعلى الرغم من أنه كان شاعر ورجل تأملات، وكان أغلب كلامه روحاني جدًا، لكن له أيضًا في اللاهوتيات وردّ على الأريوسيين أيضًا ومن خلال الشعر. والقديس أمبروسيوس من الآباء اللاتين الذين ردوا على هذا الموضوع. وأيضًا القديس جيروم، والقديس أغسطينوس ردوا في كتابات لهم.
بعض الآباء كالقديس أثناسيوس رد على آية "اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ" (أم 8: 22) في سبع محاضرات.
وسؤال مثل "هل يعرف الابن تلك الساعة" أجاب الآباء مثل أثناسيوس والقديس هيلاري أسقف بواتييه، والقديس باسليوس إجابات طويلة جدًا. ولكن أكثر مَن تعرضوا إلى فهم تلك الآيات هم (القديس أثناسيوس والقديس هيلاري).[2]
[1] محاضرة ضد لاهوت المسيح – الهرطقة الأريوسية، لصاحب القداسة البابا شنوده الثالث بتاريخ 1 نوفمبر1994م.
[2]القديس هيلاري أسقف بواتييه له كتاب (عن الثالوث) وهو يتكون من 12 كتاب. الكتاب الأول تمهيدي، الكتاب الثاني يحتوي على مقدمة عامة عن العلاقة بين الآب والابن والطبيعة اللاهوتية للابن، الكتاب الثالث لدحض ادعاءات الأريوسيين، الكتاب الرابع يعرض الإيمان المنحرف لأريوس، والذي أرسله للبابا ألكسندروس، ويبدأ القديس هيلاري تفنيده والرد عليه من الكتاب الرابع حتى الأخير.
- القديس أثناسيوس الرسولي له كتاب (ضد الأريوسيين) وهو عبارة عن ثلاث مقالات، المقالة الأولى يقدم القديس أثناسيوس ملخصًا لتعليم أريوس. ويفنّد تعاليم تلك البدعة، في المقالتين الثانية والثالثة يكمل القديس أثناسيوس شرح النصوص التي أساء استخدامها الأريوسيين.
الفصل الثالث هل يعرف الابن ذلك اليوم وتلك الساعة؟
هل يعرف الابن ذلك اليوم وتلك الساعة[1]
موعد نهاية العالم (المجيء الثاني):
إنه موضوع أثاره الأريوسيون، ورد عليه الآباء القديسون.. حول موعد نهاية العالم، ومجيء الرب ثانية. محوره ما ورد في إنجيل مرقس في قول السيد المسيح: "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ" (مر13: 32). أما في إنجيل متى، فقد ورد هذا القول هكذا: "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ" (مت24: 36).. بدون عبارة "وَلاَ الابْنُ".
والمشكلة التي طرحها الأريوسيون هي:
أنه إن كان الابن لا يعرف ذلك اليوم وتلك الساعة، فلا يكون مساويًا للآب في الجوهر. وهذا ضد لاهوته!!
وهدفنا أن نردّ على اعتراض الأريوسيين، معتمدين على كتابات الآباء القديسين أبطال الإيمان: القديس أثناسيوس الرسولي، والقديس هيلاري أسقف بواتييه، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات، والقديس باسيليوس الكبير، والقديس يوحنا ذهبي الفم، والقديس أمبروسيوس، وآخرين.
وكتابات الآباء فى هذا الموضوع (هل الابن يعرف) كثيرة سأعطيكم فكرة عنها.
القديس أثناسيوس الرسولي في كتابه (كتب ضد الأريوسيين، Contra Arianos) في الكتاب الثالث بالذات تعرض لهذا الموضوع.
القديس هيلاري أسقف بواتييه الذي كانوا يسمونه أثناسيوس الغرب من مقدرته العجيبة في اللاهوتيات، كتب كتاب De Trinitate أي (عن الثالوث) في الجزء التاسع منه، الفقرة 62.
القديس يوحنا ذهبي الفم في كلماته وتفسيره لإنجيل متى العظة 77 الفقرة 3.
القديس باسيليوس الكبير في رسائله خصوصًا الرسالة الثامنة والرسالة 236.
القديس أمبروسيوس معلم أغسطينوس كتاب (De Fide) أي (عن الإيمان) الجزء الخامس.
القديس غريغوريوس النيزينزي في مقالاته وخصوصًا الجزء 30 الفقرة 16.
والقديس إيريناؤس، ضد الهرطقات. في الكتاب الثاني الجزء 28.
والقديس أغسطينوس في عظاته عن العهد الجديد وفي رسائله رسالة 23 و40 و75 و82.
أذكرها لكم لمن يرغب أن يرجع لتلك المراجع، هذه هي المراجع التي قرأءتها في هذا الموضوع، وكلهم متفقين تقريبًا على شيء معين، أن الابن يعرف يقينًا تلك الساعة.
وسوف نلخص ردنا في ثلاث نقاط:
أولاً: الابن يعرف ذلك اليوم وتلك الساعة.
ثانيًا: أسلوب الكتاب، في استخدام كلمة (يعرف) وما يشابهها.
ثالثًا: ما نفهمه من (مر13: 32)، الآية موضوع النقاش.
أولاً: الابن يعرف:
1- الابن يعرف لأنه اللوجوس، أقنوم المعرفة.
هو اللوجوس (الكلمة) أي عقل الله الناطق، أو نطق الله العاقل. ومحال أن يكون عقل الله أو نطقه أو كلمته لا يعرف ذلك اليوم وتلك الساعة. وقد قال عنه الكتاب: "قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ" (1كو1: 24). وطبيعي أن الله قد حدد بحكمته موعد نهاية العالم. وبقوته سوف تكون القيامة والدينونة وتزول هذه السماء وهذه الأرض.. فهل يعقل أن الابن الذي هو حكمة الله لا يعرف؟! وأيضًا قيل عن المسيح إنه هو صورة الله ورسم جوهره (عب1: 3)، أي هو والآب جوهر واحد، هو رسم جوهره أي الجوهر الذي ظهر لنا بطريقة منظورة، فما دام رسم جوهره، وكلمة جوهره تضم الحكمة والمعرفة والقدرة، فالابن أيضًا له هذا كله.
2- قيل عن الابن أن فيه كل كنوز الحكمة والعلم[2]
وهكذا قال الرسول.. لمعرفة سر الله الآب والمسيح، "الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ" (كو2: 3) فإن كانت فيه كل كنوز العلم، هل يعقل أن جزءًا بسيطًا من هذا العلم، يُخفى عليه، أو ينقص من علمه، وهو معرفة اليوم والساعة؟! إذًا ما معنى كلمة (جميع) هنا؟!
3- أنه يعرف تلك الساعة لأنه يعرف الآب نفسه.
الآب الذي يعرف ذلك اليوم وتلك الساعة، يعرفه الابن، بل لا يعرفه إلاَّ الابن.. فقد قال: "الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ" (يو10: 15). بل قال أكثر من هذا "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ" (مت11: 27)[3].
وهنا يتعجب القديس أثناسيوس الرسولي من الأريوسيين قائلًا: "إن كان هذا الذي يعرف الآب لا يعرف اليوم ولا الساعة فأخشى أن تكون معرفة الخليقة أو جزء بسيط منها أعظم من معرفة الآب، كما يقولون في جنونهم" (المقال الثالث ضد الأريوسيين: 44)[4].
4- قال الابن: كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي (يو16: 15).
فإن كان له كل ما للآب، بالتالي تكون له معرفة الآب، ومنها معرفة ذلك اليوم وتلك الساعة. لأنه إن كان لا يعرفهما، فلا يكون له كل ما للآب. وبخاصة لأنه قال: "أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ" (يو10: 38)، (يو14: 10). فما دام الآب فيه، تكون إذًا فيه المعرفة التي في الآب.
5- وهو يعرف لأنه قال: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو10: 30).
أي واحد في الطبيعة، في اللاهوت، في القدرة، في الجوهر. وبالتالي يكون واحدًا في العلم والمعرفة. وما دام الآب يعرف ذلك اليوم وتلك الساعة، إذًا لا بد أن الابن أيضًا يعرف وإلا لا يكونان واحدًا أما أن الآب قد أخفى معرفته عن الابن؟! ومع أن هذا غير مقبول لاهوتيًا، إلا أننا نرد بالنقطة التالية..
6- إنه يعرف بقوله: "كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي" (مت11: 27).
فما دام كل شيء قد دفع إليه، طبيعي أن تكون معرفة ذلك اليوم وتلك الساعة من ضمن عبارة "كل شيء". وقد كرر نفس المعنى بقوله لتلاميذه بعد القيامة "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ" (مت28: 18). ألاَّ تدخل معرفة اليوم والساعة، ضمن معرفة "الأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ" (أع1: 7)؟!
7- هو يعرف لأن الروح القدس أيضًا يعرف.
فلو أن عبارة "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ.. إِلاَّ الآبُ" (مر13: 32) أخذناها بطريقة حرفية، بينما "الْحَرْفَ يَقْتُلُ" (2كو3: 6). لخرجنا بنتيجة غير مقبولة لاهوتيًا، وهي أن الروح القدس أيضًا لا يعرف، بينما الكتاب يقول: "الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ"، "لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟ هكَذَا أيضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ" (1كو2: 10، 11).[5]
فما دام الروح القدس يعرف، إذًا لا بد أن الابن أيضًا يعرف. أليس هو القائل لتلاميذه عن الروح القدس: "ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (يو16: 14). وكررها أيضًا بقوله: "كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (يو16: 15). إذًا الابن يعرف.
8- وهو يعرف؛ لأن كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ (يو1: 3).
ورد فى الإنجيل "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ. وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ"، "كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ" (يو1: 3، 10). وأيضًا قال الرسول: "الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ" (كو1: 16). فهذا الذي أوجد كل شيء، هو يعرف خليقته متى تنتهي.
9- وهو يعرف اليوم، لأنه يومه.
إنه اليوم الذي يأتي فيه كعريس يستلم عروسه (مت25: 1، 10). وهو اليوم الذي يأتي فيه في مجده ومجد الآب (لو9: 26). للدينونة "لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ" (يو5: 22).
أليس هو القائل: "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ" (رؤ22: 12).
وهذا اليوم هو يومه الذي يقيم فيه الأموات للدينونة. "فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ" (يو5: 28، 29).
فهل يعقل أن الابن لا يعرف يومه الذي يأتي فيه "فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ" (يه14) وجميع الملائكة القديسين معه (مت25: 31)؟! اليوم الذي يرسل فيه ملائكته، ليجمعوا مختاريه من أقصاء الأرض (مر13: 27).
10- وهو يعرف يوم مجيئه لأنه وصف ذلك وصفًا دقيقًا.
وصف ذلك بتفصيل شديد لكل الأحداث[6] في (مر13)، (مت24). من أول "ليس المنتهى بعد".. إلى "مبتدأ الأوجاع" إلى قوله "مَتَى رَأَيْتُمْ هذِهِ الأَشْيَاءَ صَائِرَةً، فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَرِيبٌ عَلَى الأَبْوَابِ" (مر13: 29). كمن يشرح بالتدقيق الوقت الذي ينتهي فيه الليل، ليقول حينئذ يبدأ النهار.
أو من يشرح مكان بيت، ويذكر كل ما قبله وما جواره، فإذا هو يعرف ذلك تمامًا.. أنقول بعد كل هذا الشرح أنه لا يعرف[7]؟!
11- وهو يعرف من حديثه مع تلاميذه.
إذ يقول "لا تعلمون"، "لا تعرفون" ولا يقول لا أعرف. فبعد شرحه لعلامات الأزمنة قال لهم: "اُنْظُرُوا! اِسْهَرُوا وَصَلُّوا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَكُونُ الْوَقْتُ" (مر13: 33) "اِسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ" (مت24: 42).
وهذا أيضًا ما ورد في إنجيل لوقا "فَكُونُوا أَنْتُمْ إِذًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ" (لو12: 40). ونفس الكلام قاله بعد مثل العشر عذارى "فَاسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلاَ السَّاعَةَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَانِ" (مت25: 13). وفي كل ذلك لم يقل لا أعرف، بل لا تعرفون.
12- وتلاميذه كانوا يعرفون أنه يعرف.
على الرغم من قوله لهم من قبل: "لا أحد يعرف ذلك اليوم.. وَلاَ الابْنُ" (مر13: 32). إلا أنهم عادوا وسألوه بعد القيامة وقبل الصعود عن نفس السؤال (أع1: 7) مما يدل على تأكدهم من أنه يعرف، بل أنهم قالوا له كذلك قبل التوجه إلى جثسيماني: "الآنَ نَعْلَمُ أَنَّكَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَكَ أَحَدٌ" (يو16: 30). ولما تقابل مع بطرس، وعاتبه قائلًا: "أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هؤُلاَءِ؟" أجابه بطرس: "يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ" (يو21: 17).
هذه هي المعرفة الشاملة، أنه يعرف كل شيء. تكررت شهادة التلاميذه بها أكثر من مرة.
13- سلطان الابن.
"دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ" (مت28: 18) وقال أيضًا في (مت11: 27): "كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي"، وطبيعي المعرفة ضمن كل شيء، وعندما نقرأ يوحنا الإصحاح الخامس نجد أشياء عجيبة جدًا في معرفة المسيح، لكي تعرفوا أن السيد المسيح معرفته واسعة جدًا أو لا تُحد، يقول عن الآب: "مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ، لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الابْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ.. كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أيضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ، لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ، لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ" (يو 5: 19-23)، كلام كثير عن الابن ومعرفته ومقدرته، وهو الذي يدين ويحي الموتى.
14- الابن فاحص القلوب.
الكتاب أعطانا أمثلة عن معرفة الابن فقال: إن هو "الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ"، المسيح قالها عن نفسه في (رؤ2: 23) وقال: "يعرف أعمال كل أحد"، عندما تقرأون في سفر الرؤيا الإصحاح 2، 3 لكل ملاك من ملائكة الكنائس السبع يقول له: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ"، فمعرفة المسيح واسعة جدًا ويفحص القلوب والكُلى، وأيضًا يعرف الأفكار، مرة قال للتلاميذ: "وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟" (لو24: 38) ومرة قال لليهود: "لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهذَا فِي قُلُوبِكُمْ؟" (مر2: 8)، عرف ما يدور في فكرهم.
15- الاعتراف بعدم معرفة الابن تعني الأريوسية.
إذا قلنا إن الابن لا يعرف اليوم ولا الساعة إلا الآب وحده، نكون قد وقعنا في الهرطقة الأريوسية التي تقول: إن الابن ليس مساويًا للآب، ويصبح الآب يمتاز عنه بشيء وهو لا يستطيع أن يعمله، هذا ويقول الابن: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" فكيف لا يكون مساويًا له؟!
القديس أثناسيوس يقول عن قول السيد المسيح على اليوم والساعة: "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ" (مر13: 32) إنه ميّز نفسه عن كل أحد وعن الملائكة، لأن له وضع خاص.
ثانيًا: أسلوب الكتاب:
لا بد أن نفهم لغة وأسلوب الكتاب المقدس، لكي نفهم معانيه.
فلا نأخذ أي لفظ في الكتاب بمفهومه الحرفي، لأن "الْحَرْفَ يَقْتُلُ" (2كو3: 6). ومن جهة كثير من الألفاظ، يوجد اختلاف بين معناها في القاموس ومعناها اللاهوتي، وقد استخدم الكتاب في حديثه عن الله ألفاظًا تناسب مفهومنا: مثل ندم، وغضب، ومثل نزل وصعد، بينما الله لا ينزل ولا يصعد لأنه غير محدود، ومثل عبارة "الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ" (تك3: 8)، بينما الله غير المحدود لا يمشي. وصدق أحد الآباء حينما قال: ما من مرة تحدثت اللغة عن الله، إلاَّ وقصرت في التعبير..
فالله غير المحدود، لا تستطيع اللغة المحدودة أن تعبر عن الأمور الخاصة به.. ونفس الكلام يمكن أن يقال عن عبارة يعرف، أو لا يعرف، أو يسأل. وسنحاول أن نحلل بعض هذه العبارات، ونرى ماذا تعني، فنقول:
إنه كان يسأل كمن لا يعرف، وهو يعرف..
سأل مثلًا عن لعازر بعد موته "أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ؟" (يو11: 34). ولا شك أنه كان يعلم أين وضعوه. هذا الذي علم بموت لعازر دون أن يخبره أحد، وقال لتلاميذه: "لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ. لكِنِّي أَذْهَبُ لأُوقِظَهُ" (يو11:11). ولم يكن فقط يعرف أين وضعوا جسده، بل كان يعرف أيضًا أين توجد روحه، وسيأتي ويُرجعها للجسد الميت، ومع كل ذلك سأل كمن لا يعرف،"أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ؟" وبنفس الأسلوب سأل: "مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟" (مت16: 13). ولا شك أنه كان يعرف ماذا يقولون عنه، إنما أراد بالسؤال أن يتدرج بالتلاميذ إلى المعرفة الحقيقية له. وقبل أن يجري المعجزة الثانية لإشباع الجموع، التي أشبع فيها أربعة آلاف من سبع خبزات، وسأل أولًا: "كَمْ عِنْدَكُمْ مِنَ الْخُبْزِ؟" (مر8: 5) ولا شك أنه كان يعرف.
وفي معجزة شفائه للمرأة نازفة الدم سأل قائلاً: "مَنْ لَمَسَ ثِيَابِي؟" (مر5: 30). وهو شاعر في نفسه بِالْقُوَّةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ".. أما كان يعرف هذا الذي أوقف بلمسة نزيف المرأة الذي استمر اثنتي عشرة سنة. والعجيب أن الكتاب يقول عنه أيضًا في تلك المعجزة: "وَكَانَ يَنْظُرُ حَوْلَهُ لِيَرَى الَّتِي فَعَلَتْ هذَا" (مر5: 32). هل كان محتاجًا أن ينظر ليرى، هذا الذي يرى ما في القلوب (رؤ2: 23). وبنفس الأسلوب سأل تلاميذه عن مشاجرتهم.
هنا ويتأمل القديس هيلاري[8] معرفة الرب هذه المتوارية وراء السؤال، فيذكر معها قول الرسول عنه إلى أهل كولوسي: "الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ" (كو2: 3). فيقول:
إنها معرفة، ولكنها مخبأة، ليست معلنة.
لأنه لم يأت بعد الوقت الذي يتكلم فيه. ولم يأت الوقت الذي تعمل فيه الخطة الإلهية. إذًا هو لون من الحكمة في التدبير وليس جهلًا. (مؤلفه عن الثالوث De Trinitate: الكتاب التاسع: 62).
نفس الأسلوب كان - من الله أيضًا في العهد القديم.
كان يسأل أيضًا كمن لا يعرف، وهو يعرف.
1- سأل آدم: "أَيْنَ أَنْتَ؟ مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟" (تك3: 9، 11). ولا شك أن الرب كان يعرف الإجابة على كل هذا، دون أن يسأل وقبل أن يسأل.
2- وسأل أيضًا قايين: "أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟" (تك4: 9). وكان يعرف بدون السؤال أنه قد قتل أخاه. لأنه لما حاول قايين أن يتهرب، قال الله له: "صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ. فَالآنَ مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ" (تك4: 10، 11).
لنرى الله أيضًا يتصرف كمن لا يعرف وهو يعرف.
1- عندما عزم الله على حرق سدوم، قال لإبراهيم: "إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا أَنْزِلُ وَأَرَى هَلْ فَعَلُوا بِالتَّمَامِ حَسَبَ صُرَاخِهَا الآتِي إِلَيَّ، وَإِلاَّ فَأَعْلَمُ" (تك18: 20، 21).
هل الله محتاج أن ينظر، ليرى، ويعلم؟!
إنه يتكلم كمن لا يعرف، بينما هو يعرف كل شيء. وهو هنا يتحدث مع البشر باللغة التي يفهمونها. وبالأسلوب الذي يناسبهم. وليس كلامه هذا "أرى، وأعلم" معناه أنه ما كان يعلم. بل أراد أن يُشَهد عليهم الملاكان وإبراهيم. ويعطي إبراهيم فرصة للتشفع فيهم.
2- نقطة أخرى عجيبة، عندما أطاع أبونا إبراهيم في تقديم ابنه إسحاق محرقة.
قال له: "إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!.. لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا. الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي" (تك22: 11، 12).
ما معنى عبارة "الآن علمت"؟!
هل تعني أنه عرف الآن فقط، وما كان يعرف قبل الآن؟! حاشا. إنه بسبق معرفته يعلم كل شيء. ولكنه الآن يعلن هذه المعرفة. وقد جاء الوقت الذي يشهد فيه الله لإبراهيم. ولم يعد هناك داع لإخفاء ما يعرفه الله مسبقًا عن إبراهيم.
إذًا هناك فرق بين المعرفة، ووقت إعلان المعرفة.
ومن التعبيرات التي نلاحظها عن كلمة (لا أعرف). قول الرب:
اذهبوا عني لا أعرفكم...
فقد قال في ختام عظته على الجبل (عن اليوم الأخير). "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!" (مت7: 22، 23).
عبارة لا أعرفكم هنا، لا تعني عدم المعرفة. فقد كان يعرف أنهم من فاعلي الإثم، إنما يعني أنهم لا يستحقون معرفته لهم.
وبالمثل في رفضه للخمس عذارى الجاهلات قال لهن: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ" (مت25: 12). ومعنى العبارة هنا أيضًا أنهن لا يستحققن معرفته لهن. ولا تعني عدم المعرفة بالمعنى الحرفي للكلمة. إذًا حينما نقرأ عبارة لا أعرف، لا بد أن ندرك المقصود منها.
ثالثًا: الآية موضوع النقاش
كل الآباء في تفسير هذه الآية قالوا إنه يقصد الطبيعة البشرية؛ أي بلاهوته يعرف لكنه لبس طبيعة بشرية من خصائصها أنها تجهل المستقبل ولا تعرف.
والآباء كلهم استخدموا في هذا الأمر الخاص بالطبيعة البشرية في (لو 2: 52) عن فترة طفولة السيد المسيح حين قال الكتاب المقدس عن الطفل يسوع: "إنه كان ينمو" في القامة.. شيء مؤكد لكن يقول: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ (يَتَقَدَّمُ) أي ينمو؛ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ".. هنا يتكلم من جهة الطبيعة البشرية[9] بدليل أنه قال: "في القامة" ولم يتكلم عن لاهوته؛ لاهوته ليس له دخل في القامة، كان ينمو في الحكمة؛ طبعًا كإله؛ الله لا ينمو، الله لا يزيد ولا ينقص، لكن ممكن الطبيعة البشرية تنمو في النعمة؛ تنمو معناها "معرفة قليلة وتزيد". إذًا في وقت من الأوقات ممكن تبقى أقل.[10]
قال الآباء إنه لم يقل "ولا الابن يعرف" عندما كان يخلق كل شيء؛ وكل شيء به كان. إنما قال هذا عندما "الكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا" وقالوا أيضًا: إن هذا الأمر ينسب للطبيعة البشرية على اعتبار ما ورد في (في2: 7) "أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ" فلما أخلى ذاته قيل عنه إنه ممكن لا يعرف بالطبيعة البشرية لكن باللاهوت لا يوجد شك إنه يعرف؛ ولهذا فإن أحد الآباء يتأمل تأملًا جميلًا ويقول: "إنه وهو في الجسد قال ولا الابن يعرف؛ ولكن وهو صاعد للسماء لم يقل الابن لا يعرف". لما سألوه عن الوقت والساعة قال لهم: "لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا" (أع1: 7) ولم يقل ولا الابن يعرف لأن الابن يعرف، قال: "لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ" (أع1: 7).
ولعل من التأملات الجميلة للقديس هيلاري أسقف بواتييه قال: "لم يقل جعلها الآب في معرفته وحده وإنما قال جعلها الآب في سلطانه وحده[11]. أي هو الذي له السلطان أن يعلن أو لا يعلن يعني معناها السيد المسيح في عمله كإنسان قال لهم: "ليس في رسالتي النبوية إني أعلن هذه الساعة، لأن إعلانها في سلطان الآب وحده هو يعرف ولكن جعلها الآب في سلطانه وحده"، ولذلك نلاحظ أنه على الرغم من أنه قال: "ولا الابن"، لكن في أوقات كثيرة كان يقول: "أنتم لا تعرفون" ولكنه لم يقل: "الابن لا يعرف" مثال في (مت24: 42) و(لو12: 40) قال: "اِسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ" أنتم لا تعرفون لكن هو يعرف؛ وقال: "لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ" ولم يقل في ساعة لا أعرفها؛ وقال: "فَاسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلاَ السَّاعَةَ" (مت25: 13) في مثل العذارى، وقال:"لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ" لم يقل (وليس لي).
تأمل آخر يقول: "وهو كائن معهم في الجسد في هذه الطبيعة البشرية، قال لهم ولا الابن يعرف؛ لكن وهو صاعد للسماء قال لهم: "لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا" هذه ليست لكم أنتم. قال هذا كما قال أحد الآباء ليُسكت إلحاحهم وتساؤلاتهم الكثيرة عن معرفة ذلك اليوم؛ قال لهم: "هذه ليست من اختصاص البشر أنهم يعرفوا. وأنا كبشر ليس لي أن أعرف لكن كإله كان يعرف".
الطبيعة البشرية
أما بالنسبة لموضوع الطبيعة البشرية.. نعم، الطبيعتان متحدتان معًا ولكن الطبيعة البشرية لم تفقد خصائصها على الرغم من الاتحاد؛ فمثلًا الطبيعة البشرية نُسب إليها أنها تجوع وتعطش وتتألم وتتعب وتُجَرب وأيضًا "ذاق الموت بالجسد" بالطبيعة البشرية.
اللاهوت لا يموت لكن الطبيعة البشرية من خصائصها أنها ممكن أن تموت. الطبيعة البشرية من خصائصها إنها ممكن أن تتعب هو تعب واستراح عند البئر، "فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ" (يو4: 6)، لكن اللاهوت لا يتعب فالطبيعتان متحدتان لكن لم تفقد الطبيعة البشرية خصائصها فممكن أن يُنسب إليها بعض الأشياء. مثلاً قيل عن المسيح إنه: "تعجب"، الطبيعة الإلهية لا تتعجب؛ قيل إنه: "تألم".. الطبيعة الإلهية لا تتألم؛ قيل إنه: "نام في السفينة" (مر4: 38) الطبيعة الإلهية لا تنام الله لا ينعس ولا ينام، هل الطبيعة البشرية وهي نائمة كانت تعلم بما يدور حولها؟ إنها نائمة وإلا تكون فقدت بشريتها في أثناء النوم كان لا يعرف ما يجري حوله لكن باللاهوت كان يعلم ما يجري حوله[12].
هنا وندخل في مشكلة أخرى - نحلها ببساطة بمعونة ربنا - إن الطبيعة البشرية من خصائصها أنها لا تعرف ولكن باتحادها باللاهوت كان اللاهوت يشرق عليها بنور معرفة فممكن أن تعرف؛ تعرف ليس بطبيعتها ولكن تعرف بنور اللاهوت المحيط بها كأنه يقول: "أنا أُعطيت طبيعة بشرية لو تركت إلى ذاتها ما كانت تعرف".
هنا القديس أثناسيوس يقول: "هل هو جهل واقعي؟ أم جهل طبيعي بالنسبة للطبيعة البشرية؟
هو جهل طبيعي بالنسبة للطبيعة البشرية لكنه ليس جهل واقعي لأن من جهة الواقع باللاهوت يمكن أن تعرف؛ هل هو جهل حقيقي أم جهل اعتباري؟ أو جهل قياسي؟ هل تؤخذ الكلمة بمعناها الحرفي أم بالجهل الظاهري؟".. أي كأنه يقول للتلاميذ: "أنتم تلحون عليَّ لكي تعرفوا، البشر لا يعرفون هذه الساعة، وأنا كبشر أيضًا لا أعرف".[13]
أما كون أنه باللاهوت يعرف فهذا شيء آخر. البشر لا يعرفون ولا حتى ملائكة السماء تعرف ولا الابن كبشر يعرف لكن الطبيعة البشرية باتحادها باللاهوت – وهذا شيء خاص - ممكن أن تعرف عن طريق اللاهوت.
[1] ألقى قداسة البابا شنوده الثالث عدة محاضرات بعنوان "هل يعرف الابن ذلك اليوم وتلك الساعة" بتاريخ 8 نوفمبر1994م، 13 فبراير2007م، 15 مايو2007م، ومقال في الكرازة 7 فبراير1992م، ولعدم التكرار نكتفي بنشر مقال الكرازة 7 يوليو1992م مع إضافة النقاط غير المكررة التي قالها قداسته في المحاضرات السابق ذكرها.
[2] يشرح ذلك القديس أمبروسيوس حيث يقول: "ولكن الآب صنع كل الأشياء بالحكمة" (انظر مز104: 24)، أي أنه صنع كل الأشياء بالابن، الذي هو "قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ" (1كو1: 24) ويليق بمن هو الحكمة أن يعرف أسباب مصنوعاته وقوتها. هكذا فإن خالق كل الأشياء لا يمكن أن يجهل ما قد خلقه، أو يكون بدون معرفة لما قد أعطاه هو بنفسه. "شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الخامس: 196) صـ347.
[3] القديس أمبروسيوس يتعجب من فكر الأريوسيين فيقول: "لكن إن كانوا يفكرون أنه أمر عظيم وهام أن يعرف يوم الدينونة. فدعهم يقولون هل هناك من هو أعظم أو أفضل من الله الآب. فهو (أي الابن) يعرف الله الآب كما يقول هو نفسه: "لاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ" (مت11: 27). أقول: هل هو يعرف الآب ومع ذلك لا يعرف اليوم؟ وهكذا إذًا، أنتم تؤمنون أنه يعرف الآب، ومع ذلك لا يستطيع أن يعرف اليوم."المرجع السابق (الكتاب الخامس: 200) صـ348.
[4] يقول القديس أثناسيوس: "لأن ذلك الابن الذي يقال إنه لا يعرف اليوم، يقول هو عن نفسه إنه يعرف الآب لأنه يقول: "لاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ"، وكل الناس عدا الأريوسيين يعترفون أن الذي يعرف الآب هو بالحري يعرف كل شيء عن الخليقة ومن ضمن هذا الكل نهاية الخليقة" (عن ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي (ترجمة عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، صـ 352).
[5] القديس أمبروسيوس يشرح نفس الفكرة التي تناولها قداسة البابا فيقول عن معرفة الروح القدس: "فأخبروني إن كان الروح القدس يعرف يوم الدينونة. فليس شيء مكتوب عنه في هذه الآية. فأنتم تنكرون هذا تمامًا. ولكن ماذا إن كنت أريكم أنه يعرف هذا اليوم؟ لأنه مكتوب: "أَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ" (1كو2: 10) فبسبب أن الروح يفحص أعماق الله، وحيث أن الله يعرف يوم الدينونة، فالروح القدس يعرفه أيضًا، لأن الروح يعرف كل ما يعرفه الله، كما يقول الرسول أيضًا: "لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟ هكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ" (1كو2: 11). شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الخامس: 201) صـ349.
[6] يتفق فكر قداسة البابا مع القديس أمبروسيوس الذي شرح ذلك بالتفصيل إذ يقول: "والآن دعنا نوضح أن الابن نفسه أثبت أنه كان يعرف اليوم. لأننا نوضح الأشياء التي نعرفها أما نذكر الوقت أو المكان أو العلامات أو الأشخاص المتصلين، أو بأن نظهر الترتيب الخاص بهذه الأشياء. فكيف إذًا لا يعرف الابن يوم الدينونة وهو الذي وصف الساعة ومكان الدينونة، وكذلك العلامات والحالات؟ ثم يكمل القديس أمبروسيوس عن الأحداث التي تكلم عنها السيد المسيح (لو 17: 31) (مت24: 2)، (لو21: 11). شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الخامس : 202) صـ349 للمزيد حول هذه النقطة راجع صـ 349 – 350.
[7] يتفق فكر قداسة البابا مع فكر القديس أثناسيوس الرسولي عن هذا الأمر، إذ يقول البابا أثناسيوس الرسولي في المقالة الثالثة ضد الأريوسيين: "فالذي يتكلم عن ما يحدث قبل ذلك اليوم، يعرف بالتأكيد اليوم أيضًا، الذي سوف يأتي بعد كل ما سبق وأخبر به، ولكن لو لم يكن يعرف الساعة، لما كان تحدث عن الأمور التي تسبقها لكونه لا يعرف متى ستكون. ومثل إنسان يريد أن يدل أولئك الذين يجهلون مكان منزل ما أو مدينة، فهو يذكر لهم بالتفصيل الأشياء التي تقابلهم قبل المنزل أو المدينة وبعد أن يشرح لهم كل شيء يقول: وبعد ذلك تجدون المدينة أو المنزل مباشرة، فهذا المشير يعرف تمامًا أين يوجد المنزل أو المدينة. لأنه لو لم يكن يعرف لما استطاع أن يشرح لهم ما يجدونه قبلها). (عن ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي (ترجمة عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية2017م)، صـ 350).
[8] القديس هيلاري أسقف بواتييه: "لا بد أن نتذكر أن كنوز العلم هذه قد أخفيت فيه، ولا نقول إنها ليست فيه لأنه مخفية. ولأنها في الله فهي فيه، ومخفية بسبب وجود سر. لكن المسيح سر الله، المذخر فيه كنوز العلم، ليس مخفيًا عن عيوننا وأفهامنا. ولأنه هو نفسه السر، تعالوا نرى إن كان يجهل هذه الأمور التي لا يعرفها. إن كانت مجاهرته بالجهل في مكان آخر لا تتضمن أنه لا يعلم، فسوف يكون من الخطأ هنا أيضًا دعوته جاهلاً، إن كان لا يعرف. إن جميع كنوز العلم مخفية فيه، لذا فإن جهله هو بالأحرى تدبير وليس عدم معرفة. وهكذا يمكننا أن نعين سببًا لجهله، دون افتراض أنه لم يكن يعرف". (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمة راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب التاسع: 62)، صـ665).
[9] يشير إلى ذلك القديس أمبروسيوس إذ يقول: "ولكن هناك بعض الناس يستندون على كلمات الإنجيل: "أَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ" (لو2: 52)، فيتجاسرون ويقولون إنه بحسب ألوهيته لا يمكن أن يجهل المستقبل، ولكنه باتخاذه حالتنا البشرية قال قبل صلبه كابن الإنسان يجهل المستقبل، لأنه حينما يتحدث عن الابن، فهو لا يتحدث كأنه عن شخص آخر، لأنه هو نفسه ربنا ابن الله وابن العذراء. ولكنه بكلمة واحدة يوجه عقولنا، حتى أنه كابن الإنسان بحسب تبنيه لجهلنا والنمو في المعرفة، يمكن أن نعتقد عنه أنه لم يصل بعد إلى معرفة لكل الأشياء. لأننا نحن البشر لا نملك معرفة المستقبل. لذلك فهو يبدو كما لو كان جاهلاً في تلك الحالة التي يحدث فيها التقدم (الحالة البشرية). لأنه كيف يتقدم بحسب ألوهيته، وهو الذي "فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كو2: 9). شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الخامس: 220) صـ 355.
[10] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "إذًا فالكلمة باعتباره الكلمة، ليس هو الذي تقدم فهو الكامل من الآب الكامل، وهو لا يحتاج شيئًا بل هو يأتي بالآخرين إلى التقدم، ولكن كتب هنا أنه يتقدم إنسانيًا، حيث أن التقدم هو خاص بالبشر، ولذا فالإنجيلي وهو يتكلم بدقة وحذر، قد ذكر القامة عندما تحدث عن التقدم، ولكن لكونه هو الكلمة وهو الله، فهو لا يقاس بالقامة، التي تخص الأجساد. إذًا فالتقدم هو للجسد، لهذا ففي تقدمه كان ظهور اللاهوت لأولئك الذين رأوه يزداد فيه أيضًا. وكلما كان اللاهوت ينكشف أكثر فأكثر كلما ازدادت نعمته كإنسان أمام كل الناس. "ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي (ترجمه عن اليونانية أ.صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة: 52، صـ 362.
[11] القديس هيلاري: "تذكروا أن الله الآب قد حدد هذا اليوم بسلطانه، لكي لا تصل هذه المعرفة إلى البشر، وعندما سُئل الابن قبل هذا، أجاب بأنه لا يعلم، أما الآن فإنه لا ينكر معرفته، بل يقول إنه ليس لهم أن يعرفوا وأن الآب لم يضع هذه الأزمنة في علمه، بل في سلطانه الخاص". (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمة راهب من دير أنبا أنطونيوس،2017م (الكتاب التاسع:75، صـ 662).
