موسوعة اللاهوت المقارن الجزء الثالث – إخوتنا الكاثوليك
| الكتاب | موسوعة اللاهوت المقارن – الجزء الثالث – إخوتنا الكاثوليك |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، 2021م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 19684 / 2019 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم موسوعة اللاهوت المقارن:
الجزء الثالث – إخوتنا الكاثوليك
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
بين يديك عزيزي القارئ الجزء الثالث من موسوعة قداسة البابا شنوده الثالث
وفي هذا الجزء يتناول قداسته خلافاتنا مع الإخوة الكاثوليك. ويرد عليها مُقدِّمًا عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في تلك النقاط التي هي محل اختلاف بيننا، وذلك من خلال الكتاب المقدس وتعاليم الآباء والمجامع الكنسية.
وتلك المحاضرات والمقالات، كان قداسته قد قام بمناقشتها وشرحها في وقتٍ مبكر من حياته، إذ تبدأ هذه المقالات منذ أن كان قداسته الشاب (نظير جيد)، حيث قام قداسته بالرد على الادعاء بأن مار مرقس كان كاتب مذكرات بطرس الرسول، وأوضح أنه ليس كاروزًا للديار المصرية فقط. ثم واصل قداسته شرح وتفنيد أي فكر يختلف مع الكنيسة الأرثوذكسية بعد أن ترهب وصار أسقفًا للتعليم، وخلال فترة حبريته على الكرسي المرقسي، حيث كان قداسته يُدرِّس مادة اللاهوت المقارن لطلبة الكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية ومعهد الرعاية والتربية.
ولقد شرح قداسته، وفنَّد، ورد على الفكر المختلف مع كنيستنا مستندًا في ذلك إلى الكتاب المقدس وأقوال الآباء الذين تناولوا عقيدة الكنيسة بالشرح والتفسير اللاهوتي العميق... حيث يقول قداسته: "أما نحن فيهمنا أن كل عقيدة نتحدث عنها أو نؤمن بها ينبغي أن يكون لنا عليها شاهدٌ من الكتب، أو شهادات من الكتب، أو آيات من الكتاب المقدس".
ويقول أيضًا: "وأنتم تعرفون أن أسلوبنا في التعليم واضح، لا نقول كلمة إلاَّ بإثباتها من الكتاب المقدس.. والكتاب المقدس لا يعارض فيه أحد. المفهوم الخاص، كل واحد له فهمه الخاص لكن إذا كان التعليم هو تعليم الكتاب فينتهي الأمر".
وهو بهذا ينفِّذ قول بولس الرسول الذي قال في رسالته إلى أهل كورنثوس: "وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ مُنَادِيًا لَكُمْ بِشَهَادَةِ اللهِ .. وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ، لِكَيْ لاَ يَكُونَ إِيمَانُكُمْ بِحِكْمَةِ النَّاسِ بَلْ بِقُوَّةِ اللهِ" (1كو2: 4، 5).
وقد حرصنا أثناء إعداد هذا الجزء من الموسوعة أن يكون شاملاً كافة ما كتبه قداسة البابا شنوده الثالث عن الكاثوليك.. لذلك شمل هذا الجزء محاضرات قداسته في الكلية الإكليريكية، ومقالات الكرازة، ووضعنا أيضًا كتاب "لماذا نرفض المطهر؟" الذي كان قد أصدره في فبراير 1988م، وأيضًا كتاب "طبيعة المسيح"، وبعض فصول من كتاب القديس مارمرقس الرسول.
نشكر الباحث القدير الأستاذ ملاك بُشرى على عمله ليلاً ونهارًا لإعداد الموسوعة بكلِّ أبوابها وفصولها قبل البدء في إصدار الجزء الأول، والأستاذ الدكتور بيتر نعيم، الأستاذ باسم يعقوب، والمهندس ميشيل جورج، والأستاذ عماد عبدالملاك.
كما نشكر كافة خدام المركز الذين تضافرت جهودهم لإخراج هذا العمل مع فريق الخدام المتطوعين بالمركز، وقد لا يتَّسع المجال لذكرِ اسم كلِّ واحدٍ منهم.
كما ندعو الخدام والباحثين من كافة الكنائس بكل الإيبارشيات للمشاركة معنا في استكمال إصدار باقي موسوعات البابا شنوده الثالث؛ الثمانية عشر.
طالبين شفاعة كلية الطهر والدة الإله القديسة العذراء مريم، صلوات قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
الفصل الأول تأسيس الڤاتيكان
تأسيس الڤاتيكان[1]
الأسباب التي دعت إلى تأسيس الڤاتيكان بالنسبة للكاثوليك.
النزاع بين الباباوات والأباطرة
إن الذي يقرأ تاريخ العصور الوسطى في أوروبا، يجد أن هذه العصور تميَّزت في كثيرٍ من أوقاتها بنزاع كبير بين البابوات والأباطرة، مَن يكون صاحب السلطة الأولى؛ البابا الذي له السلطة السماوية، أم الإمبراطور الذي له سلطة أرضية.
لعل أبرز حادث في التاريخ عن هذا الأمر، حادث وقع في القرن الحادي عشر في عهد البابا جريجوري السابع.
البابا جريجوري السابع كان راهبًا يدعى "هيلد برا"، وكان يؤمن بنظرية السمو البابوي. اصطدم بالإمبراطور هنري الرابع. وكان هذا الإمبراطور هنري الرابع يؤمن بسلطة الأباطرة، فعزل البابا.. والبابا جريجوري السابع حرم الإمبراطور.. "حرمه" أي أصدر ضده حكم Excommunication، وEX أي خارج، والـ community هيَ جماعة المؤمنين، فحرمه أي عزله من جماعة المؤمنين، أي فصله عن شركة الكنيسة.
والذي يأخذ حكم Excommunication لا يتعامل معه أحد، لا يسلِّم عليه أحد، وإذا كان إمبراطور فلا يخضع أحد لسلطته، ويجد الإمبراطور نفسه بدون أي شيء. البابا جريجوري السابع حكم عليه Excommunication، أي عزله من جماعة المؤمنين، وذهب إلى دير في تل اسمه (كنُصه). فاضطر الإمبراطور أن يذهب إلى هناك لكي بقابل البابا ويأخذ العفو، فرفض البابا المقابلة، فوقف أمام مقر البابا في (كنُصه) حافيًا لابسًا المسوح، يبكي ويتوسل إليه أن يغفر له، فتركه في الذل ثلاثة أيام، وبعد الثلاثة أيام قبِل أن يعفو عنه. يُسمى هذا الحادث في التاريخ "إذلال كنُصه"، أي الوقت الذي فيه الإمبراطور بكل سلطانه ذُلّ أمام مقر البابا في (كنُصه).
ثم بعد ما عفا عنه، رجع الإمبراطور في توبته، ونفى البابا جريجوري السابع الذي مات سنة 1085م، وكان إذلال (كنُصه) في سنة 1077م.
نظرية السمو البابوي
إن نظرية السمو البابوي لم تقتصر على رجال الدولة فقط، إنما امتدت إلى سلطة البابا في كل شيء. فشملت رؤساء الأساقفة الذين كان لا بد أن يأتوا إلى البابا لزيارته في روما، وتقديم تقرير عن أعمالهم. كما شملت أيضًا الأساقفة وأساقفة البلاد والمناطق وانتخاباتهم.
تطور الأمر طبعًا إلى أن أصبح البابا يقول إنه "وكيل المسيح على الأرض كلها"! أي ليس صاحب إيبارشية مثل بقية الأساقفة. بينما قوانين الكنيسة وبخاصةٍ القانون السادس من قوانين مجمع نيقية المقدَّس يقول: "إن بابا روما - ويسمونه أسقف روما - له سلطان على روما وما يتبع لها، وأسقف الإسكندرية له سلطان على الإسكندرية وما يتبع لها، وكذلك أسقف أنطاكية. كان هؤلاء الأربع أساقفة المدن الكبرى في ذلك الحين، وقد ذُكر في القانون السادس الإسكندرية أولًا، ثم روما، ثم أنطاكية، وبعد ذلك تأتي أورشليم التي هيَ الكنيسة الأولى.
لكن بدأت فكرة السمو البابوي أن يكون هو المسئول عن كل كنائس العالم، ولذلك في هذا السمو البابوي يقولون عن روما: "أنها الكرسي الرسولي"!، والواقع أن هناك كنائس رسولية كثيرة، وليس فقط روما!! ويقولون عنها أيضًا: الإيبارشية المقدَّسة، The Holy see! هذا الأمر أيضًا تكرَّر في عهد البابا أدريان الرابع، الذي قال: "إن الإمبراطور يأخذ تتويجه كبركة من البابا"، فقد كان الباباوات في الدولة الرومانية المقدَّسة هم الذين يتوِّجون الأباطرة.
أي أنَّ في حفل تتويج الإمبراطور كان البابا هو الذي يتوِّج الإمبراطور.. وعندما تكون الأمور هادئة كان الأمر يمر بسلام، لكن عندما بدأوا يختلفوا في الأمر توالى النزاع بين البابوات والأباطرة، فتنازع البابا أدريان والإمبراطور فريدريك سنة 1155م، ثم عاد السلام مرة أخرى.
سُلطة البابا
كما أن البابوات تدَّخلوا في الأمور المدنية، والسياسية. ففي النزاع بين "نورمانديا وجنوب إيطاليا والبابوات"، فيما سُمِّيَ في التاريخ خطأ باسم "الحروب الصليبية"، وهي حروب الفِرِنجة، هل كان البابا يبارك بعضًا منها، أو لا يبارك؟
وفي الأمور المختصة أيضًا بزواج الملوك.. وفي الأراضي، وفي الأملاك، وفي النواحي المالية أيضًا كانت مباركة البابا لازمة لاستمرار العرش الإمبراطوري. ولذلك كان كثيرٌ من الأمراء يتهافتون على إرضاء البابا ونوال رضاه، لأنه هو الذي يتوِّج الإمبراطور فيما بعد.
سلطة البابوات ازدادت أيضًا في الغفرانات والتفسيحات..
والتفسيحات يسمونها بالفرنسية L'Indulgenceوهي تعني نوع من التسهيلات والتفسيحات التي يُعطيها البابا، مثلما في الغفرانات وما شاكل ذلك. مثلاً من الأشياء المشهورة عند الكاثوليك في التفسيحات: "التفسيح البولسي" ويُسمى: the Paulin Indulgence كيف يكون هذا؟! مثال ما ورد في (1كو7): "لأن الرجل غير المؤمن مقدَّس في المرأة، والمرأة غير المؤمنة مقدَّسة في الرجل"، فممكن يزوجوا المؤمن بغير المؤمن. وهذا موجود حتى الآن.. ممكن الكاثوليك يزوجوا إنسانة مسيحية لرجلٍ مسلم في الكنيسة عندهم، ويقول لك: هذا يدخل في التفسيح البولسي!
أنا طبعًا كلَّمتهم، وقلت لهم ما ورد في (كورنثوس الأولى إصحاح 7) كان عن الزواج قبل الإيمان، بمعنى اثنان كانوا يهود متزوجين واحد منهم آمن بالمسيحية والثاني لم يؤمن، فيظلوا مع بعض، فربما الذي آمن يجذب العنصر الثاني غير المؤمن.
ومع ذلك قال بولس الرسول، وأنت ما يدريك أيها الرجل المؤمن، أنك تكسب المرأة غير المؤمنة، وما يدريكِ أيتها المرأة المؤمنة أنك تكسبي الرجل غير المؤمن: "لأَنَّهُ كَيْفَ تَعْلَمِينَ أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ، هَلْ تُخَلِّصِينَ الرَّجُلَ؟ أَوْ كَيْفَ تَعْلَمُ أَيُّهَا الرَّجُلُ، هَلْ تُخَلِّصُ الْمَرْأَةَ؟" لذلك قال: "وَلكِنْ إِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيُفَارِقْ. لَيْسَ الأَخُ أَوِ الأُخْتُ مُسْتَعْبَدًا فِي مِثْلِ هذِهِ الأَحْوَالِ، وَلكِنَّ اللهَ قَدْ دَعَانَا فِي السَّلاَمِ" (1كو7: 15). كانوا يمنحون تفسيحات من هذا النوع، وبعد ذلك بدأوا يمنحوا الغفرانات. وهناك سلسلة كبيرة من الغفرانات كتبت عنها في كتاب: "لماذا نرفض المطهر؟!" وكانت من سلطة الباباوات.
كذلك سلطة الباباوات في إصدار القوانين الكنسية...
صار ممكنًا للبابا أن يُصدر قانونًا بمفرده بسلطته المنفردة. وبعض الباباوات طمعوا في أراضي الكنيسة وتوزيعها مثل جريجوري الثامن، ونتيجة كل هذه الأمور حدث الانشقاق البروتستانتي.
واستمر أيضًا في التاريخ حرب بعض الباباوات الأباطرة مثل بولس الثالث الذي حرم هنري الثامن في القرن السادس عشر سنة 1538م.
الأمور تغيرت بمرور الزمن، وبخاصةٍ بالتفكير البروتستانتي الذي أصبح لا يؤمن لا باباوات ولا برجال دين، ولا بتقاليد كنسية، ولا بقوانين كنسية، وبظهور العلمانية وانتشارها في أوروبا أو غيرها، وليس هذا فقط، وإنما أيضًا: الثورة الفرنسية عندما قامت وجدت أن خُمس أراضي الدولة ملك لرجال الدين الكاثوليك، ووجدوا أن رجال الدين مثلهم مثل النبلاء الذين تحاربهم الثورة، فبدأوا يقفوا ضدهم.
هذا النزاع كله هزَّ من سلطة الباباوات.. زد على هذا أن الإمبراطور ساعة تتويجه كان المفروض أن البابا هو الذي يتوِّجه، لكنه أخذ التاج من يد البابا ووضعه لنفسه، وبذلك يكون هو الذي وضع التاج على رأسه وليس البابا، فتغيَّر الوضع..! السلطة الجبارة التي كانت موجودة في العصور الوسطى لم تعد نافعة في القرون الجديدة.
الصحوة الكاثوليكية
لكن على الرغم من كل هذا وجدنا نوع من الصحوة الكاثوليكية حدثت في عهد البابا بيوس الحادي عشر في بداية القرن العشرين..
هذا البابا قام بعمل إصلاحات كثيرة: بدأ ينشر الفكر السليم عن الزواج وعن العائلة، بدأ يحتفل بعيد السيد المسيح كملك، بدأ ينظِّم الكنيسة في إيطاليا، وخارجها، بدأ يهتم بمنظمات الشباب، بدأت البابوية تنظِّم علاقاتها السياسية في العالم، ويكثُر عدد الدبلوماسيين الكاثوليك الذين يمثلون البابا في البلاد الأخرى، وهوinternational work of the church الذي هو عمل الكنيسة على مستوى عالمي أو دولي وانتشارها في بلاد عديدة، هذا بدأ يزيد في عهد البابا بيوس الحادي عشر.
أصبحت له علاقة ممتازة مع الأنجلو ساكسونس، مع فرنسا.. بدأ يقدم القوانين الكنسية إلى البلاد التي انتشرت فيها الكاثوليكية، كما بدأ يعمل على توحيد للقوانين، يعمل codeللقوانين. عمل أيضًا بعثات تبشيرية وخاصة في بلاد الشرق، بدأ ينظم حالة الكنيسة الكاثوليكية فيما وراء البحار، وأسس كهنوت محلِّي من أهل البلاد، يسموه native clergy أي من نفس أهل البلاد يعمل منهم كهنوت وليسوا كلهم من اللاتيين، والإيطاليين، وبخاصةٍ عمل أول أساقفة كاثوليك في بلاد الصين. نتيجة لكل هذا.. بدأوا يفكروا كيف يكون للبابا سلطته كرجل زعيم ديني له كنائس في بلاد العالم كلها، وله سلطانه.
معاهدة لاتيران
إيطاليا لها ملك إيطاليا، فماذا يُعتبر البابا في روما؟ فيكون الوضع؛ إن البابا يخضع للحاكم مدنيًا، والحاكم المدني يخضع للبابا كنسيًا، ما دام هو مسيحي! وبالتالي نرجع للسلطة الكنسية والمدنية، وسلطة البابا وسلطة الإمبراطور!
فجاء الحَلُّ سنة 1929م - ربما هذا التاريخ غريب عليكم بعد الحرب العالمية الأولى - بدأ في عمل اتفاقية اسمها "معاهدة لاتيران"، كيف تتم؟
مندوب من البابا (الكردينال چاسبري)، مع مندوب من ملك إيطاليا (الچنرال موسليني)، الجنرال موسليني الذي صار قائد في الحرب العالمية الثانية، كان وقتها چنرال.. فعملوا معاهدة.
بهذه المعاهدة تأسَّست دولة في الڤاتيكان، جزء من إيطاليا، مجموعة فدادين (في بعض المراجع تقول 44 هكتار) من روما منطقة اسمها "الڤاتيكان"، وهذه المنطقة تكون دولة مستقلة يرأسها البابا، ولا تخضع لإيطاليا، ويصبح البابا له استقلال سياسي، ويعتبر كأنه ملك من الملوك، وله وزارة خارجية، وله سفراء، ويصبح ملكًا وكاهنًا. من الناحية الكنسية، رئيس كهنة، رئيس الكنيسة الكاثوليكية.. ومن الناحية المدنية ملك على منطقة الڤاتيكان، وله وزراؤه وسفراؤه، وحرسه الخاص.
فمثلًا مصر لها سفير في روما لإيطاليا، ولها سفير آخر في الڤاتيكان. أنا عندما زرت الڤاتيكان زرت سفارة مصر في روما، وسفيرنا في روما، لا دخل له بالڤاتيكان، الڤاتيكان مملكة خاصة.
وبتأسيس دولة الڤاتيكان أصبح بابا روما رئيسًا مدنيًا ورئيسًا كنسيًا، وأصبح له استقلاله...
بل أكثر من هذا، أن في معاهدة لاتيران سنة 1929م، أصبح هناك امتيازات أخرى بأن الكنائس، الكاتدرائيات، المؤسسات الدينية، والمعاهد الموجودة تُعفى من الضرائب في الحكومة الإيطالية بحكم معاهدة لاتيران سنة 1929م.
وبدأ الصُلح، هذا ملك والآخر ملك، ولكن لم يعُد خاضعًا له، تلاحظون أنه عندما جاء بابا الڤاتيكان إلى مصر كرئيس دولة قابله رئيس الدولة في المطار. وله أيضًا سفير للڤاتيكان في مصر، كما أن له سفراء في بلاد أخرى، ويصرف على هؤلاء السفراء، في كل بلاد العالم تقريبًا، من خلال استحقاقات الكنيسة من الشعب والعشور التي تُجمع من الشعب وغيره. أيضًا أملاك الڤاتيكان تكِّون أموال ممكن تصرف على تكوين سفارات في كل البلاد المهمة، وعلى مصاريفها وموظفيها، وكل ما فيها.
وأصبح بابا روما هو الوحيد من رؤساء الكنائس الذي له سلطة كنسية كرئيس كنيسة، وسلطة مدنية كرئيس دولة، وانتهت مسألة النزاعات بين الباباوات، والأباطرة، لأن كل واحد فيهم أصبح رئيس دولة.
[1] محاضرة قداسة البابا شنوده الثالث "تاريخ تأسيس الڤاتيكان والكاثوليك"، بتاريخ 11 فبراير 2002م.
نشأة الكاثوليك في الشرق
نشأة الكاثوليك في الشرق[1]
أريد أن أكلمكم عن بدء نشأة الكنيسة الكاثوليكية في الشرق. ومعروف أن الكنيسة الكاثوليكية كانت في الغرب وكانت مُركَّزة في روما، والشرق كان بعيدًا تمامًا عن "الكثلكة"... فكيف نشأت؟ بدأت أولًا بالإرساليات الرهبانية وأيضًا بتأثير الوضع السياسي.
الإرساليات الرهبانية
وقتذاك رهبانيات كاثوليكية كثيرة جاءت إلى الشرق، وإلى القدس، وسوريا ولبنان والأردن، إلى العراق وإيران، وإلى الهند وإلى مصر، وإلى أرمينيا، منها الرهبنة الفرنسيسكانية التي ذهبت إلى الأراضي المقدسة في القرن الثالث عشر الـ 13، لعلها أول بعثة كاثوليكية ذهبت إلى الشرق.
وعندما نقول القرن الثالث عشر نقول أمرين، نقول بعد الحروب التي أسماها التاريخ خطأً "بالحروب الصليبية"، وهي حروب الفِرِنجة. وثانيًا بعد الإنقسام الكبير بين الأرثوذكس والكاثوليك الذي تم في القرن الـحادي عشر (11).
إذًا منها الرهبنة الفرنسيسكانية التي ذهبت إلى الأراضي المقدسة منذ القرن الثالث عشر(13) ثم الآباء اليسوعيون (الچزويت)، والرهبنة الكرملية، والدومينيكانز، والرهبان الكبوشيون، والليعازريون نسبة إلى لعازر، وغيرهم... حاليًا ربما أكثر من 400 مؤسسة رهبانية وكنيسة ومدرسة.
أما الرهبانات النسائية الكاثوليكية: فلم تذهب إلى الشرق إلا من منتصف القرن التاسع عشر (19) ومن أشهرها راهبات المحبة التي أسسها القديس الكاثوليكي "منصور ديبول"، وراهبات مار يوسف الظهور، وراهبات العائلة المقدسة Sainte Famille، وراهبات صهيون، وراهبات الراعي الصالح "بونباستير Bon Pasteur"، والدومينيكيات الدومينيكانز أيضًا، والفرنسيسكينات، وراهبات الرسل، وراهبات الناصرة، وراهبات الوردية، وراهبات قلب يسوع، وقلب مريم. عدد كبير جدًا من الرهبانيات رجالاً ونساءً جاءوا إلى الشرق.
في الوقت الذي كانت فيه الرهبنة في مصر قاصرة على العبادة فقط والرهبان في أديرتهم لا يعملون شيئًا سوى الصلاة والتأمل كان هؤلاء الناس يحرثون حرثًا في الخدمة.
تقول: هل من أجل ذلك نُغيِّر نحن (الأرثوذكس) رهبنتنا؟! لا نُغيِّرها، ولكننا أوجدنا نظامًا من التكريس للشباب والشابات يشتغل بالخدمة التي لا تستطيعها الراهبات.
بدأت الرهبنة في القدس عن طريق الإرساليات، أي بحجة حراسة الأراضي المقدسة وخدمتها وإرشاد السائحين الطالبين البركة والتبرك. أيضًا لإدارة شئون الجاليات الأجنبية الموجودة هناك كنسيًا، ومنهم الجماعات اللاتينية، أي يقولون إنه توجد جاليات أجنبية موجودة في الشرق، وهذه الجاليات تحتاج إلى رعاية، تحتاج إلى روحانية، تحتاج لكذا.. فنرسل بعثة. لكن حينما يأتون لا يقتصرون على الجالية فقط...
هذه الإرساليات انتشرت من القدس إلى بيروت إلى حلب دمشق ثم زحفت إلى مصر وغيرها..
كان من مهامها أيضًا تقريب الكنيسة المارونية إلى كرسي روما. الكنيسة المارونية حاليًا كاثوليكية 100%، لكنها لم تبدأ كاثوليكية بدأت عن طريق قديس اسمه "مارون"، وأخدت منها اسمه في نهاية النصف الأول من القرن الخامس. ولكن الموارنة كانوا يؤمنون بالمشيئة الواحدة، بينما الكاثوليك يؤمنوا بمشيئتين وفعلين للسيد المسيح، ولكنهم كانوا متعصبين جدًا للخلقيدونية ولمجمع خلقيدونية وقراراته.. فكانوا يشبهون الكاثوليك في شيء ولا يشبهونهم في شيء آخر.
كما حاولوا أن يجذبوهم من خلال هذه الرهبانات، وفعلاً تم جذبهم أخيرًا وصاروا كاثوليك 100%. وهذه الرهبانيات عملت في جهات متعددة، ساعدها بابا روما بل أوفدها وحدد لها عملها. أرسلهم بحجة سوء حال الأقليات المسيحية في الشرق، وبخاصة تحت حكم الدولة العثمانية التي غزت تركيا وانتصرت عليها سنة 1453م، وحولت الكنيسة العظيمة "أجيا صوفيه" إلى مسجد، (حاليًا هي متحف من أيام كمال أتاتورك). وورثت الدولة الرومانية الشرقية التي كانت عاصمتها القسطنطينية، حاليًا لا يطلقون عليها القسطنطينية بل يسمونها "إسطنبول". إسطنبول جاءت من الأستانة في الأول ويُضاف إليها كلمة "بوليس" يعني مدينة.. "أستانة بوليس" يعني إسطنبول.
وأيضًا كان من أغراض هذه الإرساليات توحيد الكنائس كلها تحت لواء الكثلكة وقيام بابا روما بمسئولياته الرعوية ونشر الإيمان المسيحي. لذلك تأسَّس مجمع "انتشار الإيمان" في القرن السابع سنة 1622م.
وكان هدف بابا روما أيضًا استرداد الكنائس المنفصلة يعني هو يعتبر إن كل هذه الكنائس تابعة له، وهو وكيل المسيح على الأرض. أما الكنائس الأرثوذكسية أو البروتستانتية أو غيرها هذه كلها انفصلت عن روما لذلك يسمونهاles églises séparées أي الكنائس المنفصلة.
كما ساعدت الإرساليات عوامل سياسية: ساعدتهم فرنسا، وإيطاليا والبعثات التبشيرية الإنجليزية والأمريكية، وحركات الاستعمار في القرون الـ15، 16، 17، أجانب يذهبون إلى بلاد كثيرة وتشتغل، وورائها بعض أغراض سياسية، مثل عندنا في مصر عندما حفروا قناة السويس احضروا "فيردناند ديليسبس"، رجل فرنسي، وساعدهم على حفر قناة السويس.
وكان الخديوي إسماعيل يقول: أريد أن تكون القاهرة صورة من باريس، فجمع كثيرًا من الخبراء الفرنسيين في مصر، وطبعًا هؤلاء جاءوا وأسسوا مدارس وكانت لهم أنشطتهم وكانوا كاثوليك أيضًا.
كذلك أيام محمد علي كانت توجد بعض مواقف سياسية أخرى مثل سياسات الانتداب السياسي بعد الحرب الكبرى سنة 1914م. كانت مصر تحت الانتداب البريطاني هي وفلسطين، والانتداب البريطاني ساعد الإرساليات الإنجليزية على أن تأتي.
وساعد على ذلك أيضًا حركات يسمونها حركات المستشرقين.
المستشرقون هم أناس من الغرب تعلموا اللغة العربية، وعاشوا في بلاد الشرق، وكانوا يبشرون باللغة العربية أيضًا. أتذكر أنه في وقت من الأوقات كان في مكتبتي جزء من الإنجيل باللغة العامية، أي بدأوا يترجموا الإنجيل للغة العامية لأن في ناس من الريف لا يعرفون اللغة العربية الفُصحى، فيتكلموا معهم باللغة العامية: يعني لا يقولون: "وفيما كان يسوع ذاهبًا" لأنهم لا يعرفون ما معني "ذاهبًا"! يفتكروها ذهب gold، فيقولوا: "لما كان يسوع رايح" باللغة العامية.
هذه الإرساليات بدأت بمبعوثين من الأفراد، ثم جماعات، ثم ضموا أشخاصًا محليين من سكان البلاد التي ذهبوا إليها، أي كوّنوا جماعات، ثم كنائس كاثوليكية من أهل البلاد، ثم جاء رهبان من الخارج وكوّنوا رهبانات كاثوليكية من أهل البلاد، فأصبح موجود (المزيج القادم من الخارج والمزيج المحلي).
في البداية أدخلوا الطقس اللاتيني حتى في مصر، كان في الأول الطقس اللاتيني ولكنهم وجدوا أن الأمر لا يناسب.. فصدر قرار من مجمع الڤاتيكان بأن الكنائس الكاثوليكية الشرقية تستخدم الطقس الشرقي الخاص ببلادها، لذلك تجدوا الكنائس الكاثوليكية في مصر يستخدموا (إبؤرو، وإك إزماروؤت،..) واللغة القبطية والألحان القبطية، ويطلبون معلمين من الكنيسة القبطية ويعطون لهم مرتبات مجزية لكي يعلموا الناس الألحان.
لدرجة أنك إذا دخلت عندهم، تتخيل أنه لا يوجد فرق!!
وبعدما كانوا لا يستخدمون قربان – بل كانوا يستخدمون شيئًا مثل (الكيكة الرفيعة) – أصبح يوجد قرابِنه أجانب يصنعون القربان للكنائس الكاثوليكية!! لذلك تجد البعض يقول لك: ما الفرق؟!! أنا عندما أذهب هناك أجد نفس اللحن، ونفس القربان، ونفس القداس!!! فعندهم القداس الباسيلي مثل قداسنا.
فالشخص الداخل إلى هناك يظن أنه في جو أرثوذكسي، لكن طبعًا فيه فرق بين القداسين:
أول فرق في قانون الإيمان يقول: "الروح القدس المنبثق من الآب والابن"، نحن نقول: "من الآب فقط".
ثاني فرق أيضًا في أوشية الآباء يذكروا "أسماء آبائهم" ولا يقولوا آباء الكنيسة القبطية.
أما الفرق الثالث هو في مجمع القديسين: لا تجده يقتصر على القديسين الذين قبل الانشقاق، لكن فيه أيضًا القديسين الذين بعد 451م، ولا تجد القديس ديسقوروس ولا ساويرس الأنطاكي ولا أحد من هؤلاء القديسين.
الترجمات
أيضًا بدأوا ينادوا باحترام الطقوس الشرقية وبممارستها، وعملوا ترجمات إلى اللغة العربية واللغات المحلية للكتب الكنسية، والكتب الطقسية وسير القديسين، والكتب الروحية.. مثلما تجد كتاب "الاقتداء بالمسيح" كان في الأول لاتيني، الآن يوجد بالعربي والناس يقرأونه ويُعجبون به.
أيضًا سيرة سانت تريز الناس يقرأونها ويعجبون بها. أي بدأوا يترجموا إلى اللغة العربية كتب بعض من آباء الكاثوليك وسير القديسين الكاثوليك وبدأوا يقدمون طبعة جديدة للكتاب المقدس ترجمة كاثوليكية يتفادوا فيها الأخطاء التي في الترجمة البيروتية.
أيضًا من ضمن الأسباب ليس فقط نشر الكاثوليكية والأقليات المسيحية وغيرها... بل من ضمن الأسباب التي أتوا بها إلى الشرق هي:
الوقوف ضد الانتشار البروتستانتي الذي كان بدأ يدخل في بلاد الشرق أيضًا، وبخاصة بالمرسلين البروتستانت وبعد حركة مارتن لوثر.
وقامت الطباعة بدور هام في تقديم الكتب الكاثوليكية إلى الشرق، وتقديم الفكر الكاثوليكي. وبتحسن العلاقات مع بعض دول الشرق وُجدت فيها جاليات غربية، فتجد جالية فرنسية، جالية إنجليزية، جالية إيطالية، وجاليات أخرى وأصبح لهم حقوق.
بل في وقت من الأوقات كان في بلاد الشرق أمر يدعى "الامتيازات الأجنبية"، فهذه الجاليات الأجنبية أصبح لها امتيازات، وأصبحوا يرسلون إرساليات بهدف خدمة الجاليات، ولكنها لم تقتصر على الجاليات وأصبحت نوع من أنواع التبشير.
هذا لاِعتقاد بابا روما أنه مسئول عن خلاص أنفس الناس جميعًا بنشر الإيمان الكاثوليكي.
الإرساليات والعمل الاجتماعي
قامت الإرساليات بإنشاء المدارس والمستشفيات، والخدمات الاجتماعية والعناية بالفقراء ونشر اللغات الأجنبية.. وتطور الأمر إلى إنشاء مدارس للتعليم العام غير المدارس الدينية، مدارس ابتدائية وارتفع شأنها إلى أن صارت هناك كليات وجامعات كاثوليكية، مثل جامعة القديس يوسف في بيروت للآباء اليسوعيين.
ثم تدرَّج الأمر إلى أنهم انشأوا مدارس مهنية لتدريس بعض المهن مثل معهد "دون بوسكو" الكاثوليكي (فيه الكثير من المهن). كذلك اهتموا بتعليم البنات عن طريق راهبات كاثوليكيات مثل راهبات القديس يوسف.
وتطوَّر الأمر إلى تأسيس إكليريكيات ومعاهد لاهوتية دينية، مثل "كلية المعادي للكاثوليك" عندنا هنا (في مصر)، ومعاهد لاهوتية أسسها اليسوعيون في القاهرة والإسكندرية، وكلية اللاهوت في بيروت.. أي أصبح لهم معاهد كثيرة.
وبعد ما كان المُرسلون يأتون لفترة بسيطة ويرجعوا، أصبحت لهم إقامة ثابتة في البلاد. ثم بدأوا يُغيرون بعض من شعب الكنائس الشرقية إلى الإيمان الكاثوليكي هذا الأمر الذي نسميه نحن "بروزيليتيزمProselytism " يعني خطف؛ يخطف من كنيسة لكنيسة.
أذكر مرة كنت موجود عند الإخوة الكاثوليك.. وكان اشتكى لي نيافة الأنبا أبرآم أسقف الفيوم أن أسقف الفيوم الكاثوليكي أحضر أوتوبيس وجمع أولادنا عنده، فأثناء تهنئتي لهم هذه المرة بعيد ميلادهم، قلت له: "كيف تفعل هذا.. وتأخذ أولادي؟!"، قال لي: "يا سيدنا أنا ابنك، أنا أساعدك في عملك الرعوي".. يساعدني!! قلت له: إن كنت تُريد أن تُساعدني تذكر قصة ابن ارملة نايين.. المسيح بعد ما أقامه من الموت يقول الكتاب: "فَدَفَعَهُ إِلَى أُمِّهِ" (لو7: 15) فأنت وجدت أولاد تائهين في الشارع، لم يذهبوا إلى الكنيسة تأخذهم وترجعهم لأمهم...
وأصبحنا نشكو من حكاية المدارس أيضًا والأولاد يدخلوا هناك ويعملوا لهم قداسات ويتناولوا في القداسات الكاثوليكية.. ومرة عاتبتهم وقلت لهم: كيف تناولوا الأولاد وهم أرثوذكس وغالبية التلاميذ عندكم في المدارس أرثوذكس.. فلماذا تعملوا قداس كاثوليكي؟!! اعملوا لهم قداس قبطي.. فقالوا لي: القداس القبطي مدته ثلاث ساعات.. فلو عملناه في المدرسة هيضيع الجدول كله - طبعًا لهم حق في هذه النقطة - لكن ممكن نعمل قداس مختصر للأطفال، لا يكن فيه تطويل في الألحان.. مثلما يحدث في الاجتماعات أحيانًا الشماس يطول في اللحن، ويقول ويقول.. والأولاد لن يفهموا هذه الألحان!!
بعض هذه البعثات اشتغلت في المجال العربي وفي الدراسات العربية، وبعضهم في الدراسات الإسلامية أيضًا حتى من أمثلتهم "الأب جورج قنواتي" وعمل معهد للدراسات الشرقية والإسلامية وكوَّنوا رهبانيات في البلاد التي ذهبوا إليها، وأصبح فيه عشرات الأديرة في كل بلد من البلاد التي ذهبوا إليها.. عشرات الأديرة في أماكن متعددة عندنا.
[1] محاضرة قداسة البابا شنوده الثالث، "نشأة الكاثوليك في الشرق"، بتاريخ 22 يناير2002م.
الكاثوليك في مصر
الكاثوليك في مصر[1]
بداية الكاثوليك في مصر
أولًا: إن الكاثوليك في مصر لم يبدأوا مع الأقباط إنما المُرسلون الكاثوليك الذين أتوا إلى مصر كانوا أولًا يهتمون بالجاليات الأجنبية الكاثوليكية الموجودة في مصر.
وكانوا أيضًا يهتمون بخدمة أبناء القنصليات الأجنبية، فمثلًا يوجد قناصل أجانب من بلاد إيطاليا، فرنسا، وأسبانيا لهم عائلات كاثوليكية في مصر، فكان هؤلاء الناس يأتون ويهتمون بهم.
أما الأقباط الكاثوليك الذين كان لهم جنسية قبطية فكان عددهم نادر جدًا، لدرجة أنه لم يُرسم لهم قسوس منهم. ثم بعد ذلك حدثت بعض الأمور مثل؛ إيفاد بعثات إلى الخارج تعّلموا ورجعوا وأخذوا وظائف وصاروا كاثوليك في البعثات التي ذهبوا إليها. ولعل من أشهر هؤلاء أيضًا مؤرخ كبير اسمه "روفائيل الطوخي" أيضًا ذهب في بعثة ورجع وصار كاثوليكيًا، ثم صار أسقفًا ونائبًا بطريركًا للأقباط.
ثانيًا: نذكر أيضًا أن مصر جاءت إليها الحملة الفرنسية أيام نابليون وطبعًا تركت تأثيرًا.
وأيضًا حفر قناة السويس؛ الذي حدث في أيام الخديوي سعيد باشا ابن محمد علي، وكان الذي وقع عليه الاختيار لتنفيذ عملية حفر قناة السويس "فرديناند ديليسيبس" وهو رجل فرنسي بدأ توقيع العقد سنة 1854م، أي في منتصف القرن التاسع عشر وانتهى سنة 1869م. وكان نتيجة هذا أن كثير من الفرنسيين الكاثوليك دخلوا إلى مصر.. وخصوصًا بعد سعيد باشا، حيث جاء إسماعيل باشا وكان يريد أن القاهرة تصبح جزءًا من باريس أي يكون لها نفس الحضارة الموجودة هناك، وطبعًا أعطوا مجالاً كبيرًا للأجانب أن يدخلوا، كل هذا في منتصف القرن التاسع عشر.
لا ننسى أيضًا أنه من عهد سعيد باشا وعهد إسماعيل كان هناك تفكير في أن مصر تأخذ استقلالها التام، وتنفصل عن الدولة العثمانية أو عن الخلافة الموجودة للباب العالي في تركيا، فاستعانوا أيضًا بالأجانب وتم التحرر من الخضوع لتركيا بإلغاء تبعية مصر لها.
وفي تلك الفترة أيضًا وُجد ما يسمىّ بالامتيازات الأجنبية؛ أي أن الأجانب الذين عاشوا في مصر أخذوا امتيازات كثيرة. من ضمنها شراء الأراضي، وبعض وظائف كثيرة كانوا يحصلون عليها سواء عن طريق العمل الاقتصادي أو عن طريق الجمارك والعمل فيها.. إلى آخره.
طوائف أخرى كاثوليكية
لا ننسى أيضًا وجود بعض طوائف أخرى كاثوليكية غير قبطية كانت موجودة في مصر من ضمنها الموارنة الكاثوليك، والروم الكاثوليك، والكلدان الكاثوليك، والأرمن الكاثوليك، طوائف أخرى من هذا النوع.. رغم أنه حتى هذا التاريخ الذي نتحدَّث عنه، لم نكن قد وصلنا إلى وجود أقباط كاثوليك!
الروم الكاثوليك جاءوا من سوريا وجاءت معهم عائلات من هناك، ومن أشهرهم بطريرك الروم الكاثوليك "مكسيموس مظلوم" استقر في مصر من سنة 1836م، وأسس له كنائس. إن البعثات التي جاءت أسَّست لها مدارس ومستشفيات... فالموارنة مثلاً أسَّسوا مدرستين في القاهرة، واحدة في الظاهر وواحدة في مصر الجديدة، والفرير أسَّسوا مدرسة أيضًا في درب الجنينة بالموسكي، وأسَّسوا مدرسة القديس يوسف بالخرنفش.. إلى آخره.
ملاحظات
وفي هذا الوقت أيضًا لم يكن يوجد مدارس قوية تابعة للحكومة، ولذلك البابا كيرلس الرابع أسَّس مدرسة أقباط للبنين ومدرسة للبنات لأول مرة في تاريخ مصر. لم يكن يوجد مدارس للبنات، وعندما أتى الأجانب وعملوا مدارس للبنين ومدارس للبنات أصبحت مجالاً لكثيرين بأن يُدخلوا أولادهم ليتعلموا عندهم، وبهذا التعليم يمكن جذبهم أيضًا إلى الكاثوليكية.
كذلك راهبات الراعي الصالح في سنة 1845م أسسوا مستشفى ودير وملجأ، وسنة 1863م أسسوا مدرسة ومستشفى في بورسعيد أيضًا بدعوة من فيرديناند ديليبسبس.
الجدير بالذكر أنه في ذلك الحين لم تكن هناك جامعة مصرية لتثقيف الطلاب. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر أيضًا بدأت توجد مدارس عليا يُطلق عليها (مدرسة الهندسة، ومدرسة الحقوق، مدرسة الطب)، حتى مدرسة الطب عندما اُنشأت كان يرأسها رجل أجنبي يسمونه "كلوت بك" الذي على اسمه حي كلوت بك الموجود في القاهرة، كان هو مدير المدرسة ومُنشئها.
إلى أن تأسست الجامعة المصرية التي هي أقدم جامعة عندنا، وسُميت بجامعة فؤاد الأول - فؤاد الأول هذا توفي سنة 1938م -، لكن قبل هذا الوقت أيام الملك فاروق كانت مجرد مدارس، مدرسة هندسة.. مدرسة حقوق. ومن الأمور العجيبة التي نلاحظها أن حي الموسكي بالذات كان مجالًا للنشاط الكاثوليكي وخصوصًا منطقة درب الجنينة، فيه نشأت أغلبية الكنائس الكاثوليكية سواء الأرمن أو الفرنسيسكان أو الروم الكاثوليك أو الفرير أو الچزويت.. كلهم بدأوا يؤسِّسوا لهم كنائس في درب الجنينة بالموسكي.
الچزويت سنة 1879م افتتحوا لهم أول مدرسة إكليريكية بحديقة روزيتا بالموسكي، وراهبات الراعي الصالح بونباستير Bon Pasteur بدأوا الخدمة سنة 1845م قبل أن ينتقلوا إلى شبرا في مكانها.
أما عن أعمال الكاثوليك الأخرى في مصر[2]: فهم عملوا جمعية أبناء الصعيد لتعليم الأولاد، ومحو الأمية، وأصبح من ضمن تعاليمهم محو الأمية والأولاد الذين يتعلموا ينضموا إليهم. وانشأوا ملاجئ أيضًا، وفي هذه الملاجئ يتحولوا إلى كاثوليك، وممكن يعطوهم رُتب ويكبروا.
أيضًا تكوين إيبارشيات كاثوليكية في كثير من البلاد مثل "الكلدان الكاثوليك". وذهبوا أيضًا إلى الهند واشتغلوا في الكنيسة السريانية الهندية المليبارية والمالانكارية.
كما أنهم اشتغلوا مع المعوَّقين، ومع البرص ومع الفقراء بصفة عامة، والعجزة، والخدمة الاجتماعية لها عمل ضخم عندهم. والكنيسة الكاثوليكية في مصر كل سنة تُصدر كتابًا من الحجم الكبير يحتوي على كل الجماعات الكاثوليكية والمؤسسات الكاثوليكية الموجودة في مصر، كل الكنائس والرهبانيات الموجودة في مصر.
[1] محاضرتان لقداسة البابا شنوده الثالث، "نشأة الكاثوليك في الشرق ج1، ج2" بتاريخ 4 فبراير2002م و22 يناير2002م.
[2] من محاضرة قداسة البابا شنوده الثالث، "الكاثوليك في الشرق"، بتاريخ 22 يناير2002م.
الفصل الثاني مقدمة الاختلافات مع الكاثوليك
الخلافات مع الكاثوليك[1]
أريد أن أكلِّمكم عن خلافاتنا مع الكاثوليك؛ لأن الخلافات مع البروتستانت أصدرنا فيها كتب (كتاب اللاهوت المقارن كله عن الخلافات مع البروتستانت)، لكن الخلافات مع الكاثوليك تحتاج منّا إلى شيء من الإيضاح والتفصيل.
نقاط الاختلاف
- نقطة كانت موجودة زمان في الكريستولوجي Christology(طبيعة المسيح) نشكر ربنا انتهينا منها.
- يوجد خلاف حول (موضوع المطهر) ما زال قائمًا وأنا أصدرت فيه كتاب.
- يوجد خلاف حول (انبثاق الروح القدس).
- يوجد خلاف حول (رئاسة روما ورئاسة بطرس).
- يوجد خلاف حول (الطقوس).
- يوجد خلاف حول (السيدة العذراء مريم).
- يوجد خلاف في مواضيع (الأسرة والزواج والطلاق).
- يوجد خلاف حول موضوع (القديسين).
- يوجد خلاف حول (القداس، وفي تفاصيل أخرى سنذكرها).
الخلاف حول القداس
يذهب واحد إلى كنيسة كاثوليكية يقول: أنا وجدت نفس قداسنا!! لأنهم أعطوا أوامر للكنائس التي في الشرق أن تستخدم الطقوس الشرقية، لذلك هم يستخدمون نفس القربان، ويستخدمون نفس الألحان، ونفس القداس الباسيلي، واللغة القبطية يستخدمونها لكي لا يصلوا باللاتيني فلا يفهمهم الناس!
لكن تستطيع إذا سألك أحد وقال لك: ما هي الخلافات إذًا.. إذا كان الألحان والقداس واللغة نفس الشيء؟! فنرد كالتالي:
أول أمر في أوشية الآباء: هم يذكروا الآباء الخاصين بهم، وليس آباءنا.
مجمع القديسين: يقولوا الجزء الأول المختصر، ولا يقولوا باقي أسماء القديسين وخاصة الذين بعد الانقسام لا يذكروهم في مجمع الآباء.
قانون الإيمان: يقولوا فيه الروح القدس منبثق من الآب والابن، ونحن نقول: منبثق من الآب فقط.
الخلاف حول انبثاق الروح القدس
نحن نؤمن أن الروح القدس منبثق من الآب، وهذا هو الموجود في قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني "نؤمن بالروح القدس الرب المُحيي المنبثق من الآب".
ونقطة المنبثق من الآب موجودة في (يو15: 26) – يا ليت مَن يتناقش مع الكاثوليك يحفظ آية (يو15: 26) – يقول: "مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ".
كلمة "والابن" هي إضافة جديدة باللغة اللاتينية عندهم اسمها "فيليوكا". فيليوكا جاءت من "فيليوس" باللاتيني يعني "ابن". فيليو يعني from the sonحالة يسموها الـ Dative. (الـdative والـablative التي يوضع فيها to أو for). و"كي K" باللاتيني توضع وراء الكلمة مثل كلمة "and" بالإنجليزي بمعني "و".
فيليوكا تعني= And from the son ترجمتها يعني ينبثق من الآب وأيضًا من الابن. هذه الإضافة ليست موجودة أيضًا عند الروم الكاثوليك لأن فيليوكا غير موجودة في اللغة اليونانية، موجودة من الآب فقط. إذًا حتى الكاثوليك يختلفوا مع بعض داخل كنيستهم:
لأن الـروم الكاثوليك Greek Catholics، غير الـLatin Catholics. The Latin Catholics يقولوا: (and from the son felioka)، أما الـ Greek الروم لا يقولوا هذا الكلام. بل يقولوا إنها بدأت في الطقس عندهم من القرن السادس، وتطورت ولم يقدروا أن يعالجوا الأمر!! بينما عندهم في عهد البابا ليو الثالث في القرن التاسع عمل two tablets أي لوحين وكتب عليهما قانون الإيمان باليوناني وباللاتيني ولا توجد فيه "ومن الابن"، وقال لهم: "لا أستطيع أن أُغيِّر إيمان آبائي".
لكن هم بذلك غيَّروا وبدَّلوا.. إلى آخره!!
أيضًا نقطة "ومن الابن" مسألة لا توافق المجامع المسكونية القديمة والحرومات على تغيير قوانين المجامع، ولا توافق الكتاب المقدس في (يو15: 26)، ولا توافق مفهوم الثالوث.
لأن مفهوم الثالوث نقول: "الذات الإلهية يخرج منها العقل الإلهي، والروح الإلهي القدس" كلهم يخرجوا من الذات الإلهية.. لكن لا يمكن أن نقول: الروح تخرج من العقل!! كلام ليس له معنى...
أو مثلًا عندما نقول في مثل النار؛ نقول النار تخرج منها الحرارة، ويخرج منها الضوء، لا نقدر أن نقول الضوء يخرج من النار، ومن الحرارة؟!! ليس لها معنى.. لكن يخرج من النار.
أيضًا إذا قلنا: إن الآب يولد منه الابن، ثم الروح القدس ينبثق من الآب والابن!! كإننا جعلنا الثالوث القدوس أبوين وابنين!! أي أن الآب يخرج منه الروح القدس، والابن يخرج منه الروح القدس.. فكأن الابن يُعتبر أب للروح القدس، وهذا الكلام غير معقول وضد عقيدة الثالوث.
أيضًا أوقات يخلطوا في هذا الأمر بين الانبثاق والإرسال...
يعني الابن يقول: "أُرسل لكم الروح القدس"، الإرسال؛ أمر تم في الزمن في يوم الخمسين، لكن الانبثاق؛ جزء من طبيعة الثالوث القدوس منذ الأزل، يعني منذ الأزل قبل الخليقة كلها من طبيعة الثالوث أن الابن مولود من الآب، والروح القدس منبثق من الآب، هذا من قبل كل الدهور. أما الإرسال فهو عملية زمنية لا دخل لها في طبيعة الثالوث إطلاقًا! يعني قبل أن يُرسَل الروح القدس من الآب إلى العالم كان منبثقًا من الآب قبلها.
الخلاف حول مواضيع الأسرة والزواج والطلاق
موضوع الأسرة.. نحن نقول: "الطلاق لعلة الزِنى" كما يقول الكتاب، لكن هم يقولوا: "لا طلاق على الإطلاق" أي لا يوجد طلاق حتى لو فيه زِنى.
اذكر لكم الآيات الخاصة بالطلاق لعلة الزنى:
+ في العظة على الجبل في (متى5): "إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي"(مت5: 32).
+ وفي حديث المسيح مع الكتبة والفريسيين: "إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي" (مت19: 9). و"مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي عَلَيْهَا وَإِنْ طَلَّقَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ تَزْنِي" (مر10: 11، 12).
+ و"كُلُّ مَنْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَكُلُّ مَنْ يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ مِنْ رَجُل يَزْنِي" (لو16: 18).
أربعة شواهد في الكتاب المقدس أنه يُسمح بالطلاق في حالة علة الزنى، ويكون الطلاق قاصرًا على علة الزنا. لكن إنه لا طلاق لأي سبب!! هيكون حتى التصريح الذي قاله السيد المسيح غير موجود، فهو قال: "من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني" يعني يوجد استثناء أنه ممكن.
عندما كثرت الخلافات الزوجية، وجدوا أن أمر (لا يوجد طلاق نهائي) يُسبب إشكالات، حدث توسع من الكاثوليك في أسباب بطلان الزواج. "طلاق" يعني "divorce"، "بطلان زواج" يعني "annulment".. بطلان: أي كأن لم يكن هناك زواج على الإطلاق.
زمان عندما كنت أنا أدير المجلس الإكليريكي بنفسي لم يكن هناك أي تصريح يصدر إلا بعد أن اقرأه وأوقِّع عليه. الآن تركتها للآباء الأساقفة لأن ليس لديَّ وقت. وقتها كانت عندي فرصة إني أقرأ الأسباب.. فكان يجيء إلينا ناس من عند الكاثوليك، وآخرين من البروتستانت. تصوَّروا مثلاً نحن نقول: "ممكن يُحكم في بطلان الزواج إذا كان الزواج تم بغير الموافقة أي أن الابن أو الابنة اُرغم على الزواج غصبًا عنه، فيأتي مثلاً زوج وزوجة عاشوا مع بعض 12 سنة، يرغبون في الطلاق ولم يعرفوا أنهم تزوجوا غصبًا عنهم! فيأتوا يقولوا: لا، أنا عندما زوجوني من 12 سنة كان بغير إرادتي وأطلب بطلان زواج!( ده كلام إزاي بقى واحد مش دريان بقى له 12 سنة إن الزواج بإرادته أو من غير إراداته!!).
وهكذا تتعدَّد أسباب بطلان الزواج.. فإذًا يكون أول نقطة في الخلاف هو أنه عندنا لا أسباب للطلاق إلا علة الزنى، لكن عندهم لا يوجد طلاق نهائي مهما كان.
التفسيح البولسي
نقطة أخرى إنهم ممكن يتزوجوا بغير المسيحيين وفي الكنيسة، ويُستخدم ما يسمى "بالتفسيح البولسي". تفسيح الذي يسموه "Indulgence" بالفرنساوي أي تفسيح أو تسهيل، نوع من أنواع السماح.
توضيح... بولس الرسول يقول: "لأَنَّ الرَّجُلَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ مُقَدَّسٌ فِي الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ غَيْرُ الْمُؤْمِنَةِ مُقَدَّسَةٌ فِي الرَّجُلِ، وَإِلاَّ فَأَوْلاَدُكُمْ نَجِسُونَ.." (1كو7: 14).. أي هما الاثنان الطرف المؤمن يتقدس فيه الطرف غير المؤمن، وإلاَّ يكون أولادكم نجسين، أي في الزواج الذي تم قبل الإيمان.. كيف؟!
المسيحية عندما قامت كان هناك أشخاص يهود متزوجين ودخلوا في المسيحية، أو ناس أُمم متزوجين بالفعل ودخلوا في المسيحية - وليس أشخاص سيتزوجون -، فقال لهم: ليحتفظوا بالزواج، هم متزوجين من قبل ولديهم أولاد بالفعل، ثم حدث أن المرأة أصبحت مسيحية، والرجل لا، أو الرجل صار مسيحيًا والمرأة لا.. فيقول: "ليبقوا في نفس الزواج، مُقدسين في هذا الزواج"، ربما الرجل يكسب المرأة إلى الإيمان، أو المرأة تكسب الرجل إلى الإيمان، وليس أنه بمجرد أن يصير الرجل مسيحيًا المرأة تقول: "أُطلق منه، أو هو يطلق امرأته".
أو عندما تصبح المرأة مسيحية تقول: "أُطلق من الرجل"، فالقديس بولس يقول لهم: "لا، اِبقوا هكذا ربما تكسبوا بعض"، ولكن أيضًا فكرة إنهم يكسبوا بعض هذه مسألة غير مضمونة.
لذلك بولس الرسول قال آية مهمة: "وَلكِنْ إِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيُفَارِقْ. لَيْسَ الأَخُ أَوِ الأُخْتُ مُسْتَعْبَدًا فِي مِثْلِ هذِهِ الأَحْوَالِ، وَلكِنَّ اللهَ قَدْ دَعَانَا فِي السَّلاَمِ" (1كو7: 15). من أين تضمنين أيتها المرأة أنك ستكسبي الرجل، ومن أين تضمن أيها الرجل أنك ستكسب المرأة، إن أردت أن تُفارق فلتُفارق لكن الله قد دعانا في السلام، لكن نُجرب الأمر.
لذلك نحن نستخدم هذه الآية "ليس الأخ أو الأخت مستعبدًا في مثل هذه الحالة، إن أراد أن يفارق فليفارق" فنسمح بانفصالهم في حالة تغيير الدين، يعني الاثنين لو أصبحوا من دينين مختلفين ممكن ينفصلوا.
المحاكم العادية في مصر تحكم إذا كان الرجل مسيحي ممكن يُفصل بالأمر. نحن لو كان الرجل أو المرأة نسمح بالانفصال حسب قول الرسول: "لَيْسَ الأَخُ أَوِ الأُخْتُ مُسْتَعْبَدًا فِي مِثْلِ هذِهِ الأَحْوَالِ". طبعًا القوانين تختلف لأن لدينا ثلاثة مجامع مسكونية، بينما هم لديهم الآن أكثر من عشرين مجمع.. لا نعلم ما القوانين التي فيها.
الخلاف حول السيدة العذراء مريم
يرون أن السيدة العذراء حُبلَ بها بغيرِ دنسِ الخطية الأصلية، (الخطية الجدية)...
أما نحن فنرى أن هذا الموضوع "إن العذراء ولدت بدنس الخطية الأصلية" يتفق مع عقيدة الخلاص؛ لأنه لا يوجد أي حَل إلاَّ دم المسيح. فإذا أمكن إن السيدة العذراء لها طريقة أخرى للخلاص غير دم المسيح، كان ربنا يُعمِّم هذه الطريقة بالنسبة للكل، والكل يخلُصون بدون سفك دم، ولا يكون هناك حاجة إلى التجسد والفداء! وهذه مسألة في منتهى الخطورة تهدم عقيدة التجسد والفداء!
ثم أيضًا نجد آية صريحة جدًا في تسبحة السيدة العذراء في إنجيل لوقا التي تحفظونها كلكم: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 46، 47)، إذًا السيدة العذراء تقول: "الله مخلصي"، فهي إذًا محتاجة إلى الخلاص هي أيضًا.. وإلا لما قالت: "تبتهج روحي بالله مخلصي".
لكن هم عندما يفسرونها يقولون: "إن الروح القدس حلَّ عليها فقدَّسها".
إن تقديس الروح القدس ليس معناه إلغاء عقوبة الخطية الجدية أو الخطية الأصلية. تقديس الروح القدس لمستودعها لأجل أن المولود منها يولد بغير الخطية الأصلية، وأيضًا ليُكّون الروح القدس جسدًا لهذا المولود بغير زرع بشر أي لتكوين جسد للمسيح، ولكي يولد المسيح بغير الخطية الأصلية. لكن العذراء نفسها كانت وُلدت قبل ذلك. لا نقدر أن نقول: إنها وُلدت بغير الخطية الأصلية.
هذه العقيدة العجيبة، عقيدة جديدة بالنسبة لهم ينسبونها إلى معجزة "عذراء لورد"، التي يقولون فيها: "إن العذراء ظهرت في مدينة لورد، لبعض الأطفال الصغار، وقالت لهم: "إن هي صاحبة الولادة بغير دنس"، طبعًا نحن لا يمكن أن نبني عقيدة على بعض أطفال صغار ظهرت لهم العذراء، هم لا يعرفوا الكلام بالظبط!!
إذا كانت معجزة حقيقية ربما تكون كلمتهم عن الولادة بغير دنس للسيد المسيح.. لكن يأخذونها ويعملوا منها عقيدة الولادة بغير دنس للعذراء، وتصير عقيدة الكنسية في عصورٍ حديثة مبنية على كلام قاله بعض أطفال لا يدركون تفاصيل الكلام، وبدون الاعتماد على أُسس لاهوتية وكتابية!!! هذا الكلام لا نقبله.. وخصوصًا إن العذراء تقول: "تبتهج روحي بالله مخلصي"، وأيضًا "بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" (عب9: 22)، وسفك دم؛ أي سفك دم المسيح.
بعد ذلك يتحدثون عن عقيدة المطهر، والعذراء يسمونها "سيدة المطهر" وأنها يمكن أن تُخرِج ناس من المطهر!
الخلاف حول المطهر
1- الغفرانات
عقيدة المطهر مرتبطة بعقيدة عندهم اسمها الغفرانات؛ التي هي التسهيلات. أي إن الشخص تُغفر له خطايا، بزيارة أماكن أو بتلاوة تلاوات! مثلاً في بعض الكتب يقولون: إذا بدأت تتلو "أبانا الذي" مرات عديدة، كل مرة من أبانا يُغفر لك 100 يوم، أو لو زرت الدير الفلاني في العيد الفلاني يُغفر لك 30 سنة، وهكذا لائحة بالغفرانات بعدد أيام أو عدد سنين للغفرانات!
أو ممكن أحد الباباوات يمنح هذه الغفرانات لدير من الأديرة، أو كنيسة قديمة كل مَن يزورها في يوم عيد الميلاد يُغفر له عدد من السنين، في يوم عيد العنصرة يُغفر له عدد من السنوات.. إلى آخره.
فالشخص يجمّع (يحَوِّش) مجموعة كبيرة من الغفرانات، فلو جمع عدد كبير من الغفرانات يصل إلى أمر يسمونه "زوائد القديسين"؛ قديس كان يمارس عبادات كثيرة أخذ عليها حق من الغفران يقدر يورَّثه لغيره، فتصبح له الشفاعة من الرصيد الذي عنده اسمها زوائد.
إنما نحن نعرف عن القديسين أنهم يقولون: "مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ" (لو17: 10). يعني من غير الممكن إن إنسان يكون له زوائد. كل القديسين كانوا يقفوا أمام الله كخطاة، وكل القديسين كانوا يصلّوا الصلاة الربانية، ويقولوا: "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا" (مت6: 12). أتريد قديسين أكثر من الرسل، يوحنا الحبيب يقول: "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا، إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1يو1: 8، 9).
يعقوب الرسول يقول: "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ! لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا" (يع3: 1، 2)، وبولس الرسول يقول: "الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا.. لِيُظْهِرَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ فِيَّ أَنَا أَوَّلًا كُلَّ أَنَاةٍ" (1تي1: 15، 16)، فمَّنْ هذا الذي له زوائد لكي يورِّثها للناس؟!
أنا أقول: الشفاعة تنتُج عن صلوات القديسين من أجلنا، وليس استحقاقات القديسين الذين يعطونا منها. استحقاقات قديسين.. هذه لأ.. مَن فينا مستحق.. كلنا تحت الحكم!!
أيضًا نحن نعرف تمامًا أنه لا توجد مغفرة إلا بالتوبة، وليس بالتلاوات والزيارات. وكثيرًا ما قلت لكم كلام السيد المسيح "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5) ، فبالتالي الغفران يُبنى على التوبة، ولا يُبنى على الزيارات أو التلاوات أو أنواع من العبادات.
فلنفرض إن واحد قال: أبانا الذي مليون مرة، وعنده خطية غير قادر أن يتركها، خطية جسدية مثلاً.. فهل يكون له غفرانات؟! ثم ما فكرة الغفرانات بالأيام والسنين.. إننا أمام عقوبة أبدية. نفرض إن واحد عنده عقوبة أبدية خصم منها 500 سنة؟! هل ستظل باقية له أم خُصِم له منها كام يوم؟!! هي باقية له. الغفرانات لا تكون بالأيام إما غفران دائم، إما هلاكًا دائمًا! لكن غفرانات أيام.. غير معقول؟! هذه الأمور موجودة في كتبهم حتى الآن.
2- المطهر
المطهر (يوجد كتاب مملوء، تقرأوا فيه عنه)، لكن سأذكر بعض ملخصات بسيطة.
المطهر هو أسوأ وأسود صورة للحياة بعد الموت. في المطهر يُقَسم الناس إلى ثلاثة أقسام هناك:
- قديسين كبار مثل الرسل والشهداء، وهؤلاء يذهبوا إلى السماء مباشرة.
- وخطاة جدًا ماتوا في الخطية، وهؤلاء يذهبوا إلى جهنم مباشرة.
- والقسم المتوسط الذي هو غالبية الناس وهؤلاء يتعذبون بنار المطهر.
نار المطهر، كيف؟! إذا كان اللص اليمين أخذ وعد "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو23: 43)، وهو عنده خطايا كثيرة؟! لكن هم يقولون حتى الخطايا المغفورة التي نال الإنسان عنها حِلاً من الكاهن يذهب عنها إلى المطهر.. ما دام وقع في خطية يأخذ عقوبتها.. بهذا الشكل مَنْ ينجو إذًا؟! وما قيمة الحِل في التوبة وما قيمة التوبة؟!
أيضًا العذاب يكون للروح أم للجسد في المطهر؟
معروف إن الجسد يتحول إلى تراب ولن يتعذب، فبالتالي الروح هي التي ستُعذب في المطهر!
فهل الجسد يُخطئ، والروح هي التي تدفع الثمن؟ هذا مثل القول: "خُذ تارك من جارك"؟!
إذا كانت الروح ضد الجسد وتقاومه، والجسد ضد الروح يقاومها، فعندما يموت الجسد، فهو لا يشعر بأي عذاب وفقد كل إحساسه، بينما الروح التي كانت تقاوم الجسد هي التي تظل تتعذب بآلآف السنين داخل المطهر.. هذا حرام!
من الأمور الأخرى التي ضد العقيدة هي ما فائدة دم المسيح إذًا؟
السيد المسيح دفع ثمن خطايانا.. فما معنى بعدما دفع المسيح الثمن إن الإنسان يتعذب في المطهر؟! أم ندفع ثمن الخطية مرتين؟ مرة يدفعه السيد المسيح ومرة أخرى ندفعه نحن!
ثم هل دم المسيح الذي دفعه كافٍ للخلاص أم غير كافٍ!! فالكتاب يقول: يُخلِّص حتى التمام "يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ.." (عب7: 25)، إذا كان دم المسيح غير كافٍ.. فالله يعوِّض علينا ونكون كلنا ضعنا وهلكنا!
وإذا كان دم المسيح كافي لماذا تتعذَّب الروح في المطهر؟ ثم هل عذاب الروح في المطهر يكفي فداءً للخطية.. نحن نقول: الفداء بالمسيح لأن الخطية غير محدودة، ولا بد من كفّارة غير محدودة.. فمهما كانت سنوات العذاب في المطهر فهي محدودة...
وأوقات عندما يناقشونا في هذا الموضوع يقولون لنا: ألستم تصلّون من أجل الموتى!
الله شاهد علينا جميعًا في هذا المكان المقدس، إننا عمرنا ما صلينا وقلنا يا رب خفِّف عليهم في المطهر، لم يحدث أبدًا... لكن نحن نقول: "هذه النفس التي اجتمعنا بسببها اليوم، يا رب نيِّحها في فردوس النعيم، يا رب افتح لها أبواب الرحمة لتتكئ في أحضان إبراهيم وإسحاق ويعقوب"، لم نقل: تتكئ في أحضان النار والعذاب؟ الصلاة على الموتى ما شأنها بالموتى؟! لا علاقة لها بالمطهر أبدًا. نحن لا نؤمن إلا بمطهرٍ واحد هو دم المسيح في (1يو1: 7) "وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" فالمطهر الوحيد هو دم المسيح.
ذات مرة كنا نتناقش في هذا الموضوع.. وقالوا كلامًا بلا معنى، قالوا: إن واحد من الشاروبيم أو الكاروبيم ماسك سيفًا من نار أمام الفردوس، هذا السيف من نار "هي نار المطهر التي يجتازها الإنسان وهو داخل الفردوس"!
كان ردي عليهم بأن: السيف من نار يخص العهد القديم وعندما صُلب المسيح فتح باب الفردوس، وقال للكاروبيم: "لقد انتهت مهمتك" ولم يبق سيف من نار أمام باب الفردوس.
باب الفردوس أصبح مفتوح بصلب المسيح!! لكن السيف من نار كان قبل الصلب، باب الحياة ممنوع عن الناس.. لأن ثمن الخطية لم يُدفع، لذلك كان كلهم يذهبون إلى الجحيم. وكان المُصلّي يقول في المزمور: "لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا" (مز16: 10)، هذا قبل الصلب! لكن بعد الصلب انتهى، لم يعد هناك سيف ناري أو كاروبيم يحرس باب الفردوس وشجرة الحياة. المسيح قال للكاروبيم: "ضع سيفك في غمده".. الآن نحن في أفراح الخلاص في يوم سبت الفرح.
الخلاف حول رئاسة بطرس وروما
أعطيكم بعض نقاط تحفظونها في هذا الموضوع:
1) مبدأ الرئاسة ألغاه السيد المسيح إطلاقًا، وكلما كان الرسل يُحارَبون بالرئاسة كان يقول لهم: لا يكن فيكم هذا الفكر، من أراد فيكم أن يكون أولاً فليكن آخرًا: "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا" (مت20: 27). مبدأ الرئاسة كان كلما يُحارَب به الرسل، السيد المسيح يقول لهم: لا يوجد شيء اسمه رئاسة.
ماذا نقصد بالرئاسة؟
إن فكرة الكاثوليك عن الرئاسة هي: إن واحد من الرسل يكون رئيس الكنيسة عامة في العالم كله... إن كل كنيسة لها رئيسها.. رئاسة محلية، لكن لا يوجد واحد يرأس الكنيسة كلها من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها يكون وكيل المسيح على الأرض. كل الأساقفة في إيبارشياتهم وكلاء للمسيح على الأرض.. لكن رئاسة عامة للعالم كله، لا.
أيضًا استخدام الآيات التي كان بطرس الرسول مندفعًا فيها.
وقول السيد المسيح لبطرس: "أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (مت 16: 18).. بينما هو يقول أنت بطرس وعلى هذه الصخرة؛ أي على هذا الإيمان الذي مثل الصخرة. العجيب أن آيات (مت 16) هي التي قال لهم السيد المسيح فيها: "وأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟"، فبطرس قال له: "أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ"، فرد: على هذه الصخرة المسيح ابن الله الحي.
العجيب إن هذا الإصحاح نفسه قال المسيح لهم: "أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ" (مت16: 21)، فجاء له بطرس على جنب قال له: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!"، فقال له: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي" (مت16: 21، 22)، هذا في نفس الإصحاح (متى 16) الذي هو دليل على رفع مكانة بطرس..
إنه لا يوجد أحد من الأحد عشر قيل عنه "يا شيطان"، إلاَّ بطرس - إلا سيدي وأبي والذي لا أستحق تراب رجليه بطرس الرسول – لكن في هذا الموقف (أخذ كلمة توبيخ).
لا يوجد أحد وبخه السيد المسيح عند غسل الأرجل إلا بطرس، قال له: "إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ" (يو13: 8). لا يكون لك معي نصيب!! ورئاسة الكنيسة العليا للعالم كله!! نحن لا نجامل.
بطرس الرسول كان من ضمن صفاته أنه مندفع في كل وقت؛ مندفع حتى ساعة القبض على السيد المسيح فطلع السيف وقطع أذنَ العبدِ.
كانت هذه طريقته، وكان عندما يندفع في الكلام يُخطئ، والرب كان يوبخه. كما حدث عندما قال المسيح: واحد منكم سيسلمني، كلهم سكتوا ما عدا هو، قال له: لو أنكرك الجميع.. لم لا تسكت؟! لكن هذه كانت طريقته، وكان أحيانًا عندما يندفع يجعلهم يندفعوا وراءه، لكن هذا كان طبعه وأسلوبه.
لكن ربنا استخدم هذه الصفات للخير فيما بعد.
لو فرضًا كان بطرس هو الذي سيكون رئيس الكنيسة.. لماذا في مرة بطرس أخذ يوحنا كواسطة يتوسط بها، عندما قال لهم المسيح: "واحد منكم يسلمني"، فأجاب كل واحد: أنا يا سيد؟ أنا يا سيد؟.. أما بطرس فطلب من يوحنا أن يعرف من المقصود، فهو ليس لديه الدالة التي عند يوحنا الحبيب.. فيوحنا اتكأ على صدر المسيح، فقال له المسيح: "الذي يغمس معي".. فبطرس أخذ يوحنا كواسطة.
2) رئاسة الكنيسة كانت لمجمع الرسل..
نقطة أخرى أن بطرس لم يكن رئيسًا للكنيسة. لأن الذي كان يرأس الكنيسة كلها بعد صلب السيد المسيح كان مجمع الرسل (مجموع الرسل مع بعض، يجتمعوا ويفحصوا الأمور مع بعض)، كما ورد في قبول الأمم في (أع 15)؛ اجتمعوا وجلسوا يناقشوا الموضوع مع بعض، وانتهوا إلى قبولهم. ولذلك خرج قرار من المجمع قال: "لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ" (أع 15: 28)، لم يقل: أنا بطرس أصدرت قرارًا بكذا.. لكن المجمع المقدس الذي هو جماعة الرسل.
3) نفرض إن بطرس كان رئيس الرسل.. هل روما ترث بطرس؟
إن بطرس الرسول أسس كنائس كثيرة.. فلماذا روما؟! لقد أسس كنيسة إنطاكية.. فهل إنطاكية تقول: أنا وريثة بطرس؟
الآباء الرسل كانوا أساقفة مسكونيين للعالم، ولم يكونوا أساقفة مكانيين لإيبارشية معينة.
بالنسبة لروما كلمة باختصار - تجدوا عنها بتفصيل واسع في كتابي "مار مرقس الرسول"، في الفصل الخاص بـ"من أسس روما: بطرس أم بولس؟".
في الرسالة إلى غلاطية 2 يقول بولس الرسول إن هو اُختير رسول للغُرلة أي للأمم، وبطرس للختان أي لليهود: "إِذْ رَأَوْا أَنِّي اؤْتُمِنْتُ عَلَى إنجيل الْغُرْلَةِ كَمَا بُطْرُسُ عَلَى إنجيل الْخِتَانِ" (غلا2: 7).. فكان بولس الرسول هو رسول الأمم وبطرس رسول اليهود.. فإذًا بطرس ما دخله بالأمم! والسيد المسيح في آيات عديدة قال لبولس: "فَإِنِّي سَأُرْسِلُكَ إِلَى الأُمَمِ بَعِيدًا" (أع22: 21)، ومرة قال لبولس: "كَمَا شَهِدْتَ بِمَا لِي فِي أُورُشَلِيمَ، هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا" (أع 23: 11)، والوحيد الذي أرسل رسالة إلى رومية هو بولس وليس بطرس.
وقال لهم في أول الرسالة في الإصحاح الأول: "إن أنا مشتاق إن أنا أتي لأمنحكم نعمة معينة"؛ التي هي تأسيس الكنيسة، "لأَنِّي مُشْتَاقٌ أَنْ أَرَاكُمْ، لِكَيْ أَمْنَحَكُمْ هِبَةً رُوحِيَّةً لِثَبَاتِكُمْ"(رو1: 11).
وعندما ذهب بولس الرسول إلى رومية وجدهم لا يعرفون أي شيء عن المسيحية كما ورد في (أع 28).
وطلبوا منه أن يكلمهم عن هذا المذهب: "وَلكِنَّنَا نَسْتَحْسِنُ أَنْ نَسْمَعَ مِنْكَ مَاذَا تَرَى، لأَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَنَا مِنْ جِهَةِ هذَا الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُقَاوَمُ فِي كُلِّ مَكَانٍ" (أع 28: 22).. فإذا كان على حسب رأي الكاثوليك أن بطرس ظل 28 سنة في رومية وبعد الـ 28 سنة كرازة، ثم ذهب بولس يفتش عليهم فوجدهم لا يعرفون شيئًا عن المسيح، وكل ما عرفوه عن هذا المذهب أنه مُضطَّهد في كل مكان؟! ثم عندما ذهب بولس جَمع رؤساء اليهود في (أع 28).
اليهود المسئول عنهم بطرس حتى يهود رومية، عندما كلَّمهم وجدهم غير فاهمين، وبعض ناس قبلوا الكلام، وآخرين لم يقبلوا، وقال لهم: "إِنَّهُ حَسَنًا كَلَّمَ الرُّوحُ الْقُدُسُ آبَاءَنَا بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ.. سَتَسْمَعُونَ سَمْعًا وَلاَ تَفْهَمُونَ، وَسَتَنْظُرُونَ نَظَرًا وَلاَ تُبْصِرُونَ.." (أع 28: 25، 26)، ثم استأجر بيت في رومية وظل يُبشر الناس لمدة سنتين.
آخر آيتين في (أع 28) خُتم بهما سفر الأعمال أقرأها لكم لكي تكون الألفاظ بالنص لاصقة في أذهانكم يقول: "وَأَقَامَ بُولُسُ سَنَتَيْنِ كَامِلَتَينِ فِي بَيْتٍ اسْتَأْجَرَهُ لِنَفْسِهِ. وَكَانَ يَقْبَلُ جَمِيعَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ إِلَيْهِ كَارِزًا بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَمُعَلِّمًا بِأَمْرِ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ، بِلاَ مَانِعٍ" (أع 28: 30، 31).
فبولس أسس كنيسة روما في هاتين السنتين.
دليل آخر قوي في نفس رسالة رومية بولس الرسول يقول: "وَلكِنْ كُنْتُ مُحْتَرِصًا أَنْ أُبَشِّرَ هكَذَا: لَيْسَ حَيْثُ سُمِّيَ الْمَسِيحُ، لِئَلاَّ أَبْنِيَ عَلَى أَسَاسٍ لآخَرَ"(رو15: 20)، أي أن بولس يقول: أنا كان عندي مبدأ من مبادئي إن أنا لا أبشر في أي مكان بُشر فيه باسم المسيح، لئلا أبني على أساس وضعه آخر.. هذا مبدأ بولس الرسول وضعه لنفسه. فيكون إذًا بولس عندما ذهب وبقى في روما، وبشر بها سنتين، لم يكن يبني على أساس وضعه آخر بل كان هو الذي يضع الأساس، فهو بالتالي الذي أسس كنيسة روما.
ولذلك أنا عندما زرت الڤاتيكان سنة 1973م وزرت الكاتدرائية الكبيرة في الڤاتيكان. قلت للكاردينال الذي يرافقني في الزيارة: "أنا عارف إن كنيسة روما أسسها بولس وليس بطرس"، فقال لي: "الاثنان مع بعض". لكن تبحثوا في الكتاب المقدس كله، لا تجدوا آية واحدة تقول: إن بطرس ذهب إلى روما.
وإذا كانت هذه الكنيسة التي ستصبح عاصمة العالم المسيحي كله على الأقل كانت تُكتب آية واحدة تقول إن بطرس ذهب إلى روما. إذا كان هناك آية تقول: إن بولس حلق شعره بعد النذر.. فحلق شعر بولس يستحق آية!! وتأسيس أكبر كنيسة في العالم على حسب رأيهم لا يُذكر عنها آية.
نقطة أخرى أقولها هي سؤال سألته لكثيرين ولم أتلق عنه إجابة حتى يومنا هذا، ولا أظن إني في المستقبل سأجد رد للسؤال. هو الآتي:
أفرض إن بطرس كان رئيس الرسل، وأفرض إن هو الذي أسس كنيسة روما. ومعروف إن بطرس الرسول استُشهد سنة 67م. ويوحنا الحبيب عاش 30 سنة بعد استشهاد بطرس.. فمن كان يحكم الكنيسة بعد استشهاد بطرس؟ يوحنا، أم أسقف روما؟!
من غير المعقول إن أسقف روما الذي هو ابن من أبناء الرسل، وحديث في الإيمان.. أن يرأس يوحنا الحبيب الذي هو أحد الأعمدة الثلاثة في الكنيسة، إذا كان بولس الرسول يقول: ذهبت للأعمدة الثلاثة في الكنيسة يعقوب وبطرس ويوحنا لكي أعرض عليهم إنجيلي، "صَعِدْتُ بِمُوجَبِ إِعْلاَنٍ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الإنجيل الَّذِي أَكْرِزُ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، وَلكِنْ بِالانْفِرَادِ عَلَى الْمُعْتَبَرِينَ" (غلا2: 2) فهل يأتي أسقف روما ويصبح رئيسًا على يوحنا؟! هذا مستحيل مستحيل، لأن الرسل هما أكبر رتب في الكنيسة، جميع الأساقفة الأُول من أولاد الرسل لكن لا يمكن أن يصبح أسقف رئيس على الرسول، على واحد من الاثني عشر، على واحد من الأعمدة الثلاثة، على حبيب المسيح، على الشخص الذي استأمنه السيد المسيح أن العذراء تظل في بيته.. وقال لها: "يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ. ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: هُوَذَا أُمُّكَ" (يو19: 26، 27). فهل أسقف روما يكون رئيسه!!
وإذا قلنا إن أكبر ثلاثة في الرسل كانوا بطرس ويعقوب ويوحنا، ويعقوب استُشهد الأول، ثم بطرس وبقى يوحنا فطبيعي هو الذي يرأس الكنيسة.. فإن كان بعد نياحة يوحنا.. مَن يرأس الكنيسة؟! أسقف أفسس، أم أسقف سميرنا، أم أسقف لاوديكية.. وهذا يُثبت إن موضوع الرئاسة ليس له وجود.
موضوع رئاسة روما؛ هي تدخُّل من السياسة في الدين، عاصمة الإمبراطورية الرومانية، فطالما أنها عاصمة الإمبراطورية الرومانية فهي التي تأخذ هذا اللقب.
الفكر الواحد ومناهج مدارس الأحد
نقطة أخرى هي الفكر الواحد في الكنيسة وبالتالي في مدارس الأحد.
نحن نؤمن بكنيسة واحدة لها إيمان واحد، وعقيدة واحدة، وفكر واحد، وتوجد آية مشهورة كنت استخدمها في حوارنا مع الطوائف الأخرى الذين كانوا يتضايقون من أننا كنا نعمد الناس القادمين من عندهم مرة جديدة، ويقولون أن الكتاب يقول: "معمودية واحدة"، فلماذا تعمدوهم مرة ثانية، قلت لهم: أنا اؤمن بالكتاب المقدس جيدًا، وأنفذ كلام الكتاب. انتبهوا جيدًا من هذه الآية يقول الكتاب في (أف 4: 5): "رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ".
فإذا وُجد الإيمان الواحد تكون هناك معمودية واحدة، وإذا لم يوجد هذا الإيمان الواحد.. فلا نطبق الآية! لذلك نحن عندما يأتي إلينا أحد من نفس الأسرة الذين هم مثلاً أقباط إثيوبيين، سريان، أرمن، هنود، لا نعمدهم.
وحاليًّا عندما بدأ الروم الأرثوذكس يدخلون معنا في الإيمان الواحد - على الرغم من أنه لم يتم الاتحاد - نقبل معموديتهم مع الذين يقبلون معموديتنا؛ أي أن كنائس الروم الأرثوذكس التي تقبل معموديتنا ولا تعيدها، نحن أيضًا نقبل معموديتها ولا نعيدها. لماذا؟ لأن لهم الإيمان الواحد بدليل يقبلوا المعمودية، فبالتالي مدارس الأحد مفروض أن يكون لها الفكر الواحد.
هذا الفكر الواحد يتغيَّر أحيانًا بدخول الذات في الموضوع، أي إن كل فرع من الفروع يريد أن يكون له منهج خاص، وفكر خاص، وتجد مدارس الأحد تتحول إلى "مدارس".. كل مدرسة لها فكرها، ولها عقائدها، ولها أسلوبها.. ربما في العموميات واحد مع بعض، ولكن في بعض التفاصيل يختلفوا.
ربما واحد يقرأ لبعض الكُتّاب فيلتزم بما يقرأه، وربما ما قرأ لا يكن فيه مفهوم الكنيسة العام.. لذلك نحن نريد في عمل اللجنة العليا لمدارس الأحد أن نوحِّد المنهج بالتفاصيل.
ونقصد بالتفاصيل.. أي أنه ربما أنا أكتب في المنهج الدرس "الروح القدس"، وكل مُدرس يدرس الروح القدس على مزاجه الخاص، فلا بد أن نكتب الدرس وعناصره، وإن وُجدّ ما يعرف بالـ Text BooK، أي كتاب منهجي يكون أفضل، يقرأ فيه الكلام، الفكر بالتفصيل ويساعده على تحضير الدرس ويصبح الكل فكر واحد.
إن الكنيسة الأولى كانت هكذا "وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ.." (أع4: 32)، وبدأت الهرطقات بتعدد مدارس التعليم...
كانت في الأول في مدرسة إسكندرية بمفردها، ثم أصبحت مدرسة إسكندرية وأنطاكية، ثم بعد ما دخل الفكر في القسطنطينية وروما، الوضع اتلخبط!! لكن وجود الفكر الواحد.
إن شاء الله نحن نبذل كل جهدنا لإيجاد هذا الفكر الواحد بحيث عندما تبدأ السنة القبطية في شهر سبتمبر، نكون وضعنا مناهج مفصلة لمدارس الأحد تساعد على هذا الأمر[2].
وأنتم تعرفون أن أسلوبنا في التعليم واضح، لا نقل كلمة إلاَّ بإثباتها من الكتاب المقدس، والكتاب المقدس لا يعارض فيه أحد. المفهوم الخاص، كل واحد له فهمه الخاص لكن إذا كان التعليم هو تعليم الكتاب فينتهي الأمر.
[1] محاضرة "الخلافات مع الكاثوليك"، لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 6 يوليو 1993م.
[2] يتكلم قداسة البابا شنوده وقت إلقاء المحاضرة في 6 يوليو1993م
الفصل الثالث مشكلة رئاسة بطرس ورئاسة روما عند الكاثوليك
كلمة تفاهم مع إخوتنا الكاثوليك
مَن هو مؤسس كنيسة روما؟ بطرس أم بولس؟[1]
1- بولس هو رسول الأمم، وبطرس رسول الختان
من الحقائق العلمية الثابتة التي يقررها جميع علماء الكتاب المقدس، وتتفق عليها جميع كنائس العالم، أن القديس بولس هو رسول الأمم، بينما القديس بطرس هو رسول الختان. والكتاب المقدس نفسه يقرر هذه الحقيقة، فيذكر سفر أعمال الرسل أن الرب قال لبولس: "اذْهَبْ، فَإِنِّي سَأُرْسِلُكَ إِلَى الأُمَمِ بَعِيدًا" (أع 22: 21).