[12] يقول القديس باسليوس الكبير في رسائله (Letter 261 :3): "من خاصية الجسد أنه يعاني من النزاعات ومن الألم والجوع والعطش، وأن يُغلب من النوم، وأيضًا النفس التي لها جسد تشعر بالحزن والتعب والاضطراب وما إلى ذلك. من هذه الأمور ما يصدر عن الطبيعة كضرورة لكل كائن حي، وأخرى تأتي بسبب الإرادة الشريرة، وتحدث بسبب عدم التأدب اللائق وعدم التدرب على الفضيلة. من ثم واضح أن ربنا أخذ المشاعر الطبيعية لتحقق تجسده الحقيقي، وليس عن طريق شكلي للتجسد، ولا صادرة عن شر، ولا عن تلوث لنقاوة حياتنا، لقد رفض ما لا يليق بلاهوته الذي بلا خطية. بهذا قيل عنه صار في شكل جسد الخطية، وليس شبه الجسد، تبع ذلك أنه أخذ جسدنا بمشاعره الطبيعية ولكن بدون خطية". القديس باسليوس الكبير الجزء الثالث أفكاره الكتابية واللاهوتية والكنسية، إعداد القمص تادرس يعقوب ملطي، صـ87.
[13] نفس هذه الفكرة يشرحها القديس أثناسيوس إذ يقول: "فواضح أنه بصفته الكلمة، يعرف أيضًا ساعة نهاية كل الأشياء رغم أنه كإنسان يجهلها، لأن الجهل هو من خصائص الإنسان، وخاصة في هذه الأمور. وبالأكثر فإن هذا لائق بمحبة المخلص للبشر، لأنه منذ أن صار إنسانًا لم يخجل – بسبب الجسد الذي يجهل – أن يقول لا أعرف لكي يوضح أنه بينما هو يعرف لأنه هو الله، فهو يجهل جسديًا. ولذلك فهو لم يقل: "ولا ابن الله لا يعرف"؛ لئلا يبدو أن اللاهوت يجهل، بل قال ببساطة: "ولا الابن" لكي تكون عدم المعرفة منسوبة لطبيعة الابن البشرية". (عن كتاب، ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي (ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م. صـ351).
الفصل الرابع أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته
أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ[1]
من الآيات التي آساء فهمها الأريوسيين، الآية التي جاءت في (يو17: 3) "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ".
And this is life eternal, that they might know thee the only true God, and Jesus Christ, whom thou hast sent (Jh 17: 3).
"مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أيضًا، إِذْ أَعْطَيْتَهُ سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ جَسَدٍ لِيُعْطِيَ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" (يو17: 1-3).
يرى الأريوسيون أن عبارة "أنت الإله الحقيقي وحدك" أن المسيح ليس هو الإله الحقيقي وأن يسوع المسيح الذي أرسلته واحد آخر، وهذا ضد لاهوت المسيح.
ونرد بأن السيد المسيح قال هذه الآية لكي يشرح وحدانية الله وأن الله هو الإله الحقيقي، وليست الآلهة الوثنية الكثيرة الموجودة في ذلك الزمان. وأيضًا لا تعني الألوهية بمعناها الحق، ولكن كما أن الله لما دعا موسى النبي واعتذر وقال: "لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ" (خر4: 10) قال له الله أعطيك هارون أخاك: "وَهُوَ يُكَلِّمُ الشَّعْبَ عَنْكَ. وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا، وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلهًا".
تكون له إلهًا أي توحي إليه بالكلام، ولا يقصد تكون له إلهًا أي خالقًا، لأن هارون كان وُلِد قبل موسى، إنما يقصد أن توحي إليه بالكلام، وأيضًا عندما قال لموسى: "أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ" (خر7: 1). جعلتك إلهًا لفرعون؛ ليس إلهًا حقيقيًا، ولكن كما تقول "سيدًا"، مجرد ألوهية ولكن ليس إله أي خالق وغير محدود وإنما سيدًا كما قيل:
† في (مز82: 1) "اَللهُ قَائِمٌ فِي مَجْمَعِ اللهِ. فِي وَسْطِ الآلِهَةِ يَقْضِي".
† وأيضًا "أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ لكِنْ مِثْلَ النَّاسِ تَمُوتُونَ وَكَأَحَدِ الرُّؤَسَاءِ تَسْقُطُونَ" (مز82: 6، 7)، والذين يموتون ويسقطون ليسوا آلهة بالحقيقة.[2]
فَبقوله "أنت الإله الحقيقي وحدك" يعني هنا "وحدانية الله، وأن لاهوته حقيقيًا، وليس مجرد لقب". أيضًا الشياطين كانوا يُدعون آلهة كما يقول المزمور: "لأن آلهة الأمم شياطين" أي الأصنام والعبادات الوثنية.. فيقصد تمييز الله عن الآلهة الأخرى، آلهة الأمم والآلهة غير الحقيقية والأصنام الوثنية.. فإنه هو وحده الله وأيضًا الإله الحقيقي.
الإله الحقيقي وحدك
لذا عبارة "أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ" لتمييزه عن آلهة الأمم، وأيضًا ليميزه عن الأبرار الذين دُعيوا آلهة تشريفًا لهم "أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ" (مز82: 6) لكن هذا الكلام ليس عن السيد المسيح.[3]
أما عبارة "وحدك" فهو لم يقصد أن يميز الآب عن نفسه، حيث أنه هو الإله الحقيقي وحده فيكون يسوع المسيح ليس هو، في هذه الآيات لا بد أن تضعوا الآيات الأخرى التي توازن معها وتكمّل المعنى. فعبارات "أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ"، و"أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ"، و"أنا وأنت واحد".
"أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ"، و"أنا في الآب والآب فيَّ"، و"اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ" (يو14: 19).. نضعهم معًا. أنت الإله الحقيقي وحدك وأنا ابنك الذي فيك، ونحن الاثنان واحدًا. "أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ" وأنا كلمة الله، أو عقل الله الناطق، أو نطق الله العاقل كتفسير كلمة اللوجوس أو كما ورد في (1كو1: 24) أن المسيح هو "قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ". "وحكمة الله داخل الله وقوة الله داخل الله فأنا لست منفصلاً عنك أنت الإله الحقيقي وحدك، لكن أنا لست غريبًا عنك، أنا حكمتك، أنا قوتك، أنا عقلك الناطق ونطقك العاقل".[4]
الإعلان عن الآب:
"اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْن الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو1: 18)، أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ؛ لكن أنا أعطيتُ صورة عنك للناس، أنا أعلنتك للناس من رآني فقد رآك ولذلك قال لفيلبس في (يو14) عندما قال له: "أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا"، قال له: "أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟".
فهنا الآب ليس منفصلاً عن المسيح ولا المسيح منفصل عن الآب. المسيح هو صورة الله غير المنظور، هو الذي أعطى صورة الآب للناس كما ورد في (يو1: 18) "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ".
يسوع المسيح
يقول: "يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ".. نلاحظ هنا أن هذه أول مرة في الكتاب أن السيد المسيح يقول عن نفسه إن اسمه يسوع المسيح. ورغم أن هناك أناس قالوا عنه إنه هو يسوع المسيح، بل عندما آمن به بطرس أن هو المسيح ابن الله الحي يقول الكتاب: "حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلاَمِيذَهُ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (مت16: 20). قال لهم: لا تقولوا هذا الكلام لكن هو أول مرة قال على نفسه، وحدث أن البعض آمن به بهذا الشكل؛ آمن به السامريين "قَالُوا لِلْمَرْأَةِ إِنَّنَا لَسْنَا بَعْدُ بِسَبَبِ كَلاَمِكِ نُؤْمِنُ، لأَنَّنَا نَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا وَنَعْلَمُ أَنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ" (يوحنا4: 42) حتى هنا المسيح فقط. لكن في الآية قال: (ويسوع المسيح)[5].
كما في قوله "أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ" أنت الآب لكن ليس معنى ذلك أني منفصل عنك. "أنا اللوجوس عقل الآب، نطق الآب، أقنوم المعرفة، قوة الله، حكمة الله، ابن الله الوحيد، صورة الله غير المنظور كل هذه توضع معًا ويكون هو غير منفصل عنه.[6]
ليعرفوك:
أما عبارة "ليعرفوك" فهم سيعرفوك عن طريقي، لأني أنا صورة الله غير المنظور، وأنا الذي أريتهم الله، وأيضًا سيعرفوك عن طريق العلم والمعرفة التي أعطيتها للناس. لأنه قال له: "أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ، إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ، أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ، وَهؤُلاَءِ عَرَفُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ" (يو17: 25، 26).
وسيعرفوك حسب الإعلان الذي أعلنته أنا لهم؛ أنك أنت الآب السماوي، أنك أنت تحبهم، أنك أنت الإله المثلث الأقانيم، أنا عرفتهم "الآب والابن والروح القدس"، وعرفتهم الآب السماوي، وسأعرفهم. "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ"، ويعرفوك عن طريقي لأن أنا الذي أعلنت اسمك للناس ولذلك قال: "وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ" (يو17: 26).
لاحظوا في هذا الإصحاح من (يو17) أنه كرر عبارة "الذين أعطيتني" سبع مرات، لأن يقول: "أَعْطَيْتَهُ سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ جَسَدٍ لِيُعْطِيَ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ" (يو17: 2) فهذا أمر لطيف أن نعرف أن الكنيسة هي عطية الآب مقدمة للابن لكي يصير رأسًا لها وأن هذا الرأس هو الذي عرّف الكنيسة بالله الآب.
لاحظوا أيضًا عندما يقول: "أَعْطَيْتَهُ سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ جَسَدٍ لِيُعْطِيَ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ" أن عبارة "على كل جسد" تعني كل إنسان، لا بد أن تفهموا terminology الكتاب؛ أحيانًا كلمة جسد تدل على الإنسان كله، وليس على الجسد Body فقط، ولذلك عندما يقول في إنجيل يوحنا: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا" (يو1: 14) يقصد إنسانًا كاملًا وليس مجرد جسد. وفي قوله: "وَلَوْ لَمْ يُقَصِّرِ الرَّبُّ تِلْكَ الأَيَّامَ، لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ" (مر13: 20) تعني لم يخلص أي إنسان.
لا بد أن تفهموا تعبير الكتاب المقدس، ليس المعنى الاصطلاحي الموجود في القاموس، إنما المعنى اللاهوتي كما يستخدمه الكتاب المقدس[7].
الحياة الأبدية
"إِذْ أَعْطَيْتَهُ سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ جَسَدٍ لِيُعْطِيَ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ أَنْ يَعْرِفُوكَ" فليس من المعقول أن الذي يمنح الحياة الأبدية لا يكون هو الله!! مَن الذي يعطي الحياة الأبدية؟! يتكلم السيد المسيح عن نفسه "ليعطي حياةً أبدية لكل من أعطيته"، فهو الإله الذي يعطي الحياة الأبدية. وهذه الحياة الأبدية تكون عن طريق معرفة الله، وليس معرفة الله كثالوث فقط أو معرفة الآب كآب فقط، بل أيضًا معرفة الله الذي يمنح الفداء أيضًا. والحياة الأبدية لا تكون إلاّ عن طريق الفداء ولذلك قال: "وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" يسوع يعني مخلص، والمسيح الذي مُسح لهذه الرسالة رسالة الخلاص مُسح نبيًا وكاهنًا وملكًا يقول: هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك، ويعرفون الفداء في شخص يسوع الذي أرسلته. ومن هو يسوع؟! هو ابنك الوحيد الكائن في حض الآب "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ" (يو3: 16). فقال له: الحياة الأبدية أن يعرفوا أن هناك لاهوت، يوجد لاهوت واحد وأنا لست غريبًا عن هذا اللاهوت، أنا الابن الوحيد الذي جاء لخلاص العالم ولذلك سُمّيَ "اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (مت1: 21).
فنحن في هذه الآية لا نفصل الآب عن الابن، وإنما عرفنا الآب في ابنه الذي أرسله.
أريد أن أقول لكم إن من أفضل الذين تأملوا في عبارة "الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ" هو القديس أمبروسيوس في كتابه عن الإيمان De fide، قال: "في كل مرة نتكلم عن الآب لا نتكلم عنه منفصلاً عن الابن، وعندما يقول "وحده" لا تعني أن الابن ليس له دخلاً في الموضوع، إنما تعني اللاهوت (الألوهية وحدها) بما فيها الابن".
وضرب أمثلة كثيرة فقال مثلاً "أَنَا الرَّبُّ صَانِعٌ كُلَّ شَيْءٍ، نَاشِرٌ السَّمَاوَاتِ وَحْدِي، بَاسِطٌ الأَرْضَ. مَنْ مَعِي؟" (إش44: 24)، فيقول أمبروسيوس: هو وحده صانع كل شيء ناشر السماوات، وباسط الأرض ومن معه؟! لا أحد! لذلك لا بد أن مع هذه الآية (إش44: 24)، نضيف إليها ما ورد في (أم8: 27) "لَمَّا ثَبَّتَ السَّمَاوَاتِ كُنْتُ هُنَاكَ أَنَا"، ويقول لما عمل كذا وكذا... "كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعًا" أي الابن. فهو يقول أنا وحدي الذي صنعت هذه الأشياء[8].
القديس أمبروسيوس يقول: إنه عندما يقول هو وحده لا يعني الآب وحده، لأن هو عمل كل شيء بالابن كما ورد في (عب1: 2) "الَّذِي بِهِ أيضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ"، أي عمل كل شيء بالابن، ويقول للابن في (عب1: 10) "أَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ" وفي (يو1: 3) يقول: "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ"، فعندما يقول الله الآب في إشعياء يقول: أنا عملت هذه الأشياء. ليس معناها هو وحده، لأن الابن يقول: "كنت عنده صانعًا". لأن الآب عمل كل شيء بعقله، بنطقه، بحكمته، والابن هو عقل الله ونطقه وحكمته فيصبح تفسير كلمة وحده هذه يقصد بها اللاهوت عمومًا ولا يقصد بها الآب وحده.
وهناك مثل آخر في (أي9: 8) يتحدث عن الله يقول: "الْبَاسِطُ السَّمَاوَاتِ وَحْدَهُ، وَالْمَاشِي عَلَى أَعَالِي الْبَحْرِ" وبعد ذلك يقول عن المسيح: "أَتَاهُمْ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ" (مر6: 48)، فيكون كلمة وحده ليس معناها الآب وحده، بل معناها الألوهية وحدها بما في ذلك الابن أيضًا. ولذلك في (يو5: 19) الابن يعمل كل ما يعمله هكذا قال الآب: "ما يعمله الآب فذلك يعمله الابن أيضًا لأنه "مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ" هناك أشياء كثيرة نعتقد أن الآب يعملها ولكن يعملها الابن.
يقول في (رو11: 36): "لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ" فهو يتأمل في كلمة وحده، فيأتي القديس أمبروسيوس يدخل في أمور أخرى في كلمة وحده، يقول في (1تي6: 16) "الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ" يقول: "فهل الابن ليس له عدم الموت؟! الابن ليس حي فقط وله عدم الموت، إنما فيه كانت الحياة، بل هو قال عن نفسه إنه هو نفسه الحياة "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6)، يقول هل الذي هو الحياة ليس له عدم الموت؟!! إذًا كلمة له وحده عدم الموت ليس معناها خاصة بالآب فقط وإنما خاصة باللاهوت كجملة.[9]
كما تعرض بعض القديسين لهذا الأمر أيضًا وقال عندما نقول: الذي له عدم الموت فهل الروح القدس لا يدخل في ذلك ويكون الآب فقط له. عدم الموت تشمل اللاهوت جملةً ولا تشمل الآب وحده فعندما يقول وحده يخص الأقانيم الثلاثة معًا وفي الخلق طبعًا هو في خلق الإنسان في تكوين "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا" (تك1: 26) البعض في تأمله "نعمل" يقول: "الثالوث القدوس" فإن كان الآب هو الذي خلق العالم وحده، فهو خلقه بالابن، فتكون "وحده" ليس معناها منفصلاً عن الابن إنما خلق العالم وحده بابنه كل شيئًا به كان وبغيره لم يكن، فمن الذي خلق العالم الآب أم الابن؟ تقول في البدء خلق الله السموات والأرض هل معناها الله وحده هل الآب وحده وإنما الآب خلق العالم بالابن وإلا ما كان يقول كل شيئًا به كان.
وبعد ذلك يدخل القديس أمبروسيوس في تأمله فيقول: بطرس الرسول في (أع4: 12) يقول عن السيد المسيح: "لَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ" فهل الخلاص بالمسيح وحده والآب بعيد عن هذا الخلاص؟!! كما يستحيل القول إن الآب بعيد عن الخلاص، على الأقل هو يقول: "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ" (يو3: 16) أي أن الله أرسل ابنه مخلصًا فلا نقدر أن نقول وحده.[10]
أما كلمة وحده خذها باستمرار عن اللاهوت جملة، إن قيلت عن الآب فتشمل الابن أيضًا لأن الآب ليس منفصلًا عن الابن،[11] وبعد ذلك يدخل القديس أمبروسيوس في موضوع قول السيد المسيح في التجربة للشيطان: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (مت4: 10) فيعلق: "هل الآب وحده هو الذي له العبادة وله السجود؟! أما السيد المسيح قَبِلَ العبادة من كثيرين وقَبِلَ السجود من كثيرين والعبادة"، وبولس الرسول في بدء رسائله باستمرار يقول: "بُولُسُ، عَبْدُ اللهِ، وَرَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.." (تي1: 1)، لكن في ترجمة Nicene and Post-Nicene Fathers يقول في (مت4: 10): "تعبد وتخدم ولم يقل تسجد". فالمسيح قَبِل السجود من كثيرين، قَبِل السجود من مريم المجدلية ومريم الأخرى، قَبِل السجود من الناس الذين في السفينة، والذين رأوه ماشيًا على البحر، قَبِل السجود من المولود أعمى، وقَبِل السجود من كثيرين، عندما يقول: "لإلهك وحده تسجد" لا يقصد الآب؛ فكلمة وحده ممكن تشمل الآب وتشمل الابن أيضًا.
بعد ذلك قال إن الأريوسيين يقولون: "إذا كنت تقول هذا، فإذًا يكون هناك إلهين الآب والابن"... نرد نقول: "لا ليس إلهين.. نحن نتحدث عن إله واحد فيه أقنومين، لكن هناك إله واحد.
ويقول: الاثنين هذه تقال على الأشياء التي فيها مادة مختلفة، مثل إنسانين، مثل حيوانين، مثل جبلين مثل أي شيء آخر، لكن الآب والابن واحد في الطبيعة، واحد من جهة الزمن أو فوق الزمن، واحد من جهة الفكر، واحد من جهة العمل، واحد من جهة المكان أو كل مكان، واحد من جهة المشيئة، فهناك وحدانية في اللاهوت، وفي الجوهر أيضًا.. فلا نقدر أن نقول إلهين.[12]
وقال إن هناك آية ثانية يعتمد عليها الأريوسيون؛ السيد المسيح وهو يكلم المرأة السامرية عندما سألته: "السجود في أورشليم أم في هذا الجبل؟" فقال لها عبارة أخذها الأريوسيون: "أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ" (يو4: 22).
فعبارة "أما نحن فنسجد" تعني أن السيد المسيح يعبد الآب أو يقدم عبادة للآب! لكن هو طبعًا قالها من الناحية البشرية، ثم أنه قالها كيهودي.. لأنها كانت تقول له: "أنتَ يَهُوديٌّ وأَنَا امرَأَة سَامِرِية"، كيهودي تسجد في أورشليم، وأنا كسامرية أسجد في هذا الجبل فأيهما المكان الصحيح؟ لذا قال لها: "نحن" أي نحن كيهود، وليس نحن كإله. "أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ" (يو4: 22). فابتدأ يكلمها هنا كيهودي لأنه حتى في هذا الموضوع يتكلم من الناحية البشرية لأنه قيل إنه عندما تعب جلس عند البئر، وكان عطشانًا فطلب أن يشرب..
فقال أمبروسيوس[13]: أنه لم يتكلم من الناحية اللاهوتية لأن اللاهوت لا يتعب ولا يحتاج أن يستريح عند البئر، ولا يحتاج أن يشرب..
فكان يتكلم من الناحية البشرية وبدليل أنه بعد ذلك عندما بدأ في الشرح لها لم يُدخِل نفسه في الموضوع قال: "صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ" (يو4: 21) ثم قال: "تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ" (يو4: 23). لم يقل: "نسجد للآب بالروح والحق"، قال: "الساجدون الحقيقيون". لذلك قالت له: "أنت هو المسيا".. عرفت أنه المسيا الذي هو المسيح، وسألته فقال لها: "أَنَا.. هُوَ".
لكن السيد المسيح عمومًا من الممكن كإنسان أن يصلي، وممكن كإنسان أن يعبد.
ولو لم يعمل هكذا.. سيقول الناس إنه شخص غير متديّن، فلا يؤمنون به.. لأنهم سيقولون لم نره يصلي! لذا فهو يصلي لكي يعطينا قدوة، ويصلي أيضًا لكي يُثبّت إيمان الناس. هو طلب أن يشرب بينما هو يعطي الماء الحي. وهو تعب من رحلته وجلس عند البئر بينما هو يريح جميع التعابى.
وهو مات لكي يُحي الموتى كإنسان، ممكن أن يسجد مع الناس وكإله يَسجُد له الكثيرون.
[1] ألقى قداسة البابا شنوده الثالث عدة محاضرات بعنوان "أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته"، بتاريخ 22 نوفمبر 1994م، 17 يونيو1995م، 25 ديسمبر2007م ولعدم التكرار نكتفي بنشر محاضرة 22 نوفمبر1994م مع إضافة النقاط غير المكررة التي قالها قداسته في المحاضرات السابق ذكرها.
[2] القديس هيلاري أسقف بواتييه يقول: "لاحظوا الأمثلة الأخرى المسجلة التي منح فيها هذا الاسم كتفضل أو قد اتُخذ. لقد قيل لموسى: "أنا جعلتك إلهًا لفرعون". ألاَّ تفسر هذه بالإضافة – فرعون – (هذا) اللقب، هل منح الله لموسى الطبيعة الإلهية؟ ألم يجعل موسى بالحري إلهًا أمام مرأى فرعون، الذي كان على وشك الإصابة بالرعب حينما ابتلعت أفعى موسى الأفاعي السحرية.. هذا هو المعنى الذي عيّن موسى ليكون إلهًا لفرعون. لقد خاف وتضرع، ضُرب وشفى. أن تُعيّن كإله شيء، وأن تكون إلهًا شيء آخر. لقد جُعل إلهًا لفرعون، لم يكن له نفس الطبيعة والاسم اللذان لله. كما أني أتذكر مثالاً آخر للاسم الذي أُعطى كلقب، الذي كُتب فيه: "أنا قلت أنكم آلهة". لكن هذا هو منح الامتياز بشكل واضح. عبارة "أنا قلت" تُثبت أنه ليس تعريفًا بل مجرد وصف من أحد قد اختار أن يتكلم هكذا". (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمة راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب السابع:10، صـ480).
[3] يقول القديس أثناسيوس الرسولي: "لأن هذه الآيات لم تكتب ضد الابن، بل لكي تستبعد الآلهة الكاذبة التي اخترعها البشر". (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمة عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017 م)، المقالة الثالثة:7، صـ296).
[4] يقول القديس أثناسيوس: "والآن فإن هدف الكتاب وميزته الخاصة كما قلنا مرارًا هو أنه يحوى إعلانًا مزدوجًا عن المخلص: أي أنه كان دائمًا إلهًا وأنه الابن إذ هو كلمة الآب وشعاع حكمته. ثم بعد ذلك اتخذ جسدًا من العذراء مريم والدة الإله، وصار إنسانًا. وهذا هو الهدف نجده في كل الكتب الموحى بها، كما قال الرب نفسه: "فَتِّشُوا الْكُتُبَ.. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي". ولكن لكي لا أكثر في الكتابة بجمع كل الآيات عن هذا الموضوع فسوف أكتفي بذكر عينة من هذه الآيات فأولًا يقول يوحنا: " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ". وبعد ذلك يقول: " وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا"، ثم كتب بولس: " الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ، لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ". (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة: 29، صـ321).
[5] القديس هيلاري أسقف بواتييه يعلق على إضافة (يسوع المسيح) بعد أنت الإله الحقيقي وحدك فيقول: "لكن ربما بقوله وحدك يفصل المسيح نفسه عن الشركة والاتحاد مع الله. لكن، ألم يكمل مباشرة قائلاً: "ويسوع المسيح الذي أرسلته"، بعد قوله أنت الإله الحقيقي وحدك؟! أنا أستغيث بعقل القارئ ما هو اعتقادنا في المسيح؟ حينما نؤمن بأنه أيضًا الإله الحقيقي وحده مثله مثل الآب؟" (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمة راهب من دير أنبا انطونيوس، 2017، (الكتاب التاسع: 34)، صـ 627).
[6] يقول القديس أثناسيوس الرسولي: "ولهذا فقد أضاف الرب مباشرة: "وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ". وعلى هذا فلو أنه كان مخلوقًا لما كان قد أضاف هذه الكلمة ولما كان قد أحصى نفسه مع الخالق، فأية شركة توجد بين الحقيقي وغير الحقيقي؟ ولكن الابن إذ أحصى نفسه مع الآب، فقد أظهر أنه من طبيعة الآب نفسها وأعطانا أن نعرف أنه المولود الحقيقي من الآب الحقيقي". (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة: 9، صـ 298).
[7] يقول القديس أثناسيوس الرسولي: "لأنه كما قال يوحنا: "الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا". فمن عادة الكتّاب أن يدعو الإنسان بلفظة جسد، كما يقول بيوئيل النبي: "أسكب روحي على كل جسد" وكما قال دانيال إلى استياجيس: "لست أعبد الأصنام المصنوعة بالأيدي بل الإله الحي الذي خلق السماء والأرض، وله سلطان على كل جسد"، فكل من دانيال ويوئيل يدعو جنس البشر جسدًا". (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمة عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة: 30، صـ332).
[8] يقول القديس أمبروسيوس: "إن الابن لا يجب أن يفصل عن الآب، دعهم يتذكرون أن الله قال في الأنبياء: "أنا نشرت السموات وحدي" (إش44: 24) فبالتأكيد إن الآب لم ينشرها بدون الابن. لأن الابن نفسه الذي هو حكمة الله يقول: "حينما ثبت السموات كنت هناك أنا" (أم8: 27). وبولس يعلن أنه قيل عن الابن: "أَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ" (عب1: 10) لذلك فإن الابن صنع السموات كما قال الرسول بولس، بينما هو بالتأكيد لم ينشرها بدون الآب، أو كما جاء في سفر الأمثال: "الرَّبُّ بِالْحِكْمَةِ أَسَّسَ الأَرْضَ. أَثْبَتَ السَّمَاوَاتِ بِالْفَهْمِ" (أم3: 19). وعلى ذلك يتبرهن أن الآب لم يصنع السموات وحده بدون الابن، ولا الابن صنعها بدون الآب، ومع ذلك يقال عن الذي نشر السموات أنه نشرها وحده. (شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الخامس : 29)، صـ 284، 485).
[9] يقول القديس أمبروسيوس: "كما يبدو فإن هذا يتفق مع ما هو مكتوب: "الذي له وحده عدم الموت" (1تي6: 16)، لأنه كيف لا يوصف ذلك الذي له الحياة في ذاته، بصفة عدم الموت؟ فالحياة هي طبيعته، أنها في كيانه الجوهري، وهي ليست له كنعمة مؤقتة بل بسبب ألوهيته الأبدية، وهو يملكها لا كهبة معطاة له، ولكن بحق ميلاده الخاص به إذ هو الابن المساوي للآب في الأزلية، فالحياة هي له كما هي للآب "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ". شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الخامس: 35)، صـ 286، 287.
[10] يقول القديس أمبروسيوس: "ولكن إن كانوا يرغبون أن يفصلوا الابن عندما يقرأون أن الآب هو الإله الحقيقي وحده، فإنني أظن أنهم عندما يقرأون عن تجسد الابن "هذَا هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي احْتَقَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْبَنَّاؤُونَ، الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ". وأيضًا: "لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ" (أع 4 :11، 12). فهم يتصورون الآب أنه لا علاقة له بإعطائنا الخلاص، مع أنه لا يوجد خلاص بدون الآب ولا حياة أبدية بدون الابن. شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمه د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الخامس: 38)، صـ 288.
[11] القديس كيرلس عمود الدين يقول: "وحينما نقول الطبيعة الإلهية، فإنما نعني كل الثالوث القدوس في الله الواحد، ولا نعني كل أقنوم على حده. بينما حين نتناول البحث في الآب والابن والروح القدس فإننا لا نقصد كشف كل الطبيعة الإلهية بلا تمييز، ولكننا نبدأ بقدر الإمكان بتمييز الأقانيم كل أقنوم بحسب خاصيته، لنصل إلى إدراك وحدتهم الجوهرية، حسب طاقتنا". القديس كيرلس عمود الدين: حوار حول الثالوث، ترجمه د. جوزيف موريس فلتس، مؤسسة القديس أنطونيوس مركز الدراسات الآبائية، الطبعة الثانية، نوفمبر 2018م، الحوار الثاني، صـ47–48.
[12] نفس الفكرة يشرحها القديس أمبروسيوس في الرد على ادعاء الأريوسيين فيقول: "هذا ما يقولونه الأريوسيون.. ولكن من جهة أخرى إذا ما قرأنا الكتب المقدسة، فسنجد أن التعدد يحدث بالأحرى بين تلك الأشياء التي هي من طبيعة مختلفة ومتنوعة (eterousia)، (ثم يسوق القديس أمبروسيوس مثال لذلك من سفر الأمثال (أم30 : 18–19) ويكمل بعد ذلك قائلاً: فبالقول إن جوهر الآب والابن مختلفان، وأن ألوهيتهما مختلفة، فهم بهذا يؤكدون أنه يوجد إلهان. ولكننا نحن عندما نعترف ونصرح بأن الآب والابن ألوهيتهما واحدة. فنحن نقول إنه لا يوجد إلهان بل إله واحد. وهذا هو ما ندعمه بكلام الله. لأنه حيث يوجد تعدد، فهناك يكون اختلاف إما في الطبيعة أو المشيئة أو العمل. وأخيرًا فلكي ما ندحض أفكارهم من خلال شهاداتهم الخاصة، فهنا يذكر رجلان ولكن مع أنهما من طبيعة واحدة بمقتضى الميلاد، إلا أنهما في الزمن والفكر والعمل والمكان هما منفصلان، من ثم فإن رجلاً واحدًا لا يمكن الكلام عنه تحت معنى وعدد اثنين. فحيث يوجد تعدد لا تكون هناك وحدة. ولكن يقال إن الله واحد، وهكذا يعبر عن مجد الآب وكماله، أي الابن والروح القدس".
"شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمه د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الخامس: 40، 41) صـ 289، 290".
[13] يشرح القديس باسليوس موقف المرأة السامرية فيقول: في الآيات الأولى من هذا الإصحاح ذكر أن يسوع إذ كان قد تعب من السفر، جلس وسأل امرأة سامرية أن تعطيه ليشرب (يو4: 6، 7) لأنه يتكلم هنا كإنسان، فهو كإله لا يمكن أن يتعب أو يعطش". شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمه د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الخامس: 48)، ص 293.
الفصل الخامس أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم
أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم[1]
أيضًا من الآيات التي أساء فهمها الأريوسيون ضد لاهوت المسيح، من ضمنها ما ورد في (يوحنا20: 16–17) حديث السيد المسيح مع مريم المجدلية، "قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا مَرْيَمُ» فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالَتْ لَهُ: رَبُّونِي! الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ. قَالَ لَهَا يَسُوعُ: لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي. وَلكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ". نريد أن نفهم معنى هذا الكلام.
من جهة الجسد
هذا الكلام قاله السيد المسيح من جهة إنسانيته، ومن جهة طبيعته البشرية. غالبية الناس في الدفاع عن لاهوت المسيح ينسون أنه إنسان كامل. وعندما نقرأ مثلًا (1تي 2: 5) يقول: "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" فالسيد المسيح له ناسوت كامل، وله طبيعة إنسانية كاملة وهذه الطبيعة يتكلم بها أحيانًا. وواضح هنا أنه يتكلم من جهة الجسد فيقول لها: "اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي" وعبارة إخوتي من ناحية الجسد، أي أنه هنا لا يتكلم من جهة اللاهوت، إنما يتكلم من ناحية الجسد، "اذهبي وقولي لإخوتي".[2]
ملحوظة: عبارة "إخوتي" وردت بالنسبة للسيد المسيح في عدة معاني على الأقل ثلاث معاني..
المعنى الأول
البشر عمومًا، يقول: "لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً" (عب2: 11) "مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا للهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ" (عب2: 17) فهنا كلمة (إخوته) أُطلقت على البشرية كلها، وأيضًا ورد في عبرانين "فَلِهذَا السَّبَبِ لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً، قَائِلًا: أُخَبِّرُ بِاسمكَ إِخْوَتِي، وَفِي وَسَطِ الْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ" (عب2: 11، 12)، فقيل "إخوته" على أنه شابه الناس في الطبيعة البشرية، شابه إخوته في كل شيء ولم يستح أن يدعوهم إخوة.
أيضًا عبارة "إخوتي" وردت في مزمور 22 الذي يتكلم على صلب السيد المسيح، وفيه آيات "إلهي إلهي لماذا تركتني؟!" و"ثقبوا يديّ وقدميّ" أي فيه الأمور الخاصة بتجسده وبآلامه. يقول: "أُخْبِرْ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي" (مز22:22).
تعليقات الآباء
ولذلك نرى هنا تعليقين: تعليق من القديس غريغوريوس الثيئولوغوس، وتعليق من القديس هيلاري أسقف بواتييه.
القديس هيلاري أسقف بواتييه يقول: "هل هم إخوته بصفته إلهًا؟ غير ممكن. هل إخوته من حيث إن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا كما ورد في (كو2: 9) بالطبع لا. إذًا إخوته من ناحية الجسد فهو يتكلم من ناحية الجسد"[3].
يقول أيضًا القديس هيلاري أسقف بواتييه: "هم إخوته من حيث هو دودة (يقصد داود النبي) وليس إنسان، كما قال: "أَمَّا أَنَا فَدُودَةٌ لاَ إِنْسَانٌ" (مز 22: 6) وإخوته من حيث هو البكر، لكي يصير بكرًا وسط إخوة كثيرين".[4]
إذًا "اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ" أي الناس الذين اشتركت معهم في الطبيعة الجسدية وبحكم هذه الطبيعة الجسدية أقول: "أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ".
كلمة "إلهي" كما قال القديس غريغوريوس ثيئولوغوس: لم يقلها باعتباره الكلمة، إنما باعتباره الكلمة المتجسد. لأن كيف يكون الله له إله؟ فما دام الكلمة هو الله فلا يكون إلهه.
وأيضًا عندما يقول: "إلهي وإلهكم" يتكلم باعتباره أخذ شكل العبد وصار في الهيئة كإنسان، يتكلم من الناحية الإنسانية. وأيضًا يتكلم عن الطبيعة البشرية كلها كجملة، هو ناب عن الطبيعة البشرية وصار بشرًا من أجلنا بكل ما في الطبيعة البشرية من خصائص.[5]
المعنى الثاني
أيضًا قيلت إخوته عن أولاد خالته كما وردت في (مت12: 47-50) قالوا له: "فَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ: هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجًا طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوكَ فَأَجَابَ وَقَالَ لِلْقَائِلِ لَهُ: مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتِي؟ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ: هَا أُمِّي وَإِخْوَتي.لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي"، هذه عن إخوتك خارجًا يطلبونك، عن أقاربه أولاد خالته، فهو تكلم على البشرية كلها وقال: "مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي" ووردت أيضًا في إنجيل يوحنا ثلاث مرات بهذا المعنى، في (يو7: 3، 5، 10) أيضًا (إخوته) الذين هم أولاد خالته.
المعنى الثالث
وإخوته بالمعنى الثالث؛ أي التلاميذ، ولا يوجد شك أنه هنا كان يقولها عن التلاميذ "اذهبي وقولي لإخوتي" عن التلاميذ.
فالسيد المسيح يتكلم في هذه الآية بطبيعته الجسدية البشرية لذلك قال لها: "قولي لإخوتي" وعندما قال لها: "لأني لم أصعد بعد إلى أبي" واضح هنا أنه يتكلم من الناحية الجسدية، لأن صعوده كان صعود بالجسد حتى إننا نقول في القداس (وعند صعودك إلى السماوات جسديًا). من جهة اللاهوت؛ اللاهوت لا يصعد ولا ينزل، لأنه موجود في كل مكان. لكن هنا يتكلم من الناحية الجسدية. فيتكلم من الناحية الجسدية من واقع كلمة "إخوتي" ويتكلم من الناحية الجسدية من واقع الصعود.