ويقول بولس الرسول: "إِذْ رَأَوْا أَنِّي اؤْتُمِنْتُ عَلَى إنجيل الْغُرْلَةِ كَمَا بُطْرُسُ عَلَى إنجيل الْخِتَانِ، فَإِنَّ الَّذِي عَمِلَ فِي بُطْرُسَ لِرِسَالَةِ الْخِتَانِ عَمِلَ فِيَّ أَيْضًا لِلأُمَمِ" (غلا 2: 7، 8). بل إن الكتاب المقدس - بعد أن يوضح أن بولس هو رسول الأمم عامة - يخصص أنه لا بد أن يحمل اسم المسيح مبشرًا به في رومية بالذات، وهي عاصمة الأمم وقتذاك: وهكذا شهد الكتاب بأن بولس الرسول "وَقَفَ بِهِ الرَّبُّ وَقَالَ: ثِقْ يَا بُولُسُ! لأَنَّكَ كَمَا شَهِدْتَ بِمَا لِي فِي أُورُشَلِيمَ، هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا" (أع 23: 11).
وقد سجل المؤرخ الشهير أوسابيوس (من القرن الرابع) في كتابه عن تاريخ الكنيسة (ك 3: فـ1) شهادة للعلامة الكبير أوريجانوس (من القرن الثالث). قال فيها: "إن بطرس كان في كل مدينة مرّ بها يزف كلمة الإنجيل لأهل الختان".
وواضح أن رومية لم تكن قد تأسست كنيستها بعد، إلى أن جاءها بولس الرسول في ربيع سنة 60م. وأن اليهود الذين فيها كانوا بعيدين عن المسيحية، وكل ما قالوه لبولس عندما زارهم "نَسْتَحْسِنُ أَنْ نَسْمَعَ مِنْكَ مَاذَا تَرَى، لأَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَنَا مِنْ جِهَةِ هذَا الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُقَاوَمُ فِي كُلِّ مَكَانٍ" (أع 28: 22).
ولما شرح لهم بولس الرسول شاهدًا بملكوت الله ومقنعًا إياهم من ناموس موسى والأنبياء، حدث شقاق بينهم "فَانْصَرَفُوا وَهُمْ غَيْرُ مُتَّفِقِينَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ" (أع28: 25)، حتى وبخهم الرسول بقول الروح القدس عنهم لإشعياء النبي: "سَتَسْمَعُونَ سَمْعًا وَلاَ تَفْهَمُونَ، وَسَتَنْظُرُونَ نَظَرًا وَلاَ تُبْصِرُونَ. لأَنَّ قَلْبَ هذَا الشَّعْبِ قَدْ غَلُظَ، وَبِآذَانِهِمْ سَمِعُوا ثَقِيلًا، وَأَعْيُنُهُمْ أَغْمَضُوهَا"، حتى أن بولس الرسول ختم حديثه معهم بقوله: "فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَكُمْ أَنَّ خَلاَصَ اللهِ قَدْ أُرْسِلَ إِلَى الأُمَمِ، وَهُمْ سَيَسْمَعُونَ" (أع 28: 23- 28).
فهل يُعقل إذًا أن يقال إن بطرس – وهو رسول الختان – قد أسس كنيسة لروما عاصمة الأمم، دون أي سند تاريخي لذلك! بينما يرفض أن رسول الأمم – بولس - قد أسس هذه الكنيسة التي أرسله إليها المسيح خاصة ليشهد له فيها؟!
على أن البعض يزعموا بأن القديس بطرس قد أصبح رسولًا للأمم أيضًا عندما عمد كرنيليوس الروماني عام 40م! وواضح أن هذه مجرد حادثة فردية لا تعني مطلقًا أن بطرس رسول للأمم. ولم تكن هي الحادثة الأولى من نوعها، فعماد الخصي الحبشي كان حوالي سنة 37م أي قبل ذلك بثلاث سنوات. ورسالة غلاطية التي كُتبت بين عامي 56، 57م أي بعد عماد كرنيليوس بحوالي 16 سنة لم تعتبر بطرس رسولاً لأمم، بل ذكرت صراحة أنه رسول الختان، وذكرت أن بولس هو رسول الأمم.
2- بولس يؤسس كنيسة رومية.
يرجح أن بدء معرفة أهل رومية بالمسيحية كان منذ يوم الخمسين، عندما حَلَّ الروح القدس على التلاميذ وكان مِن بين الذين شاهدوا ذلك الحادث التاريخي العظيم بعض الرومانيين (أع2: 10).
ورجع هؤلاء إلى بلادهم حاملين معهم بشرى الديانة الجديدة والخلاص العجيب. ولكن الأمر لم يكن يعدو الناحية الفردية، ولم تكن الكنيسة قد تأسست هناك بعد ولا سيّم لأهلها أسقف يرعاهم.
علاقة بولس بمسيحي رومية
والثابت أن علاقة وثيقة قد توطدت بين القديس بولس الرسول وبين المؤمنين في رومية على أثر أمر الإمبراطور كلوديوس Claudius بطرد اليهود والمسيحيين من رومية فتبعثروا في المدن الواقعة على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، حيث التقى بهم القديس بولس الرسول في مجامعهم وتوطدت بينه وبينهم الصلات. فلما عاد هؤلاء المنفيون إلى رومية مرة أخرى كانوا مزودين بالقوة الروحية التي اكتسبوها من القديس بولس الرسول.
رسالته إلى رومية
ومما يؤيد هذا الرأي ويثبت أن بولس الرسول كان على اتصال بكثيرين من مسيحيي رومية أنه في رسالته التي حملتها إليهم "فيبي" حوالي سنة 57م، أي قبل ذهابه إليهم بحوالي ثلاث سنوات، سلم على كثيرين منهم "سَلِّمُوا عَلَى بِرِيسْكِلاَّ وَأَكِيلاَ الْعَامِلَيْنِ مَعِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، اللَّذَيْنِ وَضَعَا عُنُقَيْهِمَا مِنْ أَجْلِ حَيَاتِي... وَعَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِهِمَا. سَلِّمُوا عَلَى أَبَيْنِتُوسَ حَبِيبِي. سَلِّمُوا عَلَى مَرْيَمَ الَّتِي تَعِبَتْ لأَجْلِنَا كَثِيرًا. سَلِّمُوا عَلَى أَنْدَرُونِكُوسَ وَيُونِيَاسَ نَسِيبَيَّ، الْمَأْسُورَيْنِ مَعِي. سَلِّمُوا عَلَى أَمْبِلِيَاسَ حَبِيبِي فِي الرَّبِّ. سَلِّمُوا عَلَى أُورْبَانُوسَ الْعَامِلِ مَعَنَا.." وذكر بعد ذلك عددًا ضخمًا من الأسماء التي يعرفها في رومية التي بينه وبينها علاقة خاصة وشركة في عمل الرب (رو 16: 3-16). ونحن نستشف من عباراته الصلات الوثيقة بينه وبين رجال ونساء جاهد في سبيل استمالتهم إلى دعوته، فصاروا له أعوانًا وأصدقاء. وأرسل إليهم تلك الرسالة لكي يُظهر لهم ما يكنه فؤاده من عطف وحب.
وعملت هذه الرسالة الرائعة على ازدياد الروابط الروحية بين كنيسة رومية وبولس الرسول. وغدا أهلها يترقبون بفارغ صبر مجيئه إليهم. على أن مجيئه تأخر بعض الوقت بسبب الأهوال التي لاقاها الرسول في أورشليم وفي قيصرية، حيث ظل محبوسًا حوالي سنتين. ولم يستطع الوصول إليهم إلا في ربيع سنة 60م بعد رحلة بحرية شاقة.
ولما وصل الرسول إلى رومية. "أُذِنَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ وَحْدَهُ مَعَ الْعَسْكَرِيِّ الَّذِي كَانَ يَحْرُسُهُ" (أع28: 16). ويقول سفر أعمال الرسل عن بولس في رومية أنه "وَأَقَامَ بُولُسُ سَنَتَيْنِ كَامِلَتَينِ فِي بَيْتٍ اسْتَأْجَرَهُ لِنَفْسِهِ. وَكَانَ يَقْبَلُ جَمِيعَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ إِلَيْهِ، كَارِزًا بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَمُعَلِّمًا بِأَمْرِ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ، بِلاَ مَانِعٍ" (أع 28: 30، 31).
استطاع في هاتين السنتين أن يؤسس كنيسة قوية في روما.. إلى أن مَثُلَ أمام المحكمة ليحاكَم من أجل التهمة التي حضر بسببها إلى رومية. وتكاد تؤكد جميع الأدلة التاريخية أن الرسول قد بُرئَ في تلك المحاكمة، وأُطلقَ سراحه. فاستمر يخدم سنوات أخرى في حرية، في رومية وغيرها، حتى قُبضَ عليه ثانية وأمر نيرون بإعدامه.
ومن رومية أرسل بولس الرسول عدة رسائل... كتب إلى أهل أفسس على يد تِيخِيكُسُ (أف 6). وكتب إلى أهل فيلبي على يد أبفرودتس (في4) وكتب إلى كولوسي بيد تيخيكس وأنسيمس (كو4). وكتب إلى فيلمون على يد أنسيمس..
لا يبني على أساس وضعه آخر
إن تبشير بولس الرسول في رومية، واستئجاره بيتًا هناك يكرز فيه بالملكوت، ويقبل كل الذين يدخلون إليه، معلمًا بكل مجاهرة بلا مانع، لدليل أكيد على أن بطرس لم يكن قد ذهب إلى رومية بعد، خاصةً وأن بولس الرسول يقول صراحةً إنه في كل خدمته في الأمم وتبشيره بإنجيل المسيح: "كُنْتُ مُحْتَرِصًا أَنْ أُبَشِّرَ هكَذَا: لَيْسَ حَيْثُ سُمِّيَ الْمَسِيحُ، لِئَلاَّ أَبْنِيَ عَلَى أَسَاسٍ لآخَرَ" (رو 15: 20). فلو كان بطرس قد وضع أساس كنيسة روما، ما كان بولس قد بنى عليه. من غير المعقول أن يكسر مبدأه الكرازي في روما، ويعتدي على اختصاصات بطرس لو كانت حقًا إيبارشية بطرس!! فإن ثبت بذلك أن بطرس لم يكن قد ذهب إلى روما حتى سنة 62م حيث كان بولس يبشر فيها، فمتى ذهب بطرس إذًا إلى روما؟!
3- متى ذهب بطرس إلى روما؟
لا توجد في الكتاب المقدس آية واحدة صريحة تثبت ذهاب بطرس إلى روما أو تبشيره فيها. ولكننا نعرف من التقليد أن بطرس الرسول استشهد في روما في عهد نيرون الظالم.
والثابت عن القديس بطرس أنه قضى كل بشارته في مدن الشرق.
وتختلف أقوال المؤرخين في سبب ذهابه إلى روما. فغالبية المؤرخين يذكرون أن أعوان نيرون قبضوا عليه باعتباره من قادة المسيحيين ونُقل إلى روما لمحاكمته. ويرى العلامة أوريجانوس أن القديس بطرس ذهب إلى روما في آخر حياته لمقاومة سيمون الساحر.
وأيًا كان سبب ذهابه إلى روما: سواء كان ذلك لمحاكمته، أو لمطاردة سيمون أو كليهما، فأن ذهابه إلى روما لم يكن على أية الحالات بسبب تبشيرها أو تأسيس كنيستها، كما أن ذلك كان في أواخر حياته، حوالي سنة 65م كما يقرر كثير من العلماء.
لذلك نتلقى بمزيد من الدهشة والعجب ما يقوله البعض من أن بطرس الرسول استقر في روما 25 سنة (من سنة 42م إلى سنة 67م)، كل ذلك دون أي سند من الكتاب المقدس أو التاريخ!! مع ملاشاة عمل بولس الرسول الذي يثبته في وضوح سفر أعمال الرسل ورسالته إلى رومية.
ومما يُثبت خطأ هذا الرأي ما يأتي
1- يُجمع المؤرخون أن بطرس كان سجينًا في أورشليم سنة 44م. فكيف كان في رومية في ذلك الوقت؟
2- ثابتٌ من التقليد أن الرسل قضوا 12 سنة في أورشليم. وتفرقوا منها عام 45م.
3- من المعروف أن كلوديوس قيصر نفى جميع اليهود والمسيحيين من رومية سنة 45م، ويعترف بذلك المونسنيور يوسف العالم في كتابه "تيسير الوسائل في تفسير الوسائل".
كل هذا دعا السيد مكسيموس بطريرك الروم الكاثوليك إلى زحزحة بدء سَفر بطرس إلى روما إلى عام 49م بدلًا من عام 42م ليتفادى كل تلك الأخطاء.
على أن الواقع ينافي هذا أيضًا
4- كتب بولس الرسول رسالته إلى رومية بين عامي 57، 58. وترجى فيها القديس أن يذهب إليهم لتتاح له فرصة تبشيرهم بالإنجيل أسوة بغيرهم من الأمم ومنحهم هبة روحية لثباتهم (رو1: 10- 15) وهذا دليل على أن بطرس الرسول لم يكن قد وصل إلى رومية حتى عام 58م.
5- عندما ذهب بولس الرسول إلى مدينة رومية وبشر فيها مدة سنتين في بيت استأجره، لم يذكر الكتاب المقدس والتاريخ أن بطرس استقبل بولس هناك، أو أن بولس قابل بطرس.
6- عندما كتب القديس بولس وهو في رومية رسالته إلى أهل كولوسي عام 63م، وذكر في ختامها أسماء الذين عاونوه في تأسيس الكنيسة، وسلام الأحباء الذين معه، لم يذكر اسم بطرس الرسول، مما يدل على أنه لم يكن موجودًا في رومية حتى ذلك التاريخ.
7- عندما ذهب بولس إلى رومية وجد أن أهلها يجهلون المسيحية، حتى أن رؤساء اليهود ما كانوا يعرفون عن هذا الدين الجديد سوى أنه يُقاوم في كل مكان (أع 28: 22). وهذا يدل على أن القديس بطرس لم يسبق له تبشير فيها وإلا كان اليهود الذين فيها قد سمعوا عن هذا المذهب الجديد!
8- لا يمكن للعقل أن يصدق أن القديس لوقا كاتب سفر الأعمال الذي لم يغفل تسجيل حلاقة رأس بولس في كنخريا (أع 18: 18)، أن يغفل ذهاب بطرس إلى روما، وقضاءه 25 سنة هناك، وتأسيسه كنيسة عاصمة للإمبراطورية، ومقابلته لبطرس الرسول، لو كان شيء من ذلك قد حدث فعلًا.
من كل هذا يثبت أن القديس بولس قد أسَّس كنيسة في رومية، وأن القديس بطرس لم يذهب إليها إلا بعد عام 63م.
وهذا ما يقرره العلامة لاكتانتيوس (من القرن الرابع) في كتابه "الاضطهادات"، من أن بطرس الرسول قد سافر إلى رومية في حكم نيرون، وكان حكم نيرون بين عامي 63- 68م، أي أن بطرس ذهب إلى رومية بعد ذهاب القديس بولس إليها وتأسيسه لكنيستها.
4- بطرس رسول مسكوني وليس أسقفًا لمدينة
إن الذين يدعون أن بطرس الرسول كان مجرد أسقف لمدينة روما، إنما يقللون من قدره كرسول عظيم، له عمل مسكوني أسس به كثيرًا من الكنائس. وافتقد شعوبًا عديدة: "من شتات بنتس وغلاطية وكبادوكية وآسيا وبثينية".. كما كان رسولاً للختان بصفة عامة.
إن الرسل لم يكونوا أساقفة مدن بل كانوا يؤسسون الكنائس، ويسيمون لها أساقفة يعتنون بشئونها، أما هم فيتفرغون للرحلات التبشرية في مدن جديدة، مع الإشراف العام على الكنائس المختلفة، محتفظين بوضعهم المسكوني.
وهذا ما يسجله التاريخ. فبولس الرسول سام أساقفة على المدن التي بشر فيها. وفي رومية بالذات سام لها القديس لينوس الذي صار أول أساقفتها. ولينوس هذا كان تلميذ بولس، ذكره في رسالته الثانية إلى تيموثاوس (4: 21).
ومرقس الرسول كاروز الديار المصرية سام القديس إنيانوس أسقفًا للإسكندرية وتابع رحلاته التبشيرية ثم عاد إليه.
فإن كان بطرس الرسول قد أسس كنائس عديدة، حتى لو فرض وكانت روما من بينها، منكرين الكتاب المقدس والتاريخ، فعلى أي أساس تطالب مدينة معينة بخلافة بطرس دون سائر الكنائس الأخرى التي أسسها؟! ولماذا بالحري لا تطالب مدينة أورشليم التي عاش فيها المخلص نفسه، وتأسست فيها أول كنيسة مسيحية بحضور الرسل الاثني عشر جميعًا، لماذا لا تطالب أورشليم بالرئاسة والسلطان. إن إقحام الرسل في مسائل الرئاسات هذه وتنازع السلطة، هو إهانة عظيمة لأسلوبهم الروحي وهو نسيان لقول السيد المسيح لهم: "أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا" (مت 20: 25 -27).
[1] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ سبتمبر 1966م. كما نُشر مقال بعنوان: "القديس بولس وليس القديس بطرس هو الذي أسس كنيسة روما"، في مارس1996م، ولعدم التكرار نكتفي هذا المقال.
مشكلة رئاسة بطرس ورئاسة روما عند الكاثوليك
مشكلة رئاسة بطرس ورئاسة روما عند الكاثوليك[1]
نضع أمامنا في هذا الموضوع عدة أسئلة منها:
1– هل الرئاسة العامة للكنيسة كانت من تعليم السيد المسيح؟
2– هل الآباء الرسل كانوا أساقفة مسكونيين أم مكانيين؟
3– طبيعة بطرس الرسول وتصرفاته.
4– ما هي دعاوي الكاثوليك والرد عليها؟
5– كلمة الصخرة، وسلطان الحِل والربط.
6– هل القديس بطرس هو مؤسِّس كنيسة روما؟
7– هل هناك مبدأ توارث الرئاسات؟
8– ماذا بعد استشهاد القديس بطرس؟
9– تدخُّل العامل السياسي في هذا الموضوع؟
تعاليم السيد المسيح
السيد المسيح انتهر الرسل على تفكيرهم في موضوع الرئاسة.
لو كان السيد المسيح يريد أن يعين خليفة له يرأس الكنيسة، لكان قد ذكر هذا الأمر صراحة، حتى لا ترتبك الكنيسة بخصوصه. ولكن الذي حدث هو العكس. فإن الرسل الاثني عشر لما حوربوا بموضوع الرئاسة انتهرهم الرب، قائلًا لهم: "أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا. كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت20: 25- 28). وتكرر هذا الأمر في (لو22: 24- 26).
وهكذا دعاهم إلى الاقتداء به في حياة الخدمة والبذل، وعدم الاقتداء بأهل العالم في محبة الرئاسة والسيطرة.
ولما سألته أم ابني زبدي أن يجلس اِبناها على يمينه ويساره في ملكوته، التفت إليها وقال: "لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟ قَالاَ لَهُ: نَسْتَطِيعُ.. فَقَالَ لَهُمَا: أَمَّا كَأْسِي فَتَشْرَبَانِهَا، وَبِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ. وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِيني وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَبِي" (مت20: 20- 23).
وهكذا فإن الرب نقل ذهنهما من التفكير في العظمة والرئاسة إلى مجال الألم والاحتمال من أجله.
والعجيب أنه على الرغم من هذا يقول الكتاب: "فَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ اغْتَاظُوا مِنْ أَجْلِ الأَخَوَيْنِ" (مت20: 24). ذلك لأن فكرة العظمة والرئاسة كان يحاربهم. كما روى القديس لوقا: "وَدَاخَلَهُمْ فِكْرٌ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ فِيهِمْ؟" (لو9: 46) فأخذ السيد المسيح طفلاً وأقامه. وقال لهم: "لأَنَّ الأَصْغَرَ فِيكُمْ جَمِيعًا هُوَ يَكُونُ عَظِيمًا" (لو9: 47، 48).
وقيل في إنجيل معلمنا مرقس الرسول: "سَأَلَهُمْ: بِمَاذَا كُنْتُمْ تَتَكَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فِي الطَّرِيقِ؟ فَسَكَتُوا، لأَنَّهُمْ تَحَاجُّوا فِي الطَّرِيقِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي مَنْ هُوَ أَعْظَمُ. فَجَلَسَ وَنَادَى الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ" (مر9: 33).
وهكذا دعاهم إلى حياة الاتضاع، وليس إلى محبة الرئاسة.
الرئاسة في الكنيسة الأولى
في عصر الرسل كانت الرئاسة لمجمع الآباء الرسل.
وهذا هو الذي حدث في موضوع قبول الأمم. فقد عقد مجمع الآباء الرسل للنظر في هذا الموضوع، كما ورد في (أع15). وبعد مناقشة الموضوع وإبداء الآراء أصدر الآباء الرسل قرارًا قالوا فيه للأمم: "لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ، أَنْ لاَ نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلًا أَكْثَرَ، غَيْرَ هذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ: أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبحَ لِلأَصْنَامِ، وَعَنِ الدَّمِ، وَالْمَخْنُوقِ، وَالزِّنَا.." (أع 15: 28). ولما أرسلا إليهم برنابا وبولس لتوصيل قرارات مجمع الرسل، قالوا: "رَأَيْنَا وَقَدْ صِرْنَا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ أَنْ نَخْتَارَ رَجُلَيْنِ وَنُرْسِلَهُمَا إِلَيْكُمْ.." (أع 15: 25).
القديس بطرس كان واحد من الرسل، ولم يكن رئيسهم.
بل أن بطرس الرسول كان ينتدبه الآباء الرسل، فينفِّذ.
وهذا ما رأيناه في قصة إيمان السامرة. إذ يقول سفر أعمال الرسل في ذلك: "وَلَمَّا سَمِعَ الرُّسُلُ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ أَنَّ السَّامِرَةَ قَدْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ اللهِ، أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، اللَّذَيْنِ لَمَّا نَزَلاَ صَلَّيَا لأَجْلِهِمْ لِكَيْ يَقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ" (أع 8: 14، 15).
إذًا القديس بطرس هنا، لم يرسل غيره في مهمة رعوية، إنما أرسله غيره..
كذلك كان الرسل أساقفة مسكونيين، وليسوا أساقفة مكانيين. ما عدا يعقوب الرسول الذي كان أسقفًا لأورشليم حيث الكنيسة الأم. أما باقي الرسل – كما في حياة بطرس ويوحنا وبولس وغيرهم – فقد خدموا في بلاد متعددة وليس في مدينة واحدة، مثل روما أو غيرها..!
وخلفاء الرسل كانوا مسئولين عن مدن أو مناطق محدودة: كل منهم في منطقة رعايته. ولم يكن هناك أحد خليفة للسيد المسيح في الكنيسة الجامعة كلها.. كما نقرأ في الرسائل التي أرسلها الرب للكنائس السبع التي في آسيا: هناك راعٍ لأفسس، وآخر لسميرنا، وثالث إلى برغامس، ورابع إلى ثياتيرا.. وهكذا.
ونلاحظ في رسالة بطرس الرسول إلى يهود الشتات أنه قال لهم: "أَطْلُبُ إِلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ، أَنَا الشَّيْخَ رَفِيقَهُمْ، وَالشَّاهِدَ لآلاَمِ الْمَسِيحِ"(1بط 5: 1).
إذًا هو شريك في الخدمة وليس رئيسًا.
فإن كان مع هؤلاء الشيوخ يقول لهم إنه رفيقهم، فهل من المعقول أنه كان يعامل باقي الاثني عشر كرئيسٍ لهم؟! بنفس الأسلوب تكلَّم القديس يوحنا الرسول في سفر الرؤيا فقال: "أَنَا يُوحَنَّا أَخُوكُمْ وَشَرِيكُكُمْ فِي الضِّيقَةِ وَفِي مَلَكُوتِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَصَبْرِهِ.." (رؤ1: 9).
طبيعة بطرس المندفعة
من ضمن براهين الكاثوليك، قولهم: إن بطرس كان يتكلم أولاً. في الواقع أن القديس بطرس كان يتكلم أولاً في بعض الأحيان، لا بصفته رئيسًا. لأنه لا يستطيع أن يتولى رئاسةً في وجود السيد المسيح. إنما كان في طبعه مندفعًا: يخطئ أحيانًا في اندفاعه، وأحيانًا يصيب!
وأحيانًا كان السيد يوبخه على هذا الاندفاع. وسنضرب لذلك أمثلة..
1 – أثناء غسل السيد الرب لأرجل تلاميذه
كلهم قبلوا الأمر في هدوء، ما عدا بطرس فقد اندفع مرتين: المرة الأولى في رفضه. إذا قال للرب: "لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!" فكانت النتيجة أنه سمع توبيخ السيد له بقوله: "إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ". فلما سمع هذه الإجابة اندفع مرة أخرى وقال: "يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي". فقال له الرب: "الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ..." (يو13: 8- 10).
2– أثناء معجزة التجلّي
كانوا ثلاثة "بطرس ويعقوب ويوحنا". وبطرس هو الوحيد الذي تكلم. فلما انبهر بمنظر التجلي جعل يقول للسيد: "جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً، وَلِمُوسَى وَاحِدَةً، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ" (مر9: 5، 6). فهذا الذي لم يكن يعلم ما يتكلم به، هل نعتبر هذا منه دليل رئاسة، أم دليل اندفاع؟!
3– في الإنكار وقت المحاكمة
قال الرب لتلاميذه: "كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ الخِرَافُ..". فإذا ببطرس يندفع ويقول: "وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ" فاستحق أن يقول له الرب: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ، تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ". وعلى الرغم من هذا التصريح الإلهي، اندفع مرة أخرى "فَقَالَ بِأَكْثَرِ تَشْدِيدٍ: وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!" (مر14: 27- 31).
وبعد أن قال له الرب: "هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ! وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ.."، نراه يجيب "يَا رَبُّ، إِنِّي مُسْتَعِدٌّ أَنْ أَمْضِيَ مَعَكَ حَتَّى إِلَى السِّجْنِ وَإِلَى الْمَوْتِ!" (لو22 :31- 33). نلاحظ أن الرب قال له: "لكي لا يفنى إيمانك" ولم يقل: "لكي لا يضعف أو يقل إيمانك".
4– عند القبض على السيد
نرى بطرس هو الذي اندفع، واستل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه. فوبخه الرب قائلاً: "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!" (مت26: 52). ووبخه أيضًا قائلاً: "الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟" (يو18: 10، 11). ولمس الرب أذن العبد وأبرأها (لو22: 51).
5– في كلام الرب عن صلبه
حينما أظهر الرب لتلاميذه: "أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ". وطبعًا هذا الأمر جوهري من أجل عقيدة الخلاص والفداء.. ولكن يقول الإنجيل: "فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلًا: حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!".. كأنه باندفاعه في الكلام يمنعه عن عمل الفداء!!
وهنا التفت الرب وقال لبطرس: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ" (مت16: 21- 23). إنه أكبر توبيخ ناله واحد من رسل المسيح...
هل نفهم إذًا من اندفاع بطرس، ومن توبيخ الرب له مرارًا، أن الرَّب قد عينه رئيسًا للكنيسة الجامعة وخليفة للسيد المسيح على الأرض؟!
من أدلة الكاثوليك أيضًا[2]...
1- بطرس ذُكر أولاً
يقول الكاثوليك إن بطرس ذُكر أولًا في مناسبات متعددة. ففي دعوة الاثني عشر، قيل: "اَلأَوَّلُ سِمْعَانُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ، وَأَنْدَرَاوُسُ أَخُوهُ" (مت10: 2).. وهذا طبعًا من الناحية التاريخية، وليس من جهة الرئاسة. تؤيد ذلك العبارة "وأندراوس أخوه". وهذا لا يعني طبعًا أن أندراوس كان الثاني في ترتيب أهمية الرسل!
يقولون: "وَجَعَلَ لِسِمْعَانَ اسْمَ بُطْرُسَ" (مر3: 16). نقول إنه ذُكر بعدها "وَيَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَا يَعْقُوبَ، وَجَعَلَ لَهُمَا اسْمَ بُوَانَرْجِسَ أَيِ ابْنَيِ الرَّعْدِ" (مر3: 17). فمنح لقب أو اسم جديد لم يكن مقصورًا على سمعان بطرس. وإنما كان لا بد من تمييزه أيضًا عن سمعان القانوي، الذي هو من الاثني عشر أيضًا (مر3: 18). وكذلك يلاحظ أنه قيل "وَلَبَّاوُسُ الْمُلَقَّبُ تَدَّاوُسَ" (مت 10: 3). فكان له اسمان مثل سمعان بطرس. ومرقس الرسول كان له أيضًا اسم آخر هو يوحنا (أع 12: 12).
نلاحظ أن عبارة "يَعْقُوبُ بْنُ زَبْدِي، وَيُوحَنَّا أَخُوهُ" (مت10: 2) (مر3: 17). إنما ذُكرت هكذا، لأن يعقوب كان أكبر سنًا من يوحنا أخيه وليس معنى هذا أنه كان أكثر أهمية منه في الرسولية بسبب أن اسمه ذُكر أولًا. بل المعروف أن يوحنا كان أكثر أهمية. وهو الذي كلمه السيد المسيح وهو على الصليب، وعهد إليه بالسيدة العذراء. ومن تلك الساعة أخذها إلى خاصته (يو 19: 26، 27). وهو الوحيد بين الاثني عشر الذي أخذ لقب "التِّلْمِيذِ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ" (يو 20: 2). فنلاحظ أنه في بعض الأحيان لم يذكر بطرس أولاً، كما ورد في (غلا2: 9). حينما قال القديس بولس الرسول: "فَإِذْ عَلِمَ بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي يَعْقُوبُ وَصَفَا وَيُوحَنَّا، الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ أَعْمِدَةٌ". وهنا ذكر اسم يعقوب قبل صفا الذي هو بطرس.
وعبارة "ذُكر أولاً ليست دليل".
بدليل أنه قيل في وضع اليد على القديس بولس (شاول الطرسوسي) وزميله برنابا، أن الروح القدس قال للأنبياء الذين في أنطاكية: "أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ"، "فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا..." (أع13: 2، 3). فذكر اسم برنابا قَبل شاول (أي بولس)، لا يعني أنه كان أعظم منه في الرسولية.
لما أراد البعض أن يعرقلوا خدمة القديس بولس الرسول، ويتهمونه بأنه ليس رسولًا بل تلميذًا للرسل.. قال مقارنًا نفسه بباقي الرسل: "وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 10). بل إنه قيل أكثر من هذا: "أَهُمْ عِبْرَانِيُّونَ؟ فَأَنَا أَيْضًا.. أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيحِ؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ، فَأَنَا أَفْضَلُ: فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً... عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ" (2كو11: 22- 28).
إذًا ذكر القديس بطرس الرسول أولاً في بعض الأوقات ليس دليلاً على رئاسة أو أهمية أكثر. كما أنه في بعض المناسبات، كان بطرس يتكلم أولاً، بسبب طبيعته المندفعة، كما ذكرنا من قبل. وأحيانًا بسبب شيخوخته.
مرقس ابني
يعتمد الإخوة الكاثوليك أحيانًا على قول القديس بطرس الرسول: "تُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الَّتِي فِي بَابِلَ الْمُخْتَارَةُ مَعَكُمْ، وَمَرْقُسُ ابْنِي" (1بط 5: 13). والسبب في هذا الفارق الكبير في السن بين القديس بطرس، والقديس مرقس. وفد خدم القديس مار مرقس مع القديس بولس، كما مع القديس بطرس. وعبارة "مرقس ابني" لا تعني رئاسة عامة منه على الكنيسة الجامعة. وكلمة "ابني" استخدمها بولس الرسول بالنسبة إلى تلميذه تيموثاوس أسقف أفسس (1تي1: 2، 18) (2تي1: 2). واستخدم عبارة "ابني" بالنسبة إلى تيطس أيضًا أسقف كريت (تي1: 4).. ولم يدّعِ القديس بولس رئاسة عامة على الكنيسة، لأنه كان له أبناء وتلاميذ.
بولس يوبِّخ بطرس بشدة
وبَّخه بشدة ومجاهرة، لأنه كان ملومًا...
ولم يستطع القديس بطرس الرسول، أن يرد على القديس بولس! قال القديس بولس في ذلك: "وَلكِنْ لَمَّا أَتَى بُطْرُسُ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا. لأَنَّهُ قَبْلَمَا أَتَى قَوْمٌ مِنْ عِنْدِ يَعْقُوبَ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ الأُمَمِ، وَلكِنْ لَمَّا أَتَوْا كَانَ يُؤَخِّرُ وَيُفْرِزُ نَفْسَهُ، خَائِفًا مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْخِتَانِ. لكِنْ لَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُمْ لاَ يَسْلُكُونَ بِاسْتِقَامَةٍ حَسَبَ حَقِّ الإِنْجِيلِ، قُلْتُ لِبُطْرُسَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ: إِنْ كُنْتَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا لاَ يَهُودِيًّا، فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا؟!" (غلا2: 11-14). موقف فيه بولس الرسول يقاوم بطرس مواجهة، وأمام الجميع، ويوبِّخه، ويصفه بأنه يسلك مسلكًا ريائيًا، وأنه يعيش أمميًا!! أكان ممكنًا أن يكلمه هكذا، لو كان بطرس الرسول رئيسًا للكنيسة الجامعة، وهو وحده خليفة المسيح على الأرض؟!
في الظهورات
يعتمد الكاثوليك على هذه النقطة في قول القديس بولس الرسول عن السيد المسيح: "وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ.. وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ.. وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا" (1كو15: 4-8).
ولكن هذا الظهور كان سببه تشجيع بطرس الذي أنكر المسيح من قبل ثلاث مرات، كما سبق أن ذكرنا. ولهذا السبب قال الملاك للنسوة: "لكِنِ اذْهَبْنَ وَقُلْنَ لِتَلاَمِيذِهِ وَلِبُطْرُسَ: إِنَّهُ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ كَمَا قَالَ لَكُمْ" (مر16: 7). عبارة "لبطرس" هنا، سببها أن بطرس كان محتاجًا أن يطمئن على علاقة السيد المسيح به بعد إنكاره له. ونلاحظ هنا خبر القيامة وصل للنسوة قبل بطرس والتلاميذ. نلاحظ أن الإنجيل قال أيضًا في قيامة السيد المسيح: "وَبَعْدَمَا قَامَ بَاكِرًا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ ظَهَرَ أَوَّلاً لِمَرْيَمَ الْمَجْدَلِيَّةِ، الَّتِي كَانَ قَدْ أَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعَةَ شَيَاطِينَ" (مر16: 9). فهل عبارة (أولاً) بالنسبة إلى المجدلية تعطيها سلطانًا في الكنيسة؟!
قوانين مزوَّرة
للأسف حاول بعض الكاثوليك أن يستخدموا قوانين كنسية مزورة لإثبات رئاسة بطرس!!
منها ما ورد في الباب الرابع في المجمع الصفوي لابن العسال. وهذا الباب كله من السقطات التي وقع فيها ابن العسال، وقد أُخذت عليه. لأنه من المعروف أن مجمع نيقية المسكوني المقدس لم يصدر سوى عشرين قانونًا. وهناك 81 قانونًا مزورة منسوبة إلى المجمع العظيم، منها ما يعتمد عليه بعض الكاثوليك في إثبات رئاسة بطرس (مثل القانون 37 منها!!).
فهو يقول: "المجمع المقدس في (نيقية 37) أمروا أن تكون البطاركة في جميع الدنيا أربعة لا غير. مثل كتبة الإنجيل، والأنهار الفردوسية الأربعة، والرياح، وعناصر العالم. ويكون الرئيس فيهم والمقدم صاحب كرسي بطرس برومية على ما أمرت به الرسل. وبعده صاحب كرسي الإسكندرية العظمى، وهو كرسي مرقس. والثالث صاحب كرسي أفسس وهو كرسي يوحنا الثيئولوغي. والرابع صاحب كرسي أنطاكية، وهو كرسي بطرس أيضًا. وتفرق جميع الأساقفة من تحت أيدي هؤلاء".
وواضح أنه يستند إلى أحد القوانين المزوَّرة.. وطبعًا مستحيل أن يكون بطاركة الدنيا أربعة!! ولا دخل للرياح والأنهار والعناصر في تدبير أمور الكنيسة! ولم يحدث أن أمر الرسل بمثل هذا. وقوانين الرسل أمامنا، وليس فيها شيء من هذا القبيل.. كما أن رومية لم تكن كرسي القديس بطرس الرسول كما سنشرح.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 12 يناير 1996م.
[2] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 16 فبراير 1996م.
مشكلة رئاسة بطرس "المفاتيح والصخرة"
مشكلة رئاسة بطرس "المفاتيح والصخرة"[1]
(مت 16)
تحدثنا سابقًا عن طبع الاندفاع في القديس بطرس الرسول. وكيف أن السيد الرب كان يوبخه على أخطائه في ذلك. على أنه أحيانًا كان عميق الغيرة وصادق الحكم في اندفاعه. مثلما ورد في (مت 16: 16). فطوَّبه السيد المسيح تطويبًا يعتمد عليه الكاثوليك كثيرًا في إثبات رئاسة بطرس. وسوف نحلل هذا النص بالتفصيل.
سأل السيد المسيح تلاميذه "ماذا يقول الناس إني أنا ابن الإنسان" فذكروا آراء الناس. ثم سألهم "وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟" فاندفع بطرس – كعادته – وقال: "أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!". فطوبه السيد المسيح بقوله:
- "أنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا"..
- "وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ".
ونريد هنا أن نناقش هذين الأمرين معًا.
المفاتيح والصخرة
المقصود بمفاتيح ملكوت السموات، سُلطة الحل والربط.
أي فتح أو غلق الملكوت، بالحل أو الربط... وهكذا نرى بعض الصور أو الأيقونات التي يرسمها الفنانون الكاثوليك، يصورون القديس بطرس الرسول وفي يده مفتاحان (ربما يقصدون بهما مفتاح للسماء والآخر للأرض). والواقع أنه مفتاح واحد هو السلطة الكهنوتية، به يفتح ويغلق. والحال واحد، وهو في الأرض والسماء في نفس الوقت. ولكن على هذا الأمر تعليق هام وهو:
إن نفس السلطة - أي نفس المفاتيح - أعطيت لجميع الرسل على السواء.
1- منحها لهم جميعًا قبل الصليب، إذ قال لهم وبنفس الأسلوب: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ" (مت 18: 18).
2- ونفس السلطان منحه لهم بعد القيامة، حينما دخل عليهم في العلية. إذ قال لهم: "كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا" وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ (في وجوههم). وَقَالَ لَهُمُ: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو21:20-23)
- ونفس السلطان مارسه الرسل جميعًا. حتى بولس الرسول نفسه - الذي لم يكن من الاثني عشر- مارس هذا السلطان في حكمه على خاطئ كورنثوس (1كو5:5). إذ عاقبه عقوبة شديدة. ثم عاد فعفا عنه: ".. لِئَلاَّ يُبْتَلَعَ مِثْلُ هذَا مِنَ الْحُزْنِ الْمُفْرِطِ" (2كو7،6:2).
-ولم يقل السيد المسيح في (مت 19:16) إنه يعطي لبطرس وحده هذه المفاتيح. بل أعطاه ذلك السلطان في ذلك الوقت، بتلك المناسبة. ومنح نفس السلطان للجميع. لأن ذلك لازم لتدبير أمور الكنيسة بصفة عامة.
أشد توبيخ لبطرس
نلاحظ أنه في نفس الفصل (مت 16) الذي حدث فيه أن الرب طوّب بطرس، عاد فوبخه على اندفاعه بأشد أسلوب سمعه واحد من تلاميذه.
ذلك أنه بدأ يشرح للتلاميذ كيف سيتألم ويُقتل، وفي اليوم الثالث يقوم. أي يشرح لهم ما يلزم لعمل الفداء.. ولكن بطرس لم يفهم ذلك. وباندفاعه المعتاد بدأ ينتهر الرب قائلاً: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا" (مت 22،21:16).
وقد عجبت كثيرًا من قول الكتاب عن بطرس "ابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ"!! ولم يكتفِ بالانتهار، بل دلّ على جهله بموضوع الخلاص والفداء في قوله: "حاشاك يا رب. لا يكن لك هذا". وكأنه يمنعه – بجهل عن فداء البشر لذلك استحق أن يقول له الرب: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ" (مت23:16).
"اذهب عني يا شيطان".. عبارة توبيخ لم يحدث أن سمعها أي تلميذ من تلاميذ الرب، مهما كانت أخطاؤه.. هل من المعقول أن يبني الرب كنيسته على مَن سمع هذه العبارة منه. وبنفس المنطق من قال عنه: إنه لا يهتم بما لله.
نصيحتي لإخوتى الكاثوليك - إن أرادوا أن ينسبوا رئاسة لبطرس - أن يبتعدوا تمامًا عن (مت16). فهذا الفصل من الإنجيل لن يثبت ما يريدون، بل يُخجل قضيتهم...
الصخرة
المقصود بالصخرة الإيمان الذي اعترف به بطرس، وليس بطرس كشخص.
الإيمان بأن يسوع الناصري هو المسيح ابن الله الحي.
هذا هو الإيمان الذي تُبنى عليه الكنيسة، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. ولا يمكن أن تُبنى الكنيسة على شخص له ضعفاته الكثيرة. وقال له الرب مرة: "اذهب عني يا شيطان. أنت معثرة ٌلي..". إنسان وصل به الضعف أنه أنكر المسيح ثلاث مرات أمام جارية... وغير ذلك من أحداث اندفاعاته الخاطئة، على الرغم من جرأته وغيرته ومحبته للرب.
كما أن عبارة الصخرة وردت في الكتاب بمعانٍ كثيرة..
-منها ما قيل عن الشعب في العهد القديم "كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ" (1كو4:10).
-وكثيرًا ما ورد في الكتاب أن الله هو الصخرة. كما ورد في (مز18: 31) "لأَنَّهُ مَنْ هُوَ إِلهٌ غَيْرُ الرَّبِّ؟ وَمَنْ هُوَ صَخْرَةٌ سِوَى إِلهِنَا؟". فهل نقول بعد هذا التصريح أن الصخرة التي تبنى عليها الكنيسة هي بطرس؟! بل يقول الرب عن شعبه: "هُوَ يَدْعُونِي: أَبِي أَنْتَ، إِلهِي وَصَخْرَةُ خَلاَصِي" (مز 89: 26).
-إن المسيح هو الحجر(أو الصخرة) الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ (مز118: 22). نعم هو حجر الزاوية في بناء الكنيسة (أف 2: 20) وليس بطرس.
الصخرة إذًا المسيح، وهي أنه ابن الله. ولذلك فإن القديس يوحنا الإنجيلي، بعد أن سجل في إنجيله معجزات لم يذكرها أحد من الإنجليين الثلاثة، قال: "وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ" (يو20: 30، 31). نعم، كون المسيح ابن الله، هو الصخرة التي يُبنى عليها إيماننا. أو هذا الإيمان هو حجر الزاوية في إيماننا. على هذا الإيمان تبنى الكنيسة، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها.
+ مع الملاحظة الفرق بين petra (الصخرة) وpetroc اسم الرسول.
+ ونلاحظ أن الإيمان بالمسيح ابن الله أعلنه آخرون قبل بطرس، ولكن بطرق متفرقة.
+ فمن جهة أنه ابن الله: قالها أولاً نثنائيل: "يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ابْنُ اللهِ!.." (يو1: 49). واعتبر السيد المسيح أن هذا هو الإيمان.
+ وأيضًا أهل السفينة لما رأوه قد انتهر الريح، وأتى ماشيًا على الماء، جاءوا وسجدوا له قائلين: "بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللهِ!" (مت 14: 33).
+ أما عن كونه المسيح، فقد اعترف بها أهل السامرة، قبل بطرس. وقالوا للمرأة السامرية: "إِنَّنَا لَسْنَا بَعْدُ بِسَبَبِ كَلاَمِكِ نُؤْمِنُ، لأَنَّنَا نَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا وَنَعْلَمُ أَنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ" (يو4: 42).
+ والإيمان بأنه المسيح أعلنه السيد قبلاً للمرأة السامرية:
حينما قالت له: "أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ مَسِيَّا، الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ، يَأْتِي. فَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُخْبِرُنَا بِكُلِّ شَيْءٍ". فقال لها: "أَنَا الَّذِي أُكَلِّمُكِ هُوَ" (يو 4: 25).
+ وبصورة عامة قال عنه فيلبس لنثنائيل: "وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ" (يو1: 45). والذي حدث أن بطرس جمع هذا كله في عبارة واحدة: "أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!" (مت 16: 16).
ارعَ غنمي
يتخذ إخوتنا الكاثوليك قول الرب للقديس بطرس: "ارْعَ غَنَمِي.. ارْعَ خِرَافِي" (يو21: 15، 17) دليلًا على رئاسته للكنيسة كلها. والواقع هو غير ذلك تمامًا، كما سنثبت بالنقاط الآتية:
1- حدث أن السيد المسيح لما قال للتلاميذ في ليلة صلبه "كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ" أن بطرس قال: "وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ" (مر29،27:14) (مت26: 33). وقال أيضًا "وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!" (مر14: 31). "إِنِّي مُسْتَعِدٌّ أَنْ أَمْضِيَ مَعَكَ حَتَّى إِلَى السِّجْنِ وَإِلَى الْمَوْتِ!" (لو22: 33). ثم عاد وأنكر المسيح ثلاث مرات (مر14: 66-72) (مت69:26-75). فالسيد المسيح كان يوبخ بطرس على عبارة "لو أنكرك الجميع لا أنكرك" (لو شكّ فيك الجميع أنا لا أشك) كما لو كان في حبه أقوى من جميع الرسل، لذلك قال له موبخًا: "أتحبني أكثر من هؤلاء".
2- ولأنه أنكر الرب ثلاث مرات، لذلك كرر له عبارة "أتحبني".. ثلاث مرات موبخًا له.
3- نلاحظ أنه - في مناسبة التوبيخ هذه – ناداه الرب باسمه العلماني: "سمعان بن يونا"، وليس باسم التكريس "بطرس". حاليًا لم يقل له: "يا بطرس" بل: "سمعان بن يونا"، وكرر ذلك ثلاث مرات.
4- وعلى الرغم من أن بطرس أجاب في المرتين الأوليْن: "نَعَمْ يَا رَبُّ .. أَنِّي أُحِبُّكَ".. إلاَّ أن الرب سأله ثالثة: "يا سمعان بن يونا، أتحبني". كما لو كانت محبته هي موضع تساؤل أو موضع شك.. أو هي عبارة عتاب.
5- لا شك أن بطرس كان - بعد إنكاره - خائفًا من قول الرب: "مَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت10: 33) "وَمَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ، يُنْكَرُ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ" (لو12: 9).
لذلك أراد الرب أن يطمئنه على رسوليته، وعلى قبول توبته فقال له: "ارعَ غنمي... ارعَ خرافي" أي أنك لا تزال رسولاً، ولا تعني رئاسة على كل الرسل.
6- والدليل على كل ذلك قول الكتاب: "فَحَزِنَ بُطْرُسُ لأَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: أَتُحِبُّنِي؟" (يو17:21) فلو كانت مناسبة تمجيد ورئاسة، ما قيل: "حزن بطرس".
لأنه لو كانت عبارة "ارعَ غنمي .. ارعَ خرافي" تعني أن السيد الرب قد عينه خليفة له لرعاية الكنيسة كلها!! ولو كان بطرس قد فهم هذا المعنى، لكان بالحري يفرح ويبتهج. ما كان يحزن.
كما يتضح أن التركيز هنا، كان على عبارة "أتحبني"، وليس على عبارة "ارعَ غنمي".
7- نلاحظ أيضًا أن الرعاية في الكنيسة قد أعطيت لكل الأساقفة. ويقول الكتاب في هذا عن الرب إنه: "أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ" (أف4: 11).
وقال القديس بولس لـلأساقفة شيوخ كنيسة أفسس: "اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع20: 28). إذًا عمل الرعاية كان عمل الأسقف. كذلك قال القديس بطرس للشيوخ رفقائه في الخدمة: "ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ.. وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى" (1بط5: 2، 4).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 2 فبراير 1996م.
مَن خَلْف بطرس الرسول؟
مَن خَلْف بطرس الرسول؟[1]
لو فُرض أن بطرس كان رئيسًا للكنيسة الجامعة، وهذا لم يحدث كما شرحنا.. ولو فُرض أنه أسس كنيسة روما، وهذا لم يحدث أيضًا، لأن بولس الرسول هو الذي أسسها كما شرحنا أيضًا من قبل. ولو فرض أيضًا أن بطرس الرسول كان أسقفًا لروما بالذات، بينما هو كان أسقفًا مسكونيًا. لو فُرض كل هذا، يبقى أمامنا سؤال تاريخي في منتهى الخطورة، لم يستطع أحد من إخوتنا الكاثوليك أن يجيب عليه. وبقى السؤال بلا جواب حتى الآن، وهو:
مَن خَلْف بطرس الرسول؟
لأنه من الواضح أن بطرس الرسول قد بشر في أماكن كثيرة. في أورشليم، وفي الأماكن المحيطة بها. في لدة ويافا (أع9: 32- 43)، وفي قيصرية (أع10: 24، 25). وأيضًا بشر "الْمُتَغَرِّبِينَ مِنْ شَتَاتِ بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَأَسِيَّا وَبِيثِينِيَّةَ" (1بط1: 1). وكذلك كان له عمل كرازي في السامرة (أع 8: 14- 25).
وكنيسة أنطاكية تقول أيضًا أن بطرس قد كرز لها. ومعروف من الكتاب عمل بولس وبرنابا في أنطاكية (أع 11: 19- 27).
فأية كنيسة من كل هذه الكنائس ورثت القديس بطرس؟
إن قلنا ورثته روما، نكون قد وضعنا في الاعتبار العامل السياسي وليس الكنسي!!
لأن روما ليست أول كنيسة تأسست في المسيحية. الأولى بلا منازع هي كنيسة أورشليم بعد حلول الروح القدس مباشرة في سنة 34م للميلاد. كذلك هناك كنائس أخرى عديدة تأسست بعد أورشليم وقبل روما. فلماذا كنيسة روما بالذات هي التي تتصدر؟! يقينًا يُبنى الادعاء على أهميتها السياسية كعاصمة للإمبراطورية الرومانية. هنا تكون السياسة قد تدخلت في شئون الكنيسة.
ويبقى السؤال الذي ليس له جواب وهو:
هل أسقف روما رأس الكنيسة في حياة القديس يوحنا الرسول؟!
المعروف أن القديسين بطرس وبولس قد استشهدا سنة 67م، بينما عاش بعدهما القديس يوحنا الرسول حوالي 30 سنة. فهل أسقف روما وقتذاك، الذي هو أحد تلاميذ الرسل، أو تلاميذ تلاميذهم يجرؤ أن يرأس الكنيسة الجامعة في حياة القديس يوحنا الحبيب؟! الذي هو واحد من الاثني عشر "التلميذ الذي يسوع يحبه"، الوحيد من الرسل الذي وقف إلى جوار صليب المسيح، وعهد الرب إليه أن تعيش العذراء في بيته، قائلاً له: "هذه أمك" (يو 19: 26، 27).
يوحنا الحبيب الذي قال عنه القديس بولس الرسول إنه أحد الثلاثة المعتبرين أنهم أعمدة في الكنيسة وقد أعطوه يمين الشركة (غلا 2: 9). يوحنا الذي ظهر له الرب في جزيرة بطمس، وسلّمه رسائل للكنائس السبع التي في آسيا. وكشف له في رؤيا ما لا بد أن يكون (رؤ1: 1).. نعم يوحنا الذي نظر وإذا باب مفتوح في السماء. ورأى عرش الله، والقوات السمائية، والسفر المختوم، والملائكة الواقفين على أربع زوايا الأرض (رؤ7: 1). وكل المختومين من شعب الله، والمفديين من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة (رؤ7: 9).
يوحنا هذا العظيم بين الرسل، يكون خاضعًا لأحد أبنائهم أو تلاميذهم، فيرأس ذلك التلميذ الكنيسة الجامعة في حياة يوحنا؟ هذا مستحيل ولا يقبله عقل. فإن قلنا إن هناك رئاسة عامة للكنيسة، وهذا ما لم يعلم به المسيح. وإن قلنا إن بطرس تولى هذه الرئاسة، وهذا ما رددنا عليه.. نسأل إذًا بعد هذا:
هل الكنيسة رأسها القديس يوحنا الرسول بعد سنة 67م. وإن كان قد رأسها، فمن خلفه إذًا؟
هل هو أسقف أفسس؟ هل هو أحد أساقفة الكنائس السبع في آسيا، الذين كانوا يمثلون موضعًا من كرازته؟.. هل خلفه وورث رئاسته أسقف أورشليم حيث بشر يوحنا أولًا؟ أم أسقف السامرة، هذه الكنيسة الذي كلّف يوحنا بطرس من مجمع الرسل بمنح شعبها الروح القدس؟! (أع8: 14، 17).
أم نقول إن موضوع الرئاسة العامة للكنيسة ووراثتها، موضوع غير وارد في الكتاب ولا في تاريخ الكنيسة. وهذا هو الأصح..
إن قلنا إن القديس بطرس الرسول كان رسولاً له أهميته، لا يعني هذا أن يكون له وريث بنفس الأهمية. ونفس الوضع نقوله عن القديس بولس الرسول الذي تعب أكثر من جميع الرسل (1كو15: 10). ونقوله عن القديس يوحنا الحبيب، الرسول الذي ظهر له الرب، والذي رأى عرش الله وما سوف يكون.
ونفس القاعدة نلاحظها في التاريخ.
القديس أثناسيوس الرسولي كان أعظم رؤساء الكنائس في عصره، ولم يدَّع الرئاسة العامة للكنيسة، ولا خليفته أدعى نفس كرامة أثناسيوس. ونفس الكلام يُقال عن القديس كيرلس الكبير الإسكندري وعن قديسين عديدين.
وهناك ملاحظة أخرى نقولها في هذا الموضوع قبل أن نختمه:
لم يحدث أن أسقف روما رأس أي مجمع من المجامع المسكونية الأولى قبل انقسام الكنيسة. والذين رأسوها لم يدّعوا رئاسة عامة للكنيسة. رأسوا مجمعًا ولم يرأسوا الكنيسة الجامعة.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 15 مارس 1996م.
مار مرقس مع الرسول بطرس
مار مرقس مع الرسول بطرس[1]
الظلم الذي لاقاه القديس مرقس
ما أشد الظلم الذي لاقاه مار مرقس الرسول من أتباع القديس بطرس الرسول... لقد حاولوا أن يجردوه من كل كرامته الرسولية، وأن ينسبوا كل تعبه إلى غيره، أعني إلى القديس بطرس.
أما ملخص تلك الادعاءات فهو:
1- محاولة تجريد مار مرقس من إيمانه بالرب في فترة تجسده على الأرض، والادعاء بأنه آمن على يد القديس بطرس بعد القيامة.
2- محاولة نسبة إنجيل مار مرقس إلى بطرس الرسول.
3- محاولة نسبة الفضل في كل العمل الكرازي الذي قام به القديس مرقس إلى القديس بطرس، حتى في مصر والخمس مدن الغربية.
والغريب بالأكثر هو محاولة نسبة هذه الادعاءات إلى الآباء القدامى، ومحاولة تسيير التاريخ وأقوال الآباء في هذا الرَكب..! وما أكثر الأقوال التي نُسبت إلى الرسل وإلى الآباء بغير حق!
1- محاولة تجريده من إيمانه ورسوليته
على الرغم من أن الكنيسة تُسمي القديس مرقس (ناظر الإله)، وقد أثبتنا أن السيد المسيح كان يدخل بيته، وفيه أكل الفصح مع تلاميذه، وكان مار مرقس هو حامل جرة الماء الذي قابله التلميذان في الطريق وتبعاه إلى البيت حسب قول الرب لإعداد الفصح (مر14: 13، 14)...
وبينما تقول كل المراجع إن مار مرقس كان هو الشاب الذي تبع السيد المسيح ليلة القبض عليه "وَتَبِعَهُ شَابٌّ لاَبِسًا إِزَارًا عَلَى عُرْيِهِ، فَأَمْسَكَهُ الشُّبَّانُ، فَتَرَكَ الإِزَارَ وَهَرَبَ" (مر14: 51، 52).
على الرغم من كل ذلك يحاولون أن يجردوا هذا الرسول العظيم من إيمانه بالرب قبل صلبه، ويقولون إن مار مرقس (كان ممن آمنوا على يد بطرس الرسول بعد حلول الروح القدس في صدر النصرانية، ومن ثم يدعوه الرسول في رسالته الأولى ابنه لأنه تنصَّر على يده)[2]!
هكذا يروي كتاب "مروج الأخيار"، ويوافقه البطريرك مكسيموس مظلوم فيقول عن القديس مرقس (المظلوم معه ومع غيره)، إنه: "لم يعتنق الإيمان بالمسيح إلاَّ بعد قيامته تعالى من بين الأموات. وذلك بواسطة القديس بطرس الذي اتَّخذه من خاصته. ولهذا يدعوه في رسالته الأولى الجامعة ابنه"[3]!!
والعجيب أكثر من هذا أن يوردوا نصًا منسوبًا إلى بابياس يقول فيه عن مار مرقس إنه [لا سمع الرب ولا تبعه]!!
وينسى كل هؤلاء أن مار مرقس كان أحد السبعين رسولاً كما ذكرنا سابقًا[4] وثابت هذا في كتب التاريخ والطقس. والأقباط الكاثوليك يمجدونه في كتاب الثيئوطوكيات الخاص بهم[5] قائلين له: "أيها الرسول الإنجيلي.. المتكلم بالإلهيات، والإنجيلي، والرسول.. نلت إكليل الرسولية.. رفقاؤك الرسل يفتخرون بك، ونحن نفتخر بك وبهم".
فإن كان أحد رسل الرب، فكيف يُقال إنه لا سمع الرب ولا تبعه؟! وإن كان أحد الرسل السبعين، فكيف يُقال إنه لم يؤمن إلاَّ في يوم الخمسين على يد بطرس؟!
وإن كان بيته هو الذي أُعدّ فيه الفصح للرب، وكان مرقس أحد تابعيه وقت القبض عليه، فكيف يجرد من الإيمان بالرب في تلك الفترة؟! ثم كيف يُقحم اسم أحد الآباء القدامى - مثل بابياس - في هذه الادعاءات التي يحاولون بها الرفع من شأن بطرس الرسول بالإقلال من قيمة مرقس. ويقينًا أن بطرس الرسول لا يوافق على هذا الذي يُنسب إليه.
أما قول بطرس عن مرقس إنه ابنه، فليس معناه أنه ابن له في الإيمان، وإنما هي أبوة من جهة السن[6].
ثم كيف يوصف القديس مار مرقس بأنه (رسول) في الكتب التاريخية للكاثوليك وفي كتبهم الطقسية، بينما لم يكن مؤمنًا بالرب في فترة تجسده على الأرض؟!
ما أصدق قول دائرة المعارف الفرنسية (وناشروها كاثوليك): "إن دعوى تتلمذ مرقس لبطرس لم تكن سوى خرافة بُنيت على سقطات بعض الكتّاب"[7].
محاولة نسبة إنجيله إلى بطرس
إنهم يسمونه (كتاب القديس بطرس وتلميذه الملازم له). ويسميه الأب شينو (سكرتيره ومترجمه العزيز)[8]...
Marc, son secrétaire ET son Cher interpréte
وهكذا يقول البعض إن إنجيل مار مرقس أملاه عليه بطرس. ويقول البعض إن مرقس الرسول كتب ما كان قد سمعه من بطرس، أو ما كان قد علّم به بطرس. حتى إن بعضهم يسمون هذا الإنجيل (مذكرات بطرس).
والعجيب أنهم أدخلوا مثل هذا القول أيضًا في كتبنًا الطقسية عندما نشروها في بلادهم.
وهكذا ورد في كتاب السنكسار كما نشره رينيه باسيه Rene Basset في باريس في مجموعة أقوال الآباء الشرقيينPatrologia Orientles عن مار مرقس تحت يوم 30 برمودة [ومضى إلى بطرس برومية وصار له تلميذًا وهناك كتب إنجيله، أملاه عليه بطرس، وبشر به في رومية][9]!!
Marc, alla trouver Pierre à Rome ET devint. Son disciple. IL écrivit son évangile que Pierre lui dicta ET l’annonça dans la ville.
وللتعبير عن هذه الفكرة الخاطئة في تدوين إنجيل مرقس، توجد في روما أيقونة للفنان إنجيليكو تصّور القديس مرقس جالسًا عند قدمي بطرس أثناء تبشيره أهل روما، وهو يدوِّن أقواله (أي أقوال بطرس) في كتاب.
Saint Marc assis au Pieds de Saint Pierre Prêchant au Romains, note dans UN livre SES Paroles[10]
ولسنا الآن في مجال بحث إنجيل مرقس وكيف كتبه القديس مرقس، فقد خصصنا لهذه النقطة فصلًا في هذا الكتاب. إنما يكفي ههنا أن نقول إن إنجيل مرقس ليس إملاء بطرس، وإنما من إملاء الروح القدس.
كما أن مرقس الرسول لم يكن محتاجًا إلى أن يعرف من القديس بطرس المعلومات الخاصة بالسيد المسيح، فهو يعرفها جيدًا كناظر للإله، وكشخص شاهد معجزات الرب منذ البدء، منذ المعجزة الأولى في عرس قانا الجليل، وكأحد السبعين رسولاً. ويعرفها لأن في بيته كان يجتمع الرسل كلهم ومعهم السيدة العذراء والدة الإله.
ولكن يبدو أن إخوتنا الكاثوليك استكثروا على مرقس الشاب أن يكتب إنجيلاً، بينما الشيخ لم يكتب، فنسبوا الإنجيل إلى بطرس.
محاولة نسبة كرازة مار مرقس إلى القديس بطرس
وكما أرجعوا إيمان مرقس إلى بطرس، وكما نسبوا إنجيله إلى بطرس، كذلك في كرازته يحاولون أن يجعلوا مرقس الرسول مجرد أداة في يد القديس بطرس يحركها كما يشاء!
فالقديس بطرس - بحسب رأيهم - هو الذي أرسله إلى مصر، وهو الذي أرسله إلى الخمس مدن الغربية وهو الذي يقدم له مار مرقس الحساب عن كرازته.
فيقول الأب بطرس فرماج اليسوعي في كتابه (مروج الأخيار) عن مار مرقس: "وعندما أبرز أمر الملك قلاوديوس بإخراج اليهود من رومية سنة 49 للمسيح[11]، أرسل القديس بطرس الحبيب إلى مصر ونواحيها ليبشر بالإنجيل المقدس"!!
كما أن مكسيموس مظلوم بطريرك الروم الملكيين الكاثوليك يردد نفس الكلام فيقول: "إن القديس بطرس أرسل القديس مرقس إلى الإقليم المصري سنة 49م[12] كي يُنذر أولئك الشعوب بموجب الإنجيل الذي حرره".
ومن الكلمات العجيبة التي ذكرها الأب شينو في كتابه (قديسو مصر) عن مرقس الرسول بعد تبشيره الخمس مدن الغربية أنه [وهو ملتهب بالرغبة في أن يرى مرة أخرى معلمه الموقر الرسول بطرس، ذهب إلى روما ليقدم له حسابًا عن الإرسالية التي عهد إليه بها].
والمعروف أن روح الله هو الذي كان يحرك الرسل في كرازتهم.
وهذا واضح من سفر أعمال الرسل إذ يروى عن القديس بولس وأصحابه أنهم "وَبَعْدَ مَا اجْتَازُوا فِي فِرِيجِيَّةَ وَكُورَةِ غَلاَطِيَّةَ، مَنَعَهُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِالْكَلِمَةِ فِي أَسِيَّا. فَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مِيسِيَّا حَاوَلُوا أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى بِثِينِيَّةَ، فَلَمْ يَدَعْهُمُ الرُّوحُ.. وَظَهَرَتْ لِبُولُسَ رُؤْيَا فِي اللَّيْلِ: رَجُلٌ مَكِدُونِيٌّ قَائِمٌ يَطْلُبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: اعْبُرْ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ وَأَعِنَّا! فَلَمَّا رَأَى الرُّؤْيَا لِلْوَقْتِ طَلَبْنَا أَنْ نَخْرُجَ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ، مُتَحَقِّقِينَ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ دَعَانَا لِنُبَشِّرَهُمْ" (أع 16: 6 - 10)
والعجيب أن شينو هذا الذي يذكر أن مرقس الرسول قد ذهب إلى معلمه بطرس ليقدم حسابًا عن الإرسالية التي عهد إليه بها، هو نفسه يقول في نفس الفصل من كتابه (قديسو مصر) عن القديس مرقس [ومن ثم بوحي من الروح القدس أبحر إلى سيرين (القيروان) ومنها أبحر نحو الإسكندرية].
Ensute sur l’inspiration d’esprit Saint, IL s’embarqua à Cyréne ET fit voile vers Alexandrie[13].
إنه فرق كبير بين الإنسان عندما يتكلم بوحي ضميره، والإنسان عندما يتكلم وهو مقيد بفكرة معينة يتعصب لها ويُرغم التاريخ أن يدور في فلكها!
إن الأمر الذي أجمع عليه المؤرخون هو ما يعبر عنه ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين في القرن العاشر إذ يقول: "قُسِّمت جميع الكور على الرسل بإلهام الروح القدس ليكرزوا فيها بكلام الله.. فوقع نصيب مرقس الرسول أن يمضي إلى كورة مصر ومدينة الإسكندرية العظمى بأمر الروح القدس، لكي يُسمعهم كلام إنجيل السيد المسيح"[14].
ادعاءات رسامته أسقفًا...
من العجيب في هذه الادعاءات ما قيل عن مرقس الرسول إنه أقيم أسقفًا في ثلاث مناطق مختلفة كل منها في قارة منفصلة. قيل إنه أقيم من بطرس الرسول أسقفًا على أكويلا (!!) من أعمال البندقية في إيطاليا في قارة أوربا. وقيل إنه أقيم من بطرس الرسول أسقفًا على جبيل[15] في بلاد لبنان بقارة آسيا. وقيل إنه أقيم من بطرس أسقفًا على الإسكندرية في قارة إفريقيا.
وأمام هذه الادعاءات يقف القارئ حائرًا كيف يمكن أن يُقام إنسان أسقفًا على مناطق متفرقة في ثلاث قارات تمثل العالم القديم كله.
ولعل عبارة "أقيم أسقفًا من بطرس الرسول" التي قيلت عن مار مرقس، لم تكن سوى محاولة لبسط السيادة الرومانية على الكرسي الإسكندري، عندما ظهر سمو هذا الكرسي في المجامع المسكونية وفي القضايا اللاهوتية التي شغلت العالم المسيحي في قرونه الأولى وفي التعليم عمومًا حتى لقب بابا الإسكندرية (قاضي المسكونة).
كما أن إقامته أسقفًا من بطرس لا تتفق مع كونه رسولاً...
2- عمل مار مرقس مع القديس بطرس
كان القديس بطرس من أنسباء مار مرقس، فزوجته كانت بنت عم والد مرقس الرسول. وهكذا كان بطرس في حكم والده من جهة السن. وكان يتردد كثيرًا على بيته. ويروي سفر أعمال الرسل أن بطرس الرسول بعد أن أخرجه الملاك من السجن، ذهب مباشرة "إِلَى بَيْتِ مَرْيَمَ أُمِّ يُوحَنَّا الْمُلَقَّبِ مَرْقُسَ، حَيْثُ كَانَ كَثِيرُونَ مُجْتَمِعِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ" (أع 12: 12).
لذلك لا مانع في أن يكون مرقس قد اصطحب نسيبه بطرس في كرازته في أورشليم وبيت عنيا وبعض جهات اليهودية كما يروي ساويرس بن المقفع في تاريخ البطاركة.
وقد كان مرقس الرسول مع القديس بطرس أثناء كتابته رسالته الأولى التي يقول فيها: "تُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الَّتِي فِي بَابِلَ الْمُخْتَارَةُ مَعَكُمْ، وَمَرْقُسُ ابْنِي" (1بط 5: 13). وقد وقع اختلاف كبير بين المؤرخين في ماذا تكون بابل هذه، وهل المقصود بها اسمها الحرفي أم دلالتها الرمزية. ويرى الكاثوليك أن بابل ترمز إلى روما. فهل حقًا كرز القديس مرقس مع القديس بطرس في روما.
هل كرز معه في روما؟
من الثابت في التاريخ الكنسي عمومًا، سواء ما كتبه الأرثوذكس أو الكاثوليك أو البروتستانت، بل ثابت من الكتاب المقدس نفسه أن مرقس الرسول قد كرز في روما.
ولا يوجد في الكتاب المقدس كله آية واحدة صريحة تقول إن بطرس الرسول قد ذهب إلى روما. لذلك فمن المؤكد أن القديس مرقس قد كرز مع بولس الرسول في روما، وليس مع بطرس الرسول.
مار مرقس مع بولس الرسول
صحب مار مرقس القديس بولس في رحلته الأولى كما ذكرنا ثم فارقه عند برجه بمفيلية. فتضايق بولس الرسول من هذا الأمر. ولكنه عاد فشعر بأهمية مرقس له في الخدمة ومن ذلك الحين صار مرقس الرسول من أشد الناس التصاقًا بالقديس بولس. فعمل مع القديس بولس ومع معاونيه أرسترخس وأبفراس وتيخيكس ولوقا وديماس - قبل أن يضلّ - وغيرهم من أعمدة الكنيسة.
وفي رسالة بولس الرسول إلى فليمون يذكر القديس مرقس في مقدمة "الْعَامِلُونَ مَعِي" (فل 24). وهكذا ذهب مار مرقس إلى كولوسي بتوصية من القديس بولس، ثم تقابل مع القديس تيموثاوس في أفسس. واشترك مع القديس بولس في تأسيس كنيسة روما كما سنرى.
وعندما كان رسول الأمم في روما، يسكب سكيبًا، ووقت انحلاله قد حضر، ولم يكن إلى جواره غير لوقا الإنجيلي، أرسل يطلب حضور الإنجيلي الآخر، مار مرقس، ليكون إلى جواره، يعاونه في الخدمة.
وظل مار مرقس إلى جواره في روما، حتى نال إكليل الشهادة حوالي سنة 67م، فرجع مار مرقس إلى الإسكندرية حيث استشهد هو الآخر سنة 68م، وتقابل مع القديس بولس في كورة الأحياء.
مار مرقس وكنيسة روما
مرقس - بالإجماع - اشترك في تأسيسها...
إن تأسيس كنيسة روما يقف بين رأيين: الرأي القوي فيهما، الثابت من الكتاب المقدس، إن مؤسسها هو بولس الرسول. والرأي الثاني الضعيف الذي لا يثبت أمام الحقائق الكتابية، فهو أن كنيسة روما أسسها بطرس الرسول.
وقبل أن نناقش هذين الرأيين، نقول إنهما كليهما - رغم تعارضهما - يجمعان معًا على اشتراك مار مرقس في تأسيس كنيسة روما.
إذًا فمارمرقس قد كرز في روما. وهذا هو رأي الكاثوليك أيضًا، الذين يقولون كذلك إنه من أجل روما وأهلها قد كتب (إنجيله) ويبالغ البعض منهم فيقول إنه كتب الإنجيل باللغة اللاتينية، وإن كان في الواقع قد كتبه باليونانية.
وسنحاول أن نسترشد بالأسفار المقدسة لنرى عمل مار مرقس في روما، ثم نسأل رأي التاريخ في ذلك. أما الكتاب المقدس فيقول بصراحة تامة إن مار مرقس قد عمل مع بولس الرسول في تأسيس كنيسة روما. فما الدليل على ذلك؟
مار مرقس يعمل مع بولس الرسول
في رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي التي كتبها من روما أثناء أسره الأول يقول: "يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَرِسْتَرْخُسُ الْمَأْسُورُ مَعِي، وَمَرْقُسُ ابْنُ أُخْتِ بَرْنَابَا، الَّذِي أَخَذْتُمْ لأَجْلِهِ وَصَايَا. إِنْ أَتَى إِلَيْكُمْ فَاقْبَلُوهُ، وَيَسُوعُ الْمَدْعُوُّ يُسْطُسَ، الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْخِتَانِ. هؤُلاَءِ هُمْ وَحْدَهُمُ الْعَامِلُونَ مَعِي لِمَلَكُوتِ اللهِ" (كو 4: 10، 11).
فهنا يقول القديس بولس لأهل كولوسي أن مرقس موجود معه في روما، يسلم عليهم، وأنه من القلائل العاملين معه لملكوت الله.
وفي رسالة بولس الرسول إلى فليمون التي كتبها أيضًا من روما أثناء أسره الأول، يقول أيضًا: "يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَبَفْرَاسُ الْمَأْسُورُ مَعِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، وَمَرْقُسُ، وَأَرِسْتَرْخُسُ، وَدِيمَاسُ، وَلُوقَا الْعَامِلُونَ مَعِي" (فل 24).
وهنا نرى القديس مرقس مرة أخرى يعمل مع بولس الرسول في تأسيس كنيسة روما. بل يضعه القديس بولس في مقدمة العاملين معه، قبل أرسترخس وديماس ولوقا الإنجيلي.
وأثناء الأسر الثاني للقديس بولس في روما، يكتب من هناك رسالته الثانية إلى تلميذه القديس تيموثاوس، يقول له فيها: "لُوقَا وَحْدَهُ مَعِي. خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ لأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ" (2تي 4: 11).
وهنا نرى أن لوقا الإنجيلي وحده لم يكن كافيًا للخدمة في روما، فاحتاج بولس الرسول إلى مار مرقس بالذات. وقد ذهب مار مرقس فعلًا إلى روما، وبقى إلى جوار بولس الرسول. ولم يرجع إلى الإسكندرية إلاَّ بعد استشهاد رسول الأمم العظيم.
[1] عن كتاب ناظر الإله الإنجيلي القديس مار مرقس القديس والشهيد، لقداسة البابا شنوده الثالث، الفصلين الثالث والرابع.
[2] مروج الأخيار في تراجم الأبرار (25 نيسان) صـ233.
[3] كنز العباد الثمين في أخبار القديسين (25 نيسان) صـ551.
[4] انظر صـ15، 16 في كتاب مار مرقس الرسول لقداسة البابا شنوده.
[5] من ثيئوطوكيات شهر كيهك صـ175 وصـ177.
[6] انظر كتاب: أكرم أباك وأمك – قداسة البابا شنوده الثالث.
[7] مجلد 16، صـ871 (عن الصخرة سنة 1951 صـ107).
[8] Chineau: Les Saints d’Egypte I، P. 500
[9] Le Synaxaire Arab-Jacobite.
[10] Louis Reau: Icongraphie de l’art chrétien، III P. 871.
[11] هذا التاريخ لا يوافق عليه غالبية المؤرخون.
[12] انظر الفصل الخاص بالخمس مدن الغربية في كتاب: مار مرقس الرسول لقداسة البابا شنوده الثالث.
[13] Ibid
[14] تاريخ البطاركة ـ السيرة الأولى.
[15] د. أسد رستم: مدينة الله أنطاكية العظمى جـ 3 صـ 298.
الفصل الرابع انبثاق الروح القدس
انبثاق الروح القدس[1]
مقدمة: الفكرة والتاريخ
إن انبثاق الروح القدس عبارة عن نقطة خلاف بيننا وبين الكاثوليك - ليس كلهم -، وبيننا وبين البروتستانت. وهي المشكلة التي يسمونها "فيليوكا". فكلمة (ومن الابن) تُترجم باللاتينية (فيليوكا). (فيليوس تعني son، ابن) وفي حالة الـconstructive form تصبح "فيليو" (فيليو أي from the son) (كا: que) تُعني (و:And).. إذًا (فيليوكا تعني And from the Son). نحن في قانون الإيمان نقول: "الروح القدس المنبثق من الآب" كما ورد في (يو15: 26) "الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ"، وهم يقولون: ومن الابن.. فيليوكا. إن قانون الإيمان واضح في هذا الأمر، منذ المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقية، والمجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية. يعني قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني يقول: "الروح القدس منبثق من الآب فقط". ومجمع أفسس قرر عدم جواز تغيير أي شيء من قانون الإيمان المُسلم من الآباء من قبل ذلك.
أكبر ثلاث انقسامات[2] حدثت في الكنيسة هي
الانقسام الأول: الانقسام الخلقيدوني سنة 451م (مجمع خلقيدونية).
الانقسام الثاني: الذي خرج به الروم الأرثوذكس – في بداية القرن الحادي عشر سنة 1014م بخصوص انبثاق الروح القدس، وفيما بعد انضمت أسباب أخرى.
الانقسام الثالث: هو الانقسام البروتستانتي بقيادة مارتن لوثر ومن تبعه أمثال كالفن وزوينكلي وغيرهم.. من القرن الخامس عشر.
[1] جزء من محاضرة قداسة البابا شنوده الثالث، بعنوان "انبثاق الروح القدس"، بتاريخ 2 نوفمبر 1999م.
[2] جزء من محاضرة قداسة البابا شنوده الثالث، بعنوان "انبثاق الروح القدس"، بتاريخ 28 نوفمبر2006م.
الولادة والانبثاق في الثالوث القدوس
الولادة والانبثاق في الثالوث القدوس[1]
كذلك فهم الثالوث القدوس: الآب هو الذي خرج منه الابن، وخرج منه الروح القدس. مثلما نقول: النار تخرج منها الحرارة، ويخرج منها الضوء أو النور.. لكن لا نقول: النور يخرج من الحرارة أو الحرارة تخرج من النور! لكن عُبر عن خروج الابن من الآب بالولادة، وعُبر عن خروج الروح القدس من الآب بالانبثاق؛ كلاهما من الآب. ولو قلنا إنه ينبثق من الابن نكون كأننا جعلنا الآب؛ أب للابن، والابن؛ أب للروح القدس، ويصبح لدينا أبوين وابنين.
هذا الموضوع بدأ في القرن الحادي عشر وبسببه أيضًا انفصل اليونان الأرثوذكس عن الكاثوليك أي أنها من النقاط الهامة في انفصالهما، أي أن Greek الأرثوذكس متفقين معنا في انبثاق الروح القدس من الآب فقط ونحن قمنا بعمل حوار لاهوتي مع الكاثوليك ولم نصل إلى نتيجة.
هم يحاولون قول: "الروح القدس من الآب والابن" أو "من الآب بالابن" أو "من الآب ويُمنح بواسطة الابن" أو أن يقولوا إن المجمع لم يقل: "من الآب وحده" بل قال: "منبثق من الآب فقط"، لم يقل من الآب وحده.. وأيضًا لم يقل عن الابن أنه مولود من الآب وحده؟!! أي أنه لو دخلنا في هذه الطريقة لن نصل إلى نتيجة.
ومع ذلك حينما قامت هذه البدعة وكانت تغيير في المفهوم اللاهوتي حيث يُقال إنها ظهرت في الناحية الطقسية في إسبانيا أولًا في أواخر القرن السادس، أي في مجمع "توليدو" سنة 589م، وهذا المجمع لم يحضره الشرقيون ورفضوه. ويُقال إن البابا لاون الثالث من باباوات الكاثوليك عمل لوحتين two tablets واحدة ياليونانية، وواحدة باللاتينية وقال: أنا لا أستطيع أبدًا إني أغير الإيمان الذي تسلمته من آبائي هذا كان سنة 810م واستمر كما هو "الروح القدس المنبثق من الآب" لكن بعد ذلك بأكثر من قرن ونصف بدأ التغيير.
إذًا ما هي الأفكار التي يقولها الكاثوليك في هذا الموضوع لنناقشها...
أفكار الإخوة الكاثوليك والرد عليها
الخلط بين الانبثاق والإرسال
أول نقطة إنهم يخلطون بين الإرسال والانبثاق حيث إن السيد المسيح يقول: الروح القدس الذي أُرسله إليكم من عند الآب. الإرسال: هذا في حدود الزمن، لكن الانبثاق: منذ الأزل قبل أن توجد كنيسة وقبل أن يوجد عالم وقبل أن توجد أسرار كنسية وأمور مثل هذه.
فحين يقول: "أُرسله إليكم" أي سوف أُرسله إليكم في يوم الخمسين، لكن ومع ذلك هو منبثق من الآب قبل كل الدهور.. فهنا خلط بين الإرسال في حدود الزمان وبين الانبثاق منذ الأزل.
الروح القدس منبثق من الآب منذ الأزل
الروح القدس منبثق من الآب قبل كل الدهور منذ الأزل، هذا جزء في طبيعة الثالوث القدوس أي أنه منذ الأزل والثالوث القدوس موجود، الآب مولود منه الابن ومنبثق منه الروح القدس... أما الإرسال فهو شيء في حدود الزمن، المسيح أَرسلَ الروح القدس يوم الخمسين والروح القدس قبل أن يُرسله الابن من الآب كان موجود. وداود يقول في المزمور: "أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ/ اختفي؟" (مز139: 7) والكتاب يقول: يرسل روحه[2] "تُرْسِلُ رُوحَكَ.." (مز104). وثباته
إذًا أُرسله شيء وينبثق شيء آخر...
ثم أيضًا لو كان الروح القدس المسيح أرسله في يوم الخمسين مثلاً وهذا قد حصل - هل قبل ذلك الروح القدس لم يكن موجودًا؟ الروح القدس كان موجودًا قبل يوم الخمسين وكان موجودًا منذ القديم وحلّ على بعض الأنبياء في القديم...
حَلَّ الروح القدس على داود النبي، وحَلَّ على شاول الملك فتنبأ، وحَلَّ على شمشون، وحَلَّ على كثيرين من قبل العهد الجديد كل هذا في العهد القديم، إذًا الروح القدس كان موجودًا من قبل هذا الإرسال.
وحتى الآية الأولى في سفر التكوين تقول: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ" (تك1: 1، 2)، قبل أن يُخلق الإنسان روح الله موجود.
روح الله موجود منذ الأزل، أما كلمة "الإرسال" في فترة معينة من الزمن لا علاقة لها إطلاقًا بالانبثاق. "الانبثاق" يعني خارج من جوهره كما تخرج الحرارة من النار أو كما يخرج النور من النار.
في (يو14: 16) يقول: "أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا" وفي (يو14: 26) "سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي" وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم وهو يُعلِّق على هذه الآية: (قال سيرسله الآب باسمي ولم يقل سيرسله الآب مني) باسمي بطلبي. وذهبي الفم يفرقُ بين مواهب الروح وأقنوم الروح القدس، فربنا يرسل للناس مواهب الروح، لكن أقنوم الروح القدس موجود منذ الأزل ولذلك مواهب الروح الموجودة في (1كو12) وتكمل في (1كو14) عبارة عن مواهب ولكن ليست هي الأقنوم.
يوحنا ذهبي الفم يقول في هذه النقطة:
هناك فرقٌ بين القوة الممنوحة والروح المانح قال لهم: "سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ" (أع1: 8) وهذه القوة ممنوحة من الروح القدس ولكن ليست هي الروح القدس المانح.
القديس أمبروسيوس حين يتعرض لهذا الموضوع يقول: الابن يُرسل الروح القدس وكذلك الروح القدس يُرسل الابن أيضًا. في (إش48: 16) يقول: "وَالآنَ السَّيِّدُ الرَّبُّ أَرْسَلَنِي وَرُوحُهُ". ويقول: "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ.." (إش61: 1). فكما أن الابن يرسل الروح القدس، كذلك الروح القدس يحل على الابن كما حل عليه في العماد ويمسحه كما ورد في (إش61) ويرسله... إلى آخره. (كل هذه الأمور طبعًا خاصة بالتجسد أنه أرسله، أو مسحه، أو غيره من هذا القبيل).
كذلك علاقة الأقانيم ببعضها البعض هي علاقة أزلية لا تختص بزمنٍ معين.
يقولون أيضًا إن السيد المسيح نفخ في وجوه التلاميذ "وَقَالَ لَهُمُ اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 22، 23). أيضًا هذه ليس لها علاقة بالانبثاق، هذا أمر تمّ في زمن معيَّن، يعطيهم موهبة المغفرة والإمساك عن المغفرة. فاعلية هذه القوة من الروح القدس لكن هذه أيضًا ليس لها علاقة بالانبثاق. أي أنه لم يعطهم الروح القدس كأقنوم وإنما أعطاهم سلطان الكهنوت لمغفرة الخطايا كموهبة من الروح القدس، بمعنى الروح القدس العامل فيهم هو الذي يمنحهم القوة على مغفرة الخطايا، هذه ليس لها علاقة بانبثاق الروح القدس من الآب أو الابن.
أيضًا في (يو20: 22، 23) عندمَا نفخَ في وجوههم وقال لهم: "اقبلوا الروح القدس"، هذه القصة كانت في الأسبوع اللاحق للقيامة فلو كانوا أخذوا الروح القدس كأقنوم - كما يظن بعض الهراطقة – لما قال لهم: "انتظروا حتى تأخذوا الروح القدس في يوم الخمسين" (لو24)، لم يكن ليقول لهم: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا" (أع1: 8) هذه مجرد مواهب من الروح القدس، ولذلك أخذ الروح القدس كأقنوم تُعتبر هرطقة في الكنيسة.