كذلك من الناحية الجسدية يكلم امرأة مستواها ما زال ضعيفًا، أي أنها لم تكن قد وصلت للإيمان، بدليل أنها قالت له: "إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ" (يو20: 15) فهنا يكلم واحدة إيمانها ضعيف لم تفهم جيدًا في الأمور اللاهوتية الكبيرة.
نلاحظ أيضًا أنه قال لها: "وَلكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ". جميع القديسين عندما تعرضوا لهذه النقطة قالوا إنه في هذه العبارة يفرّق بينه وبينهم على الرغم من إنه قال: "إخوتي"، قال: "أبي وأبيكم" ولم يقل صاعد إلى أبينا، وقال: "إلهي وإلهكم" ولم يقل إلهنا. لأنه أبي بمعنى، وأبوكم بمعنى، وإلهي بمعنى، وإلهكم بمعنى.
كيف يكون هذا الكلام؟ يقول: "إني أصعد إلى أبي وأبيكم" هو أبي لأني ابن له من جهة الجوهر والطبيعة واللاهوت، وأبوكم من جهة التبنّي.. لهذا على الرغم من أنه كونه أبي وأبيكم إلا إني أنا (الابن الوحيد)، وأحيانًا عندما يقول الابن فقط يكون المقصود بها المسيح.[6]
وأبوكم بمعنى ثان، أبوكم من ناحية التبنّي. كما ورد في رومية 8، وأبوكم من ناحية الإيمان كما ورد في الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا: "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسمه" (يو1: 12) وأبوكم من جهة المحبة كما ورد في (1يو3: 1) "اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ"! فمن جهة المحبة هو أبوكم دعاكم أبناء لكن مع ذلك أنتم عبيد. ولذلك يقول للأبرار في اليوم الأخير: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ!" (مت25: 21). فأبي وأبوكم؛ أبي بمعنى أنّي من جوهره، من طبيعته. وأبوكم من جهة التبني، من جهة المحبة، من جهة الإيمان. فأوجد هذا التفريق بين طبيعته وطبيعتهم.[7]
من الناحية الأقنومية
"وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ" من الناحية الأقنومية على اعتبار أنّي مولود من اللاهوت، هو الآب وأنا الأقنوم المولود منه. لكن هو الأصل، هو الآب. دائمًا كلمة الآب تقال على الأصل، يعني الآب بلاهوته وُلد منه العقل الكُلي والروح الكُلية، فقال: "أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ" يعني إله ناسوتي أو الأصل بالنسبة للاهوت.
نلاحظ أن مريم لم تكن قد وصلت للإيمان الذي يكلمها فيه بالأمور اللاهوتية الكبيرة، ولذلك الفرق بين مريم وتوما فرق كبير، عندما تعرّفت مريم على المسيح قالت له: "رَبُّونِي الَّذِي تَفْسِيرُهُ يَا مُعَلِّمُ" (يو20: 16). أما توما عندما تعرف على المسيح وَقَالَ لَهُ: "رَبِّي وَإِلهِي" (يو20: 28) هناك خلاف بين الاثنين. هذه لا زالت تفكر أن من الممكن أن يسرقوه بالجسد "إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ" وما زالت تقول له: يا معلم "رَبُّونِي" لم تقل "رَبِّي وَإِلهِي" مثل ما قال توما، ما زال فهمها ليس كاملًا.
ولذلك القديس أغسطينوس[8] عندما يفسر هذه الآية: قال لها: "لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي" (يو20: 17) لأني لم أصعد في نظرك إلى مستوى أبي، أنتِ تظنين إني أنا من النوع الذي يمكن أن يُسرق جسده ويضعونه في أي مكان؟!! ولم تفكري في إمكانية قيامتي، وتريدين أن تلمسيني. أي ما زلتِ تعتقدين إني جسد ممكن أن يُلمس، لم أصعد بعد إلى مستوى أبي في نظرك، لم أصعد بعد إلى لاهوت أبي في نظرك، فاذهبي قولي لإخوتي: "إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ".
في كل مرة ترد هذه العبارة يقصد بها أنه يتكلم من الناحية البشرية. أبي بمعنى وأبوكم بمعنى إلهي بمعنى وإلهكم بمعنى، إلهي يعني أصلي الإلهي أو إله ناسوتي لكن إلهكم يعني خالقكم ومُوجدكم الذي أوجدكم.
بنفس الطريقة ممكن أن نتكلم عما ورد في نفس التعبير في (رؤ3) لو كان يتكلم من الناحية اللاهوتية لا يقول إخوتي، "اذهبي وقولي لإخوتي" لأنهم ليسوا إخوته من الناحية اللاهوتية ولو كان يتكلم من الناحية اللاهوتية لا يقول إني سأصعد لأن اللاهوت لا يصعد.
إذًا هذه الكلمة نقولها عن كل ما ورد فيه عبارة "إلهي" إنه يتكلم من الناحية البشرية، وهو على الصليب يقول: "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (مر15: 34) هو يتكلم من جهة طبيعته البشرية، يتكلم من جهة أنه ابن الإنسان، وأنه أخذ هذه الطبيعة وصار في الهيئة كإنسان وأخذ شكل العبد. إما يتكلم كبشر أو يتكلم كنائب من ناحية البشر، فخذوا هذه العبارة حيثما وردت باستمرار.
لعلنا في هذه المناسبة نأخذ نقطة أخرى نضيفها إلى هذا الأمر وهي مثلًا أن المسيح كان يصلي إلى الله، من الناحية البشرية كان يصلي، ومن الناحية اللاهوتية كان يناجي الآب. وأنا باستمرار يحلو لي أن أتكلم على (يوحنا 17)، فلا أقول الصلاة الطويلة التي قدمها المسيح.. وإنما أقول "المناجاة بين الابن والآب".
[1] ألقى قداسة البابا شنوده الثالث عدة محاضرات بعنوان "أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" بتاريخ 15 مايو 1992م، 6 ديسمبر 1994م، ولعدم التكرار نكتفي بنشر محاضرة 15 مايو 1992م مع إضافة النقاط غير مكررة التي قالها قداسته في المحاضرات السابق ذكرها.
[2] يشرح القديس هيلاري نفس الفكرة التي توافق فكر البابا شنوده فيقول: "فلكون يسوع المسيح في هيئة عبد، وهو الذي كان قبلاً في هيئة الله، قد قال كإنسان: "إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ". لقد كان يتكلم كعبد مع العبيد، فكيف يمكننا إذًا أن نَفصِل الكلمات عن المسيح العبد وننقلها إلى الطبيعة التي لا يوجد فيها شيء مما للعبد؟ لأن الذي أقام في هيئة الله قد اتخذ صورة عبد، وهذه الهيئة هي الحالة الأساسية لاشتراكه كعبد مع العبيد. بهذا المعنى يكون الله أباه وأبًا للناس، وإلهه وإله العبيد. إن يسوع المسيح كان يتكلم كإنسان في هيئة عبد، ما هي الصعوبة في تلك الفكرة، أن يكون الآب أباه، مثلما هو أبونا، من جهة ناسوته، ويكون الله إلهه من جهة طبيعته كعبد، مثلما هو إله كل الناس؟" (القديس هيلاري أسقف بواتييه: عن الثالوث، الكتاب الحادي عشر: 14، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، نوفمبر 2017م، صـ 778).
[3] يقول القديس هيلاري: "هل نفهم أنهم إخوته وهو في هيئة الله أم في هيئة عبد؟ وهل لجسدنا قرابة معه من جهة ملء اللاهوت الحال فيه، بحيث نُحسب إخوته من جهة لاهوته؟ كلا، لأن روح النبوة يميز بشكل واضح من أية جهة نكون إخوة لله الابن الوحيد". (القديس هيلاري أسقف بواتييه: عن الثالوث، الكتاب الحادي عشر: 15، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، نوفمبر 2017م، صـ778).
[4] القديس هيلاري أسقف بواتييه يقول: "لقد قال أخبر باسمك إخوتي، كدودة لا إنسان. كدودة غير مولودة بالعملية المعتادة للحبل، وتأتي إلى العالم حية بالفعل من أعماق الأرض، قد تكلم هنا مُظهرًا حقيقة أنه قد اتخذ جسدًا، وأقامه حيًا من الجحيم. إنه يتنبأ عن أسرار آلامه طوال المزمور بروح النبوة، فلا بد أن يكون له إخوة حسب تدبير الآلام التي تألم بها، والرسول أيضًا قد أدرك سر تلك الأخوة، لأنه لم يدعوه فقط باكورة الراقدين، بل أيضًا البكر بين إخوة كثيرين. إن المسيح هو البكر بين إخوة كثيرين بنفس الطريقة التي بها يكون باكورة الراقدين". (القديس هيلاري أسقف بواتييه: عن الثالوث، الكتاب الحادي عشر: 15، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، نوفمبر 2017م، صـ 778 – 779).
[5] يقول القديس هيلاري أسقف بواتيه: "فكون يسوع المسيح في هيئة عبد، وهو الذي كان قبلاً في هيئة الله، قد قال كإنسان: "إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم". (القديس هيلاري أسقف بواتييه: عن الثالوث، الكتاب الحادي عشر: 14، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، نوفمبر 2017م، صـ 778).
[6] يقول القديس أمبروسيوس: "عندما يقول: "إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ" (يو20: 17). فهو لم يقل إني أصعد إلى أبينا، وإنما قال إني أصعد إلى أبي وأبيكم، هذا التمييز إنما هو برهان على الفرق، فالذي هو أب، المسيح هو خالقنا نحن. وعلاوة على ذلك فإنه يقول: وإلهي وإلهكم، لأنه رغم أنه هو والآب واحد، والآب هو أبوه إذ له نفس طبيعة أبيه. بينما قد بدأ الله أن يصير أبًا لنا بواسطة عمل الابن، ليس بفضل الطبيعة بل بالنعمة، إلا أنه ينبهنا هنا إلى وجود طبيعتين معًا في المسيح، اللاهوت والناسوت، اللاهوت من أبيه، والناسوت من أمه، الأولى كائنة قبل الأشياء، والثانية مأخوذة من العذراء. بسبب الأولى إذ هو يتكلم على أنه الابن، فهو يدعو الله أباه، وبعد ذلك، يتكلم كإنسان، فإنه يدعوه إلهًا له". شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمه د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الأول : 90، 91)، صـ 76، 77.
[7] القديس كيرلس عمود الدين يشرح الفرق بين بنوّتنا للآب وبنوة المسيح فيقول: "الله لم يلدنا من طبيعته الذاتية، ولكن يجب ألا نخلط بين حالتنا البشرية، وحالة الذي هو الابن بالطبيعة، ولذلك لا ينبغي أن نستخدم نفس الكلام الخاص بحالتنا البشرية لنتحدث به عن الابن. نحن خُلقنا، وهذا كلام يوافق عليه الجميع، أما هو فقد ولد من جوهر الآب، أما نحن فقد نلنا نعمة أن نتشبه بالابن في الولادة من الله. إذ نلنا من رحمته نعمة جعلتنا أبناء الله، إذ حصلنا على كرامة من خارج طبيعتنا أضيفت إلينا، بها صرنا أبناء بالتبني مشابهين الابن الحقيقي ودُعينا لمجد ذلك الذي هو الابن بالطبيعة". (القديس كيرلس عمود الدين: حوار حول الثالوث، ترجمه د. جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية نوفمبر 2018، الحوار الثاني، صـ 67).
[8]St.Augustine: On the of St. John,tractate, 121: 3
الفصل السادس أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ
أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ [1]
من الآيات أيضًا التي يسيء فهمها الأريوسيين "أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ" وهي موجودة في (مز2: 7) وتكررت في (أع13: 33) و(عب1: 5) و(عب5:5). من أهمية هذه الآية أنها تكررت هذا التكرار، فخطأ من الأريوسيين أن يقولوا إن عبارة "ابن" أي مثل ابن عادي!!
اَلابْنُ الْوَحِيدُ
لتمييز السيد المسيح عن أي ابن، سُميّ "اَلابْنُ الْوَحِيدُ".
وكلمة اَلابْنُ الْوَحِيدُ تكررت في عدة شواهد في الكتاب المقدس أريدكم أن تحفظوها.
- "اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو1: 18).
- وأيضًا "كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ" (يو1: 14).
- "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ"، "وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ" (يو3: 16، 18).
وأيضًا تكررت عبارة الابن الوحيد يقول: "بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ" (1يو1: 9) هنا الله أرسل ابنه. لفظة (الله) هنا تعني الآب، قيل عنه أيضًا: "اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" وكان تعبير الابن فقط يدل عليه. أي هو مميز ونلاحظ هذه في عبارة "الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ" (يو3: 36) هنا كلمة الابن مميزة عن أي ابن آخر.
وطبعًا توجد تعبيرات كثيرة في الكتاب المقدس عن كلمة الابن أريد أن تقرأوها في كتاب "لاهوت المسيح".[2]
والسيد المسيح كان دائمًا يتكلم عن الآب باعتباره أبوه الخاص، باعتبار أنه خرج من الآب ويعود إلى الآب، "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأيضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ" (يو16: 28). يقول: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ". لا يستطيع ابن عادي أن يقول هذا الكلام.. ولا بد أن نفرق بين البنوة بالطبيعة وبين البنوة بالتبني أو بالنعمة أو بالتكريم إلى آخره. هذا الابن قيل عنه أمور كثيرة سُميَّ (الكلمة أو اللوغوس).[3]
وقيل: "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ" (يو1: 4) وقيل عنه إنه "الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6). وقيل إنه مولود من الآب قبل كل الدهور، وقيل: "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ" (يو1: 3).
ترجمات الكتاب المقدس
أريد أقول لكم بعض الأمور عن الترجمات، لأن الترجمة في الطبعة البيروتية خاطئة. لكن في الترجمات الأخرى بطريقة أصح، وفي أقوال الآباء بطريقة صحيحة.
الابن هو الذي كان مع الثلاثة فتية في آتون النار في (دا3: 25) يقول: "وَمَنْظَرُ الرَّابعِ شَبِيهٌ بِابْنِ الآلِهَةِ" في ترجمات الآباء "شبيه بابن الله وليس بابن الآلهة"!!
هكذا موجودة في ترجمة أثناسيوس الرسولي "شبيه بابن الله"، بل أكثر من ذلك في ترجمة كينج جيمس مكتوب "son of god" أي "شبيه بابن الله". حتى لو كان ملك وثني قال: "ابن الآلهة" تمر لكنها مكتوبة في الترجمة "شبيه بابن الله هو الذي ظهر مع الثلاثة فتية في أتون النار".
الابن
هذا الابن قيل عنه أسماء كثيرة؛ إنه الكلمة، إنه هو صورة الله غير المنظور، إنه حكمة الله، قوة الله، الحق، الحياة. كلها تعبيرات عن طبيعته الإلهية.
كما قال القديس أمبروسيوس: "أنت ابني أنا اليوم ولدتك.. هنا كلمة "أنا اليوم ولدتك" يقولها الآب في كل حين جاعلًا الابن في غير زمن معين. ولم يقل: "أنا ولدتك من زمان"! أنا اليوم ولدتك كل يوم. يقول له: "أنا اليوم ولدتك لأنه مولود من الآب باستمرار".. كما نقول الشعاع خارج من الشمس باستمرار.. وليس خارج منه السنة الماضية، مضت وانتهت.. لكن ولادة دائمة باستمرار.. كما قال السيد المسيح: "قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ" (يو8: 58) ولم يقل: "أنا كنت".. لأنه كائن باستمرار. "هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ" (عب13: 8). "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" كل يوم أقول له: "أنا اليوم ولدتك ولادة فوق الزمن، أو قبل الزمن، قبل أن تُعَرف كلمة أمس واليوم وغد.. ولذلك قيل إن السيد المسيح: "هو هو اليوم والأمس".[4]
القديس أمبروسيوس يقول: "لا يجوز لأحد أن يقبل الابن بدون الآب، فعندما تتكلم عن الابن لا بد أن تتكلم على الآب لأن لا يمكن أن يكون الابن ابنًا بدون الآب، ولا يمكن أن يكون الآب أبًا بدون الابن" فكيف سمّوه أبًا؟! فعندما نتكلم عن الآب نتكلم عن الابن وعندما نتكلم عن الابن نتكلم عن الآب.. ولادة دائمة مستمرة.[5]
"أنت ابني أنا اليوم ولدتك". ثم قال "من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك" (مز110: 3)، للأسف ترجمة هذا المزمور في الترجمة البيروتية غير مقبول على الإطلاق، أريد أن أكلم دار الكتاب المقدس ليصلحوا هذه الترجمة".
في أقوال الآباء: "من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك". في الترجمات الإنجليزية يقول:
“from the womb before the morning start I begot you”
القديس أثناسيوس كان له تأمل في عبارة "كوكب الصبح"؛ بالطبع الكواكب خُلقت قبل البشر - الشمس والقمر والنجوم - في اليوم الرابع، والبشر في اليوم السادس إذًا معناها قبل زمن هذه الخليقة.
لكن القديس أثناسيوس يقول: "كوكب الصبح نفسه هو السيد المسيح في تجسده، ويأتي بها من سفر الرؤيا آخر إصحاح في الكتاب المقدس يقول: "أَنَا يَسُوعُ، أَرْسَلْتُ مَلاَكِي لأَشْهَدَ لَكُمْ بِهذِهِ الأُمُورِ عَنِ الْكَنَائِسِ. أَنَا أَصْلُ وَذُرِّيَّةُ دَاوُدَ. كَوْكَبُ الصُّبْحِ الْمُنِيرُ" (رؤ22: 16) إذًا كوكب الصبح اسمه في تجسده على اعتبار أنه نور العالم، وكوكب الصبح المنير.. فكأن الآب يقول له: "يا كوكب الصبح أنا من البطن ولدتك، ولدتك من لاهوتي قبل أن تتجسد في صورة كوكب الصبح المنير".. أي أنا ولدتك أقنوميًا قبل تجسدك كوكب الصبح.
"من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك" وهذه في الترجمة البيروتية غير مقبولة على الإطلاق. في أقوال الآباء كما هي "من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك" أي قبل أن تكون لك ولادة جسدية يا كوكب الصبح يا أصل وذرية داود أنا ولدتك أقنوميًا.
القديس أثناسيوس في تفسيره لهذا الموضوع قال كلمة - ربما تقرأونها أيضًا لأول مرة قال: "إن السيد المسيح في الكتاب المقدس - كما وُصف أيضًا بأنه قوة الله ومعرفة الله وصورة الله غير المنظور - هو أيضًا وُصف بأنه يد الله، يقول: "يَدَايَ أَنَا نَشَرَتَا السَّمَاوَاتِ" (إش45: 12) أي أن أقنوم الابن هو الذي صنع الأرض. "يَدَاكَ صَنَعَتَانِي وَأَنْشَأَتَانِي" (مز119: 73) أي أن الابن هو الذي جبلني وصنعني كما يقول ربنا في سفر إشعياء: "يدي صنعت كل هذا" أي الابن هو الذي صنع كل هذا.. يده قادت شعبه في البرية أي الابن هو الذي قاد شعبه في البرية.
[1] جزء من محاضرة قداسة البابا شنوده الثالث، "أنت ابني أنا اليوم ولدتك"، بتاريخ 13 ديسمبر 1994م.
[2] كتاب لاهوت المسيح لقداسة البابا شنوده الثالث: الفصل الأول لاهوته من حيث مركزه في الثالوث القدوس (2) بنوة المسيح للآب، من صـ 11–23.
[3] يقول القديس كيرلس عمود الدين: "فحيث يكون الآب الحقيقي والولادة الحقيقية، والابن الذي هو ابن من أبيه حسب الطبيعة وليس ابنًا بالتبني". (القديس كيرلس عمود الدين: حوار حول الثالوث، ترجمه د. جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية نوفمبر 2018م، الحوار الرابع، صـ 155–156).
[4] يقول القديس أثناسيوس الرسولي: "أما الابن فهو مني من ذات جوهري ومطابق لي، حيث إنه لم يأت إليَّ من آخر، بل هو قد ولد مني، ولهذا السبب فإني بكل كياني موجود فيه بينما أظل أنا نفسي كما أنا. لأن هذا هو واقع الحال، حتى إن اختلف الوالد من ناحية الزمن لأنه كإنسان قد أتى الوجود في الزمن، ولكنه هو أيضًا كان يمكن أن يكون عنده ابنه موجود معه دائمًا، لو لم تمنعه طبيعته من ذلك، أي لو كانت القدرة الإنجابية لا تعوقه عن ذلك). ويكمل القديس أثناسيوس قائلاً: "وعندما يجادلون بخصوص الزمن، دعهم يقولون: ما الذي سيمنع الله من أن يكون هو أبو الابن على الدوام. دعهم يقولون ما الذي يمنعه من ذلك، لأنه قد تم الإقرار والاعتراف بأن كل مَن هو مولود إنما يأتي من أب. إذًا فهم مثلما سألوا النساء عن الأزمنة. دعهم أيضًا يسألون عن الشمس بخصوص شعاعها، وعن الينبوع بخصوص الماء الذي يتدفق منه، وذلك لكي يحكموا كلية على أنفسهم، عندما يفكرون بشيءٍ من هذا القبيل عن الله، وذلك حتى يتعلموا أنه بالرغم من أن كل هذه الأشياء مولودة إلا أنها كائنة دائمًا مع تلك الأشياء التي خرجت منها. (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الأولى 26: 27، صـ 83–85).
[5] يقول القديس أمبروسيوس: "لذلك ليس لأحد أن يقبل الابن بدون الآب، لأننا نقرأ عن الابن، أن الآب فيه، ولكن ليس بمعنى زمني، ولا بسبب آلامه، ولا بسبب ولادته بالجسد، ولا بالنعمة. لقد قرأت عن ولادته من الآب، فالآب يقول أنا ولدتك. هو لا يقول أنا قد خلقتك، والابن لا يدعو أباه خالقه، بل يدعوه الآب". شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمه د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الخامس: 122) صـ 319.
الفصل السابع بكر كل خليقة
بكر كل خليقة[1]
من الآيات التي يسيء فهمها الأريوسيون وتسبب متاعب للبعض الآية التي تقول عن السيد المسيح: "الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ" (كو1: 14-19).
نلاحظ أن هذه العبارات لا نستطيع فصلها عن بعض. فعبارة "بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ" مكتوب فيها "الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ"، ومكتوب فيها "فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ"، وقال: "الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ"؛ يدل على لاهوته، "فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ" تدل على لاهوته، "صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ" تدل على لاهوته أيضًا.
ما معنى "بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ"؟
القديس غريغوريوس أسقف نيصص يقول: "إن القديس بولس الرسول استخدم عبارة البكر أربع مرات بمعانٍ مختلفة.
فقال: "بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ" (كو1: 18). وقال: "بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ" (1كو15: 20). وقال: "بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ" (كو1: 15) وقال: "بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ" (رو8: 29). وقال كلمة البكر بدون ما يشير إلى علاقته بالبشر في موضع مهم جدًا، قال: "وَأيضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ، وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ" (عب1: 6، 7).
هو إذًا البكر بهذه المعاني كلها.
"صار البكر من الأموات". أي هو أول الطبيعة البشرية القائمة من الأموات، قيامةً لا موت بعدها. الطبيعة البشرية هذه ستتغير كما ورد في (2كو5: 17) "الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا"، فهذا الكل الجديد صار السيد المسيح فيه هو البكر، هو الأول.
البكر في "القيامة من الأموات". أي أول طبيعة بشرية تقوم من الموت قيامة لا موت بعدها، طبعًا اللاهوت لا علاقة له بالموت، اللاهوت لا يموت ولا يقوم، لكن الطبيعة البشرية هي التي تموت وتقوم.
وأيضًا هو البكر "بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ" أي الذي اشترك معنا في اللحم والدم، ولكن هناك كثيرون يشتركون في اللحم والدم، لماذا يُعتبر هو البكر؟! القديس غريغوريوس أسقف نيصص قال كلمة جميلة جدًا: "نحن لا نتكلم عن الولادة الجسدية، فالولادة الجسدية وُلد كثيرون، لكن هو البكر في هذه الولادة الروحية". الإنسان الذي يولد من الماء والروح فيصير طبيعة جديدة على صورة المسيح أو يلبس المسيح. فيكون هو البكر في هذه الطبيعة الجديدة المولودة في المعمودية، وبكر في القيامة من الأموات.
بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ
لذلك عندما يقول: "بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ" يقصد الخليقة الجديدة وليس الخليقة القديمة، أي هذه الخليقة، البشر الذين همَ "المخلوقين الجُدد" هؤلاء الذين ولدوا ولادة جديدة في الميلاد الثاني من الماء والروح، ولادة من فوق، ولادة من الله هو البكر وسطهم، لأنه البكر من جهة الولادة من الله، الولادة من فوق، من جهة الطبيعة الجديدة التي سيصبح الناس على مثالها.
لذلك قال: "بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ" لا يقصد الخليقة القديمة إنما يقصد الخليقة الجديدة التي على صورة الله ومثاله.
ولذلك قال: "مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ" فالسيد المسيح ممثل للطبيعة البشرية، ممثل لهذه الخليقة الجديدة، ممثل للعالم الجديد "الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا" لكن لا تعني أنه مخلوق، لكن طبيعته البشرية هي الطبيعة البكر وسط كل هؤلاء وسط العالم المسيحي الجديد.
إن كان البكر في القيامة من الأموات؛ فالمعمودية أيضًا هي قيامة من الأموات. نُدفن مع المسيح ونقوم معه، نموت مع المسيح ونقوم معه، فهو بكر في هذه الناحية.
وإن كانت القيامة من الأموات في المعمودية والقيامة من الأموات فعلًا من جهة الجسد ورجوع الروح إليه فهو يكون البكر أيضًا في هذه الطبيعة الجديدة.
أي أن الصورة القديمة التي للإنسان، الصورة الإلهية التي أُعطيت للانسان قد فسدت، وانتهت، وبدأ ربنا يعطيهم طبيعة جديدة، أصبح الكل خليقة جديدة في المسيح يسوع.[2]
أريد أن أقرأ لكم بعض الآيات التي توضح لكم هذا أيضًا "إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا" (2كو5: 17) هذه الخليقة الجديدة، الولادة الجديدة، الولادة الروحية، الولادة التي على صورة الله كان المسيح فيها هو البكر أيضًا وسط إخوة كثيرين.
يقول: "قال هذا لهؤلاء الذين وُلدوا ولادة جديدة روحية وأعطى لهم لقب إخوة" أصبح أول هذه الخليقة الجديدة في الميلادين سواء الميلاد بالمعمودية أو الميلاد بالقيامة.
أي أن الإنسان أخطأ ضد الله ولم يعد يقبل الله أبًا ولا يقبله إله، العالم ضل وضاع، وعبد الأصنام (غلا4: 8) يقول: "لكِنْ حِينَئِذٍ إِذْ كُنْتُمْ لاَ تَعْرِفُونَ اللهَ، اسْتُعْبِدْتُمْ لِلَّذِينَ لَيْسُوا بِالطَّبِيعَةِ آلِهَةً" العالم الذي ضاع وأصبح لا يتخذ الله أبًا ولا يتخذ الله إلهًا، جاء الوسيط بين الله والناس لكي يعيد لهم الله أبًا، ويعيد لهم الله إلهًا على صورته هو. أنا بصيرورتي عبدًا أخذت شكل العبد وصرت في الهيئة كإنسان، أقدم لكم الله أبًا الذي هو أبٌ لي. وأقدم لكم الله إلهًا بعد أن بعدتم عنه. باعتباره أنه هو الإله الحقيقي، في طبيعتي البشرية أقدم لكم هذا الإله إلهنا. أو أقدم كل البشرية لإلهها وأبيها. هنا يتكلم عن الطبيعة البشرية بوجه عام لكن ليس معناها أن بكر أو أول، تؤخذ بمعنى أنه مخلوق.[3]
البعض يقول الأول كلمة "أركيه، أو أرشي" بمعنى "أول أو رئيس" أي Beginning كلمة الرئاسة لها عدة معاني، كما تقول مثلًا: "أرشيدياكون أي الشماس الأول أو رئيس الشمامسة"، "أرشي إيرفس" أي "الكاهن الأول أو رئيس الكهنة" وهكذا. "أرشي إبيسكوبوس"، "بطريارشيس" كلها تؤخذ بمعنى "رئيس".
فهو رئيس كل الخليقة، لكن عندما تؤخذ بمعنى أنه البكر الأول، لأن كتب الآباء عندما يتكلموا هنا يقولوا first begotten أي المولود أولًا [4] يأخذونها من ناحية البكر first begotten أي البكر، البكر وسط كل الخليقة.
[1] جزء من محاضرة "الآيات التي يسيء استخدامها الأريوسيون" قداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 6 ديسمبر 1994م.
[2] يقول القديس أثناسيوس شارحًا نفس الفكرة: "لأنه قد دُعي بكرًا بين إخوة كثيرين بسبب علاقة الجسد. وسُميّ البكر من بين الأموات لأن قيامة الموتى تنبع منه وتلي قيامته، وقد دُعيّ بكر كل الخليقة من أجل محبة الآب للبشر التي بسببها، ليس أن الكل فقط تكوّن بكلمته، بل إن الخليقة نفسها التي تحدث عنها الرسول إنها تتوقع استعلان أبناء الله، هي أيضًا سوف تعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله. وهكذا فبعد أن تتحرر الخليقة فسيكون الرب أيضًا هو بكرها وبكر كل الأولاد المولودين، لكي بتسميته الأول فإن الذين يتبعونه يظلون مرتبطين به كبداية لهم". (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017 م)، المقالة الثانية: 63، صـ 252–253).
[3] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "لذلك يكون البكر بالضرورة هو الأول من الناحية الزمنية فقط، أما من ناحية النوع والتشابه فيكون هو والجميع شيء واحد. فكيف إذًا لا يفوقون (الأريوسيين) كل كفر عندما يقولون هذا؟ ومن سيحتملهم عندما يتكلمون هكذا؟ وكيف يستطيع أحد ألا يشمئز منهم بسبب أنهم يتفكرون في مثل هذه الأمور؟ لأنه واضح للجميع أنه دُعيّ بكر الخليقة ليس بسبب نفسه كما لو كان مخلوقًا، ولا بسبب أن له علاقة ما من جهة الجوهر مع كل الخليقة، بل لأن الكلمة منذ البدء عندما خلق المخلوقات، تنازل إلى مستواها حتى يتيسر لها أن تأتي إلى الوجود لأن المخلوقات ما كان ممكنا لها أن تحتمل طبيعته، التي هي بهاء الآب الخالص، لو لم يتنازل ويعضدها ويمسك بها ويحضرها إلى الوجود بسبب محبة الآب للبشر". (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثانية: 64، 253).
[4] يُعَرِف القديس كيرلس الكبير كلمة بكر هكذا: "كلمة بكر تعني أن يتقدم أحد على إخوته ويكون قد ولد قبلهم". (القديس كيرلس عمود الدين: حوار حول الثالوث، ترجمه د. جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية نوفمبر 2018م، الحوار الرابع، صـ169).
الفصل الثامن أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي
أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي[1]
أيضًا من الآيات التي كانت مثار جدل كبير من الأريوسيين في بداية القرن الرابع حتى إن وصل الأمر إلى أنه إن ذهب أحد ليشتري أغراض من دكان، فالبائع يقول له: "أيهما الأعظم الآب ولا الابن؟!"، فكانت حديث رجل الشارع أيضًا. وليس فقط حديث اللاهوتيين. الآية التي قالها السيد المسيح: "أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي" في (يو14: 28).
قاعدة عامة
في البداية كقاعدة عامة أقول لكم نقطتين: النقطة الأولى أن آيات كثيرة كانت تنطبق على السيد المسيح من حيث ناسوته فقط، وليس من حيث لاهوته. مثلًا الذي يقول: كيف أن السيد المسيح إله ويأكل ويشرب ويبكي وينام ويتعب ويحزن؟! وهذا الكلام جاء في الكتب التي تهاجم المسيحية أيضًا.
نردّ بأن كل هذه الأشياء تناسب الناسوت وليست عيبًا وليست خطية، كون أن أحدًا يتعب هذا ليس عيبًا ولا خطية، الطبيعة البشرية لا بد أن تتعب، كون أنه ينام ليس خطية، الطبيعة البشرية ممكن تنام، ولو كان السيد المسيح لا يتعب ولا ينام ولا يجوع ولا يعطش لا يكون قد شابهنا في كل شيء ولم يأخذ طبيعةً بشرية كاملة، ولا يصح أن يسمّى ابن الإنسان.. لأنه كابن الإنسان لا بد أن يحدث له أمور مثل هذه. أو مثلًا يصلي، لأنه إن لم يصلي سيقولون إنه ليس من الله، وإنسان غير روحي. لا بد أن يصلي، كطبيعة بشرية ولكن صلاته لها طابع آخر.
أو مثلًا يعلق على أن السيد المسيح قال: "أَنَا عَطْشَانُ" (يو19: 28). هل هذا الذي قال أنا عطشان، هو الذي قال للسامرية: "مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ" (يو4: 14). وهو الذي قال أيضًا: "الذي يؤمن بي تفيض مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حيّ قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ" (يو7: 38، 39).
وهذا الذي جاع، هو الذي أشبع الجموع. ومعجزات إشباع الجموع واضحة في الكتاب المقدس. وهذا الذي تعب هو الذي قال: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28). وهذا الذي نام، هو الساهر على خلاصنا باستمرار. وهذا الذي تألم هو الذي حمل آلام البشرية كلها "وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا" (إش53: 4).
إذًا لا نأخذ الآيات التي قيلت عن بشرية المسيح كما لو كانت ضد لاهوته، لأن لا بد أن يكون إنسانًا كاملًا تنطبق عليه كل صفات الإنسان الكامل ما عدا الخطية[2].. ولذلك قيل عنه: "كَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ" (لو2: 52)، لأن من صفات الإنسان أيضًا أنه ينمو، لو كان لا ينمو لا يكون إنسانًا مثلنا، إنما المهم في كل مرحلة من مراحل العمر أن يكون قد وصل إلى صورة ودرجة الكمال فيها.
طبيعة المسيح
النقطة الثانية، أن الذي يأخذ آيات عن ناسوت المسيح وينسى لاهوته، مخطئ. والذي يأخذ لاهوته وينسى ناسوته يكون أيضًا مخطئًا، هو طبيعة واحدة من طبيعتين متحدتين معًا ونحن نقول: "إن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين". أي هناك لاهوت وناسوت، لا يمكن إنكار ذلك.[3] ولكي نفهم هذه الآية أود أن أقرأ لكم جزءًا من يوحنا14 المناسبة التي قيلت فيها هذه الآية: "سلامًا أَتركُ لكُم. سَلامِي أُعطيكُم. لَيسَ كمَا يُعطِي العَالم أُعطيكُم أَنَا. لاَ تَضطَرِب قلُوبكُم وَلاَ تَرهَب. سَمِعتُم أَنِي قُلت لَكم: أَنا أَذهَب ثمَّ آتِي إليكُم. لَو كنتُم تُحبُّونني لَكنتم تَفرحُون لأَني قُلت أمضِي إلى الآبِ، لأنَّ أَبي أَعظَم منِّي، وَقلتُ لَكم الآنَ قبلَ أَن يَكون، حتّى متَى كان تُؤمِنُون، لاَ أَتكلمُ أيضًا مَعكم كَثيرًا، لأنَّ رئِيسَ هذَا العَالمِ يأتي وليسَ لَهُ فِيَّ ولكن ليَفهم العَالَمُ أنِّي أحبُّ الآبَ، وكَما أوصَانِي الآبُ هكَذا أفعَل. قُوموا ننطَلِق مِن ههنا" (يو14: 27-31).
وأنا في الواقع معجب كثيرًا بكنيستنا القبطية التي لم تتخوف من الشكوك، فهذا الفصل الذي فيه آية "أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي" هو إنجيل الساعة الثالثة من صلوات الأجبية. نقوله في كل يوم نصلي فيه صلاة الساعة الثالثة وفي كل قداس نصلي فيه الساعة الثالثة، أمام الجميع لا نخاف، والكنيسة لا تخفيه بل وضعوه للناس ليقرأوه باستمرار.