التلاميذ وإعطاء الروح القدس
كذلك نقطة أخرى كما أن السيد المسيح أعطى التلاميذ الروح القدس، كذلك أعطى التلاميذ أن يعطوا الروح القدس لغيرهم في العهد الرسولي من خلال وضع اليد.
أمثلة على ذلك
+ لما آمنت السامرة بالمسيح واعتمدوا في سفر أعمال الرسل الإصحاح الثامن، الآباء الرسل أرسلوا إليهم الرسولين بطرس ويوحنا "حِينَئِذٍ وَضَعَا الأَيَادِيَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ" (أع8: 17). كان الروح القدس يؤخذ بوضع اليد.
+ وأيضًا في أعمال الرسل الإصحاح التاسع عشر، بولس الرسول وضع يديه على أهل أفسس فقبلوا الروح القدس "وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ" (أع19: 6).
+ ثم بعد ذلك أصبح الآباء يمنحون الروح القدس بواسطة المسحة المقدسة.
إذًا السيد المسيح كما أعطاهم الروحَ هم أيضًا يعطون الروح لغيرهم. وهذه ما لها بالانبثاق؟ ليس لها دخل إطلاقًا ولذلك أيضًا القديس يوحنا ذهبي الفم يقول: "كثيرون يخلطون بين الروح القدس كأقنوم وبين مواهب وعطايا الروح القدس".
شرح عبارة "كل ما للآب فهو لي"
نقطة أخرى من كلام الكاثوليك ونرد عليهم.. يقولون إن السيد المسيح قال: "كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي" (يو16: 15)، وما دام الآب يستطيع أن يُبثق الروح القدس إذًا الابن يستطيع!!
ولكن هنا ينبغي أن نفرق تمامًا بين الصفات اللاهوتية المشتركة في كل من الأقانيم الثلاثة وبين كل أقنوم وما يميزه، لأن لو جعلنا كل الأقانيم مثل بعضها نكون قد سقطنا في هرطقة سابيليوس.
لكن من حيث الأمور اللاهوتية فالأقانيم الثلاثة كلها تشترك فيها، ماذا يعني هذا؟
يعني الأزلية: الآب أزلي، الابن أزلي، الروح القدس أزلي.
الوجود في كل مكان: الآب موجود في كل مكان، الابن موجود في كل مكان، الروح القدس موجود في كل مكان.
القدرة الكلية (كلي القدرة): الله قادر على كل شيء، الآب قادر على كل شيء، الابن قادر على كل شيء، الروح القدس قادر على كل شيء.
عدم المحدودية: الآب غير محدود، الابن غير محدود، الروح القدس غير محدود.
إذًا الصفات اللاهوتية الجوهرية تشترك فيها الأقانيم الثلاثة جميعها لا فرق بين أقنوم وآخر.
لكن الآب يختص بالأبوة، من اختصاصه أن يلدَ الابنَ ويبثقَ الروح القدس هذه صفة تميزه عن باقي الأقانيم.
الابن الذي هو اللوجوس الذي هو نطق الله العاقل وعقل الله الناطق صفة تميزه.
والروح القدس هو الروح في الثالوث القدوس فهو روح الآب وهو روح الابن لأن لو كان الابن له كل ما للآب والروح القدس أقل منهم، إذًا في هذه الحالة سوف نشعر بأن الروح القدس أقل من الآب والابن، يكون أقل في لاهوته، أقل في جوهره فيكونوا سقطوا في هرطقة مقدونيوس الذي أنكر لاهوت الروح القدس!
إذًا عبارة "كل ما للآب هو لي" عن الصفات اللاهوتية وأيضًا كل ما للآب من الصفات اللاهوتية هو للروح القدس أيضًا.
+ نقطة أخرى: قالوا إن الروح القدس روح الحق وروح الابن. في (يو14: 17) وفي (يو15: 26)، وفي (يو16: 13)، في (1يو4: 6) "رُوحُ الْحَقِّ"، والابن هو "الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6) إذًا هو روحه أي ينبثق منه؟!! لا... هذا يعني أنه كما أنه روح المسيح، هو روح الآب أيضًا. هو "رُوحَ اللهِ" كما ورد في (مت3: 16)، كما ورد في قصة حنانيا وسفيرة في أعمال الرسل الإصحاح الخامس، كما ورد في (إش61: 1). هو روح الحق، هو روح الله، هو روح المسيح، هو روح الآب، هو روح الرب، هو أقنوم الروح في الثالوث القدوس. لا يعني هذا شيئًا من الانبثاق ولمَّا نقول: روح الابن يعني متحد مع الابن في طبيعة واحدة، اتحادًا أقنوميًا، ولكن كما قال ذهبي الفم: "هو روح الابن ولكنه ليس من الابن".
أمور اللاهوت هذه تحتاج أن الواحد يدقق في التعبير.
القديس كيرلس الكبير في كلامه عن ثيؤدوريت النسطوري قال عنه: (إن قال إن الروح القدس خاص بالابن بمعنى أن له طبيعة واحدة معه ومنبثق من الآب، نقبل هذا منه كقولٍ سليم، أما إن قال إنه من الابن أو له الوجود بواسطة الابن فنرذل هذا القول كقول منافق مجّدف، الروح القدس ينبثق من الآب ولكنه ليس غريبًا عن الابن).
نقطة أخرى: السيد المسيح يقول عن الروح القدس وهو يشهد لي (يو15: 26) وقال: "يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" في (يو16: 14). وحين يقول: "يَشْهَدُ لِي" ليس معناها إن هو أقوى من الروح القدس أو مصدر له، أو منبثق عنه، فالشهادة متبادلة بين الأقانيم الثلاثة، الآب شهد للابن (شَهد له في وقت العماد، وشهد له في معجزة التجلي، وقال: "له اسمعوا")، وكذلك التمجيد مشترك بين الأقانيم، السيد المسيح قال للآب في إنجيل (يو17): "أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ .. وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ"، "أَيُّهَا الآبُ، قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضًا". يعني هذه أمور مشتركة بين الأقانيم لا تدل على إن واحد هو أصل الآخر!
الابن هو أقنوم الحكمة والنطق والمعرفة، والروح القدس هو ناطق بالابن في المغفرة "يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (يو16: 14)؛ أي يأخذ مما لي من الكلام الذي قلته لكم ويُذكركم به، ويأخذ مما لي في استحقاقات الفداء ويخبركم إن خطاياكم قد غُفرت.
الروح القدس ليس غريبًا عني ولا عنكم[3]
السيد المسيح يقول للآب: "أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ.. مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ" (يو17: 4، 5)، ويقول: "مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ"(17: 1)، إذًا الآب يُمجد الابن والابن يُمجد الآب والروح القدس يُمجد الابن، التمجيد شيء متبادل، يعلن مجده، وعندما يقول لهم: "يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" في (يو16: 14)، أي أن الروح القدس الذي سأرسله لكم ليس غريبًا عني ولا عنكم وليس ديانة جديدة.
"يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ"، "وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يو14: 26)؛ يأخذ من التعليم الذي قلته لكم ويخبركم ويذكِّركم بكل ما قلته لكم، ويأخذ أيضًا من استحقاقات الفداء التي لي ويخبركم بغفران الخطايا، كيف تُغفر الخطايا؟ بدم المسيح، إذًا لما الروح القدس يعطي غفران الخطايا في سر التوبة والاعتراف، يأخذ من استحقاقات المسيح ويغفر، وفي المعمودية مثلاً الإنسان يولد من الماء والروح ولادة جديدة نتيجة استحقاقات الفداء، وفي المعمودية يأخذ من استحقاقات الفداء ويعطيكم.
[1] تابع محاضرة قداسة البابا شنوده الثالث "انبثاق الروح القدس"، بتاريخ 2 نوفمبر 1999م.
[2] من محاضرة "انبثاق الروح القدس" لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 25 ديسمبر 1990م.
[3] جزء من محاضرة "انبثاق الروح القدس"، لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 9 ديسمبر2006م.
الفصل الخامس المطهر والغفرانات
المطهر والغفرانات[1]
مقدمة كتاب لماذا نرفض المطهر؟
في الحوار اللاهوتي...
لقد بدأ حوارنا الأول معهم في سبتمبر سنة 1971م، قبل اختياري للبطريركية بشهرين. وكان حوارًا نظمته جماعة Pro–Oriente في ڤيينا التي يشرف عليها الكاردينال كيننج. وقد حضرت هذا الحوار كأسقف للتعليم، ومعي الأب الموقر القمص صليب سوريـال، ممثلين عن الكنيسة القبطية، مع مندوبين آخرين من رجال اللاهوت عن باقي إخوتنا الأرثوذكس من السريان والأرمن والأحباش والهنود.
وخرجنا من ذلك الحوار الذي دار حول طبيعة المسيح بوثيقة مشتركة.
وثيقة تحمل إيمانًا مشتركًا في هذا الموضوع الخطير الذي كان سبب الانقسام منذ سنة 451م حتى الآن. وكنت أنا – بنعمة الله – الذي اقترحت كلمات هذه الوثيقة، ووافق عليها الجميع من كاثوليك وأرثوذكس. ثم توالت اجتماعات جماعة Pro –Oriente.. ولكن قراراتها كانت تمثل اتفاقات بين اللاهوتيين، وليست اتفاقًا رسميًا على مستوى رئاسة الكنائس.
ثم أقيم اجتماع آخر رسمي بيننا وبين الكاثوليك في دير القديس الأنبا بيشوي بتاريخ فبراير سنة 1988م، تمت الموافقة على نفس وثيقة Pro –Oriente.. بصفة رسمية.
واجتزنا مرحلة، وبقيت مراحل أخرى...
بقي أمامنا الحوار في موضوعات: المطهر والغفرانات، وانبثاق الروح القدس، والحبّل بلا دنس، ومسائل أخرى خاصة بالقديسة العذراء مريم، ومركز كنيسة روما. وأمور أخرى خاصة بالطلاق، وبالزواج المشترك، وبالصوم، وبالقوانين الكنسية... إلخ.
وحددنا دورة أخرى للحوار من 3 إلى 9 أكتوبر بدير القديس الأنبا بيشوي لمناقشة موضوعين هما المطهر، وانبثاق الروح القدس.
وكان لا بد لكل طرف أن يقدم عقيدة كنيسته في هذا الموضوع. لذلك رأيت أن أضع هذا الكتاب ليمثل عقيدة كنيستنا. والأسباب التي من أجلها نرفض عقيدة المطهر، وما يلحق بها من غفرانات.. وهي عقيدة حديثة، لم تكن من عقائد الكنيسة قبل الانقسام. وقد اعترف بها مجمع فلورنسا الكاثوليكي سنة 1435م.
وقد وضعت أمامي أهم المراجع العربية الموجودة في المكتبات لعدة أسباب منها:
1– أنها هي التي ينتشر تعليمها في مصر والشرق العربي.
2– وهي التي يعلمونها لأولادنا في المدارس.
3– وهي التي يقرؤها الناس، من الذين لا يقرأون اللاتينية ولا الفرنسية.
4– وهي التي يرى الشرقيون أنها تُعبِّر عن الإيمان الكاثوليكي.
5– ولأنها كُتب صادرة بتصريح من رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الشرق.
6– ولأن بعض هذه الكُتب تَعرَّض لعقائد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، محاولين إثبات عقيدة المطهر من كتبها الطقسية.
وكان أيضًا لا بد أن نوضح عقيدة المطهر، حتى لا نسبب عثرة في إيمان أولادنا الأرثوذكسي. وأيضًا لكي نقدم وجهة نظرنا اللاهوتية في هذا الموضوع، إلى جوار لزومه للحوار اللاهوتي.
وقد سلكنا في هذا الكتاب بطريقة موضوعية بحتة. فتعرضنا أولاً لما يعتقده إخوتنا الكاثوليك في موضوع المطهر، من واقع كتبهم... ثم ناقشنا ما ورد في هذه الكتب من الناحية اللاهوتية البحتة. ومواجهتها بالإيمان المسيحي المعترف به من جميع الكنائس، وبخاصة في موضوعات الخلاص والكفارة والفداء وهي نقاط أساسية جوهرية في العقيدة المسيحية. ثم طرقنا أيضًا موضوعات المغفرة والدينونة، والتطهير والتكفير... مع أمور أخرى.
كان لا بد أن نعرض الفكر اللاهوتي السليم أولاً. وبعد الرسو على قواعد لاهوتية ثابتة، نبدأ في مناقشة مفاهيم النصوص.
وتناولنا كل النصوص المستخدمة وناقشنا المفهوم منها ودلالاته. علمًا بأن كلمة (المطهر) لم ترد في الكتاب المقدس كله. وبالتالي لم ترد في كل تفاسير الآباء الأُوَل للكتاب.
ولي نصيحة أقدمها لإخوتي الكاثوليك بكل حب، ومن عمق أعماق قلبي، وبضمير صالح أمام الله (عب13: 18) (أع23: 1)، ومن أجل خيرهم...
نقّوا الكتب العربية التي كُتبت عن المطهر. وإثبات ذلك ما ورد في هذا الكتاب. وإن كان هناك اعتقاد جديد بخصوص المطهر، أرجو أن تنشروه وباللغة العربية، ومن سلطة كنسية.
البابا شنوده الثالث
[1] هذا الفصل في هذه الموسوعة "إخوتنا الكاثوليك"، تم أخذه من كتاب "لماذا نرفض المطهر؟" الذي أصدره قداسته في عام 1988م، وذلك لتطابق المحاضرات التي كان قد ألقاها قداسته عن هذا الموضوع في الكلية الإكليريكية مع الكتاب، منعًا للتكرار.
الفصل الأول عقيدة إخوتنا الكاثوليك
الفصل الأول
عقيدة إخوتنا الكاثوليك
ما هو المطهر؟
هو في اعتقاد الكاثوليك حالة، أو هو مكان، أو هو حالة ومكان...
هو نار وعذاب، وحبس، واعتقال. هو عقوبات، ووفاء قِصاص، وعملية تكفير...
وسببه هو أن توفي النفس للعدل الإلهي، الديون التي غادرت النفس هذا العالم وهي مُثقلةٌ بها. سواء كانت هذه الديون، هي جُرم الخطايا العرضية، أو بقايا أو آثار الخطايا المميتة المغفورة من جهة الذنب، وليس من جهة العقوبة.
المطهر عقوبة وتكفير
ويعرف إخوتنا الكاثوليك المطهر، بأنه مكان وحالة للتطهير بواسطة عقوبات زمنية. وقد حدد مجمع ليون ومجمع فلورنس "أن الذين يخرجون من هذه الحياة، وهم نادمون حقيقة وفي محبة الله، لكن قبل أن يكفروا عن خطاياهم وإهمالاتهم بأعمال توبة وافيه، تتطهر نفوسهم بعد الموت بعقوبات مطهرة ". [مجمع ليون، ومجمع فلورنس][1].
يقسم إخوتنا الكاثوليك العذاب إلى نوعين:
أ– عذاب الخسران، أو عذاب الحرمان. "وهو الحرمان من رؤية الله والتمتع به. ولكن هذه العقوبة تقترن دائمًا بالثقة الوطيدة في السعادة الأخيرة [بعد المطهر]. لأن الموتى في المطهر يعرفون أنهم أبناء الله وأصدقاؤه. ويتوقون إلى الاتحاد به اتحادًا صميمًا. فيزيدهم شعورهم هذا ألمًا بهذا الفراق المؤقت"[2].
والعذاب الآخر هو عذاب الحواس. ويجمع علماء اللاهوت على أن عذاب الحواس يضاف إلى عذاب الحرمان[3].
وهنا تبدأ مناقشة مشكلة (النار) والخلاف حولها...
وقد ورد في كتاب (اللاهوت النظري) إن "النفوس المعتقلة في المطهر تكابد عذاب الخسران بفقدانها الخير الأعظم. ولكن هذا العذاب لا يُسقطها في اليأس، لأنها ترجو الفوز يومًا ما بالسعادة السماوية"[4].
"وفوق ذلك أنها تقاسي عذاب الحس كما يستدل عليه من أقوال الآباء ومن كلام المجمع الفلورنتيني الذي قال عن هذه النفوس: "إنها تطهر بالعذابات"[5].
وجاء في قرارات مجمع ترنت (جلسة 14 فصل 8): "التائب يتكبد تلك القصاصات، لكي يفي عدل الله الذي أهانه بخطاياه".
ورد في كتاب اللاهوت النظري: العقاب الزمني تستوجبه الخطايا المرتكبة بعد المعمودية، لا يترك بمحو الذنب... والحال أنه كثيرٌ ما يتفق أن يموت البعض مثقلين بخطايا عرضية، وأن بعض الصالحين يموتون قبل أن يتمموا وفاء ما يلزمهم من الكفارة عن العقاب الزمني المرتب على الخطيئة المميتة فما الحكم على مثل هؤلاء: أنهم يهلكون، ولكن هذا مناف للصواب؟! أم أنهم يفوزون بالغبطة السماوية، وهم ملطخون بالدنس، وهذا أيضًا بعيد عن المعقول؟! أم أنهم بمجرد موتهم ينّقون من كل إثم. وهذا ما لا دليل عليه؟! بقي إذًا التسليم بأنه يوجد بعد الموت حال غير ثابتة فيها تطهر النفوس من كل دنس قبل دخولها فردوس الأبرار وهذه الحال هي المطهَر[6].
المَطهَر نارٌ
وقد حدث اختلاف في طبيعة هذه النار: هل هي نارٌ مادية أم لا؟! "فالآباء اللاتين يقولون إنها نار فيزيقية (طبيعية)". ويقول كذلك العديد من علماء اللاهوت الحديثين، معتمدين على ما ورد في (1كو3: 15)[7]. ولكن الإعلانات الرسمية الصادرة عن المجامع، التي أثارها اليونان الأرثوذكس المنكرون لوجود نار مطهَرة، تتكلم فقط عن عذابات مُطهرة، لا عن نار مطهرة[8].
الآباء اللاتين أخذوا النار على المعنى الحرفي. وقالوا بأنها نار فيزيقية للتطهير، جُعلت لتمحو الخطايا العرضية التي لم يُكفر عنها.
وقد ورد في كتاب (اللاهوت النظري):
"أما القول بوجود نار حقيقية في المطهر، فهو رأي كثير الاحتمال، لإجماع اللاهوتيين عليه، ولأن كثيرًا من الآباء قالوا به. إلاَّ إنه ليس إيماننا"[9].
المطهر عذاب
يتحدث المجمع التريدنتيني عن "عذاب زمني يجب على الخاطئ التائب وفاؤه، في هذا العالم، أو في الآتي في المطهر، قبل أن يفتح له طريق الملكوت السماوي". [الجلسة 6 – قانون 3].
وقيل في كتب الكاتشيزم، في كتاب التعليم المسيحي الذي أصدرته الرابطة الكهنوتية ببيروت – المطبعة الكاثوليكية سنة 1964م:
411– ما مصير النفس بعد الموت؟
بعد الموت تمثل النفس أمام الخالق، لتؤدي حسابًا عن أعمالها. وهذه هي الدينونة الخاصة وفي بند 414 يعقب الدينونة الخاصة الجزاء العادل.
417– هل تدخل النفس البارة السماء حالًا بعد الدينونة؟
إن النفس البارة بعد الدينونة الخاصة، غالبًا تدخل المطهر، وهو عذاب أليم، به تفي النفس ما تبقى عليها من عقاب زمني.
هذا هو ما يتعلمه أولادنا في المدارس الكاثوليكية عن المطهر...
ويقول الأب لويس برسوم في كتابه (المطهَر) ص5 عن العذابات الجهنمية: "المقصود هنا بالعذابات الجهنمية، كما لا يخفى، هو العذابات المطهرية التي لا فرق بينها وبين العذابات الجهنمية، إلاَّ فيما عدا أن الأولى دائمة والثانية مؤقتة"!!
المطهر لمن؟
يقسم إخوتنا الكاثوليك كل البشر إلى ثلاثة أنواع:
أ – نوع بار كامل صالح وهذا يذهب إلى السماء، مباشرة بعد الموت.
ب– نوع شرير. وهذا يذهب مباشرة إلى جهنم.
جـ– نوع ثالث مؤمن، وبار، ومحب لله. ولكن عليه للعدل الإلهي ديونًا لم يقم بوفائها بعد. وهذا يذهب إلى المطهر. وهذا النوع يشمل غالبية البشر.
وهذه الديون إما بسبب الخطايا العرضية التي لم يقدم عنها توبة، أو فاجأه الموت قبل التوبة. أو بسبب خطايا مميتة تاب عنها، وغُفرت له، ونال الحِلّ عنها. ولكنه مات قبل أن يوفي حسابها من العقوبة.
وقد حدد مجمع ليون ومجمع فلورنس "أن الذين يخرجون من هذه الحياة، وهم نادمون حقًا، وفي محبة الله، ولكن قبل أن يكفروا عن خطاياهم وإهمالاتهم بأعمال توبة وافية، تتطهر نفوسهم بعد الموت بعقوبات مطهرة"[10].
وفي شرح هذه الأنواع الثلاثة قال الأب لويس برسوم في كتابه (المطهر): "وإنه طبقًا لهذه الدينونة الخاصة، لا الدينونة العامة، يتقرر مصير الإنسان الأبدي: فإن كان صالحًا كل الصلاح، يذهب توًا إلى السماء كلعازر المسكين الذي نقتله الملائكة إلى أحضان إبراهيم (لو16: 22). "أما إذا كان شريرًا الشر كله، فإنه يذهب إلى جهنم النار"، مثل ذلك الغني الذي يذكره القديس لوقا في (لو16: 24).
أما إذا كان بَينَ بَينْ، أي لا صالحًا الصلاح كله، ولا شريرًا كله، كما هي الأغلبية الساحقة من بني البشر، فإنه يذهب إلى المطهر، إلى ما شاء الله أو بالحري كما يقول الإنجيل: "حتى يوفي آخر فلس" عليه للعدالة الإلهية (مت5: 26).
ثم يعود المؤلف ليشرح فكره "بتعبير آخر" فيقول:
"من مات وهو حالة "النعمة المبررة" وليست عليه أية ديون نحو العدل الإلهي يفي بها، كالطفل المعمد مثلاً، فإنه يذهب إلى السماء مباشرة، حيث يعاين الله وجهًا لوجه إلى الأبد (1كو13: 12). "وأما إن مات مجردًا من حلة العرس "النعمة المبررة" (راجع متى 22: 1- 14) أي من كان ضميره مثقلاً بوزر الخطية المميتة التي لم يتب عنها، فإنه يذهب من فوره إلى عذاب اللهيب الأبدي".
"وأما من فارق الحياة، وهو في حالة النعمة المبررة، ولكن ضميره كان مُثقلاً ببعض الخطايا، مما يغفر في الدهر الآتي، فإنه يذهب إلى المطهر لينال مغفرة تلك الخطايا، لا بالحلّ منها كما في سر التوبة، بل بالحلّ منها عن طريق تطهيره بنار المطهر"[11].
ويقول نفس المؤلف أيضًا في نفس كتابه صـ13 عن حالة النفس عند الموت: "وأما إذا كانت مذنبة بذنوب عرضية، ومن ثم في حاجة إلى تطهير، فإنها تحت وقرِّ هذه الذنوب، تحس بحالة الانسحاق، بحيث أنها تنحدر إلى المطهر من تلقاء ذاتها". أما متى تنتهي العقوبة في المطهر، فيقول المؤلف في صـ21:
"حتى إذا ما تطهرت النفس تمامًا من كل شائبة خطية، وأوفت ما تبقى عليها من قصاصات زمنية مرتبة على خطاياها المميتة المغفورة، أُدخلت من فورها إلى السماء، مقر الطوباويين من الملائكة والقديسين".
ويقول نفس المؤلف في صـ21 أيضًا تعليقًا على قول السيد المسيح إن التجديف على الروح القدس لا مغفرة له في هذا الدهر، ولا في الدهر الآتي (مت12: 32). ويقول: معني ذلك أن هناك من الخطايا ما يُغفر في الدهر الآتي.
فإذا سألت: "ما هي الخطايا التي تغفر في الدهر الآتي؟ "... أجبتك أنها الخطايا غير الثقيلة، أي الخطايا العرضية، كالخطايا التي تصنع دون معرفة كاملة، أو دون إرادة كاملة، وكخطايا السهو وما إلى ذلك.
ويخلص من ذلك أن هذه الخطايا عقوبتها في المطهر (صـ22). ذلك "لأن الخطايا الثقيلة، لما كان عقابها جهنم هي أبدية، إذًا فهي غير قابلة للمغفرة في الدهر الآتي" (صـ21).
مكان المطهر
ورد في كتاب (اللاهوت النظري):
"وأما ما يتعلق بمكان المطهر، فغير محقَّق. وقد ارتأى القديس توما أنه في أسفل الأرض حيث هي جهنم، بحيث أن النار التي تعذب الهالكين في جهنم، هي عينها تطهر الصالحين في المطهر[12]". الأب لويس برسوم يسمي المطهر "السجن المؤقت" (صـ21).
وهو يحاول أن يثبت أن المطهر هو السجن، من قول الرب: "كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ، لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي، وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ، فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ" (مت5: 25، 26). ويقول عنه أيضًا إنه: "مكان الألم والكآبة والتنهد" (صـ22).
ومن العجيب أن الإخوة الكاثوليك في محاولة لإثبات وجود المطهر من آيات الإنجيل، اعتمدوا على قول الرسول: "لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ" (في2: 10). فقال الأب لويس برسوم في كتابه (المطهر صـ26): "ولكن من هم الذين يجثون باسمه تحت الأرض؟ تُرى، هل هم الهالكون الذين في جهنم؟ كلا بالطبع...".
وإذًا فلا مفر من الاعتقاد بأن الذين تجثو لاسم يسوع ركبهم تحت الأرض، هم النفوس المعتقلة إلى الحين، في ذلك المكان الواقع في باطن الأرض والذي أعده الله لتطهير الذين ينتقلون من عالمنا إلى العالم الآخر، ولا تخلو نفوسهم من بعض الشوائب والعيوب، التي تحرمها مؤقتًا من دخول السماء. والنتيجة هي - شئنا أم أبينا – فلا بد من التسليم بوجود المطهر"!!
المطهر سجن واعتقال
إذًا هنا تعليم بأن المطهر هو سجن تحت الأرض، في باطن الأرض، يذهب إليه الذين لهم بعض الشوائب ليتطهروا...
وتعبير السجن أو الاعتقال قرره مجمع تريدنت للكاثوليك:
الذي قرر في جلسته الخامسة والعشرين أنه (لما كانت الكنيسة الكاثوليكية التي يرشدها الروح القدس، قد علَّمت في مجامعها المقدسة، وحديثًا في هذا المجمع المسكوني بأن ثمة مطهرًا، وبأن النفوس المعتقلة فيه تُساعَد بصلوات المؤمنين ولا سيما بذبيحة المذبح الكفارية، فإن هذا المجمع يوصي الأساقفة بأن يهتموا الاهتمام كله بأن يؤمن المؤمنون بهذا التعليم الصادق عن المطهر)[13].
وقيل في تعريف المطهر أيضًا إنه: "حبس يدعى نار المطهر، تتعذب فيه أنفس الأتقياء إلى زمان معيَّن ومحدود، وتتطهَّر لكي تقدر أن تدخل الوطن السماوي وبلادها الأبدية، التي لا يدخل إليها شيء نجس".
"تذهب إليه نفوس الأبرار بعد الموت: إما لتتطهَّر من خطاياها الطفيفة، أو لتوفي عن قصاصات الخطايا المغفورة، إن لم تكن قد وفت عنها وهي على الأرض". وقيل عن المطهر أيضًا: "يدخل إليه جميع الذين يموتون في الكنيسة الكاثوليكية، ولكنهم لم يوفوا بعد قصاص خطاياهم الزمني بكماله، بحسب قانون سر التوبة وهو مكان عذاب".
تاريخ المطهر
الكتاب المقدس كله، من أول سفر التكوين إلى آخر سفر الرؤيا، لا تجد فيه عبارة المطهر، لا في العهد القديم، ولا في الأناجيل ولا في الرسائل، ولا في أي سفر من الأسفار. فمتى عرفت هذه العبارة؟! يقول الأب لويس برسوم الفرنسيسكاني في كتابه (المطهر صـ40):
"وأما الذي قرر أن يسمي "مكان تطهير النفوس" باسم (المطهر)، وذلك بناء على التقليد الشائع وقتذاك وسلطة الآباء القديسين، فهو البابا أينوشنسيوس الرابع في خطاب له لأسقف توسكولو (مدينة بجوار روما)، بتاريخ 6 مارس سنة 1254م، أي في منتصف القرن الثالث عشر. وهنا نسأل: ما هي المجامع الكاثوليكية التي قررت المطهر:
يجيب نفس المؤلف في صفحة 39 من كتابه: "هذه العقيدة حددها كل من مجمع لاتران المسكوني سنة 1215م، ومجمع ليون المسكوني 1274م، ومجمع فلورنسا المسكوني 1431م، ومجمع تريدنت المسكوني (1545 – 1563م). وأيَّدها تأييدًا كاملاً آخر مجمع مسكوني، ألا وهو مجمع فاتيكان الثاني بقوله: "إن هذا المجمع يتقبل، بعمق التقوى، إيمان أجدادنا المبجل، الخاص بهذه الشركة الحيوية القائمة بيننا وبين إخوتنا الذين وصلوا إلى المجد السماوي، أو الذين لا يزالون يتطهرون بعد موتهم".
من هنا نرى أن عقيدة المطهر لم تقرر عند الكاثوليك إلا في القرن الـ13، وتثبتت عندهم في القرن الـ15. وقد عارضها جميع الأرثوذكس في العالم، سواء الكنائس الأرثوذكسية القديمة، التي رفضت مجمع خلقدونية سنة 451م، أو الكنائس الأرثوذكسية البيزنطية التي رفضت انبثاق الروح في القرن الحادي عشر، أو الكنائس البروتستانتية التي رفضت أمورًا عديدة جدًا منذ القرن الـ15. وأصبحت الكاثوليكية – في قضية المطهر – تواجه كل هؤلاء.
نهاية المطهر
يرى إخوتنا الكاثوليك أنه لا بقاء للمطهر بعد الدينونة العامة. فقد ورد في كتاب (مختصر في علم اللاهوت العقائدي) الجزء الثاني صـ153، 154.
لن يدوم المطهر إلى ما بعد الدينونة العامة (قضية عامة).
"بعد ما يصدر الديان الأعظم حكمه (مت 25: 24، 41)، لن يكون غير السماء والجحيم". "أما المدة المحددة للامتحان، المطهر، فلا سبيل إلى معرفتها، لكل نفس بمفردها، ويقول أيضًا: "يدوم المطهر لكل نفس إلى أن تتطهر من كل إثم وعقاب وعندئذ تدخل مطهرة إلى النعيم السماوي". وورد في كتاب اللاهوت النظري لإلياس الجميل صـ498: "إنه من المحقق أيضًا أن المطهر لا يتجاوز يوم الدينونة الأخيرة. وأن العذابات فيه تختلف شدة وخفة باختلاف الخطايا التي تكفر النفوس فيه عنها".
معونة للنفوس في المطهر
وسط العذابات التي يكابدها المعتقلون في المطهر، تعلِّم الكنيسة الكاثوليكية بأن هؤلاء يعانون بصلوات المؤمنين، وبتقديم ذبيحة الإفخارستيا المقدسة. وبالأعمال الصالحة التي للمؤمنين، كالإحسانات.. هناك معونة أخرى من القديسة العذراء، التي يلقبّها الكاثوليك بسيدة المطهر.
وقيل أيضًا إن البابا له سلطان على تخفيف العقاب.
وقيل إن النفوس التي فيه تُعان بصلوات الأنبياء، ولا سيما بذبائح المذبح المُرضية.
وعن الذين يدخلون المطهر، ورد في معجم اللاهوت الكاثوليكي، الذي ترجمه المطران عبده خليفة، عن المطهر صـ323: "فُرض هذا المفهوم منذ العصور الوسطى، ليدل على مراحل التطهير. والإنسان يخضع لهذه المراحل التطهيرية، إذ يموت مبررًا بالنعمة، بمقدار ما تكون حالة "العقاب" المستحق لا تزال موجودة فيه. ولم تزال بزوال الخطايا بالغفران يوم التبرير".
ويقول: "يجب أن لا تمنعنا كلمة المطهر من أن نجد كلمة أصح وأحسن لتدل على هذه المراحل التي نوهنا عنها. علمًا بأن النظريات النفسانية والتربوية لا تحبذها كثيرًا (وهذه الملاحظة تنطبق خاصة على الكلمة الألمانية Fegfeuer التي تعني حرفيًا: النار المطهرة (ملاحظة المترجم).
الخلاصة
إن المطهر مكان عذاب، وعذاباته تشبه عذابات جهنم.
وهو مكان سجن واعتقال، ويوجد تحت الأرض، كالهاوية.
وهو نار، أيًا كان نوع هذه النار... وهو للقصاص، حتى للخطايا المغفورة.
ويدخله الغالبية العظمى من البشر، الأبرار الأتقياء، من محبي الله وأولاده... حتى من أجل السهوات والهفوات، والخطايا غير الإرادية، والتي بغير معرفة... أتراه يعطي صورة عن عدل الله وقداسته، كما يقال؟! ولكنه لا يعطي صورة عن محبة الله، الذي أحب حتى بذل (يو3: 16).. إن هذا هو المطهر.
المطهر هو أسوأ صورة للحياة بعد الموت..
[1] مختصر في علم اللاهوت العقائدي، جـ2، صـ150، 151
[2] مختصر في علم اللاهوت العقائدي، جـ2، صـ150، 151.
[3] المرجع السابق.
[4] اللاهوت النظري لألياس الجميل جـ2، صـ498.
[5] المرجع السابق.
[6] اللاهوت النظري، لألياس الجميل جـ 2 صـ497.
[7] "إِنِ احْتَرَقَ عَمَلُ أَحَدٍ فَسَيَخْسَرُ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيَخْلُصُ، وَلكِنْ كَمَا بِنَارٍ".
[8] مختصر في علم اللاهوت العقائدي، جـ2، صـ150، 151.
[9] اللاهوت النظري لألياس الجميل جـ2، صـ498.
[10] مختصر في علم اللاهوت العقائدي، جـ2، صـ150، 151
[11] المرجع السابق.
[12] المرجع السابق.
[13] الأب لويس برسوم: المطهر صـ39، 40.
الفصل الثاني رفض المطهر من الناحية اللاهوتية
الفصل الثاني
رفض المطهر من الناحية اللاهوتية
المطهر ضد الكفارة والفداء
عجيب أننا نقرأ في القرارات والشروحات الخاصة بالمطهر، عبارة "يكفّر عن خطاياه"، أو عبارة "يوفي ديونه تجاه العدل الإلهي"!!
بينما الكفارة هي عمل السيد المسيح وحده.
وهو وحده الذي وفَّى كل مطالب العدل الإلهي.
ولو كان الإنسان يستطيع أن يكفِّر عن خطاياه، أو يوفي مطالب العدل الإلهي، ما كانت هناك ضرورة أن الابن يخلي ذاته، ويأخذ شكل العبد، ويتجسد ويُصلب ويتألم ويموت!! ما لزوم التجسد إذًا؟ وما لزوم الفداء؟ وما الحكمة فيه؟!
أساس عقيدة الكفارة والفداء، أن الإنسان عاجز كل العجز عن إيفاء مطالب العدل الإلهي... مهما فعل، ومهما عوقب، ومهما نال من عذاب...
والآيات الكتابية الخاصة بكفارة المسيح كثيرة جدًا، منها:
(1يو2: 1، 2) ".. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا".
(1يو4: 10) "لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا".
(رو 3: 24، 25) "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ".
الله هو الذي يكفِّر عنّا. لذلك قيل في المزمور: "لَكَ يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ يَا اَللهُ.. مَعَاصِينَا أَنْتَ تُكَفِّرُ عَنْهَا" (مز65: 1، 3).
نعم أنت، وليس نحن. لأن الجزاء غير المحدود للخطايا، لا يستطيع مطلقًا أن يوفيه الإنسان المحدود. ولو كانت العقوبة تصلح للتكفير، لكان الله قد استخدم العقوبة بدلاً من إخلاء الذات والتجسد والفداء.
الكفارة منذ العهد القديم، تتعلَّق بالدم والموت...
لذلك قيل في الكتاب بكل صراحة "وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب9: 22). وقال السيد المسيح نفسه لتلاميذه القديسين: "هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا" (مت26: 28). وهكذا كثُرت الذبائح في العهد القديم. وكانت كلها رمزًا للسيد المسيح. وكان دمها الذي يكفَّر به، رمزًا لدم هذا المصلوب. وهكذا تنبأ إشعياء النبي قائلاً: "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش 53: 6).
لاحظ عبارة "إثم جميعنا". فما دام قد حمل آثام الكل، فما معنى العقوبة في المطهر؟! أليس هو الذي حمل العقوبة، كل العقوبة، عنّا. ودفع الثمن، كل الثمن، عنّا "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا" (إش 53: 5).
نحن عاجزون عاجزون عاجزون عن إيفاء العدل الإلهي، وسنظل عاجزين إلى أبد الآبدين. وتكفير الإنسان عن خطاياه بعقوبة أو نسك، هو أمر مرفوض لاهوتيًا.
لذلك نحن نرفض كل العبارة التي فيها عقيدة المطهر عن إيفاء الإنسان للعدل الإلهي، والتكفير عن خطاياه بعذابات، أيًا كانت مدتها، وأيًا كانت شدتها. لأن المطهر ضد عقيدة الخلاص. فالكفارة من عمل المسيح وحده.
المطهر ضد عقيدة الخلاص
فالخلاص هو بالدم فقط، دم المسيح وحده... هذه هي عقيدة الفداء، وهذه هي عقيدة مغفرة الخطايا في المسيحية.
دم المسيح، هو المطهر الوحيد الذي نؤمن به، بالمعنى اللاهوتي السليم.
وهذا هو ما قاله القديس يوحنا الحبيب في تطهيرنا. وليتنا نحفظ عبارته هذه الخالدة: "وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (1يو1: 7).
وعبارته (كل خطية) عبارة شاملة، تشمل كل أنواع الخطايا التي يذكرها إخوتنا الكاثوليك: الخطايا العرضية، والخطايا المميتة.. الخطايا الطفيفة، والخطايا الثقيلة.. نعم، يطهرنا من كل خطية. وكما قيل أيضًا: "هو أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1يو1: 9).
الشرط الوحيد هو التوبة "إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا"، "إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ" (1يو1: 7، 9).
وهذا التطهير تعبِّر عنه آية وهي: "غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوا ثِيَابَهُمْ فِي دَمِ الْخَرُوفِ" (رؤ7: 14). قال القديس يوحنا هذا عن: "جمع كثير، لم يستطيع أحد أن يعده من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة "وَاقِفُونَ أَمَامَ الْعَرْشِ.. مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ" (رؤ7: 9). وعن هذا الدم، قال القديس بولس الرسول: "بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا" (عب9: 12). وقال: "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا" (أف1: 7).
ولذلك اشترانا الرب بدمه الكريم. ولذلك غنى أمامه الأربعة والعشرون كاهنًا في سفر الرؤيا، وقالوا له: "وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ" (رؤ5: 9، 10). من أجل هذا نحب الصليب، الذي عليه دفع ثمن خطايانًا. من أجل هذا نحب الصليب، الذي عليه دفع ثمن خطايانا... أما وجود المطهر، فهو إهانة لعمل الصليب. لذلك عجبت لأناس يكرمون الصليب، ويؤمنون بالمطهر!! نقول إنه على الصليب ظهر الحب الإلهي: "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ.." (يو3: 16). فكيف يتفق هذا الحب مع عذاب المطهر عن السهوات والهفوات والخطايا المغفورة؟!
لا شك أن الذين ينادون بالمطهر، وبمفهوم وفاء الإنسان للعدل الإلهي... إنما يقدمون للأسف عقيدة جديدة، وهي المناداة بالخلاص الجزئي!
كما لو كان الخلاص الذي جاء به المسيح، هو فقط خلاص من وصمة الخطية، ليس خلاصًا من عقوبة الخطية!! خلاصًا من الخطايا التي لم يكمل القصاص عنها!! أو قل كما لو كان المسيح قد قدم خلاصًا عن الخطية الجدية، ولم يقدم خلاصًا عن الخطايا الفعلية التي لا بد أن نوفي عنها قصاصًا، سواء على الأرض أو بعد الموت!! وهذا الخلاص الجزئي يقف ضده قول القديس بولس:
"فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ" (عب7: 25).
"يخلص إلى التمام"... ما أجمل هذه العبارة في الرد على المطهر. أي أنه خلاص تام كامل، ليست فيه على الإنسان بقية من قصاص... لقد دفع السيد المسيح الثمن كاملًا للعدل الإلهي، وشهد على الصليب قائلاً: "قَدْ أُكْمِلَ" (يو19: 30).. إذًا ليس هناك نقص نكمله نحن في وفاء العدل الإلهي...
إن المطهر وعذاباته، إهانة صريحة لكمال كفارة المسيح!!
وكأن (المعذَّبين في المطهر) يصرخون إلى السيد المسيح قائلين: أين خلاصك، وها نحن نتعذب؟! أين الذي دفعته عنا، وها نحن ندفع الثمن؟! ما معنى قولك إذًا لله الآب "والْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ" (يو17: 4)؟!
إن المطهر هو تناقض صريح مع بشرى الخلاص المفرحة!!
ما معنى أن مجد الرب أضاء، ووقف ملاك الرب يبشر الرعاة بميلاد المسيح قائلاً: "لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 9 – 11).. وكأنى بإخوتنا الكاثوليك يعاتبون هذا الملاك قائلين:
"ما هو هذا الفرح العظيم الذي تبشرنا به؟! وكيف لا نخاف ونيران المطهر وعذاباته تهددنا، كأن لا خلاص ولا مخلص؟!!
وأين هذا الفرح العظيم الذي يكون لجميع الشعب، ما دامت عذابات المطهر تنتظره؟! وهل يستطيع مسيحي أن يهتف مع بولس الرسول قائلاً: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 23). أم أنه يقول على العكس: أخاف أن أُطلق من الجسد، وأكون في المطهر بكل ما فيه من نار وعذاب وسجن!
حقًا إن الموت هو رعب بالنسبة إلى المؤمنين بالمطهر، وضد بشارة الخلاص المفرحة..
فليس الجميع في المستوى الروحي الذي لبولس الرسول، الذي قال: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ". ومَن مِن البشر يمكنه أن يضمن أنه مات وقد وفى عقوبة خطاياه؟! لا شك أن الكل يعتمد على الخلاص الذي قدمه المسيح...