إخلاء الذات:
السيد المسيح قال هذا الكلام للتلاميذ بعد العشاء الرباني، وبعد أن غسل أرجل التلاميذ، بل قاله وهو في طريق الجلجثة: "قُومُوا نَنْطَلِقْ مِنْ ههُنَا" (يو14: 31)، وهو يسير معهم إلى بستان جثسيماني. ولكن لماذا يقول لهم هذا الكلام؟ قال لهم: "لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ، لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي"، هذه المناسبة التي قيلت فيها الآية.. ويقصد أنكم أنتم ترونني في حالة إخلاء الذات[4]، وأنا قد أخليت نفسي من الأمجاد الخاصة باللاهوت وعشت معكم كإنسان لكن عندما أنطلق من ههنا وأعود إلى الآب سينتهي إخلاء الذات وأرجع إلى المجد القديم الذي أنا أخليت نفسي منه، فلو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون بذلك، تفرحون بالوضع الذي أنا أرجع إليه للآب، لأن أبي أعظم مني، حالة الآب في مجده أعظم من حالتي في إخلائي لذاتي، وهذه مسألة لا تتعلق بموضوع اللاهوت وإنما تتعلق بوضع تجسده.
وإخلاء الذات مذكور في الآيات "فَليَكن فيكم هذَا الفِكرُ الَّذي في المَسيح يَسوعَ الَّذي إذ كَانَ في صورَة الله، لَم يَحسب خُلسَةً أَن يَكُونَ مُعَادلاً لله لكنَّهُ أَخلَى نَفسَه، آخذًا صورَةَ عَبدٍ، صَائرًا في شبه النَّاس وَإذ وجدَ في الهَيئَة كَإنسَانٍ، وَضَعَ نَفسَه وَأَطَاعَ حَتَّى المَوتَ مَوتَ الصَّليب، لذلكَ رَفَّعَهُ اللهُ أيضًا، وَأَعطَاه اسمًا فَوقَ كلّ اسمٍ لكَي تَجثوَ باسم يَسوعَ كلُّ رُكبَةٍ ممَّن في السَّمَاء وَمَن عَلَى الأَرض وَمَن تَحتَ الأَرض، وَيَعتَرفَ كُلُّ لسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ المَسيحَ هُوَ رَبٌّ لمَجد الله الآب" (في2: 5-11).
هو أخلى ذاته وأخذ صورة عبد، وصار في الهيئة كإنسان وأطاع حتى الموت، هذه الصورة عندما يقارنها بالآب في مجده يقول: "حالة الآب في مجده أعظم من حالتي في إخلائي لذاتي، فلو كنتم تحبونني كنتم تفرحون أني أمضي إلى الآب وأرجع إلى المجد القديم، وأنا إن رجعت له أُعد لكم مكانًا وتأتون لأجلسكم معي في مجد أبي"، هذه هي المناسبة التي قيلت فيها الآية وليس أكثر.
إذًا قال هذه الآية عن تجسده وليس عن طبيعته الإلهية، أما من جهة طبيعته الإلهية فهو مساوٍ للآب في الجوهر، في الطبيعة، في اللاهوت. هذه الآية ليست عن اللاهوت بدليل أنه يقول: "لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ.. وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ"، فهذه ليس لها علاقة باللاهوت، لأن "أَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" عن ناسوته.
الآباء في طريقتهم لتفسير هذه الآية يبدأون أولًا بفكر مساواة الابن للآب في آيات أخرى، فالمسألة هل هو مساوٍ للآب في الجوهر أم الآب أعظم منه؟
أولاً: عن مساواته؛ يذكرون الآيات الآتية:
† "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو10: 30) فإذا كان هو والآب واحد فيكون ليس أقل من الآب في شيء، لأن طريقة الأريوسيين في عبارة "أبي أعظم مني"، يقولوا الابن أقل من الآب في الجوهر.
† آية "اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ" (يو14: 9)، وأيضًا قول السيد المسيح للآب: "وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي" (يو17: 10)، إذًا ليس أعظم منه في شيء، إذا كان كل ما لي لك، وكل ما لك لي، بالتالي مساواة تامة. لو كان ينقص عنه في شيء ما كان يقول: "كل ما لك هو لي".
† آية "أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ" (يو14: 11)، ما دام هو في الآب والآب فيه بصفة مستمرة دائمة أزلية أبدية، فهو ليس أقل من الآب، أقصد أقنوم الابن.
† وآية "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأيضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ" (يو16: 28)، إذًا هو أصله في الآب وقد جاء إلى العالم.
† وفي (يو1: 18) يقول: "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ"، فإذا كان هو كائن في حضن الآب وهو الذي يعطينا صورة عنه، فهو مساوٍ له.
† أيضًا يقول: "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ" (مت11: 27). إذا لم يكن أحد يعرف الابن إلا الآب ففي هذه الحالة ماذا يكون هو؟ فالعالم كله لا يعرف، "لا يعرف الابن إلا الآب"، وحتى الآب لا يعرفه إلا الابن ومن يريد الابن أن يُعلن له.
† وفي (يو5: 19) يقول إنه يعمل كل ما يعمله الآب، يقول: "لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ – أي الآب - فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ"، ويقول: "لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ" (يو5: 22) فهو الديان.
† أيضًا آية: "الْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ" في (1كو1: 24)، فإذا كان هو حكمة الله، فهل معقول أن الآب أعظم منه!؟ إذا كان هو قوة الله فكيف يكون الآب أعظم منه!؟ غير معقول ذلك!!
† أما في (كو1: 15) "الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ"، وفي (عب1: 3) "الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ"، في (كو2: 8، 9) يقول: "المسيح الذي فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا"، فإذا كان يحل فيه كل ملء اللاهوت، فهل ينقص عن الآب في شيء؟
ثانيًا: عبارة "أبي أعظم مني" يكون أعظم منه في ماذا؟! في أي شيء يكون أعظم منه؟
هل أعظم منه من جهة الزمن؟[5]
مثل البعض الذين يصورون صورة الآب بلحية بيضاء والابن بلحية سوداء وطبعًا هذه صورة أريوسية، لأنه مساوٍ له في الأزلية.
هل هو أعظم منه في القدرة؟! غير ممكن، القدرة متساوية، يقول: "لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ" (يو5: 19).
هل أعظم منه في الخلق؟! إطلاقًا، "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو1: 3). كل ما في الأمر أن عبارة "أعظم مني" من ناحية التجسد، "الابن أخلى ذاته وأخذ صورة عبد"، صار في الهيئة كإنسان، فيقول في هذه الحالة إن الآب أعظم منه.
ثالثًا: في موضوع الآب والابن، ما دام هو الابن إذًا له طبيعة الآب.
وكل ابن له طبيعة أبيه، حتى لو كان هناك كرامة للأبوة. لكن لا اختلاف في الطبيعة ولا في الجوهر، أي واحد منا له طبيعة أبيه، ليس طَبع أبيه، بل طبيعة أبيه[6]. أي أن الإنسان ابن للإنسان، الإنسان يلد إنسانًا بنفس الطبيعة، حتى في الكائنات الأخرى الطير ينجب طيرًا من نفس الطبيعة، الحيوان يلد حيوانًا من نفس الطبيعة، السمك ينجب سمكًا من نفس الطبيعة.
إذًا كون "ابن وآب" معناها طبيعة واحدة، وليس هناك خلاف في الطبيعة، فقط التجسد تصبح المسألة خاصة بالطبيعة البشرية، فالبنوة لا تدل على أنه أقل، وعن إعلان المساواة "لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ" (في2: 6، 7)، أي هو بطبيعته معادل للآب، مساوٍ للآب في الجوهر، ولو أَعلَنَ هذا لا يُعتبر أنه اختلس شيئًا؛ أي أخذ ما ليس له "لكنه أخلى ذاته، وصار في الهيئة كإنسان، صار شبه الناس، آخذًا شكل العبد".
وعندما تكلم عن موضوع السبت، اشتكاه اليهود وطلبوا أن يقتلوه وخصوصًا عندما قال لهم: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ" (يو5: 17)، يقول: "فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، - حسب تفكيرهم - بَلْ قَالَ أيضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللهِ" (يو5: 18)، أي نفس تعبير إن الله أبوه كانوا يأخذونه على فهم أنه مساوي للآب، وليس أن الآب أعظم، بل إنه مُعادل لله. أيضًا في تعبيره: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" في (يو10: 30) لا يوجد فيها أعظم أو أقل، وفي (يو17: 22) يقول: "كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ" أيضًا نفس الوضع.
قال: "أبي أعظم مني" كإنسان، من جهة تجسده، من جهة طبيعته الجسدية...
بل حتى من جهة طبيعته الجسدية قيل عنه: "كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ" (إش53: 7)، قيل: "دُودَةٌ لاَ إِنْسَانٌ" في (مز22: 6) وهو المزمور الذي يتحدث عن صلبه والذي قيل فيه "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي...".
قال: "أبي أعظم مني" عن حالة آلامه...
قال لهم هذا الكلام وهو في طريقه إلى الآلام، هذه الآية قيلت يوم خميس العهد ليلًا، أي كان سيذهب بعدها إلى المحاكمة، والجلجثة إلى آخره.. وقصة آلامه تكلم عنها إشعياء النبي ويشرح موضوع إخلاء الذات: "لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ.. وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ، مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ" (إش53: 2، 3) هذه الصورة التي يقول عنها: "الآب أعظم مني"، أنا من أجلكم حملت خطية العالم، أنا من أجلكم حملت لعنات الناموس وصرت لعنة من أجلكم لأن الكتاب يقول: "مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ" (غلا3: 13)، هذه الحالة التي يقول عنها "أبي أعظم مني".
"مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا" (إش53: 5)، هذه لا تقال عن الآب، في هذه الحالة ممكن يقول: "أبي أعظم مني"، لأننا لا نقدر أن نقول على الآب "لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ"، أو أن نقول إنه: "مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا"، أو "ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ"، لا نقول على الآب إنه "تذلل"، ولكن هذا الوضع - أبي أعظم مني - يقصد به "كابن للإنسان".
حالة الإخلاء "أخذ شكل العبد، صار في الهيئة كإنسان" ليست للآب..
إذًا لدينا مقارنة بين حالة الاتضاع الخاصة بالتجسد وبالصلب، وحالة المجد الخاصة بالآب، والتي هي للابن في جوهره غير أنه أخلى ذاته منها، وإن كانت في طبيعته، ولكنه أخلى ذاته من ممارستها. لذلك عندما نقول: "أخذ شكل العبد" فمعروف أن العبد ليس مساويًا لسيده، فمن هنا نقول السيد أعظم.
وما معنى أعظم؟ هو كابن مساوٍ للآب، ولكن كعبد، كابن للإنسان، الآب أعظم، إذًا مع أنه ابن مساوٍ للآب في الجوهر أخذ وضعًا أقل، الذي هو شكل العبد، لذلك يوضح هذا الوضع بطريقة لطيفة جدًا، إذ يقول: "وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْت" (في2: 8)، أي أنه وضع نفسه، لكنه في الأصل ليس هكذا؛ هو في طبيعته كابن لله مساو للآب في الجوهر، مساو للآب في المجد والقدرة، وفي كل شيء، لكنه وضع نفسه وأخذ شكل العبد، "وضع نفسه" هي الحالة التي يقول عنها "أبي أعظم مني".
هو مساو للآب في الجوهر كلاهوت، لكنه لبِس جسدًا من أجلنا، فنقطة "لبِس جسدًا" هذه التي يتكلم عنها.
نجد الآباء قد تكلموا على: "وضع ذاته"، "وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ" (في2: 8).
يأخذون على نفس الوضع آيتين مهمتين ننتبه لهما: "مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ؟ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟ وضعته قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، وَبِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ، تُسَلِّطُهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ" (مز8)، إذًا في قوله: "أبي أعظم مني"، ليس فقط الآب أعظم منه، بل في تجسده كما لو أن الملائكة أعظم منه "وضعته قليلًا عن الملائكة"، مع أن الملائكة من صُنعه!
آية: "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ" (كو1: 16)، فهؤلاء الذين خُلِقوا بواسطته وفي التجربة يقول: "صَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ"، (مر1: 13)، فملائكة تخدمه وملائكة خُلِقت بواسطته، والملائكة تُسمى ملائكته.
كما يُذكَر في مجيئه الثاني..
ابن الإنسان "يُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ"، فالملائكة ملائكته ومن خلقِه، وتخدمه وهو الذي يرسلهم، ومع ذلك يقول: "وضعته قليلًا عن الملائكة"؛ في حالة التجسد وضعته قليلًا عن الملائكة، لأن طبيعة الملائكة أسمى من الطبيعة البشرية، الملاك الذي ينتقل من أعلى السموات إلى الأرض في لحظة، طبيعة الإنسان ليست هكذا، "وضعته قليلًا عن الملائكة".
إخلاء الذات هو إخلاء مؤقت.
لكن لا بد أن تعرفوا أن إخلاء الذات هو إخلاء مؤقت، حقًا "وضعته قليلًا عن الملائكة" ولكن "بالمجد تكلله".
أما في (عب2: 6-8) معلمنا بولس الرسول يستشهد بالمزمور 8 أيضًا ويقول: "لكِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعٍ قَائِلاً مَا هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ؟ أَوِ ابْنُ الإِنْسَانِ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟، وَضَعْتَهُ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ. بِمَجْدٍ وَكَرَامَةٍ كَلَّلْتَهُ، وَأَقَمْتَهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ، أَخْضَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَنَّهُ إِذْ أَخْضَعَ الْكُلَّ لَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا غَيْرَ خَاضِعٍ لَهُ.عَلَى أَنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَهُ".
الآن لسنا نرى الكل بعد مُخضعًا له لماذا!؟
لأنه في حالة إخلاء الذات. "وَلكِنَّ الَّذِي وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلاً بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ"؛ أنت وضعته قليلًا عن الملائكة لكي يذوق الموت من أجل الفداء، حتى نفس هذا التعبير يعطينا فكرة عن مساواته للآب، كيف؟!
وُضِع قليلًا!
وتعني هنا ليس عن وضعه الطبيعي أو طبيعته، بل وُضِع قليلًا أي حالة نزل إليها، لكن هذا ليس وضعه الطبيعي، فهو وُضِع قليلًا عن الملائكة لكي يقدر أن يأخذ الجسد بكل آلامه وضعفاته ولكي بهذا الجسد يكمل الفداء ويذوق الموت أيضًا كما يقول بولس الرسول: "مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ".
وُضِع قليلًا عن الملائكة هذا الذي الملائكة تخدمه، ومُخضعة له وهو الذي خلق العروش والسيادات. ولذلك عندما قال: "أخلى ذاته"، قال أيضًا: "لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ" (في2: 10). بالمجد والكرامة توجته، إذًا هو إخلاء مؤقت، وُضِع فيه قليلًا، ليس فقط قليلًا عن الآب، الذي يقول: "أبي أعظم مني"، بل حتى قليلًا عن الملائكة، وضع مؤقت في إخلاء الذات، ولماذا وُضِع هكذا؟ لكي يذوق الموت.
بعد ذلك سنجد العظمة موجودة في المجيء الثاني، وفي الصعود إلى السماء، وفي الجلوس عن يمين الآب، أما عملية الإخلاء فهي عملية مؤقتة لإتمام عمل الفداء لكي يستطيع أن يذوق الموت. طبعًا الآب ليس من طبيعته أن يتألم أو يموت، لأن جوهر اللاهوت ليس من طبيعته أن يتألم ويموت، لكنه وُضِع قليلًا عن الملائكة وأخذ الجسد لكي يذوق الموت ويتألم عنا.
القديس أمبروسيوس له تأمل في عبارة: "أبي أعظم مني"، أحب أن أقوله لكم.
في(عب6: 13، 14) يقول: "فَإِنَّهُ لَمَّا وَعَدَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْظَمُ يُقْسِمُ بِهِ، أَقْسَمَ بِنَفْسِهِ، قَائِلاً إِنِّي لأُبَارِكَنَّكَ بَرَكَةً وَأُكَثِّرَنَّكَ تَكْثِيرًا"، فيعلق القديس أمبروسيوس: "الذي وعد إبراهيم هو الابن الذي هو المسيح، وهو الذي ظهر لإبراهيم" (تك18)، ظهر له مع اثنان من الملائكة والكتاب يقول: "الآب لم يره أحد قط"، ولا في أي شكل.. فكان الظهور هو ظهور الابن.
ثم يتابع القديس أمبروسيوس ويقول كلمة لطيفة:
"لعل معارضينا يقولون إن الله الآب هو الذي ظهر لإبراهيم، لا الآب لم يغسل إبراهيم رجليه، ولم يعطه شيء ليأكله، ليس هو الآب.
لأنه يقول له "إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ لِيُؤْخَذْ قَلِيلُ مَاءٍ وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَاتَّكِئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ" (تك18: 3-5)، قال: فالآب لم يره إبراهيم ولا إبراهيم غسل رِجلي الآب، هذه أمور خاصة بالابن.
وقال: "ولعل السيد المسيح عندما قال لليهود إن إبراهيم رأى يومي ففرح كان قد رآه في هذا الوقت.
وقال: "بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ" (تك22: 16)
إذًا الذي أعطى له هذا الوعد وظهر له كان أقنوم الابن..
ثم يقول: "أقسمت بذاتي"، هو الابن قال ذلك وإذ لم يجد قسمًا أعظم أقسم بذاته، إذًا لم يجد أعظم من ذاته، فلا يكون أبي أعظم من جهة اللاهوت، هل هذا واضح؟
لا يوجد شيء أعظم لأنه هو والآب واحد، فعظمة الابن هي نفس عظمة الآب، لا يوجد فرق، أو تمييز، فأقسم بذاته...
وبذلك "أبي أعظم مني" ليس لها صلة باللاهوت إنما هي مسألة خاصة بإخلاء الذات فلا تمييز في العظمة بين الآب والابن.[7]
القديس هيلاري أسقف بواتيه يقول: إنه "كان هناك تدرج في الإعلان عن طبيعة المسيح وقوته في الكتاب"، لأنه إذا كان من أول ولادته قال إنه الله وهو مساوٍ للآب في الجوهر، ما كانوا يحتملون، لذا كان هناك تدرج في الإعلان عن طبيعة المسيح وقوته.[8]
VVV
[1] ألقى صاحب القداسة البابا شنوده الثالث عدة محاضرات بعنوان "أبي أعظم مني" بتاريخ 29 نوفمبر1994م، 28 يناير1992م، 20 نوفمبر 2007م، ولعدم التكرار نكتفي بنشر محاضرة 29 نوفمبر 1994م مع إضافة النقاط غير المكررة التي ذكرها قداسته في باقي المحاضرات السابق ذكرها.
[2] يقول القديس هيلاري: "قد احتفظ بالتمام بكل صفاته الخاصة وأخذ صفاتنا بالحقيقة"، (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، الكتاب الأول، فقرة 11) صـ202.
[3] يقول القديس أمبروسيوس أسقف ميلان: "ولننتبه إلى التمييز بين الألوهية والجسد ففي كليهما يتكلم ابن الله الواحد نفسه، لأن كلا من الطبيعتين موجودة فيه، ورغم أنه هو نفس الشخص الذي يتكلم، فهو لا يتكلم دائمًا بنفس الطريقة. فأنت ترى فيه مجد الله أحيانًا، وفي أحيان أخرى ترى آلام الإنسان. فهو كإله يتكلم بأمور الله لأنه هو الكلمة، وكإنسان هو يتكلم بأمور الإنسان لأنه يتكلم بطبيعتي. "شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمه د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الثاني: 77)، صـ130.
[4] القديس هيلاري: "هل نسيتم تجسد الوسيط، مع الولادة، والمهد، والطفولة، والألم والصلب والموت اللذان تبعاه؟ حينما ولدتم ثانية، ألم تعترفوا بابن الله، المولود من مريم؟ لو كان ابن الله الذي تخصه تلك الحقائق، يقول: الآب أعظم مني؟ فهل تجهلون أن تجسده لخلاصكم كان إخلاءً لهيئة الله وأن الآب غير المتأثر بهذا الاتخاذ لظروف البشر، قد بقي في الأبدية المقدسة لطبيعته غير الفاسدة بدون اتخاذ جسدنا؟ نحن نعترف بأن الإله الابن الوحيد، وهو باقٍ في هيئة الله قد بقيَ في طبيعة الله لكننا نفس الوقت لا نجعل جوهره وهو حامل لهيئة العبد من نفس جوهر الوحدة الإلهية". (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب التاسع: فقرة 51) صـ651.
[5] يقول القديس هيلاري: "طبيعته تمنعنا من أن نقول إن كيانه قد بدأ أبدًا، فإن ولادته قد حدثت قبل بدايات الزمن"، (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب التاسع: فقرة 57) صـ658- 659.
[6] يقول أيضًا: "إذًا فالابن هو ابن من الآب ولذلك فهو لن يصير شيئًا آخر سوى ذاك الذي هو من جوهر الآب ذاته" (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب السابع: فقرة 22) صـ497- 499.
[7] يقول القديس أمبروسيوس أسقف ميلان: "لذلك عليك أن تقبل بأن المسيح فيما يمس ألوهيته، لا يمكن أن يُسّمى أقل من الآب. يتكلم المسيح مع إبراهيم ويقول: "أقسمت بذاتي" (تك22: 16). والرسول يبين أن من يقسم بذاته لا يمكن أن يكون أقل من أي (آخر). ولذلك يقول: "فَإِنَّهُ لَمَّا وَعَدَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْظَمُ يُقْسِمُ بِهِ، أَقْسَمَ بِنَفْسِهِ، قَائِلاً إِنِّي لأُبَارِكَنَّكَ بَرَكَةً وَأُكَثِّرَنَّكَ تَكْثِيرًا" (عب6: 13، 14). فالمسيح إذًا لا يوجد له آخر أعظم منه ليقسم به، ولهذا السبب فإنه أقسم بذاته. وعلاوة على ذلك، فإن الرسول قد أضاف عن صواب: فإن الناس يقسمون بالأعظم (عب6: 16)، من حيث أن الناس لهم من هو أعظم أما الله فليس له أعظم. وإلا فإن كان الذين يعترضون علينا سوف يفهمون الآية السابقة على أنها تنسب إلى الآب، فإن باقي المكتوب لا يتفق مع هذا، لأن الآب لم يظهر لإبراهيم ولا أن إبراهيم غسل قدمي الله الآب، ولكنه غسل قدمي ذلك الذي فيه سوف تكون صورة الإنسان، وعلاوة على ذلك فإن ابن الله قال: إبراهيم... رأى يومي وفرح (يو8: 56) لذلك فإن الذي أقسم بذاته هو بعينه الذي رآه إبراهيم. فكيف يكون له من هو أعظم منه، هذا الذي هو واحد مع الآب في الألوهية". (شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمه د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الثاني: 71، 72، 73)، صـ127، 128.
[8] القديس هيلاري يعبر عن ذلك قائلاً: "لأجل هذا فإن الإعلان المتدرج الموجود في رد الرب ينتمي للتصريح المتدرج عن الحق الموجود في اعتراف الكنيسة بالإيمان، لا أحد فيهما يقسم الطبيعة، وكلاهما يؤكد الولادة" (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب السابع: فقرة : 19) صـ 492.
الفصل التاسع لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا
لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا[1]
هذه الآية هي إحدى الآيات التي يسيء الأريوسيون فهمها. ويقولون: ما دام "لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ" (يو5: 19). إذًا فهو أقل من الآب، وليس مساويًا له في الجوهر. وهذا ضد لاهوته!!
ولكي نرد على زعمهم هذا، علينا أن ندرس مناسبة هذه الآية، وكذلك ما ورد بعدها أيضًا. لأنه كقاعدة عامة: لكي نفهم آية لا بد أن ندرس مناسبتها، ليتضح الأمر أمامنا.
مناسبة هذه الآية
يبدأ الإصحاح الخامس من إنجيل يوحنا بشفاء مريض بيت حسدا بعد 38 سنة له في المرض. وقد شفاه السيد المسيح في يوم سبت، وقال له: "احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ". "وَلِهذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْرُدُونَ يَسُوعَ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ عَمِلَ هذَا فِي سَبْتٍ" (يو5: 16).
فأجابهم: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ، فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أيضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللهِ" (يو5: 17، 18). كأنهم يتهمونه بأنه مجدف وأنه ليس مساويًا للآب.
إذًا كانت أمامه تهمتان، يحتاج أن يثبت بره فيهما:
أ) تهمة نقض السبت، إذ أجرى معجزة في يوم الرب!
بـ) التهمة الثانية مساواته للآب بقوله: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ".
فكيف تعامل الرب مع هاتين التهمتين؟ وما الرد على مفهوم هذه الآية (يو5: 19) التي يريد أن يثبت بها الأريوسيون عدم مساواة الابن للآب؟!
مِن جهة مَساواته للآب:
أجاب بعد تلك الآية مباشرة "لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ (أي الآب)، فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ" (يو5: 20). هل توجد مساواة في القدرة وفي العمل مثل هذه؟!
وفي باقي الإصحاح نجد أمثلة أخرى كثيرة، منها: "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أيضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ" (يو5: 21). بل يقول أكثر من هذا: "لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ" (يو5: 23). كذلك إن كل الدينونة هي للابن (يو5: 22) بينما الله هو ديان الأرض كلها (تك18: 25).
من الذي يجرؤ أن يقول إنه يعمل كل ما يعمله الآب (يو5: 20). وأن الكل يكرمونه كما يكرمون الآب؟[2]
ليس إلاّ أن يكون مساويًا للآب، أو أنه هو والآب واحد (يو10: 30). وهكذا نرى أن آيات كثيرة في نفس الإصحاح ترد على مزاعم الأريوسيين.
أيضًا يقول لأنه كما أن الآب يقيم موتى، "لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ" (يو5: 22). أي أن الآب يشاء أن الدينونة كلها تكون بواسطة الابن وطبعًا معروف أن الآب هو ديان الأرض كلها كما قال له إبراهيم: "أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟" (تك18: 25) ويبقى الابن هو الذي يدين. فعندما تحدث الدينونة سيُدين الآب العالم لكن يدينه عن طريق الابن الذي هو سيدين العالم ويقول السيد المسيح أثناء الدينونة: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ".
بعد هذا ندخل في تفسير هذه الآية (يو5: 19).
لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا.
يقول القديس باسيليوس الكبير: إن كان أي مخلوق عاقل يقدر أن يعمل من ذاته ما يريد، فهل الابن أقل من أي مخلوق؟! هذا كلام غير مقبول طبعًا..
ثم إن كان كل إنسان له حرية العمل، وليس فقط المقدرة.. فهل الابن ليست له هذه الحرية في العمل؟! أي أنه أقل من أي إنسان في الحرية!!
وكيف أن الذي استطاع أن يخلق أناسًا أحرارًا (يو1: 3) (يو8: 36) لا يكون هو نفسه حرًا!!
وقال القديس باسيليوس أيضًا: إن كان الابن لا يقدر أن يعمل من ذاته شيئًا، بالتالي يكون الابن غير مسئول عن أعماله! وهذا ما لا يقبله أحد.
أما القديس أمبروسيوس فقد بدأ يحلل عبارة "إلا ما ينظر الآب يعمله".
فكيف أن الابن لا يقدر أن يعمل شيئًا إلا ما ينظر الآب يعمله؟! فهل الآب ترك له مثالًا في الأعمال التي يعملها؟! هل كل الأعمال التي عملها في تجسده، قد رأى الآب يعملها؟
هل رأى الآب ماشيًا على الماء، حينما عمل هو ذلك (مت14)؟! هل تحويله الماء إلى خمر (يو2)، كان قد رأى الآب يفعل ذلك؟! هل في الخلق، إذ قيل عنه: "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو1: 3)، هل كان قد رأى الآب من قبل وهو يخلق، ففعل ما رأى الآب يفعله وخلق على مثاله..! هل كانت هناك خليقة من قبل قد حاكاها الابن..![3]
إذًا عبارة "إلا ما ينظر الآب يفعله" لا يمكن أن نفهمها بحرفيتها..
وقال القديس أمبروسيوس أيضًا: "كيف لا يقدر الابن أن يعمل من ذاته شيئًا، بينما هو "قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ" (1كو1: 24)؟! إن الآب لا يعمل شيئًا، إلا بقوته وحكمته. فكيف أن الابن ــــــ وهو قوة الله وحكمته ـــــ لا يقدر أن يعمل من ذاته شيئًا؟!
إذًا بأي معنى نفهم هذه الآية؟!
الرد على كسر السبت
إن السيد المسيح يريد أن يقول لليهود: أنتم تتهمونني بكسر السبت وكسر الشريعة، لأني عملت خيرًا في يوم السبت، إذ شفيت ذلك الرجل. وأنا أقول لكم: إن الابن لا يعمل من ذاته شيئًا، إلا ما ينظر الآب يعمله..
أي أنني لا أعمل شيئًا، إلا ما يعمله الآب[4].
أي أن مشيئتي في هذا. هي مشيئة الآب.
أنا ليست لي مشيئة خاصة غير مشيئة الآب، وليس لي عمل منفصل عن عمل الآب. هنا وحدة في المشيئة، وحدة في العمل، بين الآب والابن. ما يعمله الابن هو ما يعمله الآب. لذلك "لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ" (يو5: 19).
وهنا مساواة في القدرة والمشيئة والعمل. وبالتالي هنا رد على من يقولون أنه غير مساو للآب. ورد على اليهود الذين أرادوا أن يقتلوه، "لأنه قَالَ إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللهِ" (يو5: 18).
وهنا نورد رأي القديس هيلاري أسقف بواتييه:
كان السيد المسيح يرد على الاتهام المزدوج الذي اتهمه به اليهود، وهو كسر السبت. وأنه مساو للآب. فبماذا أجاب عن شفائه للرجل في يوم سبت؟ قال: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ" (يو5: 17). وقد يظن البعض أن هذه الإجابة بعيدة عن الموضوع! ولكنه كان يعني ما يقول؟ فما الذي كان يعنيه؟
كان يعني أن الآب كان يعمل في شفائه (في يوم السبت). وأنا أيضًا أعمل. نحن الاثنين اشتركنا في نفس العمل. الآب وأنا. وعبارة "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ" تعني أنه يعمل حتى هذا الوقت الذي فيه أنا أشفي هذا المريض. كان يعمل فيَّ، وبيَّ. لأَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ (يو14: 11). حينما شفيت المريض في يوم السبت، كان أبي هو الذي يعمل؟ وكنت أنا أعمل.[5]
وكما قال في موضع آخر: "وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي... لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ" (يو8: 28، 29).
هنا وحدة المشيئة ووحدة العمل بين الآب والابن.
لنضرب مثلًا بعملية الخلق: يقول الكتاب: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" (تك1:1). وهذا كله خلقه الابن إذ يقول الكتاب عنه: "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو1: 3). فكيف تم الخلق إذًا؟ ومَن الذي قام بعملية الخلق؟
يقول القديس بولس الرسول عن الابن: "الَّذِي بِهِ أيضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ" (عب1: 2). ويقول: "الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ" (كو1: 16).
إذًا الآب خلق العالم بالابن.
لما الآب خلق، كان يخلق بالابن. الأقنومان معًا في عملية الخلق. وهنا ينطق أيضًا قول الابن "أبي يعمل.. وأنا أيضًا أعمل".
كذلك في شفاء المريض في يوم السبت:
كان أبي يعمل، وأنا أعمل. لأن الآب فيَّ وأنا فيه. لذلك كثير من القديسين يقولون إن الأريوسيين في هجومهم على لاهوت المسيح بمثل هذه الانتقادات، إنما يحاولون أن يفصلوا الآب عن الابن في العمل.
يقول القديس أمبروسيوس في كتابه الثاني عن الروح القدس[6]
يقول الابن: "كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي" (يو16: 15). والابن واحد مع الآب في اللاهوتية. إذًا لا يعمل شيئًا إلا ما يرى الآب يفعله. لأن الآب ليس منفصلًا عن كل ما يعمله الابن. وفيما يعمل الابن يعرف ما يشاءه الآب. وما يشاء الآب، يعرف الابن كيف يعمله. والابن لا يقدر أن يعمل شيئًا من ذاته، لأن عمله ليس منفصلًا عن عمل الآب (ولا عن عمل الروح القدس).
ويقول القديس هيلاري في كتابه عن الثالوث De Trinitate)):
يقول: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ" (يو5: 17) أي في نفس يوم السبت، في الوقت الذي عُملت فيه المعجزة. مشيرًا إلى عمل الآب في نفس لحظة كلامه عن العمل الذي كان يعمله[7] هو "وَأَنَا أيضًا أَعْمَلُ". فنحن لا نقدر أن نفصل الآب عن الابن:
وكأن الابن يقول: أنا أعمل ما يعمله الآب. إن لي طبيعة الآب التي تشفي. ومهما عمل الآب، فهذا يعمله الابن أيضًا.
وهذا يدل على الوحدة بين الآب والابن. لذلك طلبوا أن يقتلوه.
كما أننا لا نستطيع أن نفصل الطبيعة اللاهوتية عن الطبيعة البشرية في الابن، كذلك لا نستطيع أن نفصل الآب عن الابن أثناء العمل.
لذلك في أعمال كثيرة يقول اللاهوتيون: إن الثالوث القدوس هو مشترك في العمل.
ومن جهة كسر السبت قال القديس هيلاري: "كيف يكسر السبت وهو رب السبت؟!" (مر2: 28). السبت وصية وضعها الله. والابن هو رب السبت. هو لا يكسر السبت، إنما يفهمهم الموضوع. قال من جهة الاتهام بالعمل في السبت "لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ" (يو5: 19). فهذه مشيئة الآب أن هذا الرجل يُشفى في يوم سبت..
وهو كان يعمل ما يعمله الآب "مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ"[8].
الابن والآب:
بعد أن قال: "لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا".. قال: "لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ" (يو5: 23)، وأن الدينونة للابن أي أن الآب يدين العالم بواسطة الابن، وأثناء الدينونة، يمكن أن يقول السيد المسيح "أبي يعمل.. وأنا أعمل".
يقول القديس أمبروسيوس:
هذا الأمر يدل على اتفاق، وعدم وجود اختلاف. فما يعمله الآب، يعمله الابن أيضًا. فالابن يعمل كل ما يعمله الآب، وبنفس الطريقة.
مشيئة الآب هو يعملها. وهو يملك نفس المشيئة.
يعمل مشيئة الآب، ليس كأنه في موضع من هو أقل، ويطيع من هو أكبر منه! كلا. إنما يفعل مشيئة الآب لأنها أيضًا هي مشيئته. مشيئة الآب هي مشيئته، له نفس المشيئة. ولا يقدر أن يعمل غيرها، لأنها هي مشيئته.
ويقول القديس أمبروسيوس: إن كانت كل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب، كذلك لا يمكن أن مملكة الثالوث تنقسم على ذاتها. فمشيئة الآب هي مشيئة الابن، هي مشيئة الروح القدس. مشيئة الآب يحوّلها الابن إلى عمل. وأثناء العمل يكون متحدًا مع الآب.[9]
هو "يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ" (يو5: 21). إذًا هو مساو للآب في القوة، وهو حر في مشيئته. ولكن له والآب مشيئة واحدة وعمل واحد. لا يقدر الابن أن يعمل من ذاته شيئًا.
وكلمة لا يقدر لا تدل على ضعف.
كما يقول إنسان: أنا لا أقدر أن أخالف أبي. فكلمة "لا يقدر" هنا لا تدل على ضعف، إنما تدل على بر. لذلك قال القديس يوحنا الحبيب في رسالته الأولى عن صفات المولود من الله: "كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ" (1يو3: 9).
يقول الآباء، إنه كان الآب يشاء، والابن ينفذ.
فلا يعني هذا أن هناك خلافًا في الوقت. بمعنى أن الآب يشاء، وبعد ذلك الابن ينفذ! كلا، فالآب يشاء والابن يشاء نفس المشيئة في نفس الوقت. والابن يعمل، والآب يعمل في نفس الوقت. فالمشيئة والعمل والقوة، هي نفسها عند الآب والابن.
يقول القديس أمبروسيوس: "إن الابن لا يقدر أن يعمل شيئًا من نفسه، لأن عمله ليس منفصلًا عن عمل الآب".
ويقول القديس هيلاري: "هو لا يعمل شيئًا من نفسه، لأن الآب فيه. ولذلك فهو لا يعمل شيئًا من ذاته. فأعماله مشتركة مع الآب. هو أراد أن يعرفهم أنه في الآب، والآب فيه. والطبيعة الإلهية واحدة التي تعمل في الاثنين".
[1] ألقى قداسة البابا شنوده الثالث عدة محاضرات بعنوان "لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا" بتاريخ 3 يناير1995م، 18 ديسمبر2007م، ومقال في مجلة الكرازة بتاريخ 13 سبتمبر1996م، ولعدم التكرار نكتفي بنشر مقال 13 سبتمبر1996م مع إضافة النقاط غير المكررة التي قالها قداسته في المحاضرات السابق ذكرها.
[2] يقول القديس هيلاري: "كيف بعد هذا الإثبات بإمكاننا أن نتخيل أن الطبيعة المعطاة له بالولادة مختلفة عن التي للآب، حينما يكون مساويًا للآب في العمل، والقدرة، والكرامة، والعقاب المُوقع على المخالفين"، (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمة راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب السابع: فقرة 20) صـ494.
[3] يؤكد القديس أمبروسيوس على أن الابن خالق ويحلل معنى أن الابن لا يعمل إلّا ما ينظر الآب يعمله، هكذا قائلاً: "أنت الذي خلقت العالم.. فهل أبوك خلق عالم آخر ليضعه أمامك كنموذج؟ إنه بهذا يجب على المجدفين أن يعترفوا أنه يوجد عالمان أو كثرة من العوالم كما يقرر الفلاسفة، وبهذا يورطون أنفسهم ويقعون في حبال هذا الخطأ، وأما إن كانوا يتبعون الحق، فعليهم أن يقولوا إن ما خلقته، فقد خلقته دون أن يوجد نموذج. قل لي أيها الرب: "متى رأيت أباك متجسدًا ويمشي على الماء" (مت25:14) لأنني لا أعلم؟ إنني أتمسك بأمر مضاد للتقوى أن أعتقد بهذا الشيء عن الآب، فأنا أومن أنك وحدك الذي أخذت جسدنا لك. متى رأيت الآب في حفل زواج يحول الماء إلى خمرٍ (يو2) ؟ كلا، فأنا قد قرأت أنك وحدك هو الابن الوحيد المولود من الآب، كما تعلمت أنك أنت وحدك عند تجسدك قد ولدت من الروح القدس ومن العذراء، والأشياء التي ذكرناها من أعمالك لم يعملها الآب، بل أنت بمفردك دون أي توجيه لأي عمل عمله أبوك، لأن اقتناء خلاص العالم بدمك قد تم بواسطة الجسد الذي ولد بلا عيب من بطن العذراء". شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمه د. نصحي عبد الشهيد، (يوليو 2018م)، الكتاب الرابع: 44، 45، صـ230، 231.
[4] القديس هيلاري: "أنتم ترون أن في حالته هذه، العمل المعمول بواسطة الابن هو عمل الآب وعمل الابن هو عمل الآب" (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب السابع: فقرة 21) صـ495.
[5] يقول القديس هيلاري: "لو أن الغضب المزدوج لليهود لم يتطلب إجابة مزدوجة فلن يكون حقًا عدم إمكانية الابن أن يعمل شيئًا من ذاته إلا ما قد نظر الآب يعمله، اعترافًا بالضعف، لكن المسيح كان يجيب في نفس الجملة عن التهمة المزدوجة لليهود الذين اتهموه بانتهاك السبت وجعل نفسه معادلاً لله بقوله: إن الله أبوه" (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمة راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب التاسع: فقرة 43) صـ640.
[6] Book two, the holy spirit 135
[7] القديس هيلاري: "أتدركون معنى قوله: أبي يعمل حتى الآن؟ إنه يتكلم كي يمكننا أن ندرك فيه قدرة طبيعة الآب التي توظف الطبيعة التي لها تلك القدرة لكي تعمل في السبت. الآب يعمل فيه حينما يعمل هو، إذًا، وبلا شك، هو يعمل طوال الوقت مع عمل الآب، لذا يقول: "أبي يعمل حتى الآن كي يمكن اعتبار ذلك العمل الحالي لكلماته وأعماله كعمل طبيعة الآب في ذاته". إن هذه العبارة: "يعمل حتى الآن تطابق الوقت مع لحظة الكلام، ولذا لا بد من اعتبار أنه يشير لعمل الآب ذاته الذي كان يعمله في ذلك الحين، لأنه يتضمن عمل الآب في نفس الوقت الذي قال فيه كلماته.. فإن العمل الذي يحدث – الآن – يتعلق بالوقت الحالي" (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب التاسع: فقرة 44) صـ642.
[8] القديس هيلاري: "لو كان بفضل سلطة طبيعته الآب فيه، كل ما يعمله، يعمله مع الآب فيه والآب يعمل حتى الآن في السبت، إذًا فلا توجد ملامة على الابن الذي يبرر سلطان عمل الآب". (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب التاسع: فقرة 45) صـ643.
[9] شرح ذلك تفصيليًا القديس أمبروسيوس في الكتاب الثالث، الفصل الثاني عشر والذي يقول في بدايته: "والآن أنا أسأل كيف أنهم يفترضون أن ملكوت الآب والابن هو منقسم بينما يقول الرب كما أوضحنا سابقًا: "كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ" (مت12: 25). ثم يفند القديس أمبروسيوس فكر الأريوسيين، ويثبت وحدة الألوهية من الكتاب، ويختم قائلاً: وقد برهن الناموس على وحدة الألوهية عندما تكلم عن إله واحد: "الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (تث6: 4)، وهكذا أيضًا الرسول بقوله عن المسيح: "فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كو2: 9) فإن كان الرسول يقول إن كل ملء اللاهوت يحل في المسيح جسديًا، فلا بد إذًا أن يُعترف بأن الآب والابن هما واحد في الألوهية". شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمه د. نصحي عبد الشهيد، (الكتاب الثالث :92، 102)، صـ 197، 199، 200.
الفصل العاشر أَنَا الْكَرْمَةُ ... وَأَبِي الْكَرَّامُ
أَنَا الْكَرْمَةُ ... وَأَبِي الْكَرَّامُ[1]
نتابع كلامنا في الرد على الفهم الخاطئ لبعض الآيات التي استغلها الأريوسيين. الآية "أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّام" (يو15: 1)، وآية أخرى في نفس الإصحاح "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ" (يو15: 5).
فالأريوسيون يقولون إن المسيح عندما قال: "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ" فالكرمة ليست من طبيعة الكرّام، الكرّام طبيعة والكرمة طبيعة أخرى. فيكون الابن ليس من طبيعة الآب، وبذلك أنا الكرمة وأنتم الأغصان، هو من طبيعتنا وبهذا الشكل يكون إنسان فقط.
الرد:
نحن الأغصان من نفس طبيعته البشرية، لكن لسنا من طبيعته اللاهوتية. دائمًا عندما ندرس أي تشبيه نأخذه في حدود معناه فقط. نحن لسنا فروعًا من لاهوته كما يقول القديس باسيليوس، بل من طبيعته البشرية. كما نقول إننا أعضاء في جسد المسيح، نحن الأعضاء وهو الرأس. ولذلك في (1كو6: 15) يقول: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ الْمَسِيحِ؟" وفي (1كو12: 27) يقول: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاؤُهُ" ولذلك تعتبر الكنيسة كلها جملةً جسد المسيح والمسيح هو رأس الكنيسة[2].
في (1كو11: 3) يقول: "رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمَسِيحُ.. وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ". المسيح رأس للإنسان بمعنى، والله رأس للمسيح بمعنى آخر، المسيح رأسنا كخالق، والآب رأس للمسيح كأب.هذا من جهة الأبوة وهذه من جهة الخلق.
"أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ"؛ تُعني كما تثبت الأغصان في الكرمة ينبغي أن نثبت نحن في المسيح[3]، وثباتنا في المسيح ليس من الناحية اللاهوتية وإنما يقول: "اثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي" (يو15: 9) وفي الآية 10 يقول: "إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي" هذا من ناحية هو الكرمة، ونحن الأغصان.
أما من ناحية "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ"؛ فهذا نوع معين، ودائمًا في الذبائح تجدوا كل ذبيحة تعطي فكرة معينة.. واحدة عن صفات المسيح كذبيحة. ومجموع الكل يعطي الفكرة الكاملة عن المسيح في الذبيحة.
كذلك في علاقة المسيح بالآب سواء من ناحيته كابن للإنسان أو من ناحيته كابن لله، كل حاجة لها معنى. عندما يقول: "أنا الكرمة وأبي الكرام" لا يقصد من جهة الطبيعة الإلهية. من جهة الطبيعة تأخذ (يو10: 30) "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ".
من جهة الطبيعة "أنا في الآب والآب فيَّ" (يو14). لكن هنا "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ" ليس مقصود بها من جهة الطبيعة الإلهية. أنا من الناحية البشرية (أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ). أما الآب فهو الذي يشرف على الكنيسة عمومًا فهو الكرّام. الذي سأسلم له الكنيسة في اليوم الأخير كما ورد في (1كو15).
فلا نأخذ كل شيء بمعنى واحد ونترك الباقي، والكتاب المقدس دائمًا نأخذه بكل آياته معًا وليس بطريقة الآية الواحدة التي ممكن أنها لا تعطي المعنى المتكامل الذي يشرح الوضع.
[1] محاضرة قداسة البابا شنوده الثالث "أنا الكرمة وأبي الكرام"، بتاريخ 10 مارس 1995م
[2] القديس كيرلس الكبير يقول: "هل يمكن لأي إنسان ذي فكر مستقيم أن ينكر أن المسيح هو الكرمة؛ من ناحية جسده؟ ونحن لكوننا أغصان حسب الرمز فإننا ننال في أنفسنا الحياة النابعة منه. إنها كلها أعضاء المسيح؟ لأنه كتب هكذا: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ الْمَسِيحِ؟"، (تفسير إنجيل يوحنا، القديس كيرلس الكبير، الإصحاح 15، ج2، صـ259 - 260).
[3] القديس كيرلس الإسكندري: "ولكن إن خجل من هذا وتخلى عن اعتراضه، واعترف أن الابن هو إله حقًا، فإننا لن نغيّر موقفنا، بل سنستعمل الكلمات نفسها لكي نقلب كل ما قاله، فنقول: "أليس الآب، باعتباره الكرّام يختلف عن الكرمة في الطبيعة، لأن الكرّام إنسان، والكرمة خشب؟، وهكذا ينبغي ألا تدرك الكرمة أنها بالحق وبالفعل من نفس الطبيعة من أغصانها؟ وأنا أفترض أن البعض تبلغ بهم الحماقة إلى الدرجة التي تجعلهم ينكرون ما هو واضح جدًا. إذًا فحينما يكون هو إله حقًا، وهكذا يكون من نفس الجوهر مع الإله الحقيقي أي الآب؛ وإذ هو الكرمة، ونحن الأغصان – ولهذا السبب فنحن من نفس الطبيعة مع الكرمة؛ ألن نكون نحن أنفسنا أيضًا آلهة بالطبيعة وكأننا خلعنا طبيعتنا الخاصة؟ ولكن هذه الفكرة لا يمكن أن يفكر فيها إلا أولئك الأشرار الذين يحبون الكفر. فنحن قد خُلقنا، أما الابن فهو إله بالطبيعة. إذًا كيف يمكن أن يكون هذا؟ وكيف يمكن أن يكون ما قيل عنه صحيحًا، إن كانت الأغصان من نفس طبيعة الكرمة؟ لأنه ينبغي إما أن نرفع نحن أنفسنا إلى طبيعة الألوهية الحقيقية، أو أن تنحدر الألوهية الحقيقية إلى مستوى طبيعتنا. لأن الأغصان لها نفس طبيعة الكرمة. وحيث أن الابن يقول بوضوح: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو10: 30)، فإما أننا نرتفع نحن معه إلى المماثلة الكاملة مع الآب، أو أن الآب نفسه يجذب إلى أسفل مع الابن – المماثل لنا في الطبيعة – ليصير (الآب) على مثالنا. وها أنتم ترون كثرة التجاديف التي تنشأ من قوله (الهرطوقي) هذا. لذلك فنحن سنتبع بالحري التعليم الصحيح، مؤمنين أن الابن قال على سبيل التشبيه: "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ، وَأَبِي الْكَرَّامُ". (شرح إنجيل يوحنا جـ1، القديس كيرلس الإسكندري، الكتاب الثاني، الفصل السابع، صـ263-264).
الفصل الحادي عشر لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ
لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ[1]
من الآيات التي أساء الأريوسيون فهمها الآية التي وردت في (مت19: 17) و(مر 10: 18) و(لو19:18) في قصة مجيء الشاب الغني إلى السيد المسيح. تقدم شاب إلى السيد المسيح وسأله: "أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟". "فقال فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: "لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ". ويحاول الأريوسيون أن يستنتجوا من هذه الآية أن السيد المسيح ينفي عن نفسه الصلاح. وبالتالي لا يكون هو الله.
وللرد على هذا الموضوع نورد النقاط التالية:
السيد المسيح يريد عمق الفهم اللاهوتي، وليس مجرد عبارات التبجيل.
وحينما قال للشاب: "لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟" كان يريد أن يستشف أعماق إيمانه وفهمه. هل يقول عبارة "أيها المعلم الصالح" تحمل معنى غير مباشر، هل أنت ترى أنني هذا الواحد الصالح أم مجرد لقب عادي أو أسلوب احترام تعوّد أن يخاطب به جميع المعلمين كالكتبة والفريسيين مثلًا؟!
إن كان الأمر هكذا فليعلم أنه ليس أحد صالحًا إلا الله وحده، أم هو يؤمن بأن هذا الذي يخاطبه هو هذا الوحيد الصالح.. السيد المسيح لم ينكر أنه صالح إنما قال ليس أحد صالح إلا الله.
قال القديس هيلاري: "إن هذا الشاب كان محاربًا بالمجد الباطل، أي شاعر أنه حفظ جميع الوصايا وحفظها منذ حداثته، وأصبح إنسانًا صالحًا، ولا يعرف أي صلاح ينقصه بعد" والسيد المسيح أراد أن يرد على غرور هذا الشاب المعجب بنفسه، فقال له: "لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ" على اعتبار أن السيد المسيح كان أحيانًا يجيب إجابة لها معنى بعيد غير الوضع المباشر.
فقال له هذه العبارة لكي يخجل ويعرف أنه ليس أحد صالح إلا الله وحده. ورغم أن الشاب قال له: "هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي" (مر10: 20) ومع إنه قال أن كلها حفظها، إلا أنه يوجد شيء لم يحفظه وهو محبة المال والتخلص منها.
والسيد المسيح داس على الجرح، وقال له: "اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ" (مر10: 21) ولا تظن أنك صالح لأنه كان يظن أن الصلاح في طاعة الناموس والوصايا لكن لم يدخل في عمق المحبة، ومحبة الغريب التي كان يريده ربنا أن يسير فيها[2].
إن السيد المسيح لم ينفِ عن نفسه الصلاح.
السيد المسيح لم ينكر أنه صالح والكتاب المقدس ذكر عنه إنه صالح في مواضع متعددة.
السيد المسيح قال عن نفسه إنه صالح..
ففي فصل إنجيل الراعي (يو10) قال مرتين إنه هو الراعي الصالح. إذ قال: "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ"، "أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي" (يو10: 11، 14).
وفي (يو8: 46) تحدى رؤساء اليهود قائلًا: "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟!" وبهذا يثبت صلاحه. وقال في موضع آخر: "لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ" (يو14: 30). أي ليس له فيَّ أي شيء من أخطائه. وهذا يثبت صلاحه أيضًا..
وفي سفر الرؤيا: يقول عن نفسه في رسالته إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا "هذَا يَقُولُهُ الْقُدُّوسُ الْحَقُّ، الَّذِي لَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ. أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ" (رؤ3: 7، 8). وهنا يثبت صلاحه وقدرة لاهوته. ولا شك أن كلمة (القدوس الحق) تعني أكثر من كلمة (صالح).
وآباؤنا وصفوه أيضًا بالقداسة والصلاح.
الملاك المبشر (جبرائيل) قال عنه لأمه العذراء: "الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 35).
والقديس بطرس وهو يوبّخ اليهود قال لهم: "وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ" (أع 3: 14). وقال أيضًا في رسالته الأولى: "الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ" (1بط 2: 22). والقديس بولس الرسول قال عنه: "مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ" (عب4: 15).
إن كلمة الله قد تعني الآب أحيانًا وقد تعني اللاهوت عمومًا في أحيان أخرى، أي كل أقانيم الثالوث.
القديس هيلاري قال أيضًا إن عبارة "لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ" هي دليل على وحدانية الله مع المسيح. وحدانية الآب مع المسيح أي هو هذا الواحد، وهو والآب واحد.
أيضًا هناك قاعدة تتبعونها أثناء الرد على مثل هذه التفسيرات الخاطئة لبعض الآيات. وهي أن كلمة "الله" في الكتاب المقدس أحيانًا تدل على الله الآب، وأحيانًا تدل على اللاهوت عمومًا، وقد تشمل الثالوث القدوس.
فمثلاً كلمة "الله" تدل على الله الآب فقط في (يو1: 18) عندما نقول: "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" فواضح هنا أن كلمة (الله) هنا تعني الآب.
ومثلًا حينما نقول الله موجود في كل مكان، أزلي، الله غير محدود. فإن كلمة (الله) هنا تعني كل الأقانيم الثلاثة، تعني اللاهوت كله.
فالآب أزلي غير محدود موجود في كل مكان. والابن أزلي غير محدود موجود في كل مكان. والروح القدس أزلي غير محدود موجود في كل مكان[3].
وعندما يقول الكتاب: "عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ" (1تي3: 16) واضح أن كلمة (الله) هنا تعني الابن.
ولكن في مواضع كثيرة كلمة "الله" تدل على اللاهوت جملةٍ، ومواضع أخرى تدل على الثالوث القدوس فتشمل الابن كما تشمل الآب أيضًا. أي لا تكون قاصرة على الآب فقط.
أحيانًا يقول السيد المسيح كلمة "الآب" وتكون واضحة أنه يقصد الأقنوم الأول، لكن في بعض الأحيان عندما تكون كلمة الله بمفردها ربما تعني الآب، وربما تعني الثالوث القدوس أو اللاهوت جملة، فتشمل الابن أيضًا.
* * *
ملحوظة هامة
كذلك جميع القديسين في غالبية ما قرأت لهم ينصحون نصيحة. وهي عدم فصل الابن عن الآب أي الصفات التي تقال عن الآب، تقال أيضًا عن الابن، فلا نستطيع فصل الاثنين عن بعضهما البعض.
إن كان ليس أحد صالح إلاَّ الله وحده فمعناها ليس أحد صالح إلا الآب؛ ليس أحد صالح إلا الابن؛ ليس أحد صالح إلا الروح القدس؛ تشمل الثلاثة معًا.
السيد المسيح قال: "كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي"، وكل ما لي هو للآب" (يو16: 15) أي الصفات اللاهوتية واحدة كل ما للآب هو للابن.
أي أن كل الصفات الإلهية الجوهرية هي لي، ما عدا صفة الأبوة، فهي صفة أقنومية خاصة بالآب، كذلك كل الصفات الإلهية الجوهرية التي للابن هي أيضًا للآب، ما عدا صفة البنوة لأنها صفة أقنومية خاصة بالابن.
أما صفة الصلاح فهي صفة عامة، خاصة بالآب والابن والروح القدس.. فإن كان الآب قدوس فالابن قدوس، إن كان الآب صالح فالابن صالح. كل صفة للآب هي للابن. فلا نقدر أن نفرق الآب عن الابن في شيء.
إن كلمة الله لا تكون في كل وقت قاصرة على الآب، لأن الصفات الجوهرية الخاصة باللاهوت تشترك فيها الأقانيم الثلاثة، ومنها الصلاح.
أيضًا عبارة "وحده".
كل أقنوم من الأقانيم الثلاثة صالح وقدوس وكامل. وإلا لو كانت عبارة "لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ" تعني الآب وحده فماذا نقول أيضًا عن الروح القدس؟
هل الروح القدس غير صالح والقداسة جزء من اسمه؟
احترسوا إذًا من الفهم الخاطئ لكلمة (وحده).
فعندما يقول الكتاب: "الْمُبَارَكُ الْعَزِيزُ الْوَحِيدُ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ" (1تي6: 15)، فقد كان الرسول يتكلم فعلًا عن الآب.
ولكن في نفس الوقت قيل عن الابن: "مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ" (رؤ19: 16). وهو أيضًا المبارك العزيز الوحيد، وأيضًا له عدم الموت. فهو بلاهوته لا يموت.
كذلك الروح القدس له أيضًا عدم الموت. من المستحيل أن نقول عنه إنه يموت، بينما هو روح الله. إذًا عبارة "الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ" تعني اللاهوت بصفة عامة وليس الآب وحده.
مثل آخر في (مت11: 27) "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ"، يعني لا أحد يعرف الآب إلا الابن وماذا عن الروح القدس؟!
ألن يعرف الآب؟! الذي هو روحه، ويقول عنه: "الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ" (1كو2: 10).
فلا تأخذوا أي كلمة بغير فهم. وعندما نتكلم عن الله نتكلم عن الثالوث.
[1] ألقى قداسة البابا شنوده الثالث عدة محاضرات بعنوان "لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟" بتاريخ 31 يناير1995م، 12 فبراير 2008م، ومقال في مجلة الكرازة بتاريخ 24 مايو1996م، ولعدم التكرار نكتفي بنشر محاضرة 31 يناير1995م مع إضافة النقاط غير مكررة التي قالها قداسته في المحاضرات السابق ذكرها.
[2] NPNF 2-9. Hilary of poitiers: on the Trinity book IX, 16, 17
[3] NPNF 2-9. Hilary of poitiers: on the Trinity book IX, 19, 20
الفصل الثاني عشر خضوع الابن
خضوع الابن[1]
من الآيات التي يسيء الأريوسيون استخدمها ومن يجري في مجراهم ضد لاهوت المسيح. الآية التي في (1كو15: 28) "وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أيضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" عن خضوع الابن.
فيظنون أن خضوع الابن معناها أن لاهوته أقل، أو أنه هو أقل من الآب وفي هذه الحالة لا يكون مساويًا للآب في الجوهر. هكذا قال الأريوسيون!
أما أنصار سابيليوس وماركيون فقالوا: "إن خضوع الابن معناه أن الابن يذوب في الآب أو يفنى في الآب، ويكون معه واحد أي كأن أقنوم ضاع من الوسط"!!
سنعتمد على أقوال الآباء القديسين لكن نشرحها بطريقة مفصلة مبسطة تناسب عقولكم النيرة التي تحب أن تفهم الأمور بطريقة مرتبة.
خضوع الابن
لاحظوا مثلًا موضوع خضوع الابن سنذكر طبعًا الآيات الموجودة في (1كو15). وسنتكلم عن الآيات التي ذكرها معلمنا بولس الرسول في (1كو15) عن النهاية. يقول: "لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ (أي القيامة) وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ: الْمَسِيحُ بَاكُورَةٌ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْمَسِيحِ فِي مَجِيئِهِ وَبَعْدَ ذلِكَ النِّهَايَةُ، مَتَى سَلَّمَ الْمُلْكَ ِللهِ الآبِ، مَتَى أَبْطَلَ كُلَّ رِيَاسَةٍ وَكُلَّ سُلْطَانٍ وَكُلَّ قُوَّةٍ لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى يَضَعَ جَمِيعَ الأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ لأَنَّهُ أَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ... وَلكِنْ حِينَمَا يَقُولُ :«إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُخْضِعَ» فَوَاضِحٌ أَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أيضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ"، ولكن حينما يقول إن كل شيءٍ قد أُخضع فواضح أنه غير الذي أخُضع له الكل. (1كو15: 22-28).
فيقولون: ما دام الابن سيخضع ضمن الخاضعين إذًا هو ليس إله!!
أذكر منذ زمن عندما كنت أتناقش مع شهود يهوه، أول علاقتي بهم على ما أظن كانت سنة 1953م. حينما كنت علمانيًا قبل الرهبنة قالوا لي هذه الآية، ووقتها لم أكن قرأت أقوال الآباء، ولم تكن انتشرت فتمسكت بكلمة "حينئذ" يقول: "وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أيضًا سَيَخْضَعُ (حينئذ الابن نفسه أيضًا سيخضع) لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ".
قلت لهم كيف "حينئذ" سيخضع هل هو لم يكن خاضع قبل ذلك؟! هذا الذي قال: "لتكن لا مشيئتي بل مشيئتك" لم يكن خاضعًا؟ هذا الذي قال: "طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ" لم يكن خاضعًا؟ هذا الذي أطاع حتى الموت لم يكن خاضعًا؟ قالوا: "كان خاضعًا"..
قلت لهم: "إذًا لماذا يقول: "حينئذ سيخضع" كما لو كان غير خاضع من قبل؟ فسكتوا ولم يعرفوا كيف يجيبوا فقلت لهم نترك هذه الآية؟ قالوا: نتركها.
إلى أن أُتيح لي الفرصة لكي أطلع على أقوال الآباء ووجدت ما قلته لهم كثير من الآباء قالوه أيضًا وأنا لم أكن أعلم. ومن ضمن ما قالوه الآباء أيضًا...
قالوا: "سيخضع الابن.. متى يخضع؟ وفي أي شيء سيخضع؟ وهل هو خضوع اللاهوت؟ أم الناسوت؟".
طبعًا لا يمكن أن نتكلم عن خضوعٍ في اللاهوت لأنه ليس في اللاهوت انقسام ولا انفصال بين الأقانيم، والأقانيم الثلاثة لها إرادة واحدة، مشيئة واحدة، عملٌ واحد، وحدة من كل الناحية. إذا لا يوجد خضوع من أقنوم لأقنوم. بل اتحاد في المشيئة والعمل.
وقالوا أيضًا: إن الأريوسيين يقولون خضوع حتى من اللاهوت. وقالوا أيضًا، لو كان خضوع من ناحية اللاهوت وحينئذ سيخضع إذًا قبل ذلك كان الابن لاهوتيًا غير خاضع للآب، فيكون الآب غير كامل في سلطانه، وغير كامل في قوته، ويكون في انقسام وثورة داخل الأقانيم، وهذا لا يمكن أن يصدقه عقل!
ثم خلُص الآباء إلى القول بأن خضوع الابن نقطة واحدة.
نقطة أخرى قالها الآباء: هو خضوع من جهة الوظيفة التي يقوم بها الابن وليس من جهة لاهوته. حتى أيضًا من جهة الناحية الناسوتية.
من الناحية اللاهوتية:
من الناحية اللاهوتية داخل الأقانيم الثلاثة لا يوجد شيء اسمه خضوع وإنما يوجد وحدة،[2] يوجد اتحاد في المشيئة والفكر والإرادة والسلطان والعمل وكله. إذًا نقول من جهة ناسوت الابن أيضًا، ناسوت الابن لم يكن إطلاقًا في أي يوم غير خاضع للآب.
فهو الذي يقول: "طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو4: 34)، وقال أيضًا: "لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ" (يو8: 29)، وأيضًا الابن قيل عنه إنه "أَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في2: 8). وهو أيضًا الذي قال: "لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ" (لو22: 42)، ونحن نؤمن بالمشيئة الواحدة بين الآب والابن وبين اللاهوت والناسوت. فمن الناحية اللاهوتية لا يوجد اتهام بعدم الخضوع، ومن الناحية الناسوتية لا يوجد اتهام بعدم الخضوع.
ولماذا قال كلمة الابن سيخضع للذي أُخضع له الكل؟
نقطة مهمة لا بد أن تعرفوها أو نقطتين متداخلتين معًا.
السيد المسيح في كثير من الأوقات كان يمثل الطبيعة البشرية في كل شيء.
مثّل الطبيعة البشرية في دفع ثمن الخطية، ووقف أمام الآب، لا نقول كخاطئ، بل كحامل خطية، يمثل البشرية في دفع الثمن الذي هو الموت عن الخطية. بل مثّل البشرية أيضًا في العماد حينما دخل في معمودية التوبة ولم يكن محتاجًا لا إلى توبة ولا إلى معمودية توبة، لأنه كامل بلا خطية. وهو القدوس الذي ارتفع فوق السماوات، وقدوس بلا شر وبلا عيب. وقيل للعذراء: "الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 35)، فلم يكن محتاج المعمودية لكنه كان يمثل البشرية. وينوب عن البشرية في الخضوع للآب.
لكن غالبية الآباء القديسين أصروا على الآتي:
قال القديس جيروم: "إن المسيح هو رأس الكنيسة، فجاء يقدم خضوع الكنيسة لله الآب باعتبار أنه الرأس، جاء يقدم خضوع الجسد، لأنه ناب عن الكنيسة في كل شيء، وناب عنها في الموت، وناب عنها في الطاعة، ناب عنها في كل شيء فجاء يقدم خضوع الجسد"[3].
القديس باسيليوس الكبير في رسالته الثامنة، قال: "إن المسيح نسب إلى نفسه كل ما لنا وجعل خضوعنا نحن كأنه خضوع له، أي نسب لنفسه كل شيء، وقال إنه عندما اضطهد شاول الطرسوسي الكنيسة قال له: "لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟" (أع9: 4). فما يحدث لنا نسبه إلى نفسه. وبالنسبة للفقراء والمساكين قال: "بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ" (مت25: 40) ونسب لنفسه أنه كان "عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي وجُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي" فأصبح يمثل البشرية تمثيلًا كاملًا ففي هذا الخضوع جاء أيضًا يمثل خضوع البشرية[4].
القديس أمبروسيوس تعرض أيضًا لهذا الموضوع فقال: "نحن أعضاء المسيح، كما ورد في الرسالة إلى كورنثوس، نحن أعضاء المسيح وهو الرأس فجاء يقدم خضوع الأعضاء. ولماذا قال: "حينئذ"؟ لأن هذه الأعضاء أعضاء جسده لم تخضع بعد، ما زال هناك أشخاص لم يصلوا إلى التوبة بعد، ما زال هناك أشخاص لم يؤمنوا بعد، ما زال هناك أشخاص في المعصية، الأشرار سيُلقَون في البحيرة المتقدة بالنار أما الأبرار هؤلاء الذين تم خضوعهم وماتوا في هذا الخضوع. فجاء المسيح يقدم خضوع أعضائه إلى الآب.
ما معني يقدم خضوع أعضائه؟ أي بعد ذلك يا رب لا يوجد أحد سيثور عليك، بعد ذلك لا يوجد أحد سيعصاك أو يُحزن روحك القدوس، إذًا جاء يقدم خضوع الأعضاء كما قال القديس أمبروسيوس. جاء يقدم كل ركبة تجثو باسم المسيح، سواء فوق أو تحت، من الذين انتقلوا ومن الذين قاموا من الأموات، ومن الذين اختطفوا معه على السحاب"[5]. جاء يُقدم خضوع.
وقالوا أيضًا: إن خضوع المسيح معناه خضوع أعضائه على الأرض، أي أنه الرأس ونحن الجسد وكلنا أعضاء في جسد المسيح. أعضاء جسد المسيح حاليًا لم يتم خضوعهم بعد. ما زال العالم يسقط ويقوم، ثم يسقط ثانية ثم يقوم، وما زالت البشرية وما زال جسد المسيح لم يصل إلى الكمال بعد.
متى يحدث أن جسد المسيح يخضع خضوعًا تامًا لله الآب؟!
في الحياة الأخرى حينما يملك الله على الكل ويملك الله على كل أعضاء المسيح على الأرض هذه تكون في الأبدية بعد القيامة عندما يسلم المُلك للآب ويصبح الجميع تحت مُلك الله فلا يكون هناك خطية فيما بعد ويصبح الله هو الكل في الكل وملكوت الله قد تم.
إذًا خضوع المسيح معناه خضوع جسد المسيح الذي هو الكنيسة، أي أن الرأس يقدم خضوع الجسد لله الآب. "رأس الكنيسة الذي هو المسيح"، يقدم خضوع الجسد الذي هو أعضاء المسيح، الذي هو المؤمنين باسمه، يقدمهم لله الآب. فقالوا على ذلك يخضع الابن، يخضع أعضاء الابن، أي يخضع جسد الابن، أي تخضع الكنيسة، يقدم خضوعها لله الآب. كل الآباء اتفقوا على هذا المعنى.
هو أخذ جسدًا خضع فيه لله الآب لكي يقودنا جميعًا بأمثولته أن نخضع نحن لله الآب، ولكن لم يتم خضوعنا بعد. كإنسان قدم الخضوع، لكن كممثل للبشرية، البشرية لم تقدم الخضوع بعد. هو جاء ينشر الملكوت لكي ينشر خضوع البشرية لله الآب، لكي تخضع البشرية لله لكي تصطلح البشرية مع الله وتخضع له.
كما قال بولس الرسول في (2كو5: 18) "الْكُلَّ مِنَ اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ"، "كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 20) فَهو حتى الآن يعمل على خضوع هذا الجسد، أقصد (الكنيسة)، للآب. وبعد ذلك في القيامة العامة "متى أُخضع الكل، كل الكائنات، حينئذ الابن أيضًا سيخضع".
هنا أريد أن أنقلكم إلى آيتين.
ربط الآباء ربطًا جميلًا بين (عب2: 8، 9)، والمزمور الثامن وبين (1كو15). انظروا الكلام اللطيف، والآيات المتداخلة مع بعضها. يقول: "لكِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعٍ قائلًا فَمَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ؟ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟ وَتَنْقُصَهُ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، وَبِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ تُسَلِّطُهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ" (عب2: 6-8) عندما تأخذ هذه عن البشرية عمومًا تجد أن الإنسان أُخضعت كل شيء، كل الكائنات الحية والجامدة تحت قدميه كما في المزمور الثامن الحيوانات، والبهائم، والطيور، والأسماك، وسلّطه الله على كل شيء.
ولكن عندما نأخذها عن السيد المسيح ونقول: "أخضعت كل شيء تحت قدميه". بعدها يقول: "وضعته قليلًا عن الملائكة" أي في تجسده (هو بالطبع أعلى من الملائكة وتسجد له ملائكة الله)، لكن في تجسده وضعته قليلًا عن الملائكة، ومع ذلك "بالمجد والكرامة كللته، وأقمته على أعمال يديك، وأخضعت كل شيء تحت قدميه" لأنه إذ أخضع الكل له لم يترك شيئًا غير خاضع له. على أننا الآن لسنا نرى الكل بعد مُخضعًا له.
نظريًا أنت جعلت الكل خاضع له، لكن عمليًا لا نجد الكل خاضع له. على أننا الآن لسنا نرى الكل بعد مُخضعًا له ولكن الذي وُضع قليلًا عن الملائكة (يسوع)، هنا لا يتكلم عن الإنسان عمومًا، لكن الذي وُضع قليلًا، وُضع قليلًا في تجسده، هو في لاهوته أعظم، "الَّذِي وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلاً بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ".
الآن لا نرى العالم مُخضعًا له، هو الكل تحت سلطانه ولكن ليس العالم مُخضعًا له، ما دام ليس الكل مُخضع له إذًا لا يستطيع أن يقدم الكنيسة كلها لله الآب بهذا الوضع.
لذلك نجد أن السيد المسيح عندما بدأ كرازته كان ينادي بالتوبة واقتراب ملكوت الله يقول في (مر1: 14، 15) "وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ وَيَقُولُ قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ".
"توبوا" لكي تخضعوا لله الآب و"آمنوا بالإنجيل" لكي تكونوا أولاد الله لأن الملكوت اقترب. إذًا لماذا لم يقل أن الملكوت قد جاء؟! لا، الملكوت يبدأ بالصلب ودفع ثمن الخطية، والقيامة، ونصير - بعد أن كان الشيطان رئيس هذا العالم - داخلين في ملكوت الله، لكن على الرغم من كل هذا ما زالت الإرادة الحرة موجودة والجميع لم يخضعوا.
السيد المسيح يعمل بكل قوة لإخضاع كل أعضاء جسده لملكوت الله، ثم في القيامة سيقدم هؤلاء الخاضعين لله الآب. يقدمهم كأعضاء لجسده يقول: "هذه أعضاء جسدي خاضعين للآب" هذا هو خضوع الابن.
وبعد ذلك يقول الكتاب في (1كو15: 28) "وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أيضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ".
أحب أن أورد عبارة لطيفة للقديس جيروم يقول: "إن عبارة (كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ) الكتاب لم يقل: كي يكون الآب الكل في الكل، وإنما قال: "كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ"[6]، وكلمة الله تشمل الآب والابن والروح القدس، وتشمل الثالوث كله فيكون هو الكل في الكل.
لأن المسيح ليس منفصلًا من جهة كونه أقنوم الابن عن الله الآب، فبذلك الله هو الكل في الكل فيكون اللاهوت الثالوث القدوس هو الكل في الكل.
معنى ذلك أن البشرية كلها ستخضع للاهوته، والسيد المسيح سيقدم أعضاءه (أعضاء جسده) أي الكنيسة خاضعين للآب وهذا هو المقصود بخضوع الابن.
والقديس أمبروسيوس أيضًا يقول: حينما قال: "كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" لم يفصل المسيح عن الله بل القديس أمبروسيوس يذكر لنا شاهد آخر في (كو3: 11) "حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ"[7]. أي قال نفس العبارة التي قيلت في (1كو15) عن "اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" عن السيد المسيح. فمن هو الكل في الكل؟!