ولكن كيف تتفق كلمة الخلاص مع المطهر، إلاّ لو كان خلاصًا جزئيًا؟! وحاشا أن يكون هذا، وهو الذي "يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ" (عب7: 25).
أهم ما في رسالة المسيح أنه المخلِّص. وقد سُمِّيَ يسوع، "لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (مت1: 21). وقد جاء إلى العالم "لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (مت18: 11). وقد شهد القديس يوحنا الرسول قائلًا: "نَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا وَنَشْهَدُ أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الابْنَ مُخَلِّصًا لِلْعَالَمِ" (1يو4: 14). والقديس بطرس الرسول يدعوه "الْمُخَلِّصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (2بط 1: 1) (2بط2: 20). والقديس بولس الرسول يدعوه "الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا" (تي1: 4). فما موقفه كمخلص من المطهر؟!
أما يقدر هذا الذي خلص المؤمنين به من "البحيرة المتقدة بالنار والكبريت" (أن يخلصهم أيضًا من هذا المدعو (المطهر)؟!
أما يقدر هذا الذي خلَّص العالم كله من خطاياه، أن يخلِّص أيضًا من هذه التي تسمى خطايا عرضية، ومن الخطايا الأخرى التي غُفرت ولم تستوف قصاصًا من الكنيسة؟! وما معنى "يخلِّص إلى التمام"؟ وكيف يُدعى مخلصًا، (والذين في المطهر) يدفعون ثمنًا لخلاصهم؟!
إن مفهوم الخلاص في ظل المطهر، كان عثرة كبيرة لإخوتنا البروتستانت.
حتى أنهم في محبتهم للاطمئنان على خلاص الناس، صاروا يسألون كل من يتعرفون عليه "هل خلُصت يا أخ؟"، "هل قبلت المسيح فاديًا ومخلصًا". وأصبح موضوع الخلاص من أهم الموضوعات التى يتكلمون عنها ويكتبون ويسألون. حتى في نُسخ الأناجيل التي يوزعها الجدعونيون، يرفقون بها تعهدًا بقبول المسيح فاديًا ومخلصًا... وهنا أحب أن أسأل في محبة كاملة وفي صراحة:
هل يعتقد أي أخ كاثوليكي أن المسيح قد خلَّصه، بينما نار المطهر تتهدده حتى لو تاب؟
وذلك لأن نار المطهر، يدخلها الأبرار محبو الله الذين لهم خطايا عرضية وخطايا مميتة قد غُفرت بالتوبة ولكن لم تستوف قصاصها بعد. ولذلك يقول الأب لويس برسوم في كتابه المطهر صـ5 إن المطهر هو لحالة "هي الأغلبية الساحقة من بني البشر" (سطر13)... وكما يقول كتاب التعليم المسيحي (الكاتشزم) الذي يتعلمه أولادنا في المدارس الكاثوليكية تحت رقم 417 "إن النفس البارة، بعد الدينونة الخاصة، تعاني غالبًا ألم، به تفي النفس ما تبقّى عليها من عقاب زمني"...
لاحظوا هنا الذي ينال العذاب الأليم هو النفس البارة!
ذلك لأن الأبرار – في ظل عقيدة المطهر – يتعذبون هم أيضًا كالأشرار!! والفرق بينهما أن الأبرار عذابهم مؤقت، والأشرار عذابهم دائم!!
أين الخلاص إذًا الذي قدمه المسيح؟! وأين البشارة المفرحة التي يحملها الإنجيل؟! وكيف نطلب من الناس أن يؤمنوا بمخلِّص للعالم يسمح أن النفس البارة تكابد عذابًا أليمًا في المطهر بحجة أن هذه النفس لا بد أن تفي ما تبقى عليها من عقاب زمني؟! ومن الذي فرض عليها هذا العقاب الزمني، وحدود هذا العقاب، حتى تعرف ما تبقى عليها؟ أهي الكنيسة؟!
هنا وتعرض إخوتنا البروتستانت للعثرة الثانية من جهة السلطان الكنسي.
هذا السلطان الذي يفرض عقوبات على النفوس التائبة، لا بد أن توفيها، ولو بعد الموت، بعذاب أليم في المطهر... وهكذا أنكروا سلطان الكهنوت. ولما رأوا أن هذا السلطان تسنده قوانين كنسية، أنكروا هذه القوانين أيضًا، وأنكروا معها التقاليد كذلك.. وبخاصة لأن عقيدة الكاثوليك في المطهر، قررها مجمع فلورنس في القرن الخامس عشر قبل ظهور البروتستانتية بقليل... فلماذا كل هذا يا إخوتي، من الجانبين. وما هي القصاصات الكنسية التي تفرض على الخطاة؟ إنها أعمال التوبة.
وهنا تعرض إخوتنا البروتستانت للعثرة الثالثة من جهة قيمة الأعمال.
هذه الأعمال التي يؤدي التقصير فيها إلى "عذابات المطهر"! وهذه الأعمال التي يمكنها أن توفي العدل الإلهي، وتكون ثمنًا للخطية! حقًا إن الأعمال الصالحة لازمة، وأعمال التوبة لازمة، فقد قال الكتاب: "اصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (مت3: 8). ولكنها لا يمكن أن توفي عقوبة العدل الإلهي، ولا يمكن أن يكفِّر الإنسان بها عن خطاياه!
وهكذا فإن المبالغة التي خرجت عن الحد في قيمة الأعمال، جعلت كثيرين من البروتستانت ينكرون قيمة الأعمال جملة...
المطهر ضد سر التوبة وضد الكهنوت والمغفرة
إن مفعول التوبة كما يشرحه لنا الكتاب المقدس هو: بالتوبة تُمحَى الخطية، ويغفرها الله، ولا يعود يذكرها، ولا يحاسب الإنسان عليها، بل يسامحه، ويصفح عنه، ويطهِّره من خطاياه.
وكل هذا واضح من آيات عديدة في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد. وكل هذا أيضًا ضد عقيدة المطهر. فلنتأمل إذًا ما يقوله الكتاب:
1– فمن جهة محو الخطية، يقول الكتاب:
(أع3: 19) "فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ".
(إش 44: 22) "قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ وَكَسَحَابَةٍ خَطَايَاكَ".
(كو2: 13، 14) "وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحًا لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا..".
(إش43: 25) "أَنَا أَنَا هُوَ الْمَاحِي ذُنُوبَكَ لأَجْلِ نَفْسِي، وَخَطَايَاكَ لاَ أَذْكُرُهَا".
2– وهذه الخطايا التي محاها الله، كيف يعود ويفرض عليها عقوبات وهي قد محيت، وما عاد يذكرها؟!
ومن جهة أنه ما عاد يذكرها، نذكر أيضًا قول الرب:
(إر31: 34) "لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ".
(حز18: 21، 22) "فَإِذَا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُ الَّتِي فَعَلَهَا وَحَفِظَ كُلَّ فَرَائِضِي وَفَعَلَ حَقًّا وَعَدْلًا فَحَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ.. كُلُّ مَعَاصِيهِ الَّتِي فَعَلَهَا لاَ تُذْكَرُ عَلَيْهِ. فِي بِرِّهِ الَّذِي عَمِلَ يَحْيَا".
3- وإن كان الله لا يعود يذكر الخطايا التي تاب عنها الإنسان، فبالتالي لا يعاقب. لأن المعاقبة معناها أن الله لا يزال يذكر هذه الخطايا، ولم يغفرها بعد.
4- وهو لم يقل فقط أنه لا يذكرها، بل أيضًا لا يحسبها على التائب:
وهنا نرى المرتل يفرح بهذا الأمر، ويقول في المزمور:
(مز32: 1، 2) "طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ.. طُوبَى لِرَجُل لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً".
(2كو5: 19) "أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ".
5– كيف إذًا بعد هذه المصالحة، يعود فيلقي التائبين في عذابات المطهر؟! وكيف يتفق هذا مع قول الكتاب "غير حاسب لهم خطاياهم"؟!
ما دام الله قد غفر، فإن الأمر يكون قد انتهى. ولا يحتاج الأمر إلى تطهير، لأن الله يمزج الأمرين معًا، إذ يقول: (إر33: 8) "وَأُطَهِّرُهُمْ مِنْ كُلِّ إِثْمِهِمِ الَّذِي أَخْطَأُوا بِهِ إِلَيَّ، وَأَغْفِرُ كُلَّ ذُنُوبِهِمِ الَّتِي أَخْطَأُوا بِهَا إِلَيَّ".
6– هنا يكون التطهير من أعمال النعمة، وليس من أعمال العقاب. ويكون التطهير أثناء الحياة على الأرض، وليس بعد الموت. يكون بعمل الروح القدس في التغيير، وليس بعذاب المطهر.
انظروا ماذا يقول الرب عن التطهير في سفر إشعياء:
(إش1: 18) "هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ الرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ. وطبعًا هذا يكلم الأحياء على الأرض، وليست الأرواح بعد الموت.
بل إن داود النبي يقول في المزمور الخمسين: "انضح عليَّ بزوفاك فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ"، "اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي" (مز51). وطبعًا التطهير هنا على الأرض، وليس بعد الموت في المطهر.
وعمل الله في تطهير الإنسان بروحه القدوس، يبدو في سفر حزقيال في قول الرب: (حز36: 25–29) "وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ.. وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي، وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَ بِهَا.. وَتَكُونُونَ لِي شَعْبًا وَأَنَا أَكُونُ لَكُمْ إِلهًا.. وَأُخَلِّصُكُمْ مِنْ كُلِّ نَجَاسَاتِكُمْ".
نعم، هذا هو التطهير الحقيقي، يعمل الله فيه، ونعمته المطهِّرة المجدِّدة المبرِّرة، وليس بأسلوب العذاب والعقاب.
إن الذهب قد تضعه في النار، فيتطهَّر وتسقط عنه شوائبه. لأنه معدن لا يحس ولا يشعر. أما الإنسان الذي له روح وعقل ونُطق وقلب ومشاعر، فلا تصلح معه نار تطهِّره، إنما يطهِّره عمل الله، وسكنى روح الله فيه، ونعمة الله التي تهب القلب الجديد والروح الجديدة. فيتطهر الإنسان بالتوبة ومحبة الله ونقاوة القلب.
7- والتطهير لا يكون بعد الموت، حيث لا حروب من الجسد ومن المادة ومن العالم ومن الشيطان، إنما يكون هنا، حيث توجد الحروب وينتصر الإنسان فيه بقوة من الله.
إن الفكرة التى يقدمها المطهر ليست عملية تطهير، إنما هي عملية عقاب ومجازاة. ولذلك قيل في هدفها إنها تكفير لا تطهير... ولست أدري كيف سُمِّيت بالمطهر؟ أي تطهير يوجد في النار والعذابات والعقوبة التي قد تجعل القلب يتضايق ويتذمَّر كلما طالت المدة، ويشك في محبة الله. فبدلاً من أن يتطهَّر يزداد إثمًا على إثم..
8– أيضًا عذابات المطهر لا تتفق مع المغفرة، ولا مع التحليل الذي يسمعه التائب من فم الكاهن.
ما فائدة التحليل، الذي بعد سماعه من المفروض أن يخرج التائب والسلام يملأ قلبه، لأنه قد ألقى عبئًا ثقيلاً من على كاهله، وانتقلت الخطية منه إلى كتف المسيح ليحملها عوضًا عنه.. ولكن بفكرة المطهر، يجد التائب المعترف أنه لم يستفد شيئًا. وأن الخطية لا تزال قائمة ضده، تهدِّده بمستقبل مرعب في المطهر. إن عقوبة المطهر بهذا الوضع تعطي شكًا في تحليل الكاهن وفي سر التوبة.
9– إن ضرورة بقاء العقوبة بعد الموت، على الرغم من المغفرة، أمر لا يتفق مع تعليم الكتاب.
وأكبر توضيح لذلك قصة الابن الضال الذي لما عاد إلى أبيه، انتقل من الموت إلى الحياة (لو15: 24، 32). ولم يلق عقابًا، بل العكس وجد المحبة والقبول والإكرام، والحلة الأولى، والخاتم في يده... إنها الصورة التي نذكرها عن محبة الله وغفرانه... بعكس عقيدة المطهر التي تعطينا صورة قاتمة عن المغفرة التي لا تعفي من العقوبة.
10– إن صورة المطهر، تذكِّرنا بالعهد القديم، ولعنات الناموس وكأننا لم ننل بعد خلاص الرب ونِعم الفداء.
إنها تطالب بثمن الخطية، كأنه لم يُدفع على الصليب.
وتجعل العقوبة لا تزال قائمة، كأن الفداء لم يتم بعد.
وتُنسينا الصلح الذي تم بيننا وبين الله بكفارة ابنه. إن عقيدة المطهر لا تعيش في العهد الجديد الذى يقول فيه الكتاب إن المسيح "أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا" (رو4: 25). وأنه "حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ" (1بط2: 24). إنه العهد الجديد الذي يقول لنا: "اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ! لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ!" (رو5: 8– 10).
11- إن عذاب المطهر لون من الدينونة، ونحن بموت المسيح نجونا من الدينونة.
وهوذا الكتاب يقول: "إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ" (رو8: 1). وتقول: هذا للسالكين ليس بالروح. وماذا عن الذين يخطئون خطايا عرضية أو مميتة؟ أقول لك إنها بالتوبة تُمحى، بدم المسيح ويبقى أمامهم ذلك الرجاء المُفرح "لا شيء من الدينونة".
12– إن عقيدة المطهر ضد عقيدة الخلاص المجاني: هذه التي ذكرها الكتاب صراحة "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ" (رو3: 24). فإن كان الإنسان يدفع ثمن خطيته: سنوات عذاب يقضيها في المطهر، حينئذ يكون هو الذي دفع الثمن، وليس المسيح الذي دفع عنه. ولاهوتيًا لا يستطيع هو أن يدفع الثمن، لأن الثمن الحقيقي هو الموت أي الهلاك. وقد مات المسيح عنا: "لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16). وأخذنا نحن استحقاق هذا الموت مجانًا.. والمطلوب منا هو التوبة، والسلوك بالروح. تبقى بعد ذلك العبارة التي تتكرَّر تقريبًا في كل الكتب التي نُشرت عن المطهر، وهي أن ناره للتطهير. لماذا؟
13– لأن السماء لا يمكن أن يدخلها شيء دنس أو نجس (رؤ21: 27).
هذا حق. ولكن من قال إن التائب دنس أو نجس؟! إنه بالتوبة أبيض من الثلج. تطهَّر بالتوبة. طهَّره الله حسب وعده الصادق: "مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ.. وَأُخَلِّصُكُمْ مِنْ كُلِّ نَجَاسَاتِكُمْ" (حز36: 25- 29).
إن داود صار طاهرًا، ليس بالمطهر، وإنما بتوبته وبعمل الله فيه، إذ قال: "اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي". التائبون سيدخلون السماء أطهارًا. يغسلهم كما غسل أرجل تلاميذه، وقال لهم: "أنتم الآن أطهار.." (يو13: 10).
14– في فرح الرجاء، يفرح التائبون إذ غُفرت لهم خطاياهم، بل مُحيت (أع 3: 19). ولكن المنادين بالمطهر، يقولون إن التوبة قد محت وصمة الخطية وليس عقوبة الخطية. ولا تزال العقوبة قائمة تؤدي عنها حسابًا هنا أو في المطهر!! حقًا أقول كما قال داود النبي: "فَلْنَسْقُطْ فِي يَدِ الرَّبِّ، لأَنَّ مَرَاحِمَهُ كَثِيرَةٌ وَلاَ أَسْقُطْ فِي يَدِ إِنْسَانٍ" (2صم 24: 14).
الله يقول: "لا أذكرها بعد. لا تُحسب عليه. يبيض كالثلج... أمحوها أغفرها. أصفح عن آثامهم. أطهِّرهم من نجاساتهم".. "لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ" (يو12: 47). والإنسان يقول: لا بد من العقوبة! وإن لم يوفها على الأرض، يقضي زمنًا غير محدَّد في المطهر..! "كرحمتك يا رب ولا كخطايانا".. وهنا نسأل سؤالاً هامًا يحتاج إلى إجابة أهم، وهو:
هل المسيح على الصليب حمل خطايانا فقط، أم حمل أيضًا عقوبتها؟
وإن كان قد حمل العقوبة، فما لزوم الحديث إذًا عن العقوبة في المطهر؟ وإن كانت المغفرة للخطايا فقط دون التنازل عن عقوبتها، فالويل لنا جميعًا... قد هلكنا!! والجميع إلى بحيرة النار والكبريت. وإن كانت المغفرة ترفع العقوبة، فلا مطهر إذًا..
15– يا إخوتي، نادوا بالرحمة، لا بعذابات مطهرية. فالرب يقول: "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ" (مت5: 7).
واطمئنوا على العدل الإلهي، لا تقلقوا عليه!! كلنا نؤمن بالعدل الإلهي، الذي لا بد أن يقتص من غير المؤمنين، ومن غير التائبين، ومن كل السالكين بالجسد والسالكين في الظلمة. أما بالنسبة للمؤمنين التائبين، فالعدل الإلهي استوفى حقه على الصليب.. "لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16). هل الخطايا التي يتعذَّب الناس بسببها في المطهر، حملها المسيح أم لم يحملها؟ مات عنها أم لم يمت؟ دفع ثمنها أم لم يدفع؟
إن كان المسيح قد دفع الثمن، فلا لزوم للمطهر؟
وإن كان المسيح لم يدفع الثمن، فلا تكفي لغفرانها نار المطهر، ولا نار الأبدية كلها.
16– إن الذين ينادون بضرورة وفاء الإنسان للعدل الإلهي، نضع أمامهم قصة السيد الرب في لقائه مع سمعان الفريسي والمرأة الخاطئة التائبة، وقوله في مثال المدينين: "وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا" (لو7: 42).
هذه هي رحمة الله نحو جميع البشر، وكلهم – كهذين المدينين – لا يستطيعون الوفاء بالعدل الإلهي.. بالتوبة يسامحهم جميعًا. ليس لنقص في عدله، أو لأن عدله ضاع بسبب رحمته، حاشا!! وإنما لأن العدل الإلهي قد وفّى حقه على الصليب.
17– أما إن كان لا بد أن ندفع ثمنًا للعدل الإلهي بعد موتنا...
فإننا بصراحة تامة، نكون قد هدمنا كل عقائد الفداء والكفارة والخلاص بالدم، وبالتالي نهدم التجسد أيضًا والهدف منه.
إن الرب في مثال المدينين، قد غفر للمديون بخمسمائة، كما للمديون بخمسين (لو7: 41). للمديون بالكثير، وللمديون بالقليل... عارفًا تمامًا أن كلاً من هذين "ليسا لهما ما يوفيانه".. لا مقترف (الخطايا المميتة) يستطيع أن يوفي. ولا صاحب (الخطايا العرضية) يستطيع أن يوفي.. يكفيهما التوبة والسلوك الروحي وسلامة العقيدة.
المطهر ضد العدل والرحمة
المطهر ضد عدل الله
يقول إخوتنا الكاثوليك إن المطهر هو لإيفاء العدل الإلهي، بالعقوبة عن الخطية. ونحن نرد هنا بأمرين:
1- العدل الإلهي استوفى حقه تمامًا على الصليب.
وذلك حينما صاح الابن المصلوب قائلًا: "قَدْ أُكْمِلَ" (يو19: 30). حينما دفع ثمن خطيته، لكل أحد، في كل زمن حينما دفع ثمن خطايا الماضي والحاضر والمستقبل. حينما قدم كفارة غير محدودة، تكفي لمغفرة خطايا العالم كله. وهنا نسأل إخوتنا الكاثوليك سؤالاً هامًا وخطيرًا وهو: ما مدى كفاية كفارة المسيح؟ هل كان فيها نقص في إيفاء العدل الإلهي، حتى يكملها الإنسان بعذاب في المطهر؟!
فإن كانت الكفارة التي قدمها المسيح عنا كافية ووافية، وكاملة من كل ناحية، فما لزوم العذاب لإيفاء العدل الإلهي؟! ألم يكن العدل قد دفع حقه تمامًا، حينما ظلت النار تشتعل في ذبيحة المحرقة حتى تحوَّلت إلى رماد (لا 6: 8 – 13) "فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا" (تك 8: 21). وصارت ذبيحة المسيح كمحرقة "مُحْرَقَةً وَقُودًا رَائِحَةَ سَرُورٍ لِلرَّبِّ" (لا 1: 9، 13، 17). وهنا نسأل السؤال الثاني الخاص بالعدل الإلهي:
2– هل يوافق العدل الإلهي أن يستوفي حقه عن الخطية مرتين؟!
يستوفى العدل الإلهي من المسيح مصلوبًا نيابة عن الإنسان، يستوفيه كاملاً غير منقوص. ثم يعود ليطالب الإنسان بإيفاء العدل عن نفس الخطايا مرة أخرى، كأن لم تكن ذبيحة المسيح؟!!
من قال إن العدل الإلهي يطالب بثمن؟! ألم يُدفع له الثمن من قبل، وهكذا قال الرسول: "لأَنَّكُمْ قد اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ" (1كو6: 20). فهل من العدل أن يستوفى الله الثمن مرتين؟! ثم نحب أن نسأل أيضًا:
3 – ما هو هذا الثمن الذي يطالب به العدل الإلهي؟ ومَن الذي قرره؟
إني لا أجد له إشارة في الكتاب إطلاقًا!
إخوتنا الكاثوليك يتحدثون عن خطايا قد غُفرت، ولم تستوف قصاصها بعد... فما هو هذا القصاص؟ ومن الذي وضعه؟ ومن قال إن الله يطالب بقِصاص بعد المغفرة؟! أم هي قِصاصات وضعتها الكنيسة؟ ومات التائب قبل أن يوفيها؟! فتفرض الكنيسة وجود مطهر توفى فيه هذه القِصاصات.
إن كانت القِصاصات صادرة من الكنيسة، وإنها كذلك... فالكنيسة التي لها سلطان الربط، لها في نفس الوقت سلطان الحِل (مت 18: 18).
وهنا لا يكون الأمر خاصًا بالعدل الإلهي، وإنما بالعدل الكنسي... بولس الرسول فرض عقوبة على خاطئ كورنثوس (1كو5: 5). فلما تاب هذا الخاطئ، رفع الرسول القديس عقوبته. وبعد أن كان يقول لأهل كورنثوس: "اعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ" (1كو5: 13). عاد يقول لهم في رسالته الثانية: "مِثْلُ هذَا يَكْفِيهِ هذَا الْقِصَاصُ الَّذِي مِنَ الأَكْثَرِينَ، حَتَّى تَكُونُوا بِالْعَكْسِ تُسَامِحُونَهُ بِالْحَرِيِّ وَتُعَزُّونَهُ، لِئَلاَّ يُبْتَلَعَ مِثْلُ هذَا مِنَ الْحُزْنِ الْمُفْرِطِ" (2كو2: 6، 7). لقد فعل هذا مع الخاطئ ليس فقط له خطية مميتة، بل أقول مميتة جدًا، لدرجة أن الرسول وبخ الشعب كله بسببها.
ولم تُفرض على خاطئ كورنثوس سنوات في المطهر!! ولم يحدد لعقوبته زمان معين. وإنما رجع الرسول في عقوبته بسبب عمق التوبة. ولأنها أتت بنتيجتها الروحية. فالقِصاصات الكنسية لون من العلاج أكثر من أن يكون عقوبة وقِصاصًا.
إنه قِصاص يدخل في التدبير الروحي، وليس وفاء للعدل الإلهي..
فالعدل الإلهي يقول إن: "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23). والعدل الإلهي يقول إن هذا الموت قد أستوفى على الصليب. ولكن لا يستحقه سوى المؤمنين التائبين. ولهذا يقول: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5).
والعدل الإلهي يقول إن الخطية تُمحى بالتوبة.
وهكذا يقول الكتاب: "تُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ" (أع3: 19). طبعًا تُمحى بأن تنتقل إلى حساب المسيح، كما قال ناثان النبي لداود: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ" (2صم 12: 13). وحينما تنقل خطية المؤمن التائب إلى حساب المسيح، حينئذ يمحوها بدمه الكريم.
4- فهل من العدل المطالبة بثمن خطيئة قد مُحيت؟
أليس المطالبة بدفع ثمنها في المطهر بعد محوها بالدم، هو أمر ضد العدل الإلهي؟! قلنا إن الكنيسة هي التي قررت تلك العقوبات، وهي تستطيع أن ترفعها. ولا يكون هذا ضد العدل في شيء. لأنها كانت للعلاج، ولا علاج بعد الموت... وهنا أحب أن أسجِّل حقيقة هامة. وهي:
حسبما ورد في قوانين الكنيسة، كل العقوبات الكنسية تنتهي عند الموت، أو عند الإشراف على الموت. ولا توجد عقوبة كنسية بعد الموت!!
وحتى حينما كانت الكنيسة تمنع إنسانًا لمدة معينة من سر الإفخارستيا، بسبب خطيئة قد ارتكبها، كان إذا أشرف على الموت، ترجع الكنيسة عن عقوبتها، وتمنحه السر المقدس... يقينًا لا توجد عقوبة تستمر حتى الموت، فكم بالأولى لو كانت تستمر بعد مغفرتها!! وهنا نسأل:
5– هل من العدل الإلهي أن تستمر العقوبة بعد المغفرة، إلى ما بعد الموت؟!
هنا ويتعرض إخوتنا الكاثوليك لموضوع (العقاب الزمني). ويقولون إن الله عاقب داود بعد المغفرة مرتين عقابًا زمنيًا: إحداهما بعد خطية الزنا والقتل (2صم12). والثانية بعد عدّ الشعب (2صم 24: 10 – 17). نقول، وقد عاقب الله سليمان بشق المملكة، وعاقب موسى بعدم دخول أرض الموعد، وعاقب آدم وحواء، وعاقب شمشون، ولكن...
ولكن كل هذه كانت عقوبات أرضية. ولم يحكم على أحد من هؤلاء بعذاب بعد الموت...
وكلها عقوبات لا علاقة لها إطلاقًا بموضوع المطهر.. حتى موسى الذي فرض عليه أن لا يدخل أرض الموعد، عاد بعد الموت فدخلها، حينما ظهر مع السيد المسيح على جبل التجلي (مر9: 4). كما أن هذه العقوبة لا علاقة لها بالمطهر، ولا بعذاب بعد الموت...
هاتوا لي مثلاً واحدًا من الكتاب عن شخص بار، تعذَّب بعد الموت لكي يتطهَّر من خطايا!! مثلاً واحدًا لا غير...
نقطة أخرى أذكرها في علاقة المطهر بالعدل الإلهي، وهي:
6– هل من العدل الإلهي أن تعاقَب الروح دون الجسد؟!
بينما قد يكون الجسد أكثر خطأ وأكثر مسئولية، أو قد يكون هو الذي أحدر الروح عن مستواها بسبب شهواته. والقديس بولس نفسه يقول: "اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ. لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ.." (غلا5: 16، 17).
فهل من العدل أن الروح التي كانت تقاوم الجسد في شهواته، هي التي تذهب وحدها إلى عذابات المطهر بعد الموت، ولا يتعذب الجسد، لا حسيًا ولا معنويًا؟
أم أن العدل يقتضي أن الجسد والروح، اللذين اشتركا معًا في غالبية الخطايا، هما يعاقبان معًا، أو يتطهَّران معًا... وهذا لا يحدث إلا إذا عادا واتحدا معًا في القيامة. وفي تلك الحالة لا يكون هناك تطهير، وإنما ثواب دائم أو عقاب دائم. وفي القيامة. وفي تلك الحالة لا يكون هناك تطهير، وإنما ثواب دائم أو عقاب دائم. وفي ذلك يقول الكتاب: "تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ. فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ" (يو5: 28، 29).
أي أنه إذا كانت هناك عقوبة، تكون للاثنين معًا، بعد القيامة، حسب قول الرب.. على أن هذا الأمر سنبحثه بالتفصيل في حديثنا عن الدينونة العامة.
هنا وأتعرض إلى نقطة أخرى خاصة بالعدل الإلهي، فأقول:
7– هل من العدل الإلهي أن يعاقب على السهوات والهفوات، وخطايا الجهل والخطايا غير الإرادية، وباقي (الخطايا العرضية) بعذابات في المطهر تشبه عذابات جهنم؟!
فهكذا تحدثت الكتب الكاثوليكية التي بين أيدينا، والتي تعطي هذه الصورة البشعة عن معاملات الله للناس! بينما يقول المرتل للرب في المزمور: "وَلاَ تَدْخُلْ فِي الْمُحَاكَمَةِ مَعَ عَبْدِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ" (مز143: 2)، ويقول أيضًا: "إِنْ كُنْتَ تُرَاقِبُ الآثَامَ يَارَبُّ، يَا سَيِّدُ، فَمَنْ يَقِفُ؟ لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ" (مز130: 3).
هل من العدل أن يعاقب الله طبيعتنا البشرية الضعيفة بهذه المعاملة، حتى في عصر النعمة؟!
وهوذا المرتل – في العهد القديم – يقول في المزمور عن الرب: "لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا.. لأَنَّهُ مِثْلُ ارْتِفَاعِ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الأَرْضِ قَوِيَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى خَائِفِيهِ. كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا، كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ.." (مز103: 10 – 14).
نعم إن عدل الله يذكر أننا تراب نحن؟ يعاملنا حسب ضعف طبيعتنا، وحسب شدة الحروب الموجهة إلينا من الشيطان...
ولذلك فإن الكنيسة المقدسة في صلواتها عن المتنقلين، تقدم عنهم دفاعًا أمام العدل الإلهي فتقول: "إذ لبسوا جسدًا، وسكنوا في هذا العالم"، وتقول أيضًا: "لأنه ليس إنسان بلا خطية، ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض". فكيف إذًا من أجل السهوات يتعذب إنسان في نار المطهر؟! هوذا المرتل يقول للرب: "اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا؟ مِنَ الْخَطَايَا الْمُسْتَتِرَةِ أَبْرِئْنِي" (مز19: 12). لو كان المطهر بديلاً للقصاصات الكنسية التي لم توف، لا يكون هذا عدلاً. لأن عذابات المطهر، أقسى بكثير من العقوبات الكنسية:
لنفرض مثلاً أن شخصًا أخطأ وتاب. وفرضت عليه الكنيسة بعض عقوبات: مثل الحرمان من التناول فترة معينة، أو الصوم عدة أيام، أو عددًا من المطانيات (السجدات)، أو ما أشبه.. ومات هذا الإنسان قبل أن يوفي هذه العقوبات... هل من العدل أن يوفى بدلها عذابات في المطهر. يقول أحد الآباء الكاثوليك إنها تشبه العذابات الجهنمية؟! إلى جوار (نار الخسران) أي فقدان عشرة الله وملائكته وقديسيه.
هل هذا عدل؟ أن يكابد التائب البار عقوبة مرعبة، بدلًا من عقوبة كنسية علاجية محتملة؟
هل يجوز أن يقول لك شخص: "إما أن تدفع الخمسة قروش التي أنت مدين بها، أو أن تُجلد مائة جلدة لوفاء هذا الدين"؟! هذا لو كان هناك دين لوفائه... أما حنان المسيح فيقول عن سمعان الفريسي والمرأة الخاطئة "وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا" (لو7: 42).
إن كان كل هذا يقال في الموضوع المطهر عن الالتجاء إلى عدل الله، فماذا نقول إذًا عن الرحمة والحب؟!
إن محبة الله التي جعلته يبذل ابنه الوحيد من أجل خلاصنا، هل محبته هذه تسمح بعذابات مطهرية من أجل خطايا عرضية، أو بسبب (خطايا مميتة) قد تاب إنسان عنها وغفرت له... أين الرحمة هنا؟! تقول: "هنا العدل". أقول لك: لا تتعب ضميرك من جهة العدل، فقد استوفى حقه بالفداء على الصليب.
المطهر ضد وعود الله
كيف يقول الله عن خطايانا التي تبنا عنها: لا أذكرها. لا تحسب عليه. لا يحسب لهم الرب خطية. تُمحى. تبيض كالثلج. أطهِّرهم. أغفر كل ذنوبهم. ثم يعود بعد ذلك لكي يطالبنا بهذه الخطايا، التي قال إنه لا يعود يذكرها، ويطالبنا بعقوبة لها، فيها عذاب؟! [انظر وعود الله في (أع3: 19) (إش44: 22) (إش43: 25) ( مز32: 1، 2 ) (إر31: 34) (إر33: 8)].
وماذا عن وعود الله بالمغفرة، والصفح، والمصالحة (2كو5: 21)، والمسامحة، ومحو الصك الذي علينا (كو2: 14). وإنه كبُعد المشرق عن المغرب أبعد عنا معاصينا (مز103: 3)؟!
إننا نعلم أن الله أمين في مواعيده، حسب قول الكتاب: "لأَنَّ الَّذِي وَعَدَ هُوَ أَمِينٌ" (عب10: 23). ويقول الرسول في ذلك: "إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1يو1: 9).
إذًا تطهير الله لنا من خطايانا، أمر يتفق مع أمانته وعدله. ويقول القديس بولس الرسول: "أَمِينٌ هُوَ الَّذِي يَدْعُوكُمُ الَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا" (1تس5: 24). إننا نفرح جدًا، ونحيا في رجاء، حينما نعتمد على صدق الله في مواعيده. بل نطمئن بالأكثر حينما نسمع قول الرسول: "إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ" (2تي2: 13). حقًا، صادقة هذه الكلمة، ومستحقة لكل قبول... فلنعتمد إذًا على صدق الله في مواعيده، ولا نسمح أن يشككنا فيها أحد.
وعود الله أمينة لا رجعة فيها. فإن تاب إنسان وغفر له الله، لا يعود يعيره بخطاياه، أو يعاقبه عليها، أو يقول له: باق عليك حساب يجب أن توفيه. بل يقول: "لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً" (مز32: 2)، والذي غسله الله من خطاياه، كما قيل: "الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ" (رؤ1: 5)، هذا لم تعد عليه خطية بعد، بل صار أبيض من الثلج (مز51). وهنا يبدو جمال التوبة، وجمال المغفرة.. أما المطهر فهو ضد وعود الله. وهو صورة قاتمة قاتمة، عن المغفرة، وعن محبة الله ورحمته، وصدق مواعيده.
أيضًا الشخص الذي اصطلح مع الله (2كو5: 18) لا يعود الرب يكسر صلحه معه ويحاسبه على شيء تنازل الله عنه في صلحه. هل معقول أن شخصًا تصطلح معه، ثم ترجع إلى بيتك، فتجده قد أرسل الشرطة لقيادتك إلى السجن؟! صدقوني ولا مع العلمانيين، أهل العالم، يحدث مثل هذا الأمر. بل على العكس: الله في مغفرته، يبعد عنا خطايانا، كبُعد المشرق عن المغرب (مز103). فإن أراد الرب معاقبتك على خطية في المطهر، تقول له: ما هذا يا رب؟! ألم تقل: لا أعود أذكرها؟! وما دمت قد نقلتها إلى حساب المسيح، فلماذا تحاسبني أنا؟! هل عملية النقل لم تتم؟
يقول بعض الكاثوليك إن وعود الله خاصة بوصمة الخطية، وليست خاصة بعقوبة الخطية!! ونحن نسأل من أين هذا التفسير؟! ما دليله الكتابي؟ ما تفسيره اللاهوتي؟
ما معنى أن يعقد الله معك مصالحة، قوامها أن يغفر، ولا يحسب لك خطية، ثم يطالبك بعدها بثمن الخطية والتي وعد أنه لا يحسبها عليك، بل لا يذكرها؟! المطالبة بثمنها معناه أنه عاد يذكرها! مثل شخص يعقد صلحًا، ويتعهد أنه لا يطالبك بدين. ثم ترجع إلى بيتك، فتجد أنه أرسل لك شرطيًا يقودك إلى السجن بسبب هذا الدين!! هل معاملات الله مع الناس من هذا النوع؟! حاشا...
الفصل الثالث نصوص كتابية وتفسيرها السليم
الفصل الثالث
نصوص كتابية وتفسيرها السليم
يخلُص كما بنار(1كو3: 15).
هذه الآية من أهم الآيات الكتابية التي يعتمد عليها الكاثوليك، في محاولة لإثبات المطهر، ولذلك سنوليها اهتمامًا خاصًا يناسب تركيزهم عليها. وقبل كل شيء أحب أن أقول:
1) هذه الآية ذُكرت في أثناء الحديث عن الخدمة والخدَّام، وليس في مجال الحديث عن الدينونة والعقاب. ولهذا الأمر أهميته:
ومن أجل هذا، ولكي لا نفصل الآية عن المناسبة التي قيلت فيها، نقول إن بولس كان يتكلم عن خدمته هو وأَبُلُّوسُ، وأن الواحد منهما غرس والآخر سقى، ولكِنَّ اللهَ كَانَ يُنْمِي. وإن كل واحد سيأخذ أجرته حسب تعبه. مشبِّهًا الخدمة بعمل الفلاحة قائلاً: "فَإِنَّنَا نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ، وَأَنْتُمْ فَلاَحَةُ اللهِ، بِنَاءُ اللهِ" (1كو3: 5– 9).
ثم انتقل في تشبيه الخدمة بالبناء "أنتم بناء الله" إلى قوله: "حَسَبَ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي كَبَنَّاءٍ حَكِيمٍ قَدْ وَضَعْتُ أَسَاسًا، وَآخَرُ يَبْنِي عَلَيْهِ. وَلكِنْ فَلْيَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ كَيْفَ يَبْنِي عَلَيْهِ. فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ، الَّذِي هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (1كو3: 10، 11).
2) هنا بولس الرسول كبنّاء حكيم، كخادم يعرف أصول الخدمة، أو كما تقول إحدى الترجمات، كأستاذ أو معلم حكيم في البناء "as a wise masterbuilder" وضع الأساس الذي هو الإيمان بالمسيح، وسيترك البناء لباقي الخُدّام، لباقي البنّائين، ويرى كيف يبنون عليه.
ولذلك يقول في رسالته لأهل كورنثوس: "وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ" (1كو4: 15). أنا ولدتكم ووضعت الأساس الذي هو الإيمان. وبقى الأمر متروكًا لهؤلاء المرشدين الكثيرين كيف سيبنون عليه: ذهبًا وفضة.. أم عشبًا وقشًا. وكل واحد من هؤلاء المرشدين له طريقته.
بولس بشر أهل كورنثوس، ولكنه سوف لا يبقى في كورنثوس باقي حياته، لأن له خدمة واسعة في أماكن متعددة. يكفي أنه وضع الأساس، وسيترك باقي الخدام يبنون عليه.
كما قال أيضًا عن تشبيه الكرازة بعمل الفلاحة: "أنا غرست، وأبلوس سقى" (ع6)، غرست أي وضعت الأساس. وأبلوس سقى، أي بدأ العناية بهذا الشيء المغروس. فما الذي حدث بعد هذا؟ حدث انقسام هدَّد العمل كله. وقال البعض: "أنا لبولس وآخر أنا لأبلوس" (ع3، 4). فما الذي سيحدث في البناء فيما بعد؟ ما مصير العمل الكرازي؟
يقول: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدُ يَبْنِي عَلَى هذَا الأَسَاسِ: ذَهَبًا، فِضَّةً، حِجَارَةً كَرِيمَةً، خَشَبًا، عُشْبًا، قَشًّا، فَعَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ سَيَصِيرُ ظَاهِرًا لأَنَّ الْيَوْمَ سَيُبَيِّنُهُ. لأَنَّهُ بِنَارٍ يُسْتَعْلَنُ، وَسَتَمْتَحِنُ النَّارُ عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ. إِنْ بَقِيَ عَمَلُ أَحَدٍ قَدْ بَنَاهُ عَلَيْهِ فَسَيَأْخُذُ أُجْرَةً.. إِنِ احْتَرَقَ عَمَلُ أَحَدٍ فَسَيَخْسَرُ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيَخْلُصُ، وَلكِنْ كَمَا بِنَارٍ" (1كو3: 12 – 15).
3) نلاحظ هنا أنه يتكلم عن العمل، وليس عن الأشخاص. وهو يتكلم عن خدمة الخُدّام وليس عن عامة الناس...
إنه يكلم الخُدّام، المبشرين، الوعاظ، الرعاة، المعلمين، خُدّام الكلمة، وليس كل أحد... هؤلاء الذين يبنون الملكوت، ويقومون بالعمل الكرازي، كيف سيبنون. وهل عملهم سيبقى أم يحترق. وما الذي سوف يضعونه على أساس الإيمان: هل سيضعون ذهبًا، فضة، حجارة كريمة، من الأمور التي تبقى ولكنها تتنوَّع في مدى قيمتها؟ أم سيضعون خشبًا قشًا، من الأمور التي تحترق، ولكنها أيضًا تتنوَّع في سرعة احتراقها. والبعض يمكن إنقاذه كالقش إذا تداركوا الأمر بسرعة والبعض من الصعب إنقاذه كالقش..
بولس الرسول تهمّه الخدمة، يهمّه العمل، وعن هذا يتحدث:
فيقول عمل كل واحد سيصير ظاهرًا، لأن اليوم سيبين هذا العمل. هذا العمل سوف يستعلن بنار. وستمتحن النار عمل كل واحد. هل يبقى العمل. أم أن العمل يحترق.
إذًا النار هنا للعمل، وليس للأشخاص.
فكلامه صريح "ستمتحن النار عمل كل واحد"... لكي تبينه: هل هو ذهب، فضة، حجر كريم، أم خشب، عشب، قش... لم يقل إن الأشخاص سيحترقون بنار، إنما قال إن عملهم سيحترق.
4) الذي سيجوز في النار هو العمل، وليس الشخص.
ليس الخادم، إنما خدمته، من أي نوع هي؟ هل ستبقى أم تحترق؟ وعلينا أن نضرب أمثلة للأعمال التي تحترق، والأعمال التي تبقي. الخدمة التي لها ثمر في الكنيسة، والتي لا ثمر لها...
5) فالعمل الذي يشبه الذهب والفضة والحجر الكريم هو عمل مَن يخدم بطريقة روحية عميقة لبناء النفوس:
بحيث يكون الهدف الوحيد هو الله وملكوته. بأسلوب روحي مقنع ومؤثر، يجذب النفوس إلى الله، مع جهد وتعب في التربية الروحية، وحل كل المشاكل التي تصادف المجاهدين في طريقهم، ومعرفة الحروب الروحية وطريقة الانتصار عليها. وحث الناس على الثبات، وتشجيعهم وتقويتهم والصلاة من أجلهم. كالرعاة والمرشدين الذين قال عنهم الرسول: "أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا.." (عب13: 17). وكما قال الرسول عن نفسه: "فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ، عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ. مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟" (2كو11: 27 – 29). "لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ"، "وَلكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ اللهِ" (أع20: 31، 24).