هو الله بأقانيمه الثلاثة الآب هو هكذا والابن هكذا.
القديس أمبروسيوس يقول أيضًا من ناحية الجسد: "حتى السيد المسيح عندما كان في الجسد لم يكن خاضعًا للآب في كل شيء، وإنما كان خاضعًا لأمه مريم أيضًا وقيل عنه في (لو2: 51) أنه كان خاضعًا لهما لمريم ويوسف. فَالذي خضع لمريم ويوسف ألن يخضع للآب؟
كله كان خاضعًا من هذه الناحية. وقال أيضًا القديس أمبروسيوس عن هذا الخضوع: "السيد المسيح قال: "اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ... وَحِمْلِي خَفِيفٌ" (مت11: 29، 30) ويقصد بنيري؛ نير الطاعة التي تخضعوا بها، وهذا سيكون نير هين وحمل خفيف عن طريق النعمة التي أعطيها لكم والتي تستطيع أن توصلكم إلى الطاعة.
بل قال إن السيد المسيح نفسه لم يكن فقط خاضعًا لمريم ويوسف، بل كان خاضعًا لحكم الحكام!!
وقال: فيما خضع لحكم مجلس السنهدريم ونفّذه (أثناء خضوعه) قال لهم: "مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاء" (مت26: 64)، أي عبّرَ عن لاهوته فيما يذكر خضوع ناسوته[8].
[1] ألقى قداسة البابا شنوده الثالث عدة محاضرات بعنوان "خضوع الابن" بتاريخ 5 مايو 1992م، 20 ديسمبر1994م، 22 مايو2007م، 4 ديسمبر2007م، ولعدم التكرار نكتفي بنشر محاضرة 20 ديسمبر1994م مع إضافة النقاط غير المكررة التي قالها قداسته في المحاضرات السابق ذكرها.
[2] القديس أمبروسيوس يقول: "دعنا نرى إذًا أن اللاهوت ليس فيه خضوع، بل بالحري هو خضوعنا في مخافة المسيح". شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ترجمه د. نصحي عبد الشهيد، (يوليو2018م)، الكتاب الخامس: 166، صـ 333.
[3] NPN 2-6 Jerome: Against the Pelagians, book I, 18
[4] NPN 2-8. Bassil: letter VIII to the caesareans, 8
[5] NPN 2-10.Ambrose: Exposition of the Christian Faith book, chapter XIII, 168
[6]NPN 2-6. Jerome: letter Lv to Amandus 5
[7] NPN 2- 10. Ambrose: Exposition of the Christian faith book v, chapter XIV, 176
[8] NPN 2-10. Ambrose: Exposition of the Christian faith book v, chapter XIV, 172
الفصل الثالث عشر جعله ربًا ومسيحًا
جعله ربًا ومسيحًا[1]
من الآيات التي يسيء الأريوسيون فهمها الآية التي قالها بطرس الرسول في العظة التي ألقاها يوم الخمسين على اليهود في (أع2: 29–36).
ويقول: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ جِهَارًا عَنْ رَئِيسِ الآبَاءِ دَاوُدَ إِنَّهُ مَاتَ وَدُفِنَ، وَقَبْرُهُ عِنْدَنَا حَتَّى هذَا الْيَوْمِ". يريد أن يعلق على الآية التي تقول: "لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا" فيقول: "رَئِيسِ الآبَاءِ دَاوُدَ إِنَّهُ مَاتَ وَدُفِنَ، وَقَبْرُهُ عِنْدَنَا حَتَّى هذَا الْيَوْمِ فَإِذْ كَانَ نَبِيًّا، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَادًا فَيَسُوعُ هذَا أَقَامَهُ اللهُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا شُهُودٌ لِذلِكَ وَإِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ اللهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ، سَكَبَ هذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ لأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى السَّمَاوَاتِ. وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا".
هنا نحب أن نقول بعض المعلومات عن هذه الآية لأن الأريوسيين يظنون أنه جعل هذا ربًا ومسيحًا، يعني أنه لم يكن رب ولا مسيح وبعد ذلك الآب جعله هكذا!!
أما الرد:
هنا بطرس الرسول يتكلم عن "يسوع" الإنسان[2]، الرجل يسوع الذي صلبتموه أنتم، فهو يتكلم عنه من جهة ناسوته فلا يتكلم عن اللاهوت؛ فلاهوت الابن لم يُجعل ربًا إنما هو رب بطبيعته.
لكن هنا يتكلم على يسوع الاسم البشري له. و"الذي صلبتموه" لأن الله الكلمة ليس هو المقصود بعبارة صلبتموه، طبعًا صلبتموه الله المتجسد[3]، لكن هو مات بالجسد لأن لاهوته حي لا يموت. فيقول لهم: "هذا صار ربًا ومسيحًا"، لا يتكلم على جوهر الكلمة إنما يتكلم عن ناسوته. أي أن هذا الذي كنتم أنتم لا تفهمونه وصلبتموه وتعتبرونه إنسانًا عاديًا، أو حتى إنسان خاطئ هذا جعله الآب ربًا ومسيحًا.
ما معنى "جعله"؟ أي جعلكم فيما بعد تفهموا أنه هو رب ومسيح.
نشرح هذه النقطة بشيء من التفصيل.
كلمة "جُعل ربًا" ليس معناها أنه لم يكن ربًا من قبل، كيف؟!
مثلًا ربنا في (حز37) عندما تكلم عن هدايته للناس يقول: "وَأَقْطَعُ مَعَهُمْ عَهْدَ سَلاَمٍ، فَيَكُونُ مَعَهُمْ عَهْدًا مُؤَبَّدًا، وَأُقِرُّهُمْ وَأُكَثِّرُهُمْ وَأَجْعَلُ مَقْدِسِي فِي وَسْطِهِمْ إِلَى الأَبَدِ وَيَكُونُ مَسْكَنِي فَوْقَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَيَكُونُونَ لِي شَعْبًا" (حز37: 26، 27)
عبارة "أكون لهم إلهًا" أي سوف لا يصير فقط إلهًا في ذلك الحين فهو إله منذ الأزل لكن هم سيقبلونه إلهًا.
فيقول: "أكون لهم إلهًا" هو إله من قبل ذلك لكن هذه الكينونة تعني قبول الناس لألوهيته، أكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا. "فَتَعْلَمُ الأُمَمُ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ مُقَدِّسُ إِسْرَائِيلَ". فهنا جاءت من جهة معرفة الناس، من جهة قبول الناس، أنه جُعل إلهًا لهم من جهة قبولهم للاهوته وليس في ذلك الحين صار إلهًا.
ويكرر هذا الكلام في آخر سفر الرؤيا يتكلم عن نفس الموضوع يقول: "وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ" (رؤ21: 3).
كيف وهو إله من قبل ذلك؟ كلمة "يكون إلهًا" هنا تعني أنهم يقبلونه كإله وتصبح العلاقة بالإيمان، صار إلهًا عمليًا لهؤلاء المفديين الصالحين. فكلمة "يصير إلهًا أو يُجعَل إلهًا أو يكون إلهًا" في وقت من الأوقات، لا تمنع اللاهوت الأزلي لله ولكن هنا يتكلم عن التخصيص من حيث قبول الناس له واعترافهم به أنه إله.
وهذا الأمر أيضًا نجده في (تك21:28) بعد رؤية السلم الواصل بين السماء والأرض والرؤيا التي رآها يعقوب أبو الآباء في حلم بعد ما استيقظ من النوم وتذكر وعد الله له "يَكُونُ الرَّبُّ لِي إِلهًا".
"وَنَذَرَ يَعْقُوبُ نَذْرًا قَائِلاً: إِنْ كَانَ اللهُ مَعِي، وَحَفِظَنِي فِي هذَا الطَّرِيقِ الَّذِي أَنَا سَائِرٌ فِيهِ، وَأَعْطَانِي خُبْزًا لآكُلَ وَثِيَابًا لأَلْبَسَ، وَرَجَعْتُ بِسَلاَمٍ إِلَى بَيْتِ أَبِي، يَكُونُ الرَّبُّ لِي إِلهًا، وَهذَا الْحَجَرُ الَّذِي أَقَمْتُهُ عَمُودًا يَكُونُ بَيْتَ اللهِ" (تك 28: 20-21).
"يكون لي إلهًا"[4]
ليس معنى ذلك أنه لم يكن إلهًا قبل ذلك، هو يكون إلهًا في ذلك الوقت، بمعنى من ناحية قبول يعقوب وإيمانه بالله في تحقيق وعده له. يقول: "يَكُونُ الرَّبُّ لِي إِلهًا" فعندما يقول "جَعَل يسوع ربًا ومسيحًا" ليس معناها أنه لم يكن ربًا ومسيحًا من قبل ولكن بإيمان هؤلاء اليهود الذين صلبوه عن جهل ولا يعرفون، و"لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ".
هذا قد جُعل لهم ربًا ومسيحًا من حيث إيمانهم به ومن حيث الآيات والعجائب التي قالها بدليل أنه في نفس الوقت قال عن يسوع المسيح بعد قيامته قال: "وَنَحْنُ جَمِيعًا شُهُودٌ لِذلِكَ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ اللهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ، سَكَبَ هذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ" (أع2: 33).
فهذا الذي يسكب الروح القدس على الناس هو إله لا شك. إذ كيف يستطيع أن يسكب روح الله على الناس إن لم يكن إلهًا لهم.
إذًا كلمة "جُعل ربًا ومسيحًا" معناها أنه جعل الناس في إيمانهم به بما أجراه من معجزات وآيات كثيرة يؤمنون به ربًا ومسيحًا، بينما هو رب ومسيح قبل أن يؤمنوا. هو كان ملكًا وربًا منذ الأزل قبل أن يصير إنسانًا أما ربوبيته علينا فبقبولنا له صار أبًا.
نحن البشرية الذين أخطأنا وعبدنا الأصنام وتجاهلنا الله ثم رجعنا نصرخ إليه لكي نعود إليه ونقول له: "كن لنا إلهًا... إن عملت معنا كذا وكذا تصير لنا إلهًا".
فيكون المسيح في تجسده أعطاه لاهوته قوة المعجزات الكثيرة وبخاصة القيامة من الأموات وبها استطاع الناس أن يقبلوه ويصير لهم إلهًا.
كما يقول: "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي" (مز110: 1).
إذًا هو رب من القديم حتى إن داود تنبأ بهذا أيضًا وتكلم عنه قبل ميلاده بسنين عديدة وقال: "قال الرب لربي" فهو رب، وهو مسيح، ولكنكم صلبتموه عن جهل وإذ رأيتموه وقد تبرهن لكم بالآيات صار لكم ربًا وإلهًا.
فكون أن الله رب وإله، وكون أن المسيح بالجسد رب وإله، هو كذلك قبل أن يعترف الناس به. ولكن اعتراف الناس به معناه؛ قبولهم له وليس معناه صيرورته من ذلك الحين أنه رب وإله.
عندما سأل السيد المسيح بطرس: "قَالَ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَال: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!" (مت16: 15، 16)، هو لم يصر مسيحًا باعتراف بطرس أو بقبول بطرس، أو بإعلان بطرس. إنما هو مسيح قبل ذلك!! وليس ابن الله باعتراف بطرس، وإنما هو ابن الله منذ الأزل.
كلمة "جُعل" تعني أن الله جعلكم تعترفون به ربًا ومسيحًا.
قدم القديس أثناسيوس الرسولي مثلاً بسيطًا[5]، قال: "في البركة التي أعطاها أبونا إسحاق لابنه يعقوب، عندما جاء عيسو يبكي ويطلب أن تكون له البركة يقول الكتاب: "بَارِكْنِي أَنَا أيضًا يَا أَبِي فَقَالَ: قَدْ جَاءَ أَخُوكَ بِمَكْرٍ وَأَخَذَ بَرَكَتَكَ. وَبَكَى" وطلب منه مرة ثانية فأجاب إسحاق وقال لعيسو: "إِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ سَيِّدًا لَكَ" (تك27: 34- 37). أمهما وهي حبلى بهما قيل لها: "في بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ" (تك25: 23).
عبارة "كبير يستعبد لصغير" تعني أن هذا الصغير سيصير سيدًا لهذا الكبير، إذًا هو سيد بتدبير الله السابق منذ أن كان في بطن أمه.
ولكن مع ذلك قال له إسحاق: "جعلته سيدًا لك".
كلمة "جعلته" ليس معناها هو الذي أعطى له السيادة. هذه السيادة في تدبير الله منذ أن كان في بطن أمه. لكن "جعلته سيدًا لك" أي أعلنت هذه السيادة للناس، وليس أوجدتها من العدم، وإنما أعلنتها للناس.
بنفس الوضع "جعله ربًا ومسيحًا" يعني أعلن هذه الربوبية للناس وليس إنها صارت منذ ذلك الحين، إنما هي موجودة من قبل لكنها أُعلنت في ملء الزمان كما أن كثيرًا من الأمور أعلنت في ملء الزمان.
[1] من محاضرة لصاحب القداسة البابا المعظم البابا شنوده الثالث بتاريخ 20 ديسمبر1994م.
[2] القديس أثناسيوس يقول: "إن ما قيل عنه بحسب بشريته، قد قيل بسبب أن الكلمة صار ابن الإنسان"، ضد الأريوسيين، القديس أثناسيوس، المقالة الثانية، ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية2017م)، الفصل الرابع عشر، فقرة 2، صـ155-156).
[3] القديس أثناسيوس: "إن كلمة "جَعَلَ" ليست عن جوهر الكلمة بل عن ناسوته. لأن ما هو الذي صُلب سوى الجسد؟ فكيف يمكن أن يتحدث عن ما هو جسدي في الكلمة سوى بقوله "جعل؛ صنع؟" (ضد الأريوسيين، القديس أثناسيوس، المقالة الثانية، ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، الفصل الخامس عشر، فقرة 12، صـ171).
[4] القديس أثناسيوس: "أنه بافتدائه الكل بالصليب قد صار رب الجميع وملكًا عليهم، فإنه لم يعد في ذلك الوقت إلهًا أكثر من ذي قبل، ولم يبتدئ عندئذ أن يصير إلهًا، بل إن هذا هو الأمر الواقع دائمًا"، (ضد الأريوسيين، القديس أثناسيوس، المقالة الثانية، ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، الفصل الخامس عشر، فقرة 13، 14، صـ172-175).
[5] يقول القديس أثناسيوس: "فلأنه هو ابن الله، فإنه يلزم أن يكون مماثلاً له، ولكونه مماثلاً له فهو قطعًا رب وملك معًا. فقد قال هو عن نفسه: "اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ". أما وأن عبارة بطرس هذه: جعله ربًا ومسيحًا. لا تعني أن الابن مصنوع، فهذا ممكن أن نراه في بركة إسحاق". (ضد الأريوسيين، القديس أثناسيوس، المقالة الثانية، ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، الفصل الخامس عشر، فقرة 17، صـ179).
الفصل الرابع عشر الفكر الأريوسي في الأخذ والعطاء
"الفكر الأريوسي في الأخذ والعطاء"[1]
من الآيات التي يسيء فهمها الأريوسيين أيضًا الآيات التي فيها السيد المسيح أُعطى شيئًا من الآب، أو أخذ شيئًا من الآب. وسنأخذ بعض هذه الآيات والفكر الأريوسي عنها.
يقول السيد المسيح: "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ" (يقولون إنه ما دام دُفع إليه، فهو لم يكن له سلطان قبل ذلك).
وفي (مت11: 27) "كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي". وفي (يو3: 35) "اَلآبُ يُحِبُّ الابْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ"، (يو5: 22) "الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ" فيعتبرون أن الذي يُعطي في مركز أكبر من الذي يأخذ العطية. وفي (يو5: 26) يقول: "كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أيضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ"، فإذا كانت الحياة أخدها كعطية فهو غير مساوِ للآب!
الفكر الأريوسي يقول: إن كلمة أخذ وأُعطيَ تعني؛ أنه أخذ شيئًا لم يكن له من قبل، أو أخذ شيئًا كان ينقصه، وما دام كان ينقصه شيء إذًا فهو ليس فيه كل أسباب المجد.
الله كامل في كل شيء فكيف يكون هو ناقص في شيء، وأيضًا ما دام أخذ من الآب فيصبح غير مساو للآب الذي يعطي. هذه هي البدعة التي أريد أن تفهموها.
الرد:
طريقة الآباء أنهم يتكلمون أولاً عن الرد الإيجابي من ناحية الآيات الموجودة في الكتاب التي تدل على عكس هذا الكلام[2].
من ضمن هذه الآيات في (يو16: 15) يقول السيد المسيح: "كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي" إذًا ما دام كل ما للآب هو له فهو لم يأخذ شيئًا، كيف يأخذ كل ما له؟! وما دام كل ما للآب هو له إذًا لا ينقصه شيء.
المساواة في القدرة والمشيئة والإكرام:
آية أخرى في (يو5: 19) يقول المسيح عن الآب: "مهما، مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ - أي الآب - مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ" يعني مساواة في القدرة، وفي العمل. ثم بعد ذلك يقول في بعض التفاصيل في (يو5: 21) يقول: "كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أيضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ" أي مثله تمامًا. إذا كان الآب يقيم الموتى ويحيي، فالابن يحيي من يشاء وهذه معناها أنه مساو للآب في القدرة وفي المشيئة يقول: "من يشاء"، وطبعًا هو يحيي، ويقيم من الموتى لأن إقامة الموتى هي العمل السابق للدينونة، أي بعد أن يقيمهم يدخلون في الدينونة والحساب والدينونة للابن كما ورد في (يو5: 22).
ثم يقول أيضًا: "لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ" (يو5: 23) فتكون المساواة في الإكرام بين الآب والابن وهذه لا يمكن أن تتم إلا لو كانت مساواة في اللاهوت.
هنا ونقول إن اللاهوت كاملٌ في كل شيء. ويمكن أن تؤخذ بعض الآيات عن الناسوت أي عن حالة المسيح في ناسوته مثلما يقول له: "مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ" (يو17: 5) "مجدني" أي مجّد ناسوتي بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم[3]، إذًا مجد اللاهوت ما دام قبل العالم كله إذًا ليس ناسوتًا. لم يكن في ذلك الوقت قد تجسد. فكون إن أشياء تؤخذ من الناحية الناسوتية هذه ممكنة.[4]
أما موضوع "يُعطىَ".. فهناك نوعان من العطاء
1- عطاء حسب الطبيعة.
2- عطاء حسب النعمة.
العطاء حسب النعمة؛ أن يُعطي لشخص شيء لم يكن له، فيكون أُنعم عليه بهذا الشيء.
أما العطاء بحسب الطبيعة؛ فهو طبيعته هكذا. نشرح عليها عدة أمثلة و"مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ".
أمثلة للتوضيح:
مثال الشمس: عندما تعطي أشعتها ضوءًا ونورًا. هل الشعاع عندما خرج من الشمس لم يكن فيه ضوء أو نور، ثم أعطته الشمس فيما بعد؟ أم هو بطبيعته منذ أن خرج من الشمس فيه ضوء ونور[5]. هذا عطاء حسب الطبيعة.
مثال آخر العقل الذكي: يعطي الفكر الخارج منه ذكاء فهل الفكر الخارج منه لم يكن لديه ذكاء وثم أُعطيَ له ذكاء فيما بعد؟! أي هناك ذكاء ليس له ثم بدأ يأخذه؟ أم بطبيعته لا بد أن يكون فيه هذا الذكاء؟ لكن يقال: العقل أعطى الفكر الخارج منه ذكاء. أي أخذ الذكاء حسب الطبيعة وليس نعمة لأنه لم يكن هناك شيئًا ينقصه.
مثل آخر، الأب يعطي ابنه شكله، ملامحه، فصيلة دمه، أشياء كثيرة بالوراثة، فهل هذه الأشياء لم تكن للابن وبعد أن وُلد بفترة أعطى له هذه الأشياء؟ لا، هو من لحظة ولادته وهذه الأشياء له. فهذا يسمّى عطاء بالطبيعة وليس عطاءً بالنعمة.
أيضًا مثل النار: تتمثل فيها الثلاثة أقانيم؛ جوهر النار، تخرج منه حرارة، وينبعث منه ضياء. لكن لأن الجوهر هو النار فيعتبر النار كأنه هو الآب، والحرارة والضوء الابن والروح القدس.
كذلك الابن. ابن الله بالنسبة للآب له كل صفات الآب بالطبيعة.
وقال الآباء القديسين أيضًا: إن الذي يأخذ شيئًا لم يكن له ممكن يفقده، مثل "افرض أنك ستأخذ عقار ليس لك، أو مال ليس لك، أو منصب ليس لك، سـتأخذ عمل، فما ستأخذه وليس من طبعك ممكن أن تفقده. ممكن أن تفقد المال والعقار والوظيفة وكل شيء، لكن السيد المسيح لا يوجد شيء أخذه وفقده لأنها كانت له منذ البدء.
فمن الممكن قول إن السيد المسيح كل ما أخذه من مجد، ومن قوة، ومن سلطان كان له منذ الأزل في طبيعته اللاهوتية. لأن الكتاب يقول: "فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كو2: 9).
أما موضوع "الأخذ" هذا ظهر في طبيعته الناسوتية، أو أن الصفات التي في لاهوته ظهرت في ناسوته.
ونأخذ الآية التي يقولها الأريوسيون: "الآب دفع كل شيء للابن".
لا تأخذوا الآيات بالحرف "الحرف يقتل".. عندما يقول: "دفع كل شيء للابن" أي الآب أصبح ليس عنده شيء؟! كل شيء ذهب للابن وهو لم يبق عنده شيء؟! هو دفع إليه كل شيء وبقيَ كل شيء عند الآب أيضًا؛ أي أن الآب دفع كل شيء للابن، وبقيَ كل شيء مع الآب. مثلما أقول: أنا أعطيتك فكرًا ليس معناها أني عندما أعطيتك الفكر، الفكر ذهب من عقلي وأنا أعطيته لك وأصبحت من غيره! أنا أعطيك الشيء وكما يخرج (الشيء) أو الفكر من المخ ويصل إلى الناس ويعبر قارات ومحيطات، ومع خروجه من الذهن يبقى داخله، فلا نأخذ الأمور بطريقة حرفية.
والقديس أثناسيوس يتكلم عن آية: "دفع كل شيء للابن" يقول: إن معنى الآية "أن الابن ليس ككل شيء، كل شيء دُفع إليه فيكون هو غير كل شيء، أي غير كل المخلوقات التي هي الأشياء الموجودة".[6]
ويقول أيضًا عبارة مهمة: "إن الآب يمارس كل أعماله عن طريق الابن"؟ أي الله هو الخالق: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" (تك1:1)، لكن كيف خلق؟ بالابن؛ لأن الابن "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو1: 3)، وفي (عب 1: 2) يقول: "الَّذِي بِهِ أيضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ"، ويقول: "الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ" (كو1: 16). فالآب هو الخالق لكن يخلق عن طريق الابن.. فما معنى أن الآب يخلق عن طريق الابن؟
تفسيرها بسيط إن في (1كو1: 24) يقول: "الْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ" فالله خلق كل شيء بقوته وحكمته، فهو خلق كل شيء بالابن لأن الابن هو قوة الله وحكمة الله.
اللوجوس:
أيضًا الابن هو اللوجوس؛ "في البدء كان اللوجوس واللوجوس كان عند الله" الذي ترجمها القديس جيروم خطأ، وقال الكلمة عبارة ترجمها إلى اللاتيني وقال: "فيربوم"، وفيربوم تعني الكلمة. وقال "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله" فهي ليست دقيقة. عندما أصلي هذه القطعة في صلواتي أقول: "في البدء كان اللوجوس واللوجوس كان عند الله وكان الله اللوجوس".
اللوجوس معناها بدقة؛ عقل الله الناطق أو نطق الله العاقل، من كلمة اللوجوس أتت كلمة Logic بالإنجليزية، logic يعني المنطق. والمنطق لا يقصد به النطق pronunciation، بل المنطق هو النطق المعقول أو العقل المنطوق به.
إذًا فيكون من جهة الخلق الآب يخلق بواسطة الابن، الآب يخلق بعقله الناطق، الله يخلق بقوته وحكمته، الابن هو قوة الله وحكمته وهو عقله الناطق. الآب يحيي من يشاء وكيف يحيه؟ بالابن. الله هو ديان الأرض كلها وكيف يدين العالم؟ بالابن. كل الدينونة للابن، الله لا يدين أحد، يعطي الدينونة للابن[7].
إذًا المسيح لم يأخذ شيئًا ليس له إنما هو يمارس أعمال الآب...
من الآيات الأخرى التي استخدمها الأريوسيون:
الآية التي تقول: "أَعْطَى الابْنَ أيضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ" (يو5: 26) فهل الابن لم تكن له حياة في ذاته والآب أعطاه حياة في ذاته؟ أيضًا في إنجيل يوحنا يقول: "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ" (يو1: 4) والسيد المسيح يقول: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6) و"أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ" (يو11: 25).
فإذا كان هو الحياة، وفيه كانت الحياة فكيف أخذ حياة في ذاته؟! الجواب هو: بطبيعته فلم تعطى له حياة خارجة عنه. هو حي بذاته وهو مانح الحياة وهو يحي من يشاء.
وأيضًا أنه حتى بعد موته أخرج الراقدين على الرجاء، وأدخلهم إلى الفردوس إذًا كان حيًا بعد موته، كان حيًا بلاهوته - وإن كان الموت لحق الجسد - لكن كان حيًا بلاهوته.
أما عبارة "دُفع إليَّ كل سلطان"، إذا كان المسيح في تجسده دُفع إليه كل سلطان فكيف وهو في تجسده أعظم مما كان من قبل، هذا بعد التجسد دُفع إليه كل سلطان. هذا مستحيل. إنما السلطان كان في لاهوته ثم مارسه بناسوته، فممارسته بناسوته قيل عنها إن "هو دُفع إليه السلطان" لأن هو بلاهوته فيه السلطان.
وأيضًا كان له سلطان شفاء المرضى، وإخراج الشياطين، وفي انتهار البحر والأمواج. ويضاف إلى ذلك أنه أيضًا أعطى هذا السلطان لتلاميذه. فالذي يعطي غيره سلطانًا ألا يكون له سلطان في ذاته؟! إذًا السلطان الذي للاهوته مارسه بناسوته.
سؤال:
هل يمكن أن يكون عطاء الآب للابن هو عطاء للطبيعة الناسوتية وليس لطبيعة الابن اللاهوتية؟
الجواب:
بالطبع، طبيعة الابن اللاهوتية مساوية للآب تمامًا وليس لها علاقة بالعطاء، لكن ليس كل عطاء كان للناسوت، إنما بعض أنواع العطاء كانت للناسوت.
وثم يقول بالنسبة لأقنوم الابن هل كان معطى كل شيء من عند الآب منذ ولادته؟
منذ ولادته من الآب وليس منذ ولادته من العذراء. هذه مثلما تقول: (النار تخرج منها الحرارة، فالحرارة من طبيعة النار، فهل نقول: النار أعطت الحرارة دفئها أم أن الحرارة بطبيعتها منذ أن خرجت من النار بطبيعتها لها الدفئ!!
* * *
سؤال:
هل كان يسوع الطفل يعرف كل شيء يعرفه الآب؟ ماذا كان في عقل المسيح في ذلك الوقت؟
الجواب:
عندما تقول يسوع الطفل تقصد ناسوته أم لاهوته؟ من جهة ناسوته في لوقا 2 يقول: "كَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ".
إذًا من ناحية الناسوت كان ينمو ولكن من ناحية اللاهوت! اللاهوت لا ينمو لأنه لا ينقصه شيء حتى يزيد.
* * *
سؤال:
ذكرت الآية التي تقول: "كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي" فهل للابن الإرسالية ونحن نعلم أن الإرسالية للآب حيث أنه أرسل الابن إلى العالم ونعلم أيضًا أن كل أقنوم له صفات خاصة به"...
فهل هذ الآية قيلت من جهة الصفات الأقنومية أم ماذا؟
الجواب:
قيلت من جهة الصفات العامة للاهوت والصفات العامة لا تنفي وجود صفات خاصة لكل أقنوم، لكن هناك صفات عامة التي هي صفات اللاهوت بصفة عامة.
مثلما نقول: "الآب قادر على كل شيء"، فهذه الصفة داخلة في الأقانيم الثلاثة، عندما نقول: "الآب موجود في كل مكان" فهذه داخلة في الأقانيم الثلاثة، مثلما نقول: "الآب أزلي" فهذه أيضًا داخلة في الثلاثة، يعني الصفات العامة كل ما للآب هو له، لكن هذه لا تمنع الصفات الأقنومية.
* * *
سؤال:
إذا كان الابن له كل شيء عند الآب فلماذا عبر الكتاب بتعبير "أعطى" بالنسبة للآب وتعبير "أخذ" بالنسبة للابن بمعنى آخر هل يمكن أن يتبادلا الأدوار؟
الجواب:
لا يتبادلا الأدوار. أي إن الآب لا يصبح ابن والابن لا يصبح آب؟ فيكون الابن هو المعطي والآب هو الآخذ؟ بالطبع لا.
لا تصل الأفكار إلى هذا المستوى.
[1] محاضرة لصاحب القداسة البابا المعظم البابا شنوده الثالث، بتاريخ 27 نوفمبر 2007م وجزء من محاضرة بتاريخ 8 مايو 2007م.
[2] القديس كيرلس الإسكندري يرد بالطريقة التي أشار إليها قداسة البابا شنوده (الرد الإيجابي بالآيات الكتابية) في المقالة الثانية والثلاثين، يورد البابا كيرلس الإسكندري شواهد مختارة من العهد الجديد تُثبت أن الابن هو بحسب الطبيعة إله. راجع كتاب الكنوز في الثالوث للقديس كيرلس الإسكندري، ترجمة د. جورج عوض إبراهيم (2012م)، المقالة الثانية والثلاثون.
[3] يقول القديس هيلاري: "إن مدلول كلامه الصريح: الآن تمجد ابن الإنسان، لا يمكن الشك فيه بحسب اعتقادي، أي أن كل المجد الذي ناله ليس للكلمة بل لجسده، ليس لولادته الألوهية، بل لتدبير ناسوته المولود للعالم" (عن الثالوث، القديس هيلاري، الكتاب التاسع فقرة 40، صـ 636).
[4] يتفق فكر قداسة البابا مع القديس أثناسيوس الرسولي الذي يقول نفس الكلام عن الطبيعة الإنسانية، إذ يقول القديس أثناسيوس: "إذًا فحينما يستعمل المخلص الكلمات التي يتعللون بها مثل (دفع إليَّ كل سلطان) و(مجّد ابنك) وقول بطرس إنه قد أُعطى له سلطان، فنحن نفهم كل هذه الآيات بنفس المعنى أي أنها ينبغي أن تُفهم إنسانيًا، لأنه بحسب الجسد قال كل هذا". (ضد الأريوسيين، القديس أثناسيوس، ترجمه عن اليونانية أ.صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة، الفصل السابع والعشرون صـ342).
[5] القديس كيرلس عمود الدين: "لنحاول أن ننظم أفكارنا أكثر، ونأخذ مثالاً وليكن طبيعة الشمس والشعاع الذي يخرج منها" (حوار حول الثالوث، القديس كيرلس عمود الدين، الحوار الثاني، صـ82).
كما سبق أن استخدم القديس أثناسيوس الرسولي تشبيه الشعاع والنور للدفاع عن ألوهية الابن؛ "لأنه كما في حالة الشعاع، إن كان الشعاع نفسه يقول: "النور قد أعطاني أن أضيء كل الأمكنة" (ضد الأريوسيين، القديس أثناسيوس، ترجمه عن اليونانية أ.صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة : 38، صـ344).
[6] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "ولأنه إن كانت كل الأشياء قد دفعت له فهو أولاً: آخر مختلف عن كل تلك الأشياء التي أخذها. وثانيًا: حيث إنه هو الوارث لكل الأشياء، لما كان وارثًا لكل شيء، ولكن كل واحد يأخذ بحسب إرادة الآب وعطيته، ولكن الآن هو الآخذ لكل شيء، فهو آخر مختلف عنها كلها وهو الوحيد الذي من ذات الآب" (ضد الأريوسيين، القديس أثناسيوس، ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة: 36، صـ340).
[7] القديس كيرلس الإسكندري: "إن لله الآب القدرة أن يخلق، فهو يخلق كل الأشياء بالابن، أي بواسطة قوته الذاتية وقدرته، كذلك إذ له القدرة على الدينونة أيضًا، فإنه يفعل ذلك أيضًا بالابن كعدله الذاتي" (شرح إنجيل يوحنا جـ1، القديس كيرلس الإسكندري، الكتاب الثاني، الفصل السابع، صـ271).
الفصل الخامس عشر الإنسان يسوع المسيح
الإِنسان يسوع المسيح[1]
من الآيات التي يسيء الأريوسيون فهمها، قول بولس الرسول: "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ" (1تي2: 5، 6).
وأيضًا قوله في الرسالة إلى رومية: "بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا نِعْمَةُ اللهِ، وَالْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ" (رو5: 15).
في الحقيقة نحن في كلامنا عن لاهوت المسيح، لا ننسى ناسوته.
لا ننسى إطلاقًا أنه كان إنسانًا كاملًا في ناسوته، كما هو إله كامل في لاهوته. غير أننا لا نفصل بين اللاهوت والناسوت.
لأن لاهوته لم يفترق عن ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين. كإنسان كان يأكل ويشرب ويجوع ويعطش وكان يتعب وينام ويبكي، بينما اللاهوت لا يتعب ولا ينام، ولا يجوع ولا يعطش.
بولس الرسول أيضًا في المقارنة بين آدم والمسيح، أسماه إنسانًا.
فقال: "صَارَ آدَمُ، الإِنْسَانُ الأَوَّلُ، نَفْسًا حَيَّةً، وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحًا مُحْيِيًا.. الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ" (1كو15: 45، 47).
وفي إيمان الكنيسة بناسوت المسيح،
حرمت الذين لم يؤمنوا بناسوت كامل للمسيح:
مثال ذلك: سابليوس الذي اعتقد أن السيد المسيح ليس في حاجة إلى الروح الإنسانية، إذ يكفي أن يكون حيًا بالروح القدس الثابت فيه.
فحرمت الكنيسة هذه الهرطقة، لأنها لا تؤمن بناسوت كامل للسيد المسيح. كذلك حرمت الكنيسة هرطقة أوطاخي، الذي في دفاعه عن لاهوت المسيح قلّل من كمال ناسوته.
لقد أخذ طبيعة بشرية تشبهنا في كل شيء ما عدا الخطية.
وهكذا قال عنه الرسول: "مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ" (عب2: 17). وأيضًا: "فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أيضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ" (عب2: 14).
صار إنسانًا، لأن هذه هي الوسيلة البشرية التي يفدي بها البشرية.
لكي: "يبيد الموت" المحكوم به على البشرية. الحكم صدر ضد الإنسان، فكان لا بد أن الذي يموت عنه إنسان من نفس طبيعة هذا الإنسان ومن نسله.
لأنه هكذا كان وعد الله منذ البدء أن نسل المرأة يسحق رأس الحية (تك3: 15).
طبيعة واحدة الكلمة المتجسد:
ولكن إنسانًا محدودًا ما كان ممكنًا أن يخلص كل البشرية[2]، وإنما: "يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كو2: 9). أي ليس مجرد إنسان، إنما فيه كل ملء اللاهوت. ولذلك قيل عنه في موضع آخر "اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ" (1تي3: 16).
هنا الطبيعتان: اللاهوتية والناسوتية متحدتان معًا، في طبيعة واحدة هي الكلمة المتجسد. هو الإنسان يسوع المسيح، وهو ربنا يسوع المسيح (1كو1: 2) (2كو13: 14). وهو الابن الوحيد (يو3: 16، 18) (يو1: 18). وهو "رب المجد" (1كو2: 8).
ولهذا كان السيد المسيح يستعمل تعبير (ابن الإنسان) اللازم للفداء مع دلالته على اللاهوت في نفس الوقت.
1- فيستخدم تعبير (ابن الإنسان) في مجال الدينونة العامة، التي هي من اختصاص الله. فيقول: "فَإِنَّ ابن الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت 16: 27).
نلاحظ هنا إلى جوار سلطان الدينونة الخاص باللاهوت، يذكر عبارة (في مجد أبيه). وهي دليل آخر على لاهوته ومساواته للآب في المجد. ويستعمل أيضًا عبارة (ملائكته) بينما الملائكة هم ملائكة الله. وقد كرر هذا التعبير (ابن الإنسان) للدينونة (مت25: 31–46). فمع قوله: "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ" (مت 25: 31، 34). فهو ابن الإنسان (مت 25: 31)، وهو أيضًا ابن الله (مت25: 34).