هذا هو البناء الذهب الذي لا يتزعزع. هذا هو العمل الروحي القوي الذي لا يحترق.
لأنه تعليم بطريقة جادة روحية باذلة من أجل خلاص النفس وربطها في ثبات بالله. إنه بناء وطيد. يسقط المطر وتجيء الأنهار، وتهب الرياح، وتقع على هذا البناء. فلا يسقط. تمتحن النار هذا العمل فلا يحترق. إنه كالذهب لا تحرقه النار بل تزيده توهجًا ولمعانًا، إنه عمل يبقى. يبقى في النفوس، ويبقى إلى اليوم الأخير. والخادم الذي يأخذ أجرته، ويأخذ تعبه (1كو3: 14، 8).
والنار هنا ربما تكون التجارب أو الاختبارات الروحية أو الحروب أو الضيقات...
التي يتعرض لها كل عمل روحي، أو تتعرض لها الكنيسة كلها، فيظهر من فيها هو الذهب، ومن فيها هو القش. من يثبت، ومن لا يثبت. من يحترق بسرعة كالقش، ومن يحترق ببطء كالخشب، ومن لا يحترق على الإطلاق كالذهب والأحجار الكريمة.
فإذا أخذت النار للاختبار، فإن كلمة اليوم تعني اليوم الذي يحل فيه امتحان هذا التعليم الذي عَلّم به الخادم ومدى ثباته في أنفس سامعيه. أما إذا كان المقصود باليوم الأخير (1كو4: 5)، فتكون النار هي نار العدل الإلهي، "الَّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ".. إنها نار أخرى... فكلمة نار لها معان عديدة، ورموز عديدة في الكتاب... قلنا إن هناك من يخدم بأسلوب روحي عميق. ولكن ليس الجميع يخدمون كذلك.
6) فهناك مَن يخدم بأسلوب تطغى فيه المعرفة لا الروح، كما لو كان يُخرج علماء لا عابدين...
كما لو كان يُعدّ تلاميذه ليكونوا دوائر معارف، لا أن يكونوا أشخاصًا روحيين. يعطيهم دينًا لا تداريب روحية فيه. يخلط الدين بالفلسفة، ويحوِّله إلى مجرد فكر. لا فرق عنده بين تدريس رحلات بولس الرسول، وبين اكتشافات كولومبوس، أو حروب نابليون... كلها فروع من المعرفة تمامًا.
وهذا الأسلوب تحاشاه القديس بولس تمامًا...
وقال: "وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ.. وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ، لِكَيْ لاَ يَكُونَ إِيمَانُكُمْ بِحِكْمَةِ النَّاسِ بَلْ بِقُوَّةِ اللهِ" (1كو2: 1-5) "لاَ بِحِكْمَةِ كَلاَمٍ لِئَلاَّ يَتَعَطَّلَ صَلِيبُ الْمَسِيحِ" (1كو1: 17).
7) هذا العمل الكرازي الذي هو بالفلسفة وحكمة الناس، يمكن أن يحترق. وكذلك الذي هدفه الفصاحة والبلاغة وتنميق الألفاظ والسجع وموسيقى العبارات.
كلها خدمة قد تعجب البعض، وقد تبهرهم الفصاحة، أو السجع، أو المنطق والعقل. وربما فيه ناس لا تترك أثرًا روحيًا في نفوسهم. قد تستبقى ألفاظًا مأثورة في ذاكرتهم، ولكنها لا تحدث تغييرًا في حياتهم. وإذا صادفتهم نار التجارب والامتحانات الروحية، لا يثبتون أمامها. ويجد الخادم أو المعلم أو الراعي أن عمله قد احترق.
وإن أحترق عمله يخسر (1كو3: 15)، يخسر تعبه ويخسر مخدوميه، ويخسر مكافأته وجهده وتعليمه، وكرازته وخدمته، إذ لم تأت بثمر روحي... ولكنه يخلص كما بنار.
8) وبنفس الوضع نتحدث عمن تتحوَّل خدمته إلى مجرد أنشطة، وعمل كثير، واهتمام بأمور كثيرة، وبموضوعات جانبية عديدة، دون التركيز على العمل الروحي. وهكذا يحترق عمله كخادم. ولكنه من أجل تعبه وغيرته ونيته الطيبة، يخلُص كما بنار.
9) يخلُص كما بنار
أي يخلص بصعوبة بجهد، كمن يمر في نار وينتشله الله منها قبل أن يحترق. عمله قد أحترق ولكن الله – من فرط رأفاته – لم يسمح أن هذا الخادم نفسه يحترق، متذكِّرًا تعبه وجهده ورغبته في خلاص الناس. غير أن أسلوبه في الخدمة لم يكن سليمًا...
10) والنار هنا ليست نار مطهر. لأنه لم يقل يخلص في نار، أو في النار، وإنما كما بنار...
فالنار هنا لم تكن له، وإنما كانت لعمله. كما قال الرسول: "سَتَمْتَحِنُ النَّارُ عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ" (ع13). وقد امتحنت النار عمله فوجدته خشبًا أو عشبًا أو قشًا. وكان ممكنًا أن يهلك هو أيضًا، لأنه لم يخدم بطريقة سليمة، ولأن كلامه لم يكن "رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يو6: 63). ولكنه خلص، بصعوبة... "كما بنار" ولم يقل خلُص في النار.
11) كلمة (نار) هنا استُخدمت بطريقة مجازية، وليست حرفية ولنا مثال عن شخص "خلُص كما بنار" هو يهوشع الكاهن:
قال زكريا النبي: "وَأَرَانِي يَهُوشَعَ الْكَاهِنَ الْعَظِيمَ قَائِمًا قُدَّامَ مَلاَكِ الرَّبِّ، وَالشَّيْطَانُ قَائِمٌ عَنْ يَمِينِهِ لِيُقَاوِمَهُ ليقاومه. فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ! لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ الَّذِي اخْتَارَ أُورُشَلِيمَ! أَفَلَيْسَ هذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟!" (زك 3: 1، 2).
فما معنى عبارة "شعلة منتشلة من النار"؟!
معناها مثلاً: افترض أن قطعة خشب وقعت في النار، واشتعلت النار. ولكن رحمة الله تدخلت، انتشلتها – وهي مشتعلة – من النار، قبل أن تحترق، ومنحتها حياة... هكذا كان يهوشع الكاهن، وهو لابس ثيابًا قذرة أمام الملاك. فنزعوا عنه الثياب القذرة، وألبسوه ثيابًا مزخرفة وعمامة طاهرة.
ولم تكن النار التي أُنتشل منها يهوشع، نارًا مطهرية. إذ كان حيًا على الأرض ولم يمت بعد. ولكنها الإثم الذي تعرض له، أو تعرضت له الأمة كلها ممثَّلة في شخصه (زك3: 4، 9).
وبنفس المعنى نفهم عبارة "يخلُص كما بنار" أو عبارة "نخلُص كمن يمر في نار".. لا فرق. والمعنى أنه يخلُص بصعوبة، لأنه قصَّر في تعليم الشعب، فاحترق عمله الكرازي والرعوي.
12– وعبارة "يخلُص كما بنار" تذكِّرنا في معناها بقول القديس بطرس الرسول: "إِنْ كَانَ الْبَارُّ بِالْجَهْدِ يَخْلُصُ" (1بط4: 18). وطبعًا عبارة "يخلُص" هنا، لها عبارة مقدرة، أي يخلُص إذا تاب.. إذا انسحق قلبه بسبب ضياع خدمته وتعبه، وندم على أنه خدم بأسلوب خاطئ.
13– وهناك آية وردت في رسالة القديس يهوذا الرسول، تشبه تمامًا ما حدث ليهوشع الكاهن، وتفسر أيضًا معنى "يخلُص كما بنار".. قال: "وَارْحَمُوا الْبَعْضَ مُمَيِّزِينَ. وَخَلِّصُوا الْبَعْضَ بِالْخَوْفِ، مُخْتَطِفِينَ مِنَ النَّارِ" (يه22، 23).
فكل إنسان محاط بالإثم، أو معرَّض للضياع والهلاك، يكون محتاجًا إلى من يختطفه من هذه النار، إذ هو عاجز أن يخرج منها بمفرده. وكذلك الخدام والرعاة، هم أيضًا معرَّضون للضياع والهلاك بسبب المسئولية الملقاة عليهم في خلاص النفوس وبناء الملكوت. وبعضهم يخلُص بصعوبة، بسبب ضعفات الخدمة، وأخطاء الخدمة، وعثرات الخدمة. ولكن الله يخلِّص مثل هذا الخادم – كما بنار – من أجل إيمانه وتعبه وغيرته، حتى إن فشلت خدمته..
ليس المطهر
هذا الاقتباس الذي استدل به إخوتنا الكاثوليك من (1كو3)، ليس هو عن المطهر إطلاقًا. وما كان بولس يتحدث عن المطهر، وإنما عن الخدمة... وقد شرحنا هذا الأمر بالتفصيل.
نضيف هنا بضعة إثباتات للدلالة على أن حديث الرسول لا يمكن أن ينطبق على مفهوم المطهر عند الكاثوليك.
14) هنا الكل يتعرَّض للنار، بينما المطهر لنوعية من الناس!
النار هنا يتعرَّض لها الذهب، كما يتعرَّض لها القش. وتتعرَّض لها الأحجار الكريمة، كما يتعرَّض لها العشب. وهذا ضد المعتقد الكاثوليكي في المطهر. فلو طبقنا المثل حسب تفسيرهم، فإن الذهب يرمز إلى القديسين الكبار الذين يذهبون توًا إلى الفردوس، ولا يمكن أن يمروا على نار المطهر! بل لهم (زوائد) تصلح لإعانة الذين في المطهر!! وكذلك الفضة والأحجار الكريمة...
15) هنا النار للامتحان، وليست للتعذيب كنار المطهر. لاختبار العمل، وليس لتعذيب الشخص...
إذ يقول الرسول: "وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو" (ع 13) لبيان معدن العمل.. تعلنه وتبينه. بينما نار المطهر – حسب المعتقد الكاثوليكي – هي للعقوبة، وللتكفير عن الذنب، ولإيفاء العدل الإلهي! وكل هذه أمور لا علاقة لها إطلاقًا بهذا الامتحان أو الاختبار الذي يذكره الرسول...
16) والنار هنا تحرق البعض وتبيده، بينما نار المطهر المفروض فيها أنها تطهير!
النار في هذا المثَل تحرق القش والعشب والخشب.. بينما المفروض في نار المطهر أنها تطهِّر الإنسان وتنقّيه، وتعدُّه لحياة أفضل بالدخول إلى الفردوس، لا أن تحرقه وتبيده! وواضح جدًا أن المثل هنا لا ينطبق، لأنه لا يؤدي إلى الغاية الموجودة من المطهر. فالقش لا يمكن أن يتطهَّر ويتحوَّل إلى ذهب أو فضة. والعشب لا يمكن أن يتطهَّر ثم يدخل إلى الملكوت... هنا كما نرى صورة غير المطهر تمامًا. الناس الذين كالذهب والفضة والحجارة الكريمة، لا يحتاجون إلى تطهير. والذين كالخشب والعشب والقش لا يدخلون الملكوت، بل يحترقون...
17) هنا النار للخسارة بالنسبة إلى الخشب والعشب والقش، بعكس النار في المطهر!
يقول الرسول: "إِنِ احْتَرَقَ عَمَلُ أَحَدٍ فَسَيَخْسَرُ" (ع15). وفي المطهر لا حريق ولا خسارة – حسب المعتقد الكاثوليكي – وإنما سداد لديون، وإعداد لأبدية سعيدة، وإعانة من الكنيسة ومن صلوات القديسين، وانتفاع بالذبيحة التي تقَّدم عن تلك النفوس... أين الحريق والخسارة.
18) نار المطهر لها تأثير واحد، بعكس النار في هذا المثل.
النار هنا: تأثيرها على الذهب، غير تأثيرها على القش وعلى باقي ما تتعرَّض له، تحرق القش ولا تحرق الذهب. أما نار المطهر، فعملها واحد في كل النفوس، حسب اعتقاد إخوتنا الكاثوليك. إذًا المثل لا ينطبق. لأنه هنا يوجد عمل يبقى في النار، ويأخذ صاحبه أجرة، أي مكافأة. بينما عمل آخر يحترق، وصاحبه يخسر...
19) لا يجوز يا إخوتي أن نأخذ عبارة قيلت في مناسبة، فنفصلها عن هذه المناسبة، وعن كل ما قيل من كلام، ونفرض عليها معنى من عندياتنا لا تحتمله.
وإذا وقفت أمامنا كلمة (نار) لا بد أن نفحص ما المقصود بها: هل هي نار الاختبار والامتحان، كما في (1كو3: 13)؟ أم هي نار التعذيب كالبحيرة المتقدة بالنار والكبريت (رؤ20: 10)؟ أم هي نار الإثم وما يتبعه من هلاك، التي تعرَّض لها يهوشع الكاهن (زك3: 2). أم هي نار بمعنى صعوبة، كما في (1كو3: 15). أم هي نار المطهر التي لا أعرف لها شاهدًا من الكتاب!!
20) كذلك عقائد الدين، لا بد أن تسندها آيات صريحة وواضحة وتعليم كتابي لا يحتمل اللبس والتأويل. ولا يمكن أن تؤخذ عن طريق الاستنتاج أو التفسير الشخصي.
ولا في الدهر الآتي (متى 12: 32)
محاولة أخرى يستخدمها إخوتنا الكاثوليك لإثبات المطهر، هي قوله عن الذي يجدف على الروح القدس إنه: "فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لاَ فِي هذَا الْعَالَمِ وَلاَ فِي الآتِي" (مت 12: 32).
ويستنتجون من هذا وجود مغفرة في الدهر الآتي، ويقولون إن هذه المغفرة تتم في المطهر!! وورد حول هذه الآية في ملحق الترجمة اليسوعية للكتاب المقدس (طبعة سنة 1951 صـ488). "وفي هذا القول إشارة إلى أن من الخطايا ما يُغفر في الدهر الآخر، وهو برهان قاطع على وجود المطهر. وذلك أن الخطية لا تُغفر في السماء، حيث لا يدخل أدنى دنس، ولكن في الجحيم الذي يتطهَّر فيه الإنسان من الخطايا العرضية التي لا تستوجب جهنم، ولا يدخل صاحبها السماء ما لم يتطهر منها.
نلاحظ أن الرب قال: "في الدهر الآتي"، ولم يقل في المطهر. كلمة الدهر تدل على زمان، وليس على مكان.
أما المغفرة في هذا الدهر فتتضح من قول الرب: "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ" (مت18: 18). وقوله: "مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 23). وفي العلاقات الشخصية "اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ" (لو6: 37).
ولكن ما معنى المغفرة في الدهر الآتي؟
لا يعني المطهر إطلاقًا، فالسيد لم يذكر كلمة مطهر في كلامه. ولم يوجد أحد من الآباء الأُوَل، فسر هذه الآية على أنها مغفرة في المطهر، فلم تكن عقيدة المطهر الكاثوليكية قد ظهرت بعد...
فلذلك كل تفاسير الآباء الأول لا تسند عقيدة المطهر.
لا في هذه الآية، ولا في كل الآيات الأخرى التي يحاول الكاثوليك الاعتماد عليها.. وكذلك كل ما ورد في التقاليد القديمة. وإنما المغفرة في الدهر الآتي تُفسَّر على أمرين.
1- أولهما حالة إنسان لم تتح له فرصة لنوال مغفرة على الأرض:
كإنسان كان في غربة، ولم يجد كاهنًا يعترف عليه وينال منه حلاً. ولكنه كان تائبًا. هذا ينال المغفرة في الدهر الآتي، أو تعلن له تلك المغفرة التي لم يسمع ألفاظها بأذنيه، وإن كان أحسها في قلبه.
أو سائح من السواح hermit – anchorite – كان يعيش في وحدة لا يرى فيها وجه إنسان، لمدة سنوات طويلة. ولم يسمع كلمة مغفرة من الكنيسة على الأرض. وانتقل من هذا العالم. هذا ينال المغفرة أو تعلن له في الدهر الآتي.
أو إنسان أساء إلى شخص، وندم على ذلك، وعزم من كل قلبه أن يذهب إليه ويصالحه ويعتذر إليه، ويسمع منه أنه قد غفر له إساءته. ولكنه مات قبل ذلك أثناء غربة أو سفر. هذا ينال هذه المغفرة في الدهر الآتي.
2– النوع الثاني إنسان حُرم من الكهنوت ظلمًا، ومات محرومًا. هذا ينال المغفرة في الدهر الآتي.
وما أسهل أن يقع هذا الظلم، من أشخاص أو حتى من مجامع. ويحدث إما أن الكنيسة تراجع نفسها في الأمر وتحالل الشخص بعد موته، بعد سنوات، أو في دهر آت. وإما أن الله الذي يحكم للمظلومين، يغفر لهذا الشخص في الدهر الآتي، ما دام قد حُرم ظلمًا...
3– وعلى العموم فإن المغفرة في الدهر الآتي لا تكون بمطهر.
تكون مغفرة من مراحم الله، التي تقبل التوبة، والتي ترفع ظلمًا قد وقع، والتي تعرف ظروف الإنسان، كالغربة مثلاً، أو السياحة في الجبال. فيغفر الرب بتحويل خطية هذا التائب إلى دم المسيح، دون أن يُدخِله إلى المطهر، أو يعرِّضه لعذاب... فالمغفرة والتعذيب لا يتفقان!
4– أما من يجدِّف على الروح القدس، فلا يُغفر له في هذا الدهر، ولا في الدهر الآتي.
وهكذا نكون قد قدَّمنا تفسيرًا لهذه الآية، بدون التعرُّض إطلاقًا لموضوع المطهر الذي لم يتعرَّض له الرب نفسه. ولا يجوز تحميل آيات الكتاب فوق ما تعني، ولا أن يفرض عليها تفسير شخصي، ما كان صاحبه ليفرضه لو عاش في القرن الحادي أو الثاني عشر، قبل مجمع ليون ومجمع فلورنسا.
الذين تحت الأرض (في 2: 10)
يعتمد إخوتنا الكاثوليك أيضًا في محاولة أخرى لإثبات المطهر، على قول القديس بولس الرسول: "لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ" (في 2: 10).
من الذين تحت الأرض؟
1- يقول إخوتنا الكاثوليك: "هم النفوس المعتقلة إلى حين، في ذلك المكان الواقع في باطن الأرض، والذي أعده الله لتطهير الذين ينتقلون من عالمنا إلى العالم الآخر، ولا تخلو نفوسهم من بعض الشوائب والعيوب، التي تحرمهم موقتًا من دخول السماء"[1].
2– ولقد رجعت إلى تفسير القديس يوحنا ذهبي الفم، فوجدته يقول: "إن كل ركبة ما في السماء: تعني الملائكة والقديسين. ومن على الأرض: تعني الأحياء المؤمنين الذين على الأرض.
ومن تحت الأرض: أي الشياطين، وهم يخضعون للسيد المسيح شاءوا أم أبوا". ولذلك قال القديس بطرس الرسول: ".. يسوع المسيح، الَّذِي هُوَ فِي يَمِينِ اللهِ، إِذْ قَدْ مَضَى إِلَى السَّمَاءِ، وَمَلاَئِكَةٌ وَسَلاَطِينُ وَقُوَّاتٌ مُخْضَعَةٌ لَهُ" (1بط 3: 22).. وليس قد مضى غريبًا أن يركع الشياطين. فقد قال معلمنا القديس يعقوب الرسول: "وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ!" (يع2: 19) يركع له ويهرب ويجرى. وكذلك كل أتباعه.
3– إنما هناك فرق بين سجود الأبرار للرب، وسجود الأشرار:
الأبرار – ملائكة وقديسين – يسجدون للرب في حب.
والأشرار – بشرًا وشياطين – يسجدون للرب في رعب.
يسجدون في خوف. ألم يخف منه الشياطين، وصرخوا قائلين: "مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ؟ أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ الْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا؟" (مت8: 29). وكما صرخ الشيطان مرة وقال له: "مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا! أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ: قُدُّوسُ اللهِ!" (مر1: 24) (لو4: 34 و41).
4– على أن غالبية المفسِّرين يقولون إن عبارة "من في السماء ومن على الأرض، ومن تحت الأرض"، إنما هي رمز للخليقة كلها.
فالخليقة كلها تسبِّح الله، كما ننشد نحن كل يوم في صلاة التسبحةpsalmody عن المزمور 148 وفيه: "سَبِّحُوا الرَّبَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ. سَبِّحُوهُ فِي الأَعَالِي. سَبِّحُوهُ يَا جَمِيعَ مَلاَئِكَتِهِ.. سَبِّحِيهِ يَا أَيَّتُهَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ.. سَبِّحِي الرَّبَّ مِنَ الأَرْضِ، يَا أَيَّتُهَا التَّنَانِينُ وَكُلَّ اللُّجَجِ.. الْجِبَالُ وَكُلُّ الآكَامِ.. الْوُحُوشُ وَكُلُّ الْبَهَائِمِ، الدَّبَّابَاتُ وَالطُّيُورُ" (مز148).
ويذكِّرنا هذا بتسبحة الخليقة كلها في سفر الرؤيا:
يقول القديس يوحنا الرائي: "وَكُلُّ خَلِيقَةٍ مِمَّا فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ وَتَحْتَ الأَرْضِ، وَمَا عَلَى الْبَحْرِ، كُلُّ مَا فِيهَا، سَمِعْتُهَا قَائِلَةً: لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (رؤ5: 13).
نعم كل الخليقة، بما في ذلك من تحت الأرض، تسبح الله وتعطيه الكرامة... أما أن نقول إن عبارة (ومن تحت الأرض) تعني الأبرار والصديقين، الذين لهم هفوات، ولذلك فإن الله يخسف بهم الأرض، ويعذبهم تحت الأرض في نار وعقوبات، ثم يرفعهم إلى السماء، بعد أن تكون كرامتهم قد نزلت إلى الأرض فهذا كلام غير مقبول ولا معقول، ولا يتفق مع معاملة الله للأبرار والصديقين...
قصة المكابيين
دليل آخر يقدمه إخوتنا الكاثوليك لإثبات المطهر، يأخذونه من سفر المكابيين الثاني، الإصحاح الثاني عشر. وقد ورد فيه عن حروب يهوذا المكابي: "وفي الغد جاء يهوذا ومن معه، على ما تقتضيه العادة، ليحملوا جثث القتلى، ويدفنوهم مع ذي قرابتهم في مقابر آبائهم. فوجدوا تحت ثياب كل واحد من القتلى أنواطًا من أصنام يمنيَّا مما تحرمه الشريعة على اليهود. فتبين للجميع أن ذلك كان سبب قتلهم. فسبحوا كلهم الرب الديان العادل الذي يكشف الخبايا. ثم انثنوا يصلون ويبتهلون أن تمحى تلك الخطية المجترمة كل محو".
"وكان يهوذا النبيل يعظ القوم أن ينزِّهوا أنفسهم عن الخطيئة. ثم جمع من كل واحد تقدمة، فبلغ المجموع ألفي درهم من الفضة. فأرسلهم إلى أورشليم ليقدم بها ذبيحة عن الخطية".
"وكان ذلك من أحسن الصنيع وأتقاه لاعتقاده في قيامة الموتى. لأنه لو لم يكن مترجيًا قيامة الذين سقطوا، لكانت صلاته من أجل الموتى باطلاً وعبثًا. ولاعتباره أن الذين رقدوا بالتقوى قد أدخر لهم ثواب جميل. وهو رأي مقدس تقَوي. ولهذا قدم الكفارة عن الموتى ليحلُّوا من الخطية" (2مك 12: 36 – 46). ونحن نتفق مع الكاثوليك في أن هذه القصة تدل على الإيمان بالقيامة، وعلى الاعتقاد بالصلاة عن الموتى، وتقديم الذبائح عنهم. ولكن لا علاقة لهذه القصة بالمطهر في كثيرٍ أو قليل. كثير أو قليل. ولا يوجد في النص أية إشارة إلى المطهر، ولا إلى غفران الخطية عن طريق المطهر. إنما هي عن أناس آمنوا بالقيامة، وصلوا من أجل موتاهم، وجمعوا تبرعات وأرسلوها إلى أورشليم لتقديم ذبائح عنهم. ولا أزيَد من هذا وتحميل النص فوق ما يطيق، هو مجرد محاولة لاستنتاج شخصي لا يوجد ما يسنده أو يؤيده.
الصدِّيق يسقط سبع مرات
من الآيات التى يستخدمها بعض الكاثوليك في محاولة لإثبات المطهر، قول الكتاب في سفر الأمثال: "الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ" (أم 24: 16).
صدقوني لقد تعجبت جدًا، حينما قرأت في كتاب (المطهر) للأب لويس برسوم مجرد استخدام هذه الآية، وأيضًا تحليله لها بقوله: "إن السقوط الذي تذكره الآية، هو السقوط في بعض الهفوات... والنقائص الصغيرة... التي تعيب ولا شك الإنسان الصدِّيق... إلا أنها لا تفقده برارته (بره)".
إلى أن يقول: "والآن لنفرض أن الموت قد داهم هذا الصدِّيق، قبل أن يكفِّر عن كل سقطاته السبع التي ارتكبها في يومه... فماذا يكون مصيره؟ تُرى أيزج به الله في جهنم النار؟! كلا بالطبع، لأنه بار وصديق، وواضح أن سقطاته غير قاتلة. فماذا إذًا؟ أيعفو عنه، ويدخله من فوره السماء والحياة الأبدية؟! الجواب كذلك كلا. لأن عدالة الله تطالب بحقها كاملاً لآخر فلس".
ثم يقول: "وبالتالي، فلا مناص من الإلقاء به في سجن مؤقت، حتى يؤدي ما بقى عليه من دين! وهذا السجن المؤقت هو المطهر"!
الرد
تصوروا يا إخوتي أن الصدِّيق البار، الذي لا يزال محتفظًا ببره، لا بد أن يلقى في النار، ويكابد عذاب المطهر، ويدخل سجنًا مؤقتًا من أجل بعض هفوات، لا بد أن يكفِّر عنها، ويؤدي ما بقى عليه من دين!!
هل هذه هي البشارة المفرحة التي نادى بها الإنجيل؟ هل هذه هي بشرى الملاك وقت ميلاد المسيح: "هَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ، أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 10، 11).
وإذا كان الصديق البار، سيدخل النار من أجل هفوات، إن دهمه الموت فجأة، إذًا فجميع الناس سيذهبون إلى النار!!
أنستطيع أن نقول إن هذه هي عقيدة المسيحية؟! أين إذًا عقيدة الخلاص الذي قدمه المسيح؟! وأين الكفارة والفداء؟ وما عمل الدم الكريم المسفوك على الصليب؟ هل كل هذا يُنسى تمامًا، ولا يبقى سوى أن الإنسان لا بد أن يكفِّر بنفسه عن أعماله، لا بد أن يدخل النار، حتى عن الهفوات!!
إن هذا المطهر ليس فقط يعطي أسوأ صورة للحياة بعد الموت.. بل آسف إن قلت: إنه يسيء إلى صورة الله نفسه.
الله الحنون العطوف الطيب، الذي قال عنه الرسول: "اللهَ مَحَبَّةٌ" (1يو4: 8). الله الذي أحبنا وأرسل ابنه كفَّارة عن خطايانا (1يو4: 10)، الله الذي أعطانا "الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ التي تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ" (1يو4: 18). الله الذي يقول حتى في العهد القديم: "هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟" (حز18: 23).
الله المحب هذا، يصورونه لنا بأنه يفاجئ بالموت إنسانًا بارًا وصدِّيقًا ليلقيه في نار المطهر من أجل هفوات!!!
"اِبْهَتِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ مِنْ هذَا، وَاقْشَعِرِّي وَتَحَيَّرِي جِدًّا، يَقُولُ الرَّبُّ" (إر2: 12).
من المستحيل أن تكون هذه المسيحية التي بشر بها المسيح، وبشر بها الرسل والآباء.. المسيحية التي قال فيها السيد الرب: "لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ" (يو12: 47). والتي قال فيها للمرأة المضبوطة في ذات الفعل: "وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" (يو8: 11).
هل كل ذلك دفاع عن العدل الإلهي؟! اطمئنوا، العدل الإلهي قد وفّى حقه على الصليب... وما دام الإنسان قد تاب تنتقل خطاياه إلى حساب المسيح، فيمحوها بدمه، ولا تبقى عليه دينونة بعد. إن الله ليس مُخيفًا بهذه الصورة، التي يقدمها هذا الأب الكاثوليكي للناس... وعدله ليس سيفًا ناريًا مسلَّطًا على رقاب الناس، يهدِّدهم بالنار وبالعذاب والعقوبات، حتى على الهفوات. وصفات الله لا تتعارض مع بعضها البعض، ولا تنفصل عن بعضها البعض فهو عادل، وهو أيضًا رحيم، والصفتان غير منفصلتين، بحيث يقول: عدل الله عدل رحيم، كما أن رحمته عادلة، استُوفت على الصليب.
والعجيب أن هذه الآية التي استخدمها المؤلف، لا تقول فقط إن الصدِّيق يسقط سبع مرات، بل تقول: "ويقوم". وقد أغفل المؤلف كلمة "ويقوم". فهو يسقط لأن كل إنسان معرَّض للسقوط.
ولكنه في كل مرة يسقط، يقوم مباشرة، لأنه صدِّيق. وفي قيامه من سقطته، ينال المغفرة بالتوبة (أع 3: 19).
ولا يبقى عليه دين، لأن الله نقل عنه خطيئته، فلا يموت (1صم 12: 13)... نقلها إلى حساب الحمَل الذي يحمل خطايا العالم كله... فهو لا يكفِّر عن خطاياه السبع، لأن الكفارة موجودة هناك على الجلجثة، تستطيع أن تمحو خطايا الكل...
هل يُعقل أن إنسانًا بارًا وصدِّيقًا، انتقل من عالمنا، ونحن نصلي عليه في الجناز، ونبكي بدموع، ونطلب صلواته وشفاعاته، بينما هو في نفس الوقت معذَّب في نار المطهر، ليوفي العدل الإلهي عن هفوات وسهوات، شاء الله أن يفاجئه بالموت قبل أن يقدم عنها توبة، لكي يستحق بذلك العذاب تحت الأرض في سجن المطهر؟!! أحقًا أن إله المطهر، هو إله الحب والبذل الذي عرفناه وأحببناه؟!
وهذا البار الصدِّيق أما نفعته الصلاة على الراقدين في شيء؟!
وإن كانت هذه الصلاة لا تشفع حتى في هفوات وسهوات الأبرار والصديقين، فما لزومها إذًا؟! وما نفعها لغيرهم ممن لم يصلوا إلى مستواهم برًا وصدّوقية؟! أما يكون هذا التفسير المطهري هجومًا على هذه الصلاة، يشجع إخوتنا البروتستانت على إنكارها، ويصبح عثرة لهم.
رحمة بطقوس الكنيسة أيها الإخوة. رحمة بصلواتها. ولا تبنوا عقيدة بهدم عقيدة أو عقائد أخرى...
كل هذه التفسيرات الخاطئة في موضوع المطهر كانت عثرة لإخوتنا البروتستانت.
فثاروا على الأعمال جملة، وعلى أنواع الإماتة. بل حتى على بعض ثمار التوبة من انسحاق وحزن ودموع وإذلال للنفس، وصاروا يدعون التائبين لحياة الفرح مباشرة، معتمدين على قول المرتل في المزمور الخمسين: "رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ" (ع12). ومع أننا لا نوافق على بهجة الخلاص بدون الندم والانسحاق للنفس وإذلالها، إلا أنني أقول: إن هذا الاتجاه البروتستاتني، هو رد فعل للمطهر و(للغفرانات).
حتى يوفي الفلس الأخير (متى5: 26)
يحاول إخوتنا الكاثوليك إثبات عقيدة المطهر من قول السيد المسيح في العظة على الجبل في موضوع الصلح: "كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ، لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي، وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ، فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لاَ تَخْرُجُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تُوفِيَ الْفَلْسَ الأَخِيرَ!" (مت5: 25، 26). فيقولون إن السجن هو المطهر، يلقى فيه الإنسان، ولا يخرج منه حتى يوفي كل ما عليه من عقوبات...
الرد
1- يمكن أخذ كلام الرب بطريقة حرفية عن المعاملات مع الناس.
فهو كان يتكلم عن الصلح بين الناس. فقال: "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ.." (مت 5: 23، 24). ونحن نأخذ هذه الآيات بمعناها الحرفي عن الصلح... ثم يقول الرب بعدها مباشرة: "كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا". فلماذا لا تؤخذ هذه الآيات كذلك بالمعنى الحرفي.
2- ولكنها حتى لو أُخذت بالمعنى المجازي، فلا علاقة لها بالمطهر.
القديس أغسطينوس في تفسيره للعظة على الجبل، قال إن خصمك هو ضميرك، ويجب أن تُرضي ضميرك سريعًا... وكل الآباء – الذين سلكوا طريقة التفسير المجازي – قالوا إن القاضي هو الله. والسجن هو جهنم. والشرطي هو الملاك الموكل بالهاوية، وعبارة "حتى توفي الفلس الأخير" هي تعبير يدل على الاستحالة، يوضع إلى جوارها "ولن توفي".. هنا ونقول:
3- مستحيل على الإنسان أن يوفي العدل الإلهي، مهما قضى في السجن.
هذه قاعدة إيمانية. وبسببها تجسد الابن الكلمة، لكي يوفي عنها. ولذلك ناب عن البشرية في دفع ثمن الخطية ووفاء العدل الإلهي. وسواء كانت الخطية كبيرة أم صغيرة، خشبة أم قذى (مت7: 3)، بعوضة أم جمل (مت23: 24). فإنه ينطبق على النوعين قول الرب: " وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا.." (لو7: 42).
4- القاضي هو الله الديان العادل. وقضاؤه يكون في يوم الدينونة الرهيب.
وحينئذ يكون الإلقاء في سجن، هو الإلقاء في جهنم، التي لا خروج منها إطلاقًا. وهنا يكون الخصم، هو العدالة الإلهية، أو هو وصايا الله. وهنا يقف أمامنا سؤال هام وهو:
5- كيف يمكن للإنسان وهو في السجن أن يوفي؟!
إن كنت قد ظلمت إنسانًا، أو كنت في عداوة مع إنسان، كيف تصالحه وأنت في السجن؟! زكا استطاع ذلك وهو على الأرض، بقوله: "هَا أَنَا يَا رَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ" (لو19: 8). أما لو كان قد ذهب إلى (المطهر)، فكيف كان يمكنه أن يرد الأربعة أضعاف؟!
6- أم هل يظن إخوتنا الكاثوليك أن العذاب هو الذي يوفي؟!
وفي هذه الحالة تكون عقوبة جهنم قد حلَّت محلَّها عقوبة المطهر، ولو بطريقة جزئية، وتكون كفارة المسيح بلا معنى ولا هدف. ولا يكون هناك فداء. لأن الفداء معناه أن نفسًا تبذل ذاتها من أجل نفسًا أخرى. وهنا كل نفس توفي بذاتها ما عليها!! وكيف توفي والعقوبة غير محدودة؟! إننا لا نستطيع أن نوفي العدل الإلهي، ولا في أقل خطية. مشكلة الإخوة الكاثوليك، أنهم يظنون أن عبارة "حتى يوفي الفلس الأخير" تعني أنه يمكن الخروج من السجن بعد وفاء الفلس الأخير!!
7- ولكن تعبير حتى توفي الفلس الأخير، يعني الاستحالة، مثل أي سؤال تعجيزي لا يمكن الإجابة عليه. وسنضرب لهذا التعبير أمثلة:
أ– مثل قول العذارى الحكيمات للعذارى الجاهلات: "اذْهَبْنَ إِلَى الْبَاعَةِ وَابْتَعْنَ لَكُنَّ" (مت25: 9). وكان من المستحيل أن يبتعن.
ب– ومثل قول القديس بولس الرسول: "فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ" (رو9: 3). وطبعًا مستحيل أن يكون محرومًا من المسيح ومستحيل أيضًا أن يكون حرمانه من المسيح سببًا في خلاص إخوته وأنسبائه. ولكن تعبير تفهم منه الاستحالة.
جـ – ومثال آخر وهو قول الرسول في إثبات القيامة: "إِنْ كَانَ الأَمْوَاتُ لاَ يَقُومُونَ الْبَتَّةَ، فَلِمَاذَا يَعْتَمِدُونَ مِنْ أَجْلِ الأَمْوَاتِ؟" (1كو15: 29). وطبعًا لأنهم يؤمنون بالقيامة، وإن كان من الاستحالة أن تفيدهم هذه المعمودية! كما أن هؤلاء الذين يعتمدون لأجل موتاهم، سبق لهم أن تعمدوا. فمعموديتهم هنا مرتين، أمر غير جائز...
د– وهنا بالمثل يقول: حتى توفي الفلس الأخير، أقول لك من المستحيل لك أن توفي. فمن الخير لك التوبة وأنت في حياتك على الأرض، والصلح مع أخيك ههنا، قبل أن تلقى بسبب ذلك في السجن الذي لن تخرج منه...
معنى كلمة (حتى)
أ– عبارة حتى لا تعني زمنًا محددًا، ينتهي الأمر بعده. وهذا واضح عند إخوتنا الكاثوليك الذين يؤمنون مثلنا بدوام بتولية القديسة العذراء مريم. وعلى هذا الأساس يفهمون عبارة (حتى) في قول الكتاب عن العذراء.
"وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ.." (مت 1: 25).
ومعروف طبعًا أنه لم يعرفها بعد ولادة ابنها البكر... ولا داعي لأن نشرح هذه العبارة شرحًا مستفيضًا، فليس هذا مكانه. والكاثوليك يرون أن استخدام كلمة (حتى) هنا، لا يعني أن ما بعدها عكس ما قبلها.
ب– ميكال زوجة الملك داود، لما استهزأت به حينما رقص أمام تابوت العهد قال الكتاب عنها: "وَلَمْ يَكُنْ لِمِيكَالَ بِنْتِ شَاوُلَ وَلَدٌ حتى ماتت" (إلى يوم مماتها) (2صم 6: 23). وطبعًا ولا بعد موتها كان لها ولد.
جـ– ومن الأمثلة الهامة جدًا "لاهوتيًا" ما قيل عن رب المجد.
"قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»" (مز110: 1). وطبيعي أنه ظل جالسًا عن يمين الآب، حتى بعد أن وضع أعداءه موطئًا لقدميه. كل هذه الأمثلة عن معنى كلمة (حتى) واستخدامها في الكتاب، يعرفها إخوتنا الكاثوليك جيدًا، ويستخدمونها في إثبات دوام بتولية العذراء... فلماذا يقفون الآن من كلمة (حتى) موقفًا مغايرًا؟!
نقطة اعتراض أخرى نحب أن نقولها هنا
9– كيف توفي الروح في (المطهر) كل ديونها حتى الفلس الأخير، بينما الجسد ليس معها.
شريكها الأثيم، الذي كان يشترك معها في غالبية خطاياها، بل كان يدفعها إلى الخطية دفعًا لتشترك هي معه "الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ" (غلا5: 17). كيف يفلت هذا الشريك المخالف، وتقف الروح وحدها لكي توفى الكل "حتى الفلس الأخير"؟! وهل نستطيع أن نوفي الفلس الأخير، بينما الجسد لم يعاقب. والمعروف في عقيدة المطهر أنه للأرواح فقط، التي لا تموت بموت الجسد.
إذًا المقصود بالسجن في جهنم بعد الدينونة، وليس المطهر بعد الموت. وحتى يوفي الفلس الأخير، يفهم أنه بعدها "ولن يوفي"... أي يبقي في جهنم إلى الأبد.
[1] اللاهوت النظري، لإلياس الجميل، جـ2 صـ497.
الفصل الرابع اعتراضات في مناقشة المطهر
الفصل الرابع
اعتراضات في مناقشة المطهر
1- الذين يعاصرون القيامة
يقول القديس بولس الرسول: "إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ... لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1تس 4: 15-17).
فهؤلاء الذين يعاصرون القيامة، ويخطفون إلى السماء، لا يدخلون المطهر طبعًا، مهما كانت لهم خطايا عرضية أو غيرها. فكيف يتم العدل الإلهي، كاثوليكيًا؟
ومن غير المعقول أن نقول إن كل الذين يخطفون إلى السماء، لم تكن لهم ساعة الاختطاف أية سهوات أو هفوات، أو أية خطية أخرى يرى المعتقد الكاثوليكي أنها تحتاج إلى عقوبة...
فإن كان عدل الله يسمح بمسامحة هؤلاء المختطفين، فبنفس المنطق ألا يسامح السابقين لهم في الزمن، ما دامت العدالة الإلهية راضية، ولا حاجة إلى مطهر...
أم هل يحتج البعض ويقولون: كيف يختطفون دون أن يتطهروا؟! ويبقى السؤال قائمًا: كيف التصرف مع هؤلاء؟ وكيف يمكن تحليل الأمر لاهوتيًا... وبنفس المنطق يمكن أن نسأل عن مجموعة أخرى من معاصري القيامة:
كانت عليهم عقوبة. وجاءت القيامة قبل أن يتمموها...
ومعروف في المعتقد الكاثوليكي أنه لا مطهر بعد القيامة. فما العمل في باقي العقوبة التي لم تستوفَ. هل تتنازل عنها الكنيسة؟ وهل يتنازل عنها الله؟ وإن كان التنازل ممكنًا، فلماذا لا يعمم؟ ولماذا لا ينطبق على كل من يدركه الموت – وليس القيامة – قبل أن يتمم العقوبات المفروضة عليه؟ وحينئذ لا يكون مطهر.. أما إن كان التنازل غير ممكن، أو هو ضد العدل الإلهي.. فإن مشكلة لاهوتية تقوم، وتبقى بلا حل!
2- مشكلة الجسد والروح
حسب عقيدة المطهر، طبيعي أن الروح فقط هي التي تتطهَّر بعذابات المطهر. فماذا إذًا عن تطهير الجسد؟ سيأتي يوم القيامة، وتتحد الروح بالجسد. وهنا المشكلة:
هل تتحد الروح التي – فرضًا – قد دفعت ثمنًا غاليًا في نار المطهر لأجل تطهيرها، هل تقبل أن تتحد بجسد لم يتطهر، وكان شريكًا لها في بعض الخطايا، ويأتي ليتحد معها بسهولة. أم تقول الروح له: أبعد عني. أنا قد تطهَّرت بالنار، وأنت لم تزل من الأشرار!!
كمنظر عروس جميلة، يريد أن يتزوجها رجل أبرص، فتنفر منه، وترفض أن يكون معها جسدًا واحدًا. ولعل الروح المطهَّرة تقول للجسد الذي لم يتطهَّر، هوذا الكتاب يقول: "أَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟!" (2كو6: 14).