2- وكما استخدم تعبير (ابن الإنسان) كديان للعالم، استخدم نفس التعبير في الدلالة على الوجود في كل مكان. وهذه صفة من صفات الله وحده.
فقال وهو يحدث نيقوديموس: "وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو3: 13).
فهو في السماء، في نفس الوقت الذي هو يكلم نيقوديموس على الأرض أي التواجد في السماء وعلى الأرض في نفس الوقت.
يضاف إلى هذا قوله عن نفسه (ابن الإنسان) الذي نزل من السماء. حقًا إنه الإنسان يسوع المسيح المولود من المرأة (غلا4:4). ولكنه ليس إنسانًا عاديًا، بل نزل من السماء، وصعد إلى السماء وهو موجود في السماء وعلى الأرض.
من جهة نزوله من السماء قوله لتلاميذه: "فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابن الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلاً!" (يو6: 62). إذًا هو كابن للإنسان كان أولًا في السماء، قبل نزوله إلى الأرض مولودًا.
3- نسب لنفسه كابن الإنسان سلطان مغفرة الخطايا.
وهو سلطان من اختصاص الله وحده. قال ذلك في معجزة شفاء المفلوج قال له: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ". فلما فكر الكتبة في قلوبهم "لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا هكَذَا بِتَجَادِيفَ؟!" قال لهم: "وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابن الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: لَكَ أَقُولُ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!" (مر2: 5-12). فقام المفلوج. وبهت الجميع ومجدوا الله.
4- واستخدم عبارة (ابن الإنسان) في التعبير في مجده السماوي، وعلاقته أيضًا بالملائكة.
فقال أثناء محكامته أمام مجلس السنهدريم: "الآنَ تُبْصِرُونَ ابن الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ" (مت26: 64). ولأن هذا التعبير يدل على لاهوته "فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلًا: قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ!" (مت26: 65).
وبمعنى مشابه قال لنثنائيل في أول لقاء معه: "سَوْفَ تَرَى أَعْظَمَ مِنْ هذَا! الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابن الإِنْسَانِ" (يو1: 50، 51).
إذًا تعبير (إنسان، وابن الإنسان) لا يدل على مجرد الناسوت، وإنما على الطبيعة التي اتحد بها اللاهوت حينما أتى لخلاصنا.
"وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ" (يو1: 14). وحينما صار إنسانًا، لم ينفصل عنه لاهوته مطلقًا، بل كان يعمل الأعمال الخاصة باللاهوت.
في فدائه لنا، مات كإنسان لأن اللاهوت لا يموت. وهكذا نقول في صلاة الساعة التاسعة: "يا من ذاق الموت بالجسد في وقت الساعة التاسعة".
ولكن ماذا قيل عن هذا الفداء؟
هل قام به مجرد الإنسان يسوع المسيح؟
هوذا يقول: "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابنهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ" (يو3: 16). إذًا هنا (الابن الوحيد) الذي قام بالفداء. لأنه كان متحدًا بالإنسان يسوع المسيح وقت الصلب. لم يفارقه لحظة واحدة ولا طرفة عين.
ونفس المعنى نقرأه في رسالة يوحنا في موضعين هما:
+ "إِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أيضًا" (1يو2: 1، 2).
+ "بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابنهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ، فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابنهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا" (1يو4: 9، 10).
+ ففي الآية الأولى: الكفارة هو يسوع المسيح البار.
+ وفي الثانية: ابن الله، الابن الوحيد هو الكفارة.
لأن يسوع المسيح البار، أو الإنسان يسوع المسيح، هو ابن الله الوحيد.
وتعبير (ابن الله الوحيد)، كما ورد في (يو3: 16) وفي (1يو4: 9) هو تمييز له عن كل الذين دعوا أبناء الله من المؤمنين (يو1: 12). لأنه الابن الوحيد الذي من طبيعته وجوهره ولاهوته.
في صلبه عنا: الذي صُلب هو (الإنسان يسوع المسيح) وهكذا كُتب على صليبه "يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ" (يو19:19).
ومع ذلك يقول الكتاب عن اليهود: "لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ" (1كو2: 8) إذًا (الإنسان يسوع المسيح) هو نفسه (رب المجد).
لا يجوز أن نأخذ عبارة واحدة من الكتاب، ونترك الباقي.
فالكتاب هو كُلٌّ لا يتجزأ. الآية الواحدة منه، يكمل فهمها بآية أخرى. أما الأريوسيون فإنهم لا يتحاورون بهذا التكامل الموجود في الكتاب فيقدمون جزءًا منه، ويغفلون باقي الأجزاء.
نذكر مثلًا آخر في الصعود ونرى كيف نفهمه؛ من الذي صعد؟ هل هو اللاهوت؟
كلا، فاللاهوت لا يصعد ولا ينزل، لأنه موجود في كل مكان.
إذًا هو (الإنسان يسوع المسيح) الذي صعد.
ولهذا نقول في القداس الغريغوري: "وعند صعودك إلى السماء جسديًا". ولكن هل صعد فقط بالناسوت؟ كلا، فالناسوت وحده لا يصعد، بل كان متحدًا باللاهوت حينما صعد.
ومع ذلك نُسب الصعود إلى ابن الإنسان (يو6: 62). هذا الذي في صعوده جلس عن يمين الله؛ أي في قوة الله.
نعود مرة أخرى إلى الآية التي استخدمها الأريوسيون وهي: "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ" (1تي2: 5).
هنا ارتباط وثيق، بين كلمتي الإنسان، والفدية.
لأن اللاهوت وحده لا يمكن أن يقوم بالفدية، لا يمكن أن يُصلب ويُسفك دمه ويموت. بل لا بد أن يتحد بالناسوت ليتم ذلك. ونفس الكلام نجده في (رو5: 15). فعطية الحياة التي أعطيت للبشرية عن طريق (الإنسان يسوع المسيح) تمت بموته أي بالفداء[3].
وهكذا يقول الرسول في نفس الرسالة (رو3: 24، 25): "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ".
ولكن الإنسان وحده، لا يمكن أن يقدم فدية عن جميع الخطايا لجميع الناس في جميع العصور.
فالفدية غير المحدودة، والكفارة غير المحدودة، لا بد أن يقوم بها غير المحدود، وهو اللاهوت الذي اتحد بالناسوت، ليقدم هذه الفدية.
وهكذا قال بولس الرسول لأساقفة أفسس: "لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع 20: 28). وطبعًا عبارة (دمه) لا تنطبق إلا إذا كان قد اتحد بطبيعة ناسوتية يمكن سفك دمها في الفداء. وهي طبيعة (الإنسان يسوع المسيح).
[1] ألقى قداسة البابا شنوده الثالث عدة محاضرات بعنوان "الإنسان يسوع المسيح" بتاريخ 21 مارس1995م، ومقال في مجلة الكرازة بتاريخ 10 مايو 1996م، ولعدم التكرار نكتفي بنشر مقال 10 مايو 1996م مع إضافة النقاط غير المكررة التي ذكرها قداسته في المحاضرات السابق ذكرها.
[2] القديس أثناسيوس: "وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع... وبنعمة قيامته يبيد الموت منهم كما تبيد النار القش" (تجسد الكلمة، القديس أثناسيوس الرسولي، الفصل الثامن، فقرة 4– صـ22).
ويقول أيضًا: "والآن قد مات مخلص الجميع نيابة عنا.. فهكذا نحن لا نفنى عندما ننحل بالموت، بل نُزرع في الأرض لنقوم ثانية بما أن الموت قد أبيد بنعمة قيامة المخلص" (تجسد الكلمة، القديس أثناسيوس الرسولي، الفصل الحادي والعشرون، فقرة 1، 2– صـ60).
[3] القديس أثناسيوس: "فلقد أدرك الكلمة جيدًا أنه لم يكن ممكنًا أن يُقضى على فساد البشرية بأي طريقة أخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ومن غير الممكن أن يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن للآب غير المائت. ولهذا اتخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت حتى إنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يصبح جديرًا ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به" (القديس أثناسيوس، تجسد الكلمة، الفصل التاسع، الفقرة 1، صـ23).
الفصل السادس عشر هل المسيح كان يخاف الموت؟
هل المسيح كان يخاف الموت؟[1]
من الآيات التي يسيء فهمها الكثيرون، قول السيد المسيح: "إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ" (مت26: 39)، (مر14: 36)، (لو22: 42)، وقول بولس الرسول: "الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ" (عب5: 7). فهل كان المسيح يخاف من الموت؟ وهل صلى لكي ينقذه الله من الموت، وسُمع له من أجل تقواه؟ بالمعنى الحرفي للآية؟
أما الرد عليهم:
إن كان قد سُمع له من أجل تقواه، لم يكن قد مات؟ لكنه مات! إذًا ما معنى هذا الكلام. وما معنى "إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ؟" وأي كأس؟ وهو مصلوب وأيضًا ما معنى "إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" أريد أن أوضح لكم هذه الأمور.
الخوف من الموت
1. ذهب بنفسه ليصلب
القديس أثناسيوس الرسول يقول: "لا يمكن أن الكلمة (الله الابن) كان خائفًا من الموت. لأنه من جهة كان يمكنه أن يتجنب الموت. بل هو سعى إلى المكان الذي يُقبض عليه فيه. فهو كان يعلم المكان الذي سيأتي فيه يهوذا ليسلمه، وذهب بقدميه إلى هناك"[2].
فهل الشخص الذي يخاف الموت يمكن أن يذهب بنفسه إلى حيث يموت؟! وأيضًا حينما أرادوا القبض عليه وسألوه قال لهم: "أَنَا هُوَ" (يو18: 5). "رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ" وسلم نفسه.
2. قدم نفسه بإرادته:
أيضًا حينما قال: "لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أيضًا، لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أيضًا" (يو10: 17-18)، فهو لا يخاف من الموت، فهو سلم ذاته للموت ولم يهرب من الموت، ووضعها بذاته. الإنسان العادي يموت رغم إرادته أما المسيح فبإرادته قدم نفسه للموت، فهذا لا يدل على إنه إنسان يخشى الموت!
3. هو الحياة ومعطي الحياة:
يقول القديس أثناسيوس الرسولي أيضًا: "كيف يخاف من الموت وهو الحياة، يقول: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6) ويقول: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ" (يو11: 25) فكيف يخاف من الموت وهو الحياة!! بل كيف يخاف من الموت من حرر الناس من الموت، وقال لهم: "مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو11: 25) وكيف يخاف من الموت وهو الذي أقام كثيرين من الموت؟[3]
4. علَّم بعدم الخوف من الموت
وأيضًا كيف يخاف من الموت الذي قال للناس: "لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ، وَبَعْدَ ذلِكَ لَيْسَ لَهُمْ مَا يَفْعَلُونَ أَكْثَرَ" (لو12: 4).
فكيف يدعو الناس إلى عدم الخوف من الموت وهو خائف، غير معقول!! كيف يخاف من الموت وهو الذي يُعين الناس على عدم الخوف من الموت! كما يقول في مزمور الـ 117 "الرب لي عون فلا أخشي، لا أخاف ماذا يصنع بي الإنسان؟" كيف يخاف من الموت وهو الذي جعل التلاميذ لا يخافون من الموت، وكانوا يلقون بأنفسهم في طريق الموت في وقت الاستشهاد ويقولوا: "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع29:5). بل بولس الرسول يقول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ" (في 23:1)[4] غير معقول إنه يخشى الموت.
5. لا يخاف من الموت من جاء ليبيد الموت:
أيضًا كيف يخشى الموت وهو قد جاء لكي يبيد الموت، وبموته قتل الموت. وجعل الناس شجعانًا ليس الرسل فقط وإنما الشهداء أيضًا[5]. وكما يقول القديس أثناسيوس: "كيف نعجب بشجاعة خدام الكلمة بينما الكلمة يخشى الموت. فهذا الكلام لا يعقل[6]! من النقط المفيدة جدًا في الرد على الأريوسيين هي إنك تثبت الناحية الإيجابية، وبعد ذلك تناقش النواحي السلبية.
ويقول أيضًا القديس أثناسيوس: "كما إنه بالموت أباد الموت، كذلك بهذا الذي يُدعى خوفًا، نزع خوفنا"[7].
أيضًا السيد المسيح يقول عن الموت: "لهذا جئت"، أي هو جاء لكي يفدي الناس، يقول: "أَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في2: 8).
6. المسيح كان يعلم أنه سيقتل الموت ويقوم:
السيد المسيح أيضًا لا يمكن أن يخاف من الموت وهو كان يعرف تمامًا أنه في اليوم الثالث سيقوم وقال هذا للتلاميذ. والملاك قال للمريمات: "لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الأَمْوَاتِ؟ لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لكِنَّهُ قَامَ!" (لو24: 5، 6).
وفي كثير من المناسبات حينما كان السيد المسيح يتكلم عن موته كان يقرن الكلام أيضًا بقيامته.
أيضًا بعد ما اعترف بطرس أنه هو المسيح ابن الله، يقول: "مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ" (مت16: 21) فمن يعرف أنه سيقوم ويَقتل الموت، من المؤكد أنه لن يخاف الموت؟!
بل نلاحظ، أن بطرس الرسول بعد ما قال السيد المسيح هذا الكلام، بدأ ينتهر السيد المسيح ويقول له: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا" كيف تموت؟!
فانتهر السيد المسيح بطرس وقال له: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ" (مت16: 22، 23).
إذًا هو غير خائف من الموت[8]. فحينما قال له تلميذه: حاشاك يا رب.. قال له: اذهب يا شيطان... لأنه "لهذا قد جاء"، فأمر أنه يخاف من الموت ليس له معنى.
7. المسيح كان يعرف أن موته هو خلاص للبشرية:
وقال للتلاميذ أيضًا: "لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ، لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي" (يو14: 28). هو يعرف أن له آب، ويعرف أن الموت هو الفداء ويعرف أن الموت هو خلاص البشر كلهم، ويعرف أن الموت هو دَفع ثمن الخطية وتحقيق العدل الإلهي، وهذه هي القضية.
وصدقوني أن الذي كان يخاف من موت المسيح هو الشيطان... لو تأكد بالفعل أن هذا هو ابن الله. لذلك يقال إن عبارة "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!" (مت27: 40) من الشيطان نطقها على أفواه الناس، أو جعل الناس ينطقون بها، لأنه كان يخشى أنه لو كان ابن الله يستمر ويموت.
والسيد المسيح كان يقول عن قيامته للناس: "انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ" (يو2: 19) "أنا أقيمه"؛ تعبير جميل، أي هو الذي يعيد لنفسه الحياة بعد الموت، هذا يعني أن المسألة لا تخيفه.
الملحدون يخافون من الموت لأنهم يعتبرونه نهاية الوجود بالنسبة إليهم...
لكن السيد المسيح كان الموت بالنسبة له هو الخلاص، خلاص البشرية. أكبر طعنة وجهها السيد المسيح للشيطان منذ بداية عمل الشيطان إلى نهاية أعماله في آخر الدهور هي موته (موت السيد المسيح)؛ لأنه بهذا يعني أنه أراحنا من نتائج إغراءات الشيطان ومن الخطية ومن نتائجها ومن الموت.
إذًا ما معنى "سُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ"؟ و"إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ"؟، و"قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ"؟
أولاً: "سُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ":
من المستحيل أن نقول إنه الخلاص من الموت، لأنه فعلًا مات على الصليب. إذًا من الذي سُمِعَ له من أجل تقواه؟! لم يكن المقصود منه أبدًا الخلاص من الموت، أي يموت على الصليب. كيف سُمع للمسيح.
من غير الممكن أن المسيح يطلب هذا الطلب، والله الآب إذا طلب هذا الطلب، فلا يمكن أن يسمع له. لأن الآب أرسله إلى هذه المهمة، إنه يموت عن الناس، إذًا ما معنى سُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ!
في اعتقادي أنا الشخصي، الآتي:
1- النقطة الأولى: عثرة التلاميذ والمؤمنين:
هي أن السيد المسيح من جهة الموت لم يكن يفكر في نفسه، إنما كان يفكر في عثرة هذا الموت بالنسبة لتلاميذه وبالنسبة لجميع المؤمنين به. لأن الذي حدث في قصة الموت أنه طبق الآية: "أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ الْخِرَافُ" (مر14: 27)، فكانت هذه الصورة هي القائمة أمامه؛ سأموت، من أجل خلاص البشر ومن أجل هذه الرسالة جاء. لكن بموتي ستتشتت الكنيسة كلها! أنا أجاهد من أجل هذه الكنيسة، وسُمِعَ له من أجل تقواه بالتضرع.
إذًا لم يكن يجاهد، في بستان جثسيماني وعرقه ينزل كَقَطَرَاتِ دَمٍ (لو22: 44) من أجل آلام الجسد؟ فهو جاء لأجل هذا الموت. لكن هذا الموت الذي يُضْرَب فيه الراعي فتتشتت الرعية هذه التي كان يُجاهد من أجلها. وسُمِعَ له لأجل تقواه.
2- النقطة الثانية: كأس اللعنة:
وهي "إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ" (لو22: 42) ما هي هذه الكأس؟ لا أتصور إطلاقًا إن الكأس معناها الموت، مستحيل. لأنه جاء لأجل هذا، إنما ما المقصود بالكأس؟
+ نجد في عبارة "هذه الكأس" أن السيد المسيح قال عنها: "الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟" (يو18: 11).
+ وأيضًا "هذه الكأس" كانت كأس اللعنة، التي يحملها السيد المسيح، التي قيل عنها في (غلا3: 13) "مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ" مأخوذه من العهد القديم (تث23:21). لكنه كان لا بد أن يحمل هذه اللعنة نيابة عنا لينقذنا من لعنة الناموس. لعنة الناموس، موجودة بتفصيل شديد جدًا في سفر التثنية (27 و28).
نقرأ معًا بعض الآيات لنعرف ماذا تعني هذه اللعنة التي تكررت كثيرًا.
كانوا "يَقِفُونَ عَلَى جَبَلِ عِيبَالَ لِلَّعْنَةِ.. فَيُصَرِّحُ اللاَّوِيُّونَ وَيَقُولُونَ لِجَمِيعِ قَوْمِ إِسْرَائِيلَ بِصَوْتٍ عَالٍ: مَلْعُونٌ الإِنْسَانُ الَّذِي يَصْنَعُ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا أَوْ مَسْبُوكًا، رِجْسًا لَدَى الرَّبِّ.."، "وَيُجِيبُ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَيَقُولُونَ: آمِينَ. مَلْعُونٌ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ" هذه الأصعب، لكن بالنسبة لنا مَن يعبد تماثيل لا يوجد! لكن مَن يستخف بأبيه وأمه هذه كثيرة.
"مَلْعُونٌ مَنْ يَنْقُلُ تُخْمَ صَاحِبِهِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ. مَلْعُونٌ مَنْ يُضِلُّ الأَعْمَى عَنِ الطَّرِيقِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ مَلْعُونٌ مَنْ يُعَوِّجُ حَقَّ الْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ. مَلْعُونٌ مَنْ يَضْطَجعُ مع.. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ. مَلْعُونٌ مَنْ يَقْتُلُ قَرِيبَهُ فِي الْخَفَاءِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ: مَلْعُونٌ مَنْ يَأْخُذُ رَشْوَةً لِكَيْ يَقْتُلَ نَفْسَ دَمٍ بَرِيءٍ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ مَلْعُونٌ مَنْ لاَ يُقِيمُ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهَا" وهذه عامة. ويقول جميع الشعب آمين. (تث27: 13-26).
وفي تثنية 28 أمور صعبة سأعفيكم من سردها، وسنكتفي بقول بعض آيات: "وَلكِنْ إِنْ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْرِصَ أَنْ تَعْمَلَ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضِهِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، تَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ اللَّعَنَاتِ وَتُدْرِكُكَ: مَلْعُونًا تَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ وَمَلْعُونًا تَكُونُ فِي الْحَقْلِ. مَلْعُونَةً تَكُونُ سَلَّتُكَ وَمِعْجَنُكَ. مَلْعُونَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ، نِتَاجُ بَقَرِكَ وَإِنَاثُ غَنَمِكَ.. مَلْعُونًا تَكُونُ فِي دُخُولِكَ، وَمَلْعُونًا تَكُونُ فِي خُرُوجِكَ. يُرْسِلُ الرَّبُّ عَلَيْكَ اللَّعْنَ وَالاضْطِرَابَ وَالزَّجْرَ فِي كُلِّ مَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُكَ لِتَعْمَلَهُ" (تث28: 15–20) ولعنات أخرى صعبة كثيرة لن أذكرها.
كل لعنات الناموس للذين كسَّروا الناموس أو لم يعملوا بوصايا الله حملها السيد المسيح كلها. "ملعون كل من عُلق على خشبة" وهو عُلق على خشبة اللعنة هذه. واحتمل كل لعنات الناموس، طبعًا كأس صعب "إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ" هي صعبة ليس فقط لعنات الناموس، لعنات جميع الناس الذين أخطأوا خلال جميع الدهور حملها السيد المسيح. وحمل عبارة "ملعون كل من عُلق على خشبة"، هذا كأسٌ صعب ولكن لتكن مشيئتك.
لعنة أخرى هي لعنة الخطية، ليس فقط لعنة اللعنة. الذي يقول فيها الكتاب: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ" (2كو5: 21) هذا الكأس الذي يشربها هذا القدوس الذي بلا خطية، أن يُحسب خطية من أجلنا. كلمة صعبة حين يقرأها الإنسان يشعر بصعوبتها أنه جعله خطية لأجلنا. لكي نتمتع نحن ببر الله فيه.
وهكذا أُحصي السيد المسيح بين أَثَمَة. أن يقف أمام الله الآب كخاطئ هذه صعبةٌ بالنسبة له، أن يقف أمام الآب كخاطئ لكن لا يوجد مانع، لتكن مشيئتك.
أنا الذي أحب الآب كل الحب، وأنا في الآب والآب فيَّ، وأنا والآب واحد، أقف في موقف خاطئ أمام الآب لكي أستحق عقوبة الآب...
العبارة التي يقولها داود النبي: "لاَ تَحْجُبْ وَجْهَكَ عَنِّي" (مز27/143) هوذا المسيح دخل فيها وقال له: "لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" لماذا حجبت وجهك عني؟ لكن هذه الكأس لا بد أن أشربها، صعب عليَّ جدًا، أنا أحب خلاص البشر لكن الصعوبة في أني أصير لعنة، أصير خطية، أقف في موقف من يُغضِب الآب، ومن يستحق عقوبة الآب، ومن قِيلَ عنه بالنسبة للآب: "سُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ" (إش53: 10)!
+ "إن شئت أن تعبر عني هذه الكأس" بمعنى إني أقف كمبغض لك، ككاسِر لوصاياك، كخاطئ تسحقه بالحزن. لكن لتكن مشيئتك.
المسيح في جهاده في بستان جثسيماني، وما قال عنه بولس الرسول يخلصه من الموت. الموت بالنسبة له كان يرى فيه ليس ما تَرَونه أنتم، ربما تَرَون أن الموت هو مفارقة الروح من الجسد وهذه عند المسيح لا تعني شيء مؤلم بالنسبة له لأن الروح التي تنفصل عن الجسد هي متحدة باللاهوت والجسد متحد باللاهوت. الموت كان ينظر إليه السيد المسيح أنه نتيجة خطايا العالم كله. حينما يذكر الموت يذكر الخطية التي أدت إلى الموت، الخطية التي جلبت الموت على العالم، هذه سبب حزن المسيح، لذلك يقول: "نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ" (مت26: 38)، حزين بسبب الخطية التي أوصلت البشرية إلى الموت.
ولهذا...
في قصة إقامة لعازر، عندما قالت له أختا لعازر: "قَدْ أَنْتَنَ" (يو11: 39)، أي ماذا ستفعل له.. لقد انتهى أمره!! "بَكَى يَسُوعُ" (يو11: 35)، بكى يسوع لأنه رأى كيف أن الخطية ليس فقط أوصلت الإنسان إلى الموت، وإنما أوصلته أيضًا إلى الوضع الذي تقول فيه أخته عنه: "قَدْ أَنْتَنَ". بكى. الخطية توصل لهذا! كل خطايا البشر تجمعت أمامه، كل خطايا البشرية منذ آدم ليس إلى وقت المسيح فقط في الجسد وإنما إلى آخر الدهور، وقفت أمامه كلها. هي هذا الكأس، لم تقف أمامه فقط لكي يراها، إنما لكي تُوضَع عليه.
+ "إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ" كل الخطايا، كل نجاسات العالم، كل آثامه، كل شروره، كل فسقه، كل دعارته، كل خطايا العالم أمامه لكي توضع على رأسه.
+ "إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ" لا أستطيع النظر إلى كل هذه الخطايا لكن لتكن مشيئتك. لا بد أن أحملها، وقفت أمامه الآية التي يقول فيها إشعياء النبي بالوحي الإلهي: "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 6).
هذه تذكرنا بذبيحة المحرقة التي كان القصد بها إرضاء قلب الله الغاضب على خطية البشر، لذلك المحرقة لم يكن يأكل منها أحد، لا يأكل منها مقدمها ولا أصدقاؤه ولا يأكل منها الكاهن، كلها للنار؛ تظل النار تشتعل فيها ليلًا نهارًا نارًا دائمة لا تُطفأ حتى تتحول إلى رماد (لا6).
والسيد المسيح كان هنا أمام هذا الكأس "كان ذبيحة محرقة" في حمله لخطايا العالم كله، وكان ذبيحة خطية وذبيحة إثم. لكن في وقوفه أمام الآب لكي يرضيه ويحتمل غضبه على البشرية كلها، كان ذبيحة محرقة. "وَيُشْعِلُ عَلَيْهَا الْكَاهِنُ حَطَبًا كُلَّ صَبَاحٍ، وَيُرَتِّبُ عَلَيْهَا الْمُحْرَقَةَ، وَيُوقِدُ عَلَيْهَا شَحْمَ ذَبَائِحِ السَّلاَمَةِ. نَارٌ دَائِمَةٌ تَتَّقِدُ عَلَى الْمَذْبَحِ. لاَ تَطْفَأُ" (لا6: 12، 13).
هذه النار كانت نار الغضب الإلهي على كل خطايا العالم، وكان لا بد أن يحتمل السيد المسيح غضب الله الآب على خطايا العالم كله منذ آدم إلى آخر الدهور، غضب الله على كل بشاعات العالم، على كل نجاساته، على كل أخطائه، على كل فساده وشروره.
+ "إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ" هذه هي الآلام النفسية التي كان لا بد أن يجتازها المسيح لكي يحتمل غضب الآب عن كل خطايا العالم. حينما قال: "نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ" (مت26: 38) لم تكن نفسه حزينة من جهة ذاته، إنما كانت نفسه حزينة من أجلنا. من أجل كل هذا الموت، من أجل كل هذه اللعنة، من أجل كل هذه الخطية، من أجل كل هذا الغضب الإلهي ولكن لتكن مشيئتك.
هل تظنوا أن السيد المسيح يجاهد في البستان لدرجة أن يتصبب عرقه كقطرات دم من أجل آلام الصليب؟!
لا.. إذا كان الشهداء يقطعونهم ويعذبونهم عذابات فوق الوصف وكانوا يحتملون، فهذه المسألة هكذا من الناحية الروحية.
إذًا ماذا تعني عبارة "سُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ" تعني أنه وُضِعَ عليه إثم جميعنا. وسُمِعَ له؛ أي ذبيحته قُبِلَت أمام الله الآب. وأن الله الآب قَبِلَهُ كنائبٍ عن البشريةِ كلها وقَبِلَ موته الذي يحمل كل خطايا العالم وكل الغضب الإلهي.
إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟
أما عبارة "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" فمعناها بسيط، أن المسيح لم يستخدم لاهوته لكي يمنع الألم عن ناسوته. اللاهوت ترك الناسوت يتعذب في كل شيء، في الآلام الجسدية، في الآلام النفسية، في كل شيء حتى في الغضب الإلهي لم يمنعه عنه[9].
"تَرَكَهُ" ليس معناها أنه انفصل عنه لكن تَرَكَهُ للألم أي لم يمنع الألم عنه، وأنا شبهتها لكم "مثل الأب الذي يمسك ابنه ليخرج شوكة منه أو يعصر دمّل، الابن يتألم، ويقول له: لماذا تركتني يا أبي؟ "يا أبي لماذا تركتني هكذا؟!"، يقول له: "وهو ليس تاركًا له لكنه يمسكه، إنما تركه للألم".. تركه للألم وليس معناها أنه انفصل عنه.
[1] محاضرة لقداسة البابا شنوده الثالث بتاريخ 7 مارس 1995م
[2] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "فهو يبكي ويخاف الموت لكونه إنسانًا، ولكن إن كان هو الكلمة في الجسد (لأنه ينبغي أن لا أمل من تكرار هذا) فمِمَن يخاف وهو الله؟ أو لماذا يخاف الموت؟ وهو نفسه الحياة، وهو الذي حرّر الآخرين من الموت؟ فلماذا إذًا وهو قد تكلّم عن مكيدة اليهود قبل ذلك بوقت طويل، لم يهرب، بل حينما جاءوا للقبض عليه قال: "أَنَا هُوَ" (يو5:18). لأنه كان يستطيع أن يتجنّب الموت، كما قال لي سلطان أن أضع نفسي، ولي سلطان أن آخذها أيضًا وليس أحد يأخذها مني (يو18:10). "ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي" ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة: 54، 366 – 367).
[3] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "إن كان المتكلّم هو مجرد إنسان، فهو يبكي ويخاف الموت لكونه إنسانًا، ولكن إن كان هو الكلمة في الجسد (لأنه ينبغي أن لا أمل من تكرار هذا) فمِمَن يخاف وهو الله؟ أو لماذا يخاف الموت؟ وهو نفسه الحياة، وهو الذي حرّر الآخرين من الموت؟". (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمة عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة: 54، 366).
[4] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "يا له من أمر عجيب حقًا! فالمسيح الذي يُلصِق به أعداؤه كلمات الخوف، هو نفسه بواسطة ما يسمونه الخوف، جعل الناس شجعانًا وغير خائفين. وهكذا فالرسل الطوباويون من بعده استهانوا بالموت بقوة بسبب كلماته هذه حتى أنهم لم يبالوا بأولئك الذين حاكموهم، بل أجابوا: "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس" (أع 29:5). (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة: 57، 371).
[5] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "والشهداء القديسون الآخرون كانوا شجعانًا أيضًا، حتى اعتقدوا أنهم كانوا ينتقلون إلى الحياة، أكثر من كونهم يقاسون الموت"، (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة:57، 371).
[6] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "أليس إذًا هو أمر في غير محله أن يعجب أحد بشجاعة خدام الكلمة، ومع ذلك يقول إن الكلمة نفسه كان خائفًا، مع أن خدامه قد احتقروا الموت؟". (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمه عن اليونانية أ.صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة: 57، 371).
[7] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "هكذا أيضًا بهذا الذي ظهر وكأنه خوف، نزع خوفنا، وأعطى الناس أن لا يعودوا يخافون الموت فيما بعد". (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي- ترجمه عن اليونانية أ.صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة: 57، 371).
[8] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: وعن قوله "إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ" (مت39:26) اعلموا كيف أنه رغم كلامه هكذا فقد انتهر بطرس قائلاً: "لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا ِللهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ" (مر33:8)، لأنه كان يريد هذه الكأس التي طلب أن تعبر عنه، إذ لأجل هذا قد جاء الكلمة إلى العالم. أما الخوف فهو خاص بالجسد، لذلك فقد نطق بهذا الكلام أيضًا كإنسان، ومع ذلك فالأمران معًا قالهما نفس الشخص، لكي يُظهر أن مَنْ أراد وفَعَلَ هو الله. ولكن حينما صار إنسانًا، فقد أخذ جسدًا يخاف، ولأجل هذا الجسد ربط إرادته الخاصة بالضعف البشري، لكي بإبادته لهذا الضعف، يُعطي للإنسان مرة أخرى أن يكون شجاعًا أمام الموت" (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمه عن اليونانية أ.صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة:57، 371).
[9] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "وأيضًا عندما طلب أن تعبر عنه الكأس فلم يكن اللاهوت هو الذي ارتعد، بل إن هذا الانفعال أيضًا كان خاصًا بناسوته. وأيضًا فكلمات "لماذا تركتني"؟ (مر34:15) هي كلماته، بحسب الشرح السابق، رغم أنه لم يتألّم بشيء، لأنه الكلمة غير متألم، وهذا ما أعلنه البشيرون. وحيث إن الرب صار إنسانًا فهذه الأمور تحدث وتقال كما من إنسان، لكي يُبطل أوجاع الجسد هذه، ويحرّر الجسد منها، لذلك لا يمكن أن الرب يُترك من الآب، وهو كائن دائمًا في الآب قبل أن يتكلّم، وأثناء نطقه بهذه الصرخة، وأيضًا ليس من الجائز أن يقال إن الرب كان مرتعدًا وهو الذي هرب من أمامه أبواب الجحيم "والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين وظهروا لأهلهم" (مت53:27). (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الثالثة:56).
الفصل السابع عشر مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ
مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ[1]
يحتج البعض على لاهوت المسيح، بقول الكتاب عنه: "أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِزَيْتِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ" (عب1: 9).
لكي نفهم هذه العبارة، ينبغي أن نقرأ الفصل كله. فلا يجوز أن نأخذ آية من الكتاب ونقتطعها من مجرى الكلام، لكي نثبت بها عكس ما هو مكتوب!!
فلنبصر إذًا ما قبلها، وما قيل بعدها، لكي نرى ماذا كان المقصود من الفصل كله، فهو يقول قبلها مباشرة: "وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: كُرْسِيُّكَ يَا اللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ" (عب1: 8). وبعدها مباشرة يقول عن الابن "وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ هِيَ تَبِيدُ وَلكِنْ أَنْتَ تَبْقَى" (عب1: 10، 11).
الفصل كله يتحدث عن لاهوت المسيح، وكيف أنه أعظم من الملائكة.
ونفس الوضع في المزمور الذي اقتبس منه القديس بولس هذه العبارات (مز45: 6، 7). وفي المقارنة التي يعقدها بولس الرسول بين المسيح والملائكة، يذكر عبارات أخرى تدل على لاهوت السيد المسيح فيقول:
ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ" (عب1: 5)، (مز2: 7)، (عب1: 13، 14) (مز110: 1). ثم يستشهد بقول المزمور أيضًا: "جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ" (مز8: 6) فيقول: "لأَنَّهُ إِذْ أَخْضَعَ الْكُلَّ لَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا غَيْرَ خَاضِعٍ لَهُ" (عب2: 8، 9).
ما معنى أن نترك كل هذه الآيات، ونركز على عبارة "مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ"؟ فلنفهمها إذًا في ضوء هذه الآيات.
إن الآيات الواردة في (عب1) تتحدث عن لاهوت الرب وعن ناسوته.
تتحدث عن لاهوته في قوله: "كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ" "أَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ"، وتتحدث عن ناسوته في عبارة "مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِزَيْتِ الابْتِهَاجِ".
أما عبارة "اللهُ إِلهُكَ" فتعني لاهوتك المتحد بناسوتك.
وهو ليس لاهوتًا غريبًا عنه باعتباره الله الكلمة المتجسد، وليس هو لاهوتًا مختلفًا عن الثالوث القدوس في شيء.
فعلى أي شيء تدل عبارة "مَسَحَكَ"؟
إنها موجودة في سفر إشعياء النبي (إش61: 1-3) وفيها: "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ".
هنا ناسوت السيد المسيح مُسِح كاهنًا وملِكًا ونبيًا.
مُسِح لرسالة معينة بزيت البهجة أفضل من رفقائه، أي أفضل من كل بني البشر. وقد مُسِح بالروح القدس، وكانت المسحة في يوم العماد، حينما حل عليه الروح القدس.
ومع ذلك نجد في إنجيل يوحنا، ما يُلقي ضوء أكثر على هذا الموضوع، إذ قال السيد الرب عن تلاميذه لله الآب: "وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي" (يو17: 19).
وعبارة "أقدس ذاتي"، تعني أن تقديسه لم يأته من الخارج بل هو بلاهوته يمسح نفسه، ولم ينل مسحته من خارج ذاته. كل الذين مُسِحوا من قبل، نالوا مركزهم بتلك المسحة، من أمثلة هؤلاء داود وهارون وإليشع ويوشيا وحزقيا وغيرهم.
داود مثلًا بالمسحة صار ملِكًا (1صم16: 12). أما السيد المسيح فكان ملكًا قبل أن يُمسح، هوذا الكتاب يقول عنه: "كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ"، قبل أن يذكر مسحته. أي أن له اللاهوت والملك أولًا، ثم جاءت المسحة وكانت المسحة للاهوت. وهو الذي مسح ذاته، قدسها أي خصصها لهذا العمل.
ولكن ما موقف المسحة بين الابن والروح القدس؟
مسحة الزيت (الذي يرمز للروح القدس) نراها في تقدمة الدقيق في العهد القديم (لا2) التي ترمز إلى ناسوت المسيح، كانت "مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ" و"مَدْهُونَةً بِزَيْتٍ" (لا2: 4). وهذا يرينا علاقة السيد المسيح بالروح القدس.
عبارة "مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ" تدل على علاقته بالروح القدس منذ الأزل، ثابت فيه منذ الأزل، لأن الروح القدس هو روحه، كما أنه روح الآب، هو روح الابن أيضًا.
وعبارة "مَدْهُونَةً بِزَيْتٍ" أو عبارة "تَسْكُبُ عَلَيْهَا زَيْتًا" (لا2: 6) أو "وَتَجْعَلُ عَلَيْهَا زَيْتًا" (لا2: 15) فكلها تدل على المسحة التي ذاتها ناسوت الرب من الروح القدس. على الرغم من أنه من الناحية اللاهوتية، هو واحد مع الروح القدس.
الروح القدس ثابت فيه منذ الأزل، ولكنه عندما اتحد بطبيعة بشرية، مُسِح بالزيت. وهنا نتذكر عبارة نقولها في صلوات القداس الغريغوري، حيث نقول لله الابن عن تجسده:
"باركت طبيعتي فيك".
أي أن السيد المسيح – بتجسده - بارك هذه الطبيعة البشرية، وقدسها ومسحها ومنحها قدرات وصفات واختصاصات.
كان السيد المسيح نائبًا عن الطبيعة البشرية في أشياء كثيرة.
في هذه الطبيعة قدم طاعة هذه الطبيعة، حينما أطاع الآب فيها، في كل شيء، فيها تقدّم - نائبًا عنها - إلى معمودية التوبة، وهو غير محتاج إلى توبة، وقدّم صومًا روحيًا، وهو غير محتاج إلى صوم.
وفي كل هذا، أعطى الطبيعة البشرية القدرة أن تصوم، وأن تتوب، وأن تطيع، وكما قال القديس أثناسيوس عن السيد المسيح "إنه عند اغتساله في الأردن اغتسلت طبيعتنا البشرية كلها". الطبيعة التي بالخطية فقدت صورتها الإلهية، بدأت تسترجع صورتها الإلهية فيه. وهنا يقول: "إنه حينما مُسِح بالروح القدس، أعطانا القدرة أن نُمسَح نحن أيضًا بالروح القدس، أعطانا القدرة أن يصبح كل واحد فينا هيكلًا للروح القدس"[2](1كو6: 19). تأملوا إذًا هذه العبارات:
هو مُسِح لكي يمسح أيضًا طبيعتنا. أو قد صرنا نحن ممسوحين فيه.
أو صارت طبيعتنا مُستحقة أن تُمسح بالروح القدس، كما مُسِح هو ولكنه كان في طبيعته البشرية (بلا خطية) (عب2: 11-14). وصار بذلك "بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ" (رو8: 29).
لقد مُسِح بالروح القدس، لنصير نحن مُسحاء. أو لنصير نحن مسيحيين، ممسوحين في ذلك المسيح الذي بارك طبيعتنا فيه، ولذلك حينما قال: "وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي"، قال بعدها: "لِيَكُونُوا هُمْ أيضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ" (يو17: 19).
أما عبارة "مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ" فتعني روح الله القدوس الذي هو روحك.
الروح القدس، روح الله، هو روح الابن أيضًا، وهذا قال القديس بولس الرسول: "أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ" (غلا4: 6). الروح القدس هو روح الحق (يو14: 17). والسيد المسيح هو الحق (يو14: 6). إذًا الروح القدس هو روحه.
وحينما نقول إن الروح القدس مسحه، إنما نعني أن روحه قد مسحه، ونعني أن لاهوته قد مسحه. "مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ"، تعني لاهوتك المتحد بناسوتك. قيلت هذه العبارة حينما "أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ" (في2: 7، 8).
وكونُه مُسِح بالروح ليس معنى هذا أن الروح كان أعلى، فهو كان يُرسل الروح القدس (يو15: 26). وهو الذي منح تلاميذه الروح القدس، نفخ فيهم وقال: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ" (يو20: 22). وقد قال عن الروح القدس: "ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (يو16: 14).
أما من جهة عبارة "مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ" فيقول القديس أثناسيوس الرسولي عن السيد المسيح له المجد:
أي شيء فيه قد زاد بهذه المسحة؟!
لا شيء قد أُزيد إليه، هو إله من قبل تلك المسحة، وهو مَلِك أيضًا من قبل، فما الذي أُزيد إليه؟ يجيب: لا شيء، وطبيعته لا تقبل الزيادة. الزيادة كانت لنا، لطبيعتنا التي باركها بمسحته. لذلك يقول القديس أثناسيوس: إنه بسببنا ومن أجلنا، صارت تلك الكلمات (مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ). أي بسبب طبيعتنا البشرية التي تحتاج أن تُمسح بالروح القدس، صارت تلك الكلمات[3].
كذلك عبارة "أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ".
وكأنه يقول: طبيعتكم التي فقدت صورتها الإلهية، جئت أنا إليها بهذا الكمال، إذ "أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ"، فصارت هذه الطبيعة أهلًا لأن تنال المسحة المقدسة.
وكأن السيد الرب يقول: بصفتي كلمة الله وأقنوم الابن. عندما صرت إنسانًا، منحت هذا للناس أن يكونوا مقدسين بروحي، بالروح القدس، لكي يكون البشر "مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ". والحق هو نفسه الله الكلمة. لذلك في (مز45) يقول عن الرب بعد ذلك: "كُلُّ ثِيَابِكَ مُرٌّ وَعُودٌ وَسَلِيخَةٌ".
ويقول القديس أثناسيوس في ذلك: "لما أخذ طبيعتنا المائتة، هذه الطبيعة المائتة طُيِبت بالمر والميعة والسليخة (كالتي أتى بها نيقوديموس والنسوة) (يو19: 39) (لو24: 1). فهذه الطبيعة المائتة صارت حية، وتقدست بالروح القدس، بهذه المسحة المقدسة، لكي يجعلنا نحن المائتين شركاء في الملكوت الأبدي[4].
أما عن السيد المسيح: فإن كان الروح القدس هو روحه، ويأخذ منه (يو16: 14). وهو الذي يرسله، إذًا ليس هو أقنوم الكلمة والحكمة هو الذي مُسِح، ولكنها الطبيعة البشرية التي مُسِحت فيه وبه.
[1] ألقى قداسة البابا شنوده الثالث عدة محاضرات بعنوان "مسحك الله إلهك" بتاريخ 22 مارس2008م، 29 مايو2007م، 14 مارس 1995م، 17 يونيو1995م، ومقال في مجلة الكرازة بتاريخ 29 مارس 1996م ولعدم التكرار نكتفي بنشر مقال 29 مارس 1996م مع إضافة النقاط غير المكررة التي قالها قداسته في المحاضرات السابق ذكرها.
[2] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "فحينما اغتسل الرب في الأردن كإنسان، كنا نحن الذين نُغتسل فيه وبواسطته، وحينما اقتبل الروح، كنا نحن الذين صرنا مقتبلين للروح بواسطته". (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الأولى: 47، صـ 118، 119.
[3] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "لذلك فهو هنا مُسح لا لكي يصير إلهًا، لأنه كان إلهًا حتى قبل أن يُمسح، ولا لكي يصير ملكًا، لأنه كان هو المالك على الدوام، إذ أنه هو صورة الله كما يقول الوحي بل أن هذا أيضًا (أي أنه مُسح) قد كتب من أجلنا". (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الأولى: 46، 117).
[4] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "ألاّ تدركون أن هذا قد صار وكتب بسببنا ومن أجلنا، لأنه إذ قد صار الرب إنسانًا، لكي يصوغنا نحن المائتين والوقتيين ويجعلنا غير مائتين. ولكي يدخلنا ملكوت السماوات الأبدي؟". (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي - ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية 2017م)، المقالة الأولى: 48، 121).
الفصل الثامن عشر مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ
مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ[1]
من الآيات التي يسيء الأريوسيون فهمها قول السيد المسيح: "وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ" (يو17: 5). وهنا يسأل الأريوسيون: هذا الذي يطلب من الآب أن يمجده هل من المعقول أن يكون مساويًا للآب الذي يمجده؟
الرد كالآتي:
1- هذه العبارة ذاتها تثبت لاهوت المسيح.
فهو يقول: "الْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ". إذًا فهو موجود قبل كون العالم، وموجود في مجد. ذلك لأن العالم به كان، بل "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ" (يو3:1-10).
أما هذا المجد الذي كان له عند الآب، فهو أنه "بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ" (عب1: 3). ولا شك أن هذا يعني المساواة.
2- إن كان الآب يمجد الابن، فالابن يمجد الآب أيضًا:[2]
فهو قبل عبارة "مجدني" يقول: "أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ" (يو17: 4) إذًا هو تمجيد متبادل بين الآب والابن. لذلك هو يقول في بدء هذه المناجاة: "أَيُّهَا الآبُ، قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أيضًا" (يو17: 1)
3- وهنا نسأل ما معنى التمجيد، إذا ذُكر عن الآب أو عن الابن؟
بل ما معنى أن البشر أنفسهم يمجدون الله؟ كما يقول الرسول: "فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ" (1كو6: 20). أو كما يقول الرب في العظة على الجبل: "لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 16).
4- تمجيد الله لا يعني إعطاؤه مجدًا ليس له!! حاشا. إنما معناه الاعتراف بمجده أو إظهار مجده.
فعبارة "أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ" معناها: أظهرت مجدك، أعلنته. جعلتهم يعترفون بمجدك. عرفتهم اسمك. أعطيتهم كلامك (يو17).
تمامًا مثل عبارة "باركوا الرب" أي اعترفوا ببركته، أو أعلنوا بركته. وهكذا قول السيد المسيح: "أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ" (يو12: 28)، أي أظهر مجده، أعلنه. وبنفس الوضع إجابة الآب: "مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ أيضًا"، أي أظهرت ذلك.
+ وأيضًا "مجدتك" بالطاعة الكاملة التي فشل فيها آدم وحواء وفشل فيها البشر جميعًا "الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (رو3: 12) لكن أنا مجدتك بهذه الطاعة.
+ "مجدتك" عن طريق أني أفهمت الناس أن كل شيء من عندك، وأن الكلام الذي أقوله لهم هو كلامك أنت، والكلام من عندك.
"وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ" مشكلة الأريوسيين أنهم يعتقدون أن الابن عندما قال: "مجدني" فهو ينقصه شيء من المجد، وبالتالي أقل من الآب.
"مجدني" أيضًا تعني عدة أمور:
من ناحية الناسوت.
+ السيد المسيح قال هذه العبارات يوم خميس العهد وهو في الطريق إلى جثسيماني، أي في الطريق إلى الصليب "فمجدني بمجد الصليب" لأنه عندما اقترب للصلب قال: "الآن يَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ" وقال: "إنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ" (يو12: 23، 24) مجدني بمجد الصليب مجد المخلص، والفادي الذي يبذل حياته عن العالم.
+ مجدني من جهة أن أكمل هذه الرسالة. من ناحية اللاهوت لا بد أن نتذكر أن كل هذه الآيات تختص بمرحلة الإخلاء أي عندما أخلى ذاته.
+ مجدني بالمجد الذي تركته بإخلاء ذاتي وأخذي شكل العبد. هذه الآية تدل على لاهوت المسيح لأنه قال: "مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ". إذًا معناها أنه كان موجودًا قبل كون العالم، وكان له مجد قبل كون العالم. لكن مجده هذا القديم أُخفي على الناس بواسطة إخلاء الذات لما "أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ".
هذا المجد يعود بعد الصلب والقيامة والصعود. هو ليس مجدًا جديدًا عليه وإنما كان له قبل كون العالم.
+ "مجدني" من ناحية أخرى، أن السيد المسيح يتكلم أيضًا من جهة ناسوته، المجد الذي سيكون لناسوته أيضًا، لأن اللاهوت لا يزيد عليه مجد ولا ينقص[3].
هذا المجد ظهر في التجلي على جبل التجلي حينما "أَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ... وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا" (مت17: 3). وظهر هذا المجد في مجد القيامة عندما خرج من القبر وهو مغلق ودخل على التلاميذ والأبواب مغلّقة (يو26،19:20).
+ وظهر في مجد الصعود حينما صعد إلى السماء لا تؤثر عليه الجاذبية الأرضية في شيء لأن جسده جسد ممجد لا يخضع للجاذبية الأرضية.
+ وهو أيضًا مجد المجيء الثاني كما قيل في (مت16: 27) "ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ".. عبارة مهمة!!
+ ثم أيضًا مجد الديان العادل حينما يجلس على كرسي مجده ليدين العالم كله.
أما من ناحية اللاهوت:
إن اللاهوت لا يزيد مجدًا ولا ينقص وإنما تمجيده معناه إظهار هذا المجد للناس[4]. ونحن في أسبوع الآلام عندما نقول: "ثوك تي تي جوم نيم بي أوأو نيم بي ازمو"، "لك القوة والمجد"؛ المجد كمَلك يملك على خشبة، والمجد أيضًا لأن من طبيعتك اللاهوتية أن لك المجد ونحن نعترف بهذا المجد.
كذلك عبارة "مجدني" لا تعني أعطني مجدًا جديدًا، فهو مجد كان لي عندك قبل كون العالم. فما معناها؟
5- تعني أظهر هذا المجد الذي احتجب بإخلاء الذات (في2: 7).
حينما أخذت شكل العبد، وصرت في الهيئة كإنسان "لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ" (إش53: 2).
إذًا يتمجد يعني يسترد المجد الذي أخلى ذاته منه، الذي حجبه بتجسده. اسمح الآن بعد الصليب، وفي الصعود أن فترة الإخلاء تنتهي لأن "الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ" (يو17: 4).
6- اسمح أن الناسوت يشترك مع اللاهوت في المجد.
وهكذا يشير الرسول إلى "جَسَدِ مَجْدِهِ" (في3: 21). هذا الجسد الممجد الذي صعد به إلى السماء ليجلس عن يمين الآب.
7- مجده يشير أيضًا إلى صلبه[5]:
الذي اتحد فيه مجد الحب الباذل، ومجد العدل المتحد بالرحمة. مجده حينما ملك على خشبة (مز95)، واشترانا بثمن. وهكذا نرتل له يوم الجمعة العظيمة قائلين: "لك القوة والمجد.. كُرْسِيُّكَ يَا اَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ" (مز45: 6) (عب1: 8).
لهذا لما خرج يهوذا ليسلمه قال: "الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ اللهُ فِيهِ" (يو13: 31). أي بدأ مجده كمخلص وفادي ومحب، وقال بعدها: "إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ تَمَجَّدَ فِيهِ، فَإِنَّ اللهَ سَيُمَجِّدُهُ فِي ذَاتِهِ، وَيُمَجِّدُهُ سَرِيعًا" (يو13: 32).
8- نلاحظ ذاك أيضًا في علاقة الابن بالروح القدس:
قال عن الروح القدس: "ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (يو16: 14). يمجدني هنا، لا تعني أن الروح القدس أكبر من الابن فيعطيه مجدًا؛ لأن الابن يقول عنه: "يَأْخُذُ مِمَّا لِي". ولا تعني أن الابن أعظم، فهما أقنومان متساويان. إنما تعني يُظهر مجده للناس.
9- وظهر ذلك أيضًا من جهة استجابة الآب للصلاة عن طريق الابن.
إذ قال الرب لتلاميذه: "وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ" (يو14: 13). يتمجد الآب تعني يظهر مجده في استجابته. وعبارة بالابن، لأن الصلاة باسمه، أي عن طريقه.
10- أن الله لا يزيد ولا ينقص:
سواء من جهة المجد أو غيره. لا يزيد، لأنه لا يوجد أزيد مما هو فيه. لا يأخذ مجدًا أزيد، لأن مجد طبيعته لا حدود له. ولا ينقص، لأن هذا ضد كمال لاهوته...
فعبارة مجدني لا تعني أعطني مجدًا ليس لي، إنما أظهر مجدي الأزلي وبالمثل عبارة "مجدتك"، وكل تمجيد متبادل بين الأقانيم.
[1] ألقى قداسة البابا شنوده الثالث عدة محاضرات بعنوان "مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ" بتاريخ 8 مايو2007م، ومقال في مجلة الكرازة بتاريخ 10 أبريل 1992م ولعدم التكرار نكتفي بنشر مقال10 أبريل 1992م مع إضافة النقاط غير المكررة التي قالها قداسته في المحاضرة السابق ذكرها.
[2] القديس هيلاري: "الصلاة لأجل نوال المجد ولأجل استرداده ليست هي سرقة للآب ولا انتقاص من قدر الابن، بل إظهارًا لقوة الألوهية الواحدة الكامنة في كليهما. الابن يصلي لأجل أن يتمجد من الآب؛ الآب لا يعتبر تمجيده بالابن إذلالاً. تبادل المجد المُعطى والمأخوذ يُعلن وحدة القوة في الآب والابن"، (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017م، (الكتاب الثالث: فقرة12)، صـ285- 286).
[3] القديس هيلاري يقول: "تلك هي طرق تمجيد الآب للابن على الأرض وفي المقابل يظهر الابن الذي هو منه، بأعمال القوة لجهالة الأمم وحماقة العالم. هذا التبادل للمجد المعطى والمأخوذ لا يتضمن أية زيادة للاهوت" (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمة راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب الثالث: فقرة15)، صـ288-289).
[4] "كل تمجيد الآب هو من الابن، لأن كل تمجيد يُمنح للابن هو تمجيد للآب، لأن كل ما أكمله هو ما أراده الآب، ابن الله قد ولد كإنسان؛ لكن قوة الله تظهر في الميلاد البتولي، ابن الله قد شوهد كإنسان؛ لكن الله حاضر في أعماله البشرية. تلك هي طرق تمجيد الآب للابن على الأرض" (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب الثالث: فقرة15)، صـ 289).
[5] يقول القديس هيلاري أسقف بواتييه: "ابن الله قد شوهد كإنسان، لكن الله حاضر في أعماله البشرية؛ ابن الله سُمر على الصليب؛ لكن على الصليب قد قهر الرب موت الإنسان. المسيح ابن الله يموت، لكن كل جسد قد خلق حيًا في المسيح. ابن الله في الجحيم، لكن الإنسان يعاد إلى النعيم. كما نسبح المسيح على هذه الأشياء التي هي أعماله، هكذا سوف يكون التسبيح الذي نقدمه لمن منه ألوهية المسيح. تلك هي طرق تمجيد الآب للابن على الأرض، وفي المقابل يظهر الابن ذاك الذي هو منه، بأعمال القوة، لجهالة الأمم وحماقة العالم". (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب الثالث: فقرة15)، صـ 289).
الفصل التاسع عشر أَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ
أَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ[1]
لنقرأ أولاً المناسبة التي قيلت فيها هذه الآية التي يسيء الأريوسيون فهمها. ويتخذونها دليلًا ضد لاهوت المسيح!
قال القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل فيلبي: "فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أيضًا. الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أيضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ. لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ. وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ" (في2: 5-11).
هرطقة الأريوسيين:
يقول الأريوسيون: ما دام الله قد أعطاه اسمًا فوق كل اسم، يكون إذًا:
1- قد أخذ مجدًا لم يكن له من قبل.
2- ويكون بهذا متغيرًا، واللاهوت لا يتغير.
3- وبهذا كله يكون أقل من الآب في الجوهر.
4- ويرون أن هذا المجد الذي أخذه كان مكافأة له على طاعته التي أطاع بها حتى الموت موت الصليب.
إذًا، فهذا المجد الذي أخذه نتيجه لطاعته، وهذا الاسم الذي أعطيَ له فوق كل اسم، كل هذا لم يكن قبل طاعته وبهذا لا يكون مساويًا للآب في الجوهر.
الرد عليهم:
يقول القديس باسيليوس الكبير في الرد على الأريوسيين:
"لو كان السيد المسيح قد أعطيَ اسمًا فوق كل اسم بسبب طاعته، إذًا هو قبل التجسد لم يكن له اسم فوق كل اسم، ولا كان ربًا، يتبع ذلك أنه بعد التجسد صار أعظم مما كان عليه قبل التجسد، وهذه خرافة!".
إذًا لم يكن التجسد إخلاء للذات[2]، وإنما كان سببًا للمجد! وبهذا التجسد وطاعته في التجسد، صارت تجثو له كل رُكبة، وصار ربًا لمجد الله الآب، الأمر الذي لم يكن له من قبل!
ومن المستحيل طبعًا، أن نقول إن السيد المسيح قبل تجسده، كان في حالة أقل من حالته في التجسد!
هو الله الكلمة (اللوغوس)، الذي كان له المجد، من قبل، منذ الأزل.
إذًا فهذا الاسم، الذي فوق كل اسم، كان له منذ الأزل، من جهة لاهوته وربوبيته وعبادة الخليقة له.
ويقول القديس هيلاري أسقف بواتييه: "ولكنه إذ أخلى ذاته، حجب هذا الاسم عن الناس، إذ أخذ شكل العبد. أخفى عنهم هذا المجد. فأظهره لهم بعد ذلك نتيجة للفداء الذي قدمه"[3].
المجد كان له من قبل، والاسم الذي يفوق كل اسم كان له من قبل. ولكن الناس ما كانوا يعرفون.
ماذا كان من قبل؟
يدخل القديس أثناسيوس الرسولي في تفاصيل كثيرة، فيقول: "إن كان قد أُعطيَ اسمًا فوق كل اسم نتيجة لطاعته حتى الموت، فماذا كان هو قبل ذلك؟[4] لقد أُعطيَ في تجسده اسم الابن، واسم الألوهية والربوبية. ولكن قبل ذلك ماذا كان؟ ألم يكن الابن؟! ألم يكن ربًا وإلهًا؟! وهنا يقول القديس أثناسيوس: إن التجسد لم يرفعه. وإنما هو رفع حالة التجسد".
هذا الذي قيل عنه: "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو1: 3). وهو نفسه قال للآب: "الْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ" (يو17: 5).
ويتابع القديس أثناسيوس[5] كلامه عن السيد المسيح فيقول:
"وقبل التجسد: كيف سجد له أبرام عند الخيمة؟ (تك18: 2). وكيف سجد له موسى عند العليقة؟ (خر3: 6). وكيف رأى دانيال ربوات ربوات وألوف ألوف تخدمه؟! (دا7: 10). وكيف قيل عنه في المزمور: "طَأْطَأَ السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ، وَضَبَابٌ تَحْتَ رِجْلَيْهِ" (مز18: 9). فهل بعد كل هذا، كان ينقصه أن يأخذ اسمًا فوق كل اسم؟!
إن كان قبل أن يوجد العالم، كان الابن له هذا المجد، وكان رب المجد، ونزل من سماه، وكان يُعبد وكان يُسجد له، إذًا لم يرتفع نتيجة التجسد والطاعة.
كل هذه الأمجاد كانت له من قبل. إنما هذا الذي كان محتجبًا عن الناس نتيجة لتجسده، ولم يعرفه الناس، هذا قد كُشف للناس، ولكنه لم يأخذ شيئًا جديدًا.[6]
إذًا التفسير السليم لعبارة "أَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ" هي أن يوضع بين قوسين "في نظر الناس".
أي أنه اسمٌ فوق كل اسم، في نظر الناس.
"لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ" (في2: 10، 11).
كانت من قبل التجسد تجثو له كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض. في ظهوراته السابقة، قبل أن يطيع حتى الموت، موت الصليب، كما قيل بعد التجربة على الجبل "وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ" (مر1: 13). وهذا كان قبل الصليب.
الأمر الذي يركز عليه القديس أثناسيوس بالنسبة إلى السيد المسيح، هو هذه العبارة التي أحب أن تحفظوها: "إنه لم يكن إنسانًا وصار إلهًا. بل هو الإله وصار إنسانًا"[7].
الأصل هو اللاهوت. والتجسد في ملء الزمان لأجل خلاصنا (غلا4:4). أي أنه لم يكن إنسانًا، ونتيجة لطاعته صار ربًا!! كما يدعي شهود يهوه.
وكما يسيئون هم والأريوسيون فهم عبارة "جعله الله رَبًّا وَمَسِيحًا" (أع2: 36) لا، بل لاهوته هو الأصل[8]. كما يقول الرسول: "عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ" (1تي3: 16).
فلو كان إنسانًا وصار إلهًا، لا يكون إذًا أزليًا، ولا تكون له الصفات الإلهية الأخرى. هذا الذي قال: "قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ" (يو8: 58).
نتابع حديثنا في هذا الموضوع، فتقول في شرح هذه الآية:
"أَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ"...
هناك نوعان من الإعطاء
1- أن تعطي كائنًا شيئًا ليس له، أي ليس له بحسب طبيعته. وهذا أمر خارج عن موضعنا هذا..
2- العطاء بحسب الطبيعة، لشيء لا يمكن أنه لم يكن موجودًا قبل ذلك:
مثال ذلك: الشمس تعطي شعاعها ضوءًا.
فليس من المعقول أنها أعطت الشعاع ضوءًا لم يكن له من قبل: فمنذ أن خرج الشعاع من الشمس، وله طبيعة الضياء. ولم يأخذ بهذا الضياء شيئًا جديدًا عليه. هو والشمس يشتركان في طبيعة الضياء.
إنه عطاء بالطبيعة، وليس منحة في حدود الزمن.
كذلك حينما نقول عن السيد "أَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ" (في نظر الناس)، إنما نقول إن هذا الاسم، كان له قبل التجسد، وأثناء التجسد، وبعد التجسد.
فهو لم يزد بهذا الاسم شيئًا، ولم يزد في المجد شيئًا "هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ" (عب13: 8) "لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ" (يع1: 17).
يناقش القديس هيلاري إدعاء الأريوسيين إنه ما دام الآب قد أعطى الابن اسمًا فوق كل اسم، يكون الآب أعظم من الابن، لأن المعطي أعظم من الذي يأخذ!! فيقول:
إن كان المعطي أعظم. فإن المعطى له - هنا - ليس أقل.
فإن كان أي أب أعظم من ابنه، من حيث أنه قد أنجبه، إلا أنه ليس أعظم من جهة الطبيعة والجوهر، ولا الابن أقل.
فكل ابن مساو لأبيه في الطبيعة والجوهر.
ولا يمكن أن يكون أقل منه، ولا مختلفًا عنه. كل ما في الأمر أنه من جهة البشر وباقي الأحياء ذوي الأجساد، يكون هناك اختلاف من جهة زمن الوجود، ولكن الطبيعة واحدة. ولكن - في اللاهوت - لا خلاف في الزمن مطلقًا بين الآب والابن. كما نقول أن النار تلد حرارة. ولا خلاف في الزمن مطلقًا بين النار والحرارة.
قال القديس هيلاري أسقف بواتييه[9]:
"المُعطي هو أعظم. ولكن المُعطىَ له ليس أقل. كأن يعتبر أعظم. إن لم يكن أعطى ليسوع أنه يُعترف به أنه مجد لله الآب. إنه ليس أقل، الذي له نفس مجد الله الآب. الآب الذي ولده في نفس صورته، وأعاده من شكل العبد إلى شكل الله.
هذا الذي وُلد إلهًا حسب الروح في مجد الآب. ولكنه يموت بالجسد، ليعود في مجد الآب. هو واحد مع الآب في الطبيعة". إن طاعة الاتضاع لا تلغي وحدة الطبيعة.
يقول الله في سفر إشعياء: "مَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ" (إش42: 8).
فإن كان الابن قد أعطى كل هذا المجد، إذًا هو ليس آخر. إنما هو والآب واحد (يو10: 30). هما واحد في اللاهوت.
"وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ. لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ" (في2).
إذًا أعطاه الاسم الذي يُعبد به من جميع الكائنات.
فهل الله يعطي مجده لآخر؟! أو يعطي لاهوته لآخر؟! إلا لو كان الابن والآب هما واحد في اللاهوت. يسوع "رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ" (في2: 11) هل يوجد مجد أعظم من هذا؟!
يقول القديس هيلاري: "إن الابن في إخلائه لذاته، أخذ شكل العبد. ثم لما انتهت فترة الإخلاء، الآب جعل الابن يظهر في صورته الحقيقية التي كانت له قبل إخلائه لذاته".
لما أخذ شكل العبد، أضاف إلى لاهوته الصورة البشرية. ولكن هذا لا يمنع أن لاهوته كان موجودًا، غير أنه مخفيًا عن الناس بهذا الشكل البشري.
فعبارة "أَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ"
معناها أنه كشف لاهوته للناس، بعد أن كان مخفيًا بإخلاء الذات. وعندما اتضع المسيح وأطاع حتى الموت موت الصليب، فهذه الطاعة التي أظهرها في اتضاعه، لا تلغي أنه هو والآب واحد في الطبيعة.
كما أن القديس أمبروسيوس [10]يقول:
"بالتأكيد بين الآب والابن لا يوجد اختلاف في القدرة، No difference in power لا يوجد اختلاف في القوة بين الآب والابن، ولا في الكرامة لأن في (يو5: 23) يقول: "يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ" فالآب والابن متساويان في الكرامة.
[1] ألقى قداسة البابا شنوده الثالث عدة محاضرات بعنوان "أَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ" بتاريخ 24 يناير1995م، ومحاضرة بعنوان "آيتين خاصتين بالتمجيد" 8 مايو2007م، ومقال في مجلة الكرازة بتاريخ 4 أكتوبر1996م ولعدم التكرار نكتفي بنشر مقال 4 أكتوبر1996م مع إضافة النقاط غير مكررة التي قالها قداسته في المحاضرات السابق ذكرها.
[2] القديس أثناسيوس الرسولي يقول: "أية أقوال أوضح بيانًا من هذه الأقوال؟ إن الرب لم يكن أصلاً في حالة وضيعة ثم رُقي، بل بالحري إذ كان إلهًا فقد اتخذ صورة عبد، وباتخاذه صورة العبد. لم يرتق بل أذل (وضع) نفسه. إذًا فأين هو أجر الفضيلة في هذه الأمور؟ وأي تقدم أو ترقي يمكن أن يكون في الإذلال؟ لأنه إن كان وهو الإله، قد صار إنسانًا، وبتنازله من علوه لا يزال يقال إنه يُرفع". (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي (ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية2017م) المقالة الأولى، الفصل الحادي عشر، فقرة 40 صـ 107).
[3] يشرح القديس هيلاري أسقف بواتييه كيف أن إخلاء الصورة لا يتضمن إخلاء الطبيعة فيقول: "ومع ذلك فمن خلال سر تدبير الإنجيل فإن نفس الشخص يوجد في صورة عبد وصورة الله، رغم أن اتخاذه صورة عبد والثبات في صورة الله ليسا نفس الشيء ولا يمكن لمن كان في صورة الله أن يأخذ شكل عبد دون إخلاء ذاته، لأن توحيد الصورتين سوف يكون متنافرًا. ومع ذلك فلم يكن ذاك الذي أخلى ذاته واتخذ صورة عبد شخصًا آخر مختلفًا... إخلاء الصورة إذًا لا يمكن أن يتضمن إلغاء الطبيعة، لقد أخلى ذاته لكنه لم يفقد ذاته، لقد أخذ صورة جديدة، لكنه ظل كما كان. (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب التاسع: فقرة 14، صـ603).
[4] يعلق على ذلك القديس أثناسيوس قائلاً: " فأية حاجة كانت هناك على الإطلاق تدفعه لأن يذل نفسه، أي لكي يسعى للحصول على ذلك الشيء الذي كان لديه أصلاً؟ وما هي النعمة التي ينالها واهب النعمة؟ أو كيف نال هو "الاسم" للعبادة وهو الذي كان دائمًا معبودًا باسمه؟" (ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي (ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية2017م) المقالة الأولى، الفصل الحادي عشر، فقرة 40 صـ 108).
[5] يقول القديس أثناسيوس الرسولي: "فهو لم يكن إنسانًا ثم صار فيما بعد إلهًا، بل كان إلهًا وفيما بعد صار إنسانًا". ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي (ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية2017م) المقالة الأولى، الفصل الحادي عشر، فقرة 39 صـ 105).
[6] القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات يقول عن عملية الأخذ: "فلنقل إنه أخذ حياة، أو حكمًا، أو ميراث الأمم، أو سلطانًا على كل ذي جسد أو مجد، أو تلاميذ أو غير ذلك مما يقال فهذا كله للبشرية، وأن سلمت هذا أيضًا الآلام فلا بأس، لأنك لم تسلمه إليه كأنه مكتسب، بل لأنه موجود معه منذ الابتداء، وهو مسلّم إليه من حيث الطبيعة لا من حيث المِنة". ميامر القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات، الجزء الأول، إعداد راهب من دير المحرق، الميمر الثالث عشر، صـ 239.
[7] من كتاب ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي (ترجمه عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد، د. نصحي عبد الشهيد، د. مجدي صموئيل)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية (الطبعة الثانية2017م) المقالة الأولى، الفصل الحادي عشر، فقرة 39- صـ 105-106).
[8] ويتفق تعليم البابا شنوده مع القديس كيرلس الإسكندري في أن الله هو الذي صار إنسانًا وأن الإعطاء للطبيعة البشرية إذ يقول القديس كيرلس: "بما أن الله هو الذي صار إنسانًا حقًا، لا الإنسان هو الذي صار إلهًا، ومسح كإنسان كي يمجد، فمن الواضح أن هذه النعمة أعطيت إلى الطبيعة البشرية (الكنوز في الثالوث، القديس كيرلس الإسكندري، ترجمه د. جورج عوض إبراهيم (2011 م)، المقالة العشرين: 11، صـ 308).
[9] يقول القديس هيلاري أسقف بواتييه: "لكن ربما يفترض البعض أنه قد أُخلى من ذلك المجد الذي صلى لأجله، وأن انتظاره لأن يتمجد ممن هو أعظم هو دليل على احتياجه للقوة. مَن في الحقيقة، سوف ينكر أن الآب هو الأعظم؟ إن غير المولود أعظم من المولود، الآب أعظم من الابن، المُرسل أعظم من المُرسَل، من يريد أعظم ممن يطيع. هو نفسه سوف يكون الشاهد على نفسه: الآب أعظم مني. إنها الحقيقة التي يجب أن ندركها، لكننا يجب أن ننتبه لئلا تخفي عظمة الآب مجد الابن لدى أصحاب العقول الضعيفة، مثل هذا الإبهام ممنوع بسبب نفس هذا المجد الذي صلى لأجله الابن، فإن صلاة: "أيها الآب، مجد ابنك" قد كملت بـ "ليمجدك ابنك". هكذا ليس هناك افتقار للقوة لدى الابن الذي سوف يجعل عودته لتلك القوة بمجد، حينما يقبل هذا المجد". (القديس هيلاري: عن الثالوث، ترجمه راهب من دير أنبا أنطونيوس، 2017، (الكتاب التاسع: فقرة12)، صـ285).
[10] يشرح ذلك بالتفصيل القديس أمبروسيوس فى كتاب شرح الإيمان المسيحي في الفصل الرابع من الكتاب الثاني حيث يختم هذا الفصل قائلاً: "ومن ثم لا يمكن أن نشك أن الابن قادر على كل شيء، إذ أن له كل ما للآب، بحسب المكتوب كل ما للآب هو لي) (الكتاب الثاني الفصل الرابع: 38) وأيضًا في الفصل التاسع يقول: "وكيف يمكن للابن إن كان أقل. أن يعمل نفس الأعمال بنفس الطريقة، كما يعمل الآب؟ كيف يمكن في الواقع أن يكون العمل واحدًا مع وجود اختلاف في القوة؟! هل يستطيع الأقل أن يعمل نفس المفاعيل مثل الأعظم؟ أو هل يمكن أن توجد وحدة في العمل حيث يوجد اختلاف في الجوهر؟" (الكتاب الثاني – الفصل التاسع: 70) وفي الكتاب الرابع يشرح هذا الأمر فيقول: "ومرة أخرى، لكي نحصل على فهم أكمل، نظرًا لأننا مدعوون بالآب إلى شركة ابنه، فلا يوجد فرق في القوة بين الآب والابن". (الكتاب الرابع 151)، عن كتاب شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان ترجمه د. نصحي عبد الشهيد (2018 م)، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. صـ 127، 268، 269.