ولعل البعض يقول: إن الجسد قد تطهَّر، بعذاب آخر، حينما أكله الدود، وتحول إلى تراب! والرد عليه جاهز. وهو أن الجسد لم يتعذب مطلقًا. فهو حينما مات، لم يعد يحس مطلقًا، ولم يشعر بدود، ولا بالتحول إلى تراب... إذًا أين العذاب الذي يماثل عذاب الروح؟!
فإن قيل إن الجسد يتطهَّر حينما يقوم جسدًا روحانيًا (1كو15: 44).
هذا حسن وصدق. ولكن هذه العملية تمت بنعمة الله وهباته، ولم يساهم فيها الجسد بأي ثمن، ولم يقم بوفاء للعدل الإلهي، ولا بوفاء قِصاصات كنسية. فلماذا يحدث له هكذا، ويأخذ هذا التغيير والتجلي بلا ثمن، بينما الروح تدفع الثمن، كما تقول عقيدة المطهر؟!
وهل يعامل الله الجسد بهذا التمييز، بينما الروح التي هي أرفع في مستواها، لا تحظى بشيء من المساواة؟!
لا شك أنها مشكلة، تواجه عقيدة المطهر...
وتنتظر إجابة عادلة... هل تطالب الروح بأن يدخل الجسد مثلها إلى النار، ويدفع الثمن، ويأتيها متطهِّرًا؟! ولكنه لا يشعر بعذاب النار، إلا إذا اتحدت به الروح، وأصبح بذلك يحس ويشعر... والاتحاد يكون في وقت القيامة.
من أجل هذا، تكون دينونة الجسد والروح، هي بعد القيامة.
بعد اتحادهما معًا... وهنا تبطل نار المطهر التي يقال إنها بعد الموت مباشرة قبل القيامة.. والكاثوليك يقولون إنه لا مطهر بعد القيامة.. وبعد القيامة تكون النار للدينونة وليس للتطهير.. وتبقى المشكلة بلا حل...
3- قديسو العهد القديم
هل دخل أحد منهم إلى (المطهر)؟ من أمثال آبائنا إبراهيم ونوح ولوط وإيليا وداود، والأنبياء.. أقصد هل كابدوا عذابات مطهرية للتكفير عن خطاياهم؟ ولا شك أنه كانت لهم أخطاء، فالكتاب يقول: "لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (مز14: 3). وقد ذكر الكتاب بعض خطايا هؤلاء القديسين، على الرغم من بِرِّهم.
فإن كانوا في العهد القديم لم يدخلوا مطهرًا، فهل يكون الدخول في المطهر من سمات العهد الجديد عهد النعمة؟!
وإن قلت: كانوا قبل الصليب في الهاوية، أو في الجحيم. أقول لك: ولكنهم ما كانوا مطلقًا في مكان عذاب، ولم يكابدوا عذابات مطهرية. إنما كانوا في مكان انتظار، يرقدون على رجاء، في انتظار الخلاص.
فما موقف العدل منهم؟ نفس (العدل الإلهي) الذي باسمه يوجد المطهر؟!
ولماذا تطالب (النفوس المطهرية) بنفس المعاملة التي عومل بها قديسو العهد القديم؟ ويبقى السؤال بلا جواب. ونعود فنسأل: وإن كان السيد المسيح قد طهَّر قديسي العهد القديم، فلماذا لم يطهِّر أبناء النعمة في العهد الجديد؟!
4- ما فائدة الصلوات؟!
إن كانت النفوس التي في (المطهر) تُعان بصلوات الأحياء، فلماذا هي باقية فيه؟ على الرغم من كل القداسات المقامة، ومن كل الصلوات المرفوعة، ومن كل الصدقات المدفوعة، وعلى الرغم من الغفرانات المحسوبة لهم، وعلى الرغم من تخليص السيدة العذراء الكاملة الطهر وشفاعتها المقبولة؟!
هل ستظل باقية "حتى توفي الفلس الأخير" (مت 5: 26)؟!
وهل كل الصلوات والغفرانات والشفاعات، لا تقوى على نار المطهر هذه، إلاَّ بتخفيف حدتها، وتقليل مدتها، أحيانًا؟! وهل الخطايا العرضية تستحق كل هذا العذاب، وكل هذا التوسل من الكنيسة، أحيائها، وقديسيها المنتقلين؟! وإن كانت الكنيسة لها سلطان التخفيف، فلماذا لا يكون لها سلطان الإلغاء؟
وهل يفلت المؤمنون من عقوبة (الخطايا المميتة) الثقيلة بوفاء عقوبات عنها، ثم يتعذبون في المطهر بسبب هذه الخطايا العرضية؟!
وقد قيل إن الإيمان بالمطهر، بدأ يضاف إلى قانون الإيمان عند الكاثوليك، منذ أيام البابا بيوس الرابع. حيث يقول الشخص في قانون الإيمان "أعتقد اعتقادًا ثابتًا بوجود مطهر، وأن النفس المحبوسة فيه تُغاث بصلوات المؤمنين".
5- المطهر تطهير أم تكفير؟
سؤال هام نسأله في موضوع المطهر، وهو: هل المطهر هو مطهِّر؟ هل هو للتطهير أم تكفير؟
هل تدخله النفوس لتتطهَّر من ذنوبها، أو لتكفِّر عن ذنوبها؟
وإن كان القصد هو التطهير، فالنفوس تتطهَّر بالتوبة، وبالرجوع إلى الله، وبعمل الله فيها... الله الذي قال: "وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ. وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُم.. وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي" (حز36: 25 – 27).. هكذا يكون التطهير، وليس بالتعذيب.
أما إن كان القصد هو وفاء العدل الإلهي، ووفاء الديون التي على النفس، والتخلص من القِصاص، بالعذاب، يكون الهدف هو التكفير وليس التطهير. ويكون اسم (المطهر) اسمًا لا ينطبق على الواقع.
وهذا هو الحادث تمامًا... وهذا هو الهدف منه، وهذه هي العقيدة الكاثوليكية التي تعبر عنها كل الكتب التي صدرت عن المطهر: "إنسان لم يوف عقوباته على الأرض، لم يوف العدل الإلهي... فيكفِّر عن تلك الخطايا في المطهر، لأن السماء لا يدخلها دنس ولا رجس" (رؤ21: 27). وهذا هو الموقف حتى من الإنسان البار الصدِّيق الذي ارتكب هفوات!! (أم 24: 16). ويسأل المؤلف بكل جرأة: وماذا عن خطيته، والسماء لا يدخلها دنس؟! والإجابة واضحة، يقول القديس يوحنا الرسول: "وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارّ. ُوَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا" (1يو2: 1، 2).
أما نسيان كفارة المسيح، أو اعتبارها غير كافية، والاعتماد على عذاب الإنسان في المطهر لوفاء العدل الإلهي، فهذا أمر ضد الإيمان المسيحي. وما أسهل أن نورد هنا عشرات الآيات الخاصة بالفداء الذي قدمه السيد المسيح، والكفارة التي قدمها. وليس فقط أنه منحنا الخلاص. وإنما بالأكثر حصر الخلاص فيه وحده. ويكفي قول القديس بطرس عن الرب: "وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ" (أع 4: 12).
ويتابع القديس كلامه فيقول: "لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ" (أع4: 12). أما في عقيدة المطهر، فكون الإنسان يوفي عن نفسه العدل الإلهي، فمعناه أن يقوم بخلاص نفسه بنفسه، وكأن المسيح لم يخلصه. ويرفض أن يقول مع داود النبي: "كَأْسَ الْخَلاَصِ أَتَنَاوَلُ، وَبِاسْمِ الرَّبِّ أَدْعُو" (مز116: 13). وتكفير الإنسان عن خطاياه، تعليم ضد الإنجيل. ومع ذلك فالتكفير بالأعمال البشرية تعليم انتشر بين البعض...
كإنسان يتعبه ضميره بسبب خطيته، فيقول: أكفَّر عن خطيتي بأيام صوم أفرضها على نفسي!! أو بعض أعمال النسك! كلها تعبيرات لا تتفق مطلقًا مع الفهم اللاهوتي للكفارة... وهؤلاء الذين يقولون: لا بد أن يذهب الإنسان إلى المطهر، ليكفر عن خطاياه العرضية، وعن خطاياه الأخرى المغفورة التي لم تستوف عقوبتها... إنما يذكِّرونني بصرخة داود النبي وهو يقول: "كَثِيرُونَ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَيْسَ لَهُ خَلاَصٌ بِإِلهِهِ" (مز3).
أما نحن فنؤمن بخلاص الرب، خلاصه الكامل الشامل، الذي يشمل وصمة الخطية، وعار الخطية، وعقوبة الخطية، خلاصه الذي يشمل كل ما يطلق على الخطية من أسماء: العرضية والمميتة، والإرادية وغير الإرادية، وخطايا الجهل، والخطايا الخفية والظاهرة... الكل بلا استثناء. كما يقول الكتاب: "..وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش 53: 6) "وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ... ومِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1يو1: 7، 9).
ما دام الرب "قد وضع عليه إثم جميعنا"، إذًا فليس علينا إثم بعد. لأنه قد نقل عنا (2صم12: 13)... نقل عنا إلى الحمل الذي يرفع خطايا العالم كله (يو1: 29). نعم لا يكون علينا إثم، ما دمنا قد آمنا بالمسيح وبخلاصه وفدائه وتبنا، وسلكنا في النور، ولم نخالف عقيدة إيمانية... "إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ" علينا بعد (رو8: 1).
هذا هو خلاص الرب، الكامل الشامل، الرافع لكل عقوبة.
هذا هو الخلاص الذي رفع عنا كل دينونة. كما يقول الرب نفسه: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ" (يو5: 24). وعبارة "لا دينونة" يكررها القديس بولس الرسول أيضًا في (رو8: 1). لا دينونة إذًا على خطايا قد غفرت. ما دام الإنسان قد تاب، فهو قد تطهَّر من خطيته، واستحق تكفير المسيح عنها بدمه. عملية التطهير تتم بدم المسيح وليس بنيران المطهر.
أما العذاب في المطهر، فإنه لا يُطهِّر، ولا يكفِّر عن خطية.
إن النفوس تتطهر بمحبة الله التي تحل محل محبة الخطية. ومحبة الله لا تأتي نتيجة التعذيب في نار المطهر، تحت الأرض.. والتطهير لا يأتي إلا بالتوبة، ولا توبة بعد الموت.. فالعذارى الجاهلات أردن أن يبحثن عن زيت بعد الموت فلم يجدن، ووقفن خارج الباب (مت 25: 1- 12)، على الرغم من أنهن كنّ عذارى، ينتظرن العريس، بإيمان أنه الرب، وكانت معهن مصابيح.
ومن الدلائل على أنه لا توبة بعد الموت، قول الرب لليهود: "إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ" (يو8: 24).
وقال لهم أيضًا: "أَنَا أَمْضِي وَسَتَطْلُبُونَنِي، وَتَمُوتُونَ فِي خَطِيَّتِكُمْ. حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا" (يو8: 21). فما معنى عبارة "تموتون في خطاياكم"؟ أتراها تعنى أن يتخلص الإنسان من هذه الخطايا بعد الموت ويتطهر ويذهب إلى الفردوس؟! كلا طبعًا وإلا فما معنى قوله بعدها "حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا"؟!
6- الغفرانات
الغفرانات عند إخوتنا الكاثوليك هي مِنح يمنحها الباباوات لمن يتلو تلاوات أو صلوات خاصة، أو لمن يزور أماكن مقدسة معيَّنة.
والغفرانات لها علاقة وطيدة بالمطهر. فهي تساعد على خصم مُدد منه (سنوات وأيام) سواء لشخص الخاطئ، أو لشخص آخر، إن كانت هذه الغفرانات على نيته أو على ذمته.
كما قيل عن غفرانات الوردية، إنه يمكن تخصيصها كلها للنفوس المطهرية.
ونتيجة لكثرة التلاوات والصلوات والزيارات المقدسة التي يقوم بها بعض القديسين قد يحصلون على غفرانات أكثر مما يحتاجون لتغطية عقوبة سهواتهم وخطاياهم العرضية. وتسمى هذه بزوائد فضائل القديسين. ويمكن أن تنفع النفوس التي في المطهر، فتخفف عنهم العقوبة أو تقلل المدة. وسنذكر الآن بعض أمثلة من الغفرانات.
أمثلة من غفرانات الزيارات
ورد في كتاب "قانون الرهبانية الثالثية العالمية" الذي جمعه "أحد الإخوة الأصاغر" وطُبع في مطبعة الآباء الفرنسيسكان بأورشليم سنة 1887م:
إن الحبر الروماني قد منح من يزور هيكل تلك الأخوية، في الأيام المذكورة في كتاب القداس الروماني "يربح في ذلك اليوم ما يكسبه في رومه عينها". وقد أورد جدولاً بتلك الأيام وغفراناتها، لاغتنام هذا الخير من معرفة تلك الأيام، وما مُنح فيها من غفران:
1– أول كانون الثاني – ختان السيد – غفران 30 سنة و30 أربعينية.
2- سادس كانون الثاني – الغطاس – غفران 30 سنة و30 أربعينية.
4– أربعاء الرماد وأحد الرابع من الصيام: لكلٍ غفران 15 سنة و15 أربعينية.
5– أحد الشعانين: غفران 25 سنة و25 أربعينية.
8– كل يوم من الصيام الكبير – غير ما ذكر – لكل غفران 10 سنوات و10 أربعينات.
11– 25 نيسان – القديس مرقس الإنجيلي – غفران 30 سنة و30 أربعينية.
15– أحد العنصرة والأيام الثمانية التالية – غفران 30 سنة و30 أربعينية.
[يلاحظ أننا اخترنا بعض أمثلة أيام من تلك القائمة الطويلة].
وورد في الكتاب أيضًا أن البابا لاون الـ13، منح غفران 300 يومًا لكل مرة يحضر فيها شخص الصلاة التي تقام لإكرام القديس فرنسيس الساروني.
وهناك غفرانات من البابا ليو الرابع، والبابا بسكال الثاني.
تسع سنوات غفرانًا، لكل درجة يصعدها جاثيًا من درجات السلم المقدس وهي 28 درجة!!
أي غفران 252 سنة لصعود السلم كله...
أمثلة للغفران بسبب التلاوات
ورد في كتاب "الصلوات اليومية" للكاثوليك الغفرانات الآتية:
1– غفران 50 يومًا لكل مرة يقول فيها المُصلي "بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين".
2- غفران سبع سنوات وسبع أربعينات، لكل مرة تُتلى فيها أفعال الإيمان والرجاء والمحبة. وهذه الأفعال عبارة عن صلوات كل منها عبارة عن ثلاثة أو أربعة أسطر.
3- غفران 100 يومًا لكل مرة يقول فيها المُصلي "يا ملاك الله المتقلد حراستي من رأفته تعالى، أنر عقلي وأحرسني، ودبرني وأرشدني، وخلصني من الشرير، آمين".
4- غفران 100 يومًا لكل مرة يقول فيها المصلي "هلُم يا روح القدس، وأملأ قلوب مؤمنيك وأضرم فيها نار محبتك المقدسة".
5- غفران 300 يومًا لكل من يدعو قلب يسوع الأقدس.
6- غفران 300 يومًا لكل مَن يقول: "يا يسوع ومريم...".
7– غفران 7 سنين وسبع أربعينات، لكل مَن يقول: "يا يسوع ومريم ومار يوسف..." إلخ.
وورد في كتاب تحفة الزهور الزكية للنفوس صـ279، غفران 100 يومًا لكل مرة "أبانا..." ولكل مرة "السلام..". وغفران 10 سنوات، وعشر أربعينات، مرة في النهار، لمن يتلوها جهارًا أو مع آخرين، في كنيسة أو في غير ذلك.
غفرانات خاصة بالوردية
ورد في كتاب (تحقيق الأمنية في عبارة الوردية، الذي طُبع في القاهرة 1986م)، بعض وعود للقديسة العذراء منها:
صـ15: أخلص كل يوم من المطهر من كان من مُخلصي العبادة لورديتي.
صـ20: كل غفرانات الوردية بأسرها يسوغ تخصيصها للنفوس المطهرية.
صـ26: غفرانات وهبات عديدة أثبتها البابا لاون 13 في السنوات 1887م، 1892م، 1899م.
غفرانات خاصة بمسبحة قلب يسوع.
عن كتاب "صلوات أحباء قلب يسوع". صدر سنة 1956م.
وتُتلى مسبحة قلب يسوع، على مثال مسبحة القديسة مريم العذراء، فتُعطي الغفرانات الآتية:
صـ14: غفران 300 يومًا، لمن يقول: "يا قلب مريم الحلو، كُن خلاصي". وغفران 100 يومًا لصلاة أخرى.
صـ7: غفران 300 يومًا لمن يقول: أبانا، والسلام، والمجد، على نية الكنيسة.
صـ22: غفرانات منحها البابا بيوس التاسع سنة 1876م، منها غفران 100 يومًا وغفران 80 يومًا، لصلوات.
صـ48: طُلبة القربان المقدس، غفران سنتين، إذا تُليت علانية.
غفرانات ساعة الموت
"إن كانت إلى جواره الوردية أو الأيقونة: يربح غفرانًا بسببها. ولا يشترط أن تكون معلقة بيده، أو ملتوية على ذراعه، أو مضبوطة بيده. بل يكفي أن تكون على الفراش قريبة منه، ولو لم يرها ولا يلامسها ولا يعلم بها...
غفرانات شهر قلب يسوع
وهي في شهر يونيو، ومنها:
1- غفرانات ممنوحة من البابا بيوس العاشر في 8 أغسطس سنة 1906م، وفي 26 يناير سنة 1908م. يُمنح غفرانًا كاملًا لمن يزور الكنائس التي يُحتفل فيها بشهر قلب يسوع في آخر أحد من يونيو. فكل من يحرص على إقامة هذه الاحتفالات ينال:
- غفران 500 يومًا لأجل كل عمل صالح مآله انتشارها أو إتقانها.
- غفرانًا كاملًا في كل مرة يتناول فيها القربان المقدس في شهر يونيو.
2- غفرانات ممنوحة من البابا لاون في 30 مايو سنة 1902م.
غفران سبع سنوات وسبع أربعينات، وغفرانًا كاملًا، لمن يحضر شهر قلب يسوع 10 مرات على الأقل، في كنيسة أو بيت، ويزور كنيسة أو معبدًا في شهر يونيو.
ومن الأمثلة أيضًا: غفرانات سنة اليوبيل الخاصة بالموتى.
[المرجع كتاب: مختصر اللاهوت الأدبي].
مناقشة موضوع الغفرانات
1- المفروض في الغفران أنه لمغفرة خطية أو خطايا.
فما معنى منح غفران، بسبب صلوات، أو تلاوات مقدسة، أو زيارة لأديرة أو كنائس؟! ما هو الشيء، الذي يُغفر هنا؟ إلا لو كانت كلمةL’InduIigence لها معنى آخر غير الغفرانات، وإنها لكذلك. فالترجمة إذًا تحتاج إلى تعديل.
2– المبدأ اللاهوتي الثابت هو أن المغفرة وسيلتها التوبة.
"فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ" (أع3: 19) و"إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5). فما دخل التلاوات والزيارات بالمغفرة؟ وما دخل الاحتفالات بالمغفرة التي لا تكون إلاَّ بالتوبة، سواء كانت احتفالات خاصة باليوبيل أو شهر قلب يسوع أو أعياد قديسين وما أشبه؟! وأيضًا ما دخل العذراء في الوردية بأمور المغفرة. يمكن أن تشفع العذراء. ولكن لا بد من التوبة.
3- إن الغفرانات عن طريق التلاوات والزيارات والاحتفالات، لا يمكن أن تتم بدون الرجوع إلى الله، ونقاوة القلب، بترك الخطية.
4- مجرد التلاوات يغفل العمق الروحي للصلاة.
فما أسهل أن يكرر الإنسان صلاة عشرات أو مئات المرات، ويكون ذلك بلا عُمق وبلا روح... والمسألة ليست كثرة تلاوات. فالصلاة ليست مجرد تلاوة. وإنما ينبغي أن تكون فيها عناصر روحية، كأن تكون الصلاة بإيمان، بخشوع، بحرارة، بفهم، بروح، بعاطفة وحب، بتأمل... إلخ. أما مجرد التلاوة للحصول على غفرانات، فأسلوب غير روحي...
وربما صلاة واحدة قصيرة بعُمق وروح، تكون أكثر فائدة من مائة صلاة بمجرد التلاوة...
إن العشار صلى صلاة قصيرة، بكلمات قليلة، وخرج بها مبررًا (لو18: 13). بينما كانت صلاة الفريسي أطول منه بكثير، ولم يستفد شيئًا! كذلك صلاة اللص اليمين كانت قصيرة، ولكنها بإيمان وعُمق، فاستحق بها وعد الرب له بالفردوس (لو23: 42، 43).
5– وما معنى تحديد الغفرانات بأيام وسنين وأربعينات؟!
على أي أساس وُضعت هذه الأرقام؟ وما سندها اللاهوتي؟ وما سندها الكتابي؟ وهل هي مجرد أقساط تُدفع من حساب إنسان؟ وهل هي خصم من حساب المطهر، وعلى أي أساس؟!
وأيهما أسهل: أن يقول شخص (أبانا الذي) مرة، أم يقضي 100 يومًا في عذاب المطهر؟ وأين التوازن بينهما.
بحيث أن من يتلو (أبانا الذي) مرة، يُغفر له 100 يومًا!! مائة يومًا من أين؟ أو من ماذا؟ من أي حساب. وما معنى غفران 252 سنة لمن يصعد درجات السلم المقدس جاثيًا؟! هل صعود هذه الدرجات يوازي عذاب 252 سنة في المطهر، بعذابات تشبه عذابات جهنم..؟!
على أي أساس وُضعت هذه الأرقام والمدد من الغفرانات؟
ولعل الإجابة هي: على أساس السلطة الكنسية، السلطة الممنوحة للكهنوت. ونحن نؤمن أيضًا بالسلطة الكنسية الكهنوتية. ولكننا نسأل:
على أي أساس منحت السلطة الكنسية هذه الغفرانات؟
نقول هذا لأنه من فم الكاهن تُطلب الشريعة (ملا 2: 7). فماذا قالت الشريعة في هذا الأمر؟ إننا نسأل...
6– هل زيارة الأماكن المقدسة هي للبركة أم للغفران؟
ما معنى أن زيارة مكان معين، في يوم معين بالذات، تمنح غفران 30 سنة و30 أربعينية؟! وما ذنب الذي لم تسمح له ظروف عمله، أو ظروفه المالية، أو ظروف صحته بزيارة ذلك المكان المقدس؟! وما ذنب إنسان مكان سُكناه بعيد جدًا عن هذا المكان المقدس، هل يُحرم من المغفرة كل هذه السنوات، دون ذنب جناه، ويتمتع بها شخص آخر دون فضل منه، بل ظروفه أفضل؟!
7 – ما معنى أن يُغفر لشخص 15 سنة لعمل، و25 سنة لعمل آخر، و30 سنة لعمل ثالث؟!
أو تختلف هذه الغفرانات باختلاف يوم الزيارة وموعده. أو تختلف مدة الغفران إن قيلت الصلاة سرًا أو قيلت علانية! ولماذا الغفران أحيانًا بالأيام، وأحيانًا بالأربعينات، وأحيانًا بالسنوات أو بعشرات السنوات؟!
بودي لو يقدم أحدهم رسالة علمية لأحد المعاهد اللاهوتية، ليشرح الحكمة في هذه الأرقام وهذه الغفرانات، وأساسها اللاهوتي والكتابي والكنسي... لأني وقفت أمامها متحيرًا، كما وقف دانيال النبي أمام إحدى الرؤى على الرغم من شرح رئيس الملائكة له، وقال: "وَكُنْتُ مُتَحَيِّرًا مِنَ الرُّؤْيَا وَلاَ فَاهِمَ" (دا 8: 27).
نحن نفهم أنه توجد مغفرة، أو لا مغفرة. أما المغفرة الجزئية المحددة بأرقام سنين وأيام، فلا نفهمها!
إنسان يتوب، فيغفر الله له. أو لا يتوب فلا يحظى بمغفرة. أما أن تُغفر له مدة محددة، ويظل الحساب جاريًا بينه وبين العقوبة... فهذا شيء لا وجود له في الكتاب المقدس! وأما أن يموت هذا الإنسان، ويبقى حسابه جاريًا، يسدده بعد الموت... فهذا أمر أكثر خطورة.
إن موضوع المغفرة عمومًا، يحتاج إلى بحث مع إخوتنا الكاثوليك.
1– هل المغفرة هي بدم المسيح وكفارته وفدائه ويستحقها الإنسان بالتوبة، وينالها في أسرار الكنيسة؟
2- أم المغفرة هي بالقِصاصات التي تقررها الكنيسة على التائبين؟
3– أم المغفرة هي بوفاء العدل الإلهي بالعذاب في المطهر؟ وتكفير الإنسان عن نفسه بعقوبات؟
4- أم المغفرة هي بمنح الغفرانات حسب القوائم التي نشرنا بعضها؟
5- أم هي بزوائد القديسين، أو تخليص العذراء للنفوس المطهرية؟
6– وهل المغفرة تكون كاملة أم جزئية؟
7– وهل المغفرة تكون فقط من وصمة الخطية، وتبقى العقوبة قائمة؟ وتبقى على الإنسان دينونة لم ترفعها عنه كفارة المسيح؟
أما نحن فنؤمن بالبند الأول من هذه البنود السبعة. ونرى أن مغفرة الرب لنا كاملة وشاملة، لا ندخل بعدها في دينونة. ولا عقوبة بعد الموت للخطايا المغفورة.
ونحب بمناسبة الغفرانات التي تُخصم من حساب القِصاصات أو حساب المطهر، أن نتعرض لموضوع "زوائد القديسين":
7- زوائد القديسين
نحن نؤمن بالقديسين، وببركتهم وشفاعتهم، ونُمجد حياتهم الفاضلة، ونحتفل بأعيادهم، وندشن أيقوناتهم، ونبني الكنائس على أسمائهم، ونتلو قصصهم في كتاب السنكسار أثناء القداسات على المؤمنين، ونذكرهم في ألحاننا وفي القداس الإلهي. ولكننا على الرغم من كل ذلك نسأل:
1- هل يمكن أن تكون للقديسين زوائد؟ أو زوائد فضائل؟
إن المطلوب هو الكمال، فهل زاد أحد من القديسين على الكمال؟
يقول ربنا يسوع المسيح في العظة على الجبل: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت 5: 48). فهل استطاع أحد من القديسين أن يصل إلى هذا الكمال المطلوب؟! هوذا القديس بولس الرسول يقول: "أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا" (1تي1: 15). والقديس يوحنا الرسول يقول: "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا"(1يو1: 8). والقديس يعقوب الرسول يقول: "لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا" (يع 3: 2). وهوذا الرب نفسه يقول: "مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ" (لو17: 10).
مَن فينا تمَّم جميع الوصايا، ووصل إلى رتبة عبيد بطالين؟! فإن كنا لم نفعل بعد جميع ما قد أمرنا الرب به، فأين هو الكمال إذًا. ولا أقول أين هي الزوائد؟ فلنسمع القديس بولس الرسول يقول: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلًا، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ" (في3: 12).
ويكرر العبارة قائلًا: "أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي.. وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ" (في3: 13، 14). فإن كان هذا القديس الذي تعب أكثر من جميع الرسل (1كو15: 10)، وصعد إلى السماء الثالثة (2كو12: 2، 4) يقول إنه لم يصل إلى الكمال، ولم يدرك، وإنه لا يزال يسعى لكي يدرك. فهل يُعقل أن نقول عن قديس إن له زوائد؟ أو أن له فضائل فوق المستوى المطلوب؟!
فإن كان هذا المعنى غير مقبول، ننتقل إلى الآخر:
2– هل يُعقل أن إنسانًا ينال غفرانًا فوق احتياج خطاياه، فيزيد عن حاجته؟!
وإن كانت خطاياه كلها قد غُفرت. فما معنى أن تمنحه الكنيسة غفرانًا ليس هو في حاجة إليه، فيزيد عن احتياجه ويبقى رصيدًا يستخدمه لصالح غيره من النفوس المطهرية!!
وإن كان في غير حاجة إلى غفران، فلماذا يطلب مغفرة خطاياه كل يوم في الصلاة الربانية.
بصراحة إن عبارة زوائد القديسين، هي عبارة زائدة.
يبقى بعد ذلك التفسير الثالث لزوائد القديسين وهو:
3– إن هذا القديس تلا تلاوات كثيرة أخذ عليها غفرانات، وزار كثيرًا من الأماكن المقدسة التي تُحسب لها غفرانات، وأصبح له من كل ذلك رصيدًا يسمى زوائد.
والأمر لا يتعلق بفضائل زائدة، ولا بخطايا مغفورة!
وكل إنسان يستطيع أن يقوم بمثل هذه التلاوات والزيارات والاحتفالات المقدسة، ويكوَّن له رصيدًا من غفرانات لا يحتاج إليها. ويبقى المفهوم اللاهوتي يحتاج إلى تفسير... ثم نسأل سؤالًا آخر:
4- هل يمكن لإنسان أن يعطي من زوائده لغيره؟
ويجيب الرب عن هذا السؤال في مَثل العشر عذارى: حيث قالت الخمس الجاهلات للخمس الحكيمات: "أَعْطِينَنَا مِنْ زَيْتِكُنَّ فَإِنَّ مَصَابِيحَنَا تَنْطَفِئُ". فأجابت الحكيمات قائلات: "لَعَلَّهُ لاَ يَكْفِي لَنَا وَلَكُنَّ، بَلِ اذْهَبْنَ إِلَى الْبَاعَةِ وَابْتَعْنَ لَكُنَّ" (متى25: 8، 9).
في مسألة الخلاص والمغفرة لا بد من التوبة لكل أحد. وإلا فإن "بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ، وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ" (حز18: 20).
5- كل ما نقوله إن القديسين يتشفعون. ولكن لا يعطون من (زوائدهم!) لآخرين...
لا أحد من القديسين له زوائد. ولا فضائل أحد يمكن أن تُعطَى لغيره... إنما هم يشفعون... ولعل البعض هنا يسأل: ألم يتفوق القديسون على غيرهم ويزيدون؟ نقول نعم، من جهة المقارنة بغيرهم يزيدون عن غيرهم. ولكنهم أمام الله لم يصلوا بعد إلى الكمال المطلوب، كما قال بولس عن نفسه (في3: 12 – 14).
6– كما أن تفوق القديسين لا يُوهَب للغير، إنما له منزلته، وله أكاليله.
وفي هذا يقول الكتاب: "لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ" (1كو15: 41). وقال بولس الرسول عن نفسه وجهاده: "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ.." (2تي4: 8). بولس أخذ إكليل الجهاد، وإكليل البتولية، وإكليل الرسولية، وإكليل البر، وأيضًا إكليل الشهادة.
وقديسون آخرون أخذوا بعضًا من هذه الأكاليل، كل حسب مرتبته. ولكنهم لم يهبوا من أكاليلهم لآخرين. إنما هم يصلون من أجلنا، وصلاة البار تقتدر كثيرًا في فعلها (يع 5: 16).
إنهم يعطوننا من بركتهم وصلواتهم. وليس من زوائدهم!
8- مشاركة المسيح
عبارة لأب كاثوليكي في كتاب (المطهر) للأب لويس برسوم صـ47، بعد حديث طويل عن (العقاب الزمني) الذي وقع على داود النبي، يقدم المؤلف اعتراضًا بخصوص الكفارة بدم المسيح، ويرد عليه فيقول: "قد يقول قائل إن ذلك كان في العهد القديم. وأما في العهد الجديد، فتكفي التوبة للفوز بدخول السعادة الأبدية. لأن المسيح قد كفر عنا. ومن ثَم فلم يعُد بعد من عقاب أو عقوبات علينا، نحتاج أن نكفر عنها".
"ولكن هذه مغالطة، أبعد ما تكون عن الواقع والحقيقة. إذ كما يعلن القديس بولس إننا إنما نشارك المسيح في آلامه، لنشارك في مجده (رو8: 17). وهذا يعنى أننا إن لم نشارك المسيح في عملية التكفير، قلما يكون عن خطايانا فلن نشاركه في مجده"!!
تعقيـــب
صدقوني أنني قرأت هذه العبارة فذُهلت من أمرين:
1- اعتباره أن القول بأن المسيح قد كفَّر عن خطايانا، وإننا لم نعُد في حاجة أن نكفِّر عنها، إنما هو مغالطة أبعد ما تكون عن الواقع والحقيقة!!
2- اعتباره أن الشركة في آلام المسيح، تعني أن نشارك المسيح في عملية التكفير، على الأقل في التكفير عن خطايانا!!
هذا الأمر يجعلنا ندخل في موضوع أخطر من المطهر، وهو ما قام به المسيح من كفارة...
العجيب أن المؤلف يشرح بعد ذلك أنه لا خلاف أن المسيح هو فادي الأنام وليس سواه، وأنه "وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ" (أع4: 12)، وأن دم المسيح يطهرنا من كل خطية (1يو1: 7). ثم يقول: "ومع ذلك لم يُعف داود من العقاب الزمني المرتب على الخطية" ويستطرد:
"مما تقدم يبدو بوضوح بأن هناك – فضلاً عن العقاب الأبدي، الذي يُعفى منه التائب بمجرد حله من وصمة الخطيئة، عقابًا زمنيًا هو بمثابة تأديب، لا مناص من احتماله للتكفير عن الخطيئة هذا العقاب الكفارة، إن لم يأخذ مجراه في هذه الدنيا، فلا مفر من أن يأخذ مجراه في الآخرة، في المطهر" (صـ48).
إذًا لا بد في المعتقد الكاثوليكي، أن الإنسان لا بد أن يكفِّر عن خطاياه، بعقوبات على الأرض، أو في المطهر. وتُعتبر هذه العقوبات شركة في آلام المسيح، حسب قول الأب الكاتب..!
وهنا نود أن نورد حقيقتين إيمانيتين أساسيتين وهما:
1- الكفارة عن الخطايا هي بدم المسيح وحده... وحده.
2- شركة آلامنا مع المسيح، ليست إطلاقًا شركة في الكفارة.
المسيح هو الذبيحة الوحيدة المقبولة للكفارة عن الخطايا. لأن المفروض في الذبيحة أن تكون بلا عيب، وأن تكون غير محدودة لتفي العقوبة غير المحدودة بسبب خطية غير محدودة، موجهة ضد الله غير المحدود. ومن هنا كان لا بد من التجسد الإلهي.
أما الإنسان، فلا يصلح أن يكون كفارة، أيًا كان.
"الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (مز14: 2، 3). والسيد المسيح يقول: "مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ" (لو17: 10). لا الإنسان يمكنه أن يكفر عن خطيئته، ولا عن خطيئة غيره، لأنه إنسان خاطئ محدود. "ذَبِيحَةُ الأَشْرَارِ مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم 15: 8).
مهما تاب الخاطئ، ومهما انسحق قلبه، ومهما مارس من تأديبات وعقوبات أرضية، ومهما صنع ثمارًا تليق بالتوبة.. فلن يشترك مع المسيح في عملية التكفير.. إنه بكل هذا يستحق كفارة المسيح، لا أن يشترك معه في التكفير عن الخطية.
إن الأمور اللاهوتية تحتاج إلى دقة في الفهم، وإلى دقة في التعبير. والكتاب المقدس بعهديه يحصر الكفارة في الدم، في دم المسيح وحده لا غير. لا يقوم إنسان بعملية التكفير، ولا يشترك في عملية التكفير، مهما تألم، ومهما دخل في شركة آلام المسيح... وهنا نسأل: ما معنى شركة آلام المسيح؟
شركة آلام المسيح
يقول القديس بولس الرسول: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ" (في3: 10). وورد في (في1: 29) "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ"... وتتألموا لأجله، ليس معناها أن تتألموا في المطهر. كلا طبعًا، وإنما:
تتألموا من أجل البر. وتتألموا لأجل الخدمة والكرازة ونشر الملكوت.
والقديس بطرس الرسول يقول: "وَإِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، فَطُوبَاكُمْ" (1بط 3: 14). هنا، تألمتم من أجل البر، وليس من أجل الخطايا والتكفير عنها، ووفاء العدل الإلهي... وبنفس المعنى يقول القديس بولس الرسول: "وَجَمِيعُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ يُضْطَهَدُونَ" (2تي3: 12). هذه هي آلام من أجل المسيح...
آلام الطريق الكرب والباب الضيق (متى7) والجهاد والتعب.
والقديس بولس الرسول الذي قال عن الرب: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ.." (في3: 10) هو نفسه شرح شركة الآلام هذه في (2كو11)، وكلها عن تعبه في نشر الكلمة، وما لاقاه في سبيل ذلك من ضرب وجلد وسجن واضطهاد، وجوع وعطش، وبرد وعُري، بأسفار مرارًا كثيرة، بميتات مرارًا كثيرة، بأخطار في البر والبحر، بأخطار من اليهود ومن الأمم ومن إخوة كذبة.
وكل هذه الآلام لا علاقة لها مُطلقًا بالمطهر، ولا بالتكفير عن الخطايا...
ولذلك بعد أن قال: "وُهِبَ لَكُمْ... أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ"، قال بعدها مباشرة "لَكُمُ الْجِهَادُ عَيْنُهُ الَّذِي رَأَيْتُمُوهُ فِيَّ" (في1: 29، 30). هذا التعب في الجهاد، لأجل نشر الملكوت، هو الشركة في آلام المسيح، التي قال عنها الرسول: لأن السيد المسيح هو الذي بدأ التعب لأجل الملكوت...
إنه ليس إطلاقًا شركة في التكفير. فالتكفير عمل المسيح وحده. وليس هو عن آلام المطهر، لأن الرسول بعد قوله: "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ"، قال مباشرة: "فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا" (رو8: 17، 18).
إذًا هو يتكلم عن آلام الزمان الحاضر، وليس عن آلام المطهر بعد الموت. هذا هو الألم نشترك فيه مع المسيح. ليس مُطلقًا آلام التكفير التي كانت على الصليب. حاشا... اقرأ أيضًا أمثلة أخرى لهذه الآلام في (2كو4)، (2كو6).
يكفي الآن فقط أن نقتبس منها قوله: "بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ: فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ.." (2كو6: 4، 5).
أما آلام التكفير فاجتازها المسيح وحده وهو يقول: "قَدْ دُسْتُ الْمِعْصَرَةَ وَحْدِي، وَمِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ.." (إش63: 3).
هذا هو الذي قاله الرب: "الآتِي مِنْ أَدُومَ، بِثِيَابٍ حُمْرٍ" (إش63: 1). وكون عملية الكفارة قد قام بها الله وحده، دون أية شركة معه من الإنسان، فهذا بلا شك يتفق مع قول الكتاب: "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً.." (رو3: 24، 25).
إن قال أحد أن الإنسان يشترك مع الرب في عملية التكفير، فإنه يناقض عقيدة الخلاص المجاني بالدم، بالفداء.
فكلمة (مجانًا) في (رو3: 24) معناها أن الإنسان لم يدفع أي ثمن من جانبه، لا إيمانًا ولا أعمالًا. تقول إذًا وما قيمة الإيمان والأعمال والتوبة وممارسة الأسرار من جهة الإنسان أليست اشتراكًا. أقول لك كلا إن ثمن الخلاص دفعه المسيح وحده.
أما الإيمان والأعمال والتوبة والأسرار، فكلها لكي نستحق هذا الخلاص المجاني وهذه الكفارة المجانية...
إن الإيمان ليس ثمنًا للخلاص، ولا الأعمال هي الثمن، ولا الأسرار، ولا التوبة. إنما الخلاص ثمنه دم المسيح وحده وهو يُوهب مجانًا للمؤمنين التائبين المُعمَدين...
التوبة فيها آلام: آلام الاعتراف، وكشف النفس، وتبكيت النفس، والخزي والعار وآلام الندم والدموع ووخز الضمير... وربما آلام تأديبات أيضًا.
ولكن ليست هذه كلها تكفيرًا عن الخطايا، ولا اشتراكًا في التكفير. ولكن نفعل هذا لنصل إلى محبة الله ونقاوة القلب، ونستحق بذلك الخلاص المجاني، الذي ثمنه الوحيد هو دم المسيح وكفارته... هذا الخلاص نلناه، لا بأعمال التوبة، ولا بالعقوبات والقِصاصات.
"لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي سَكَبَهُ بِغِنًى عَلَيْنَا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا..." (تي3: 5، 6).
أما اعتبار الإنسان شريكًا للمسيح في عمل الكفارة، فلا يمكن إطلاقًا أن تسنده آية واحدة من الإنجيل. ولا يجوز إطلاقًا أن نفهم الشركة في الآلام فهمًا خاطئًا. ونعتبرها شركة في عملية التكفير عن الخطايا. فآلام المسيح لم تكن فقط آلامًا على الصليب من أجل الفداء والكفارة، وإنما حياته كلها كانت سلسلة من الآلام، حتى قيل عنه إنه: "رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ" (إش53: 3). والذي يدرس الكتاب جيدًا، يعرف أن النار التي تعرضت لها ذبيحة المحرقة حتى تحولت إلى رماد (لا 6)، هي غير النار التي تُخبز بها تقدمة الدقيق (لا2). وليس الآن مجال شرح هذه الأمور البسيطة. وهكذا نحن نشترك في آلام المسيح على الأرض، ولكن ليس آلام الفداء والكفارة.
9- العقوبات الكنسية
يشدد إخوتنا الكاثوليك على العقاب الزمني، أي الذي له زمن، وفي هذا يختلف عن العقاب الأبدي. ويقولون إن مغفرة الخطية، لا يمنع من عقوبتها بعد المغفرة. ويضربون لإثبات ذلك أمثلة من الكتاب. ثم يشددون في لزوم هذا العقاب الزمني، حتى إنه إذا لم يوفَ على الأرض، يصير وفاؤه في المطهر بعد الموت... وهذه نقطة هامة في عقيدة المطهر.
ونحن نوافق على عقوبة أرضية. ولكن لا نوافق على عقوبة بعد الموت.
وكل العقوبات التي تحملها الأبرار أو التائبون، والتي سجلها الكتاب المقدس، كلها عقوبات أرضية، وليست عذابات بعد الموت. هي عقوبات أرضية، وليست عقوبات مطهرية.
كما أن الكتاب لا يقول إن هناك عقوبة أرضية على كل خطية.
وإلا وقع الإنسان في اليأس. لأننا في كل يوم نُخطئ. و"لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا" (يع3: 2). و"إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا" (1يو1: 8). وإن كانت هناك عقوبة أرضية على كل خطية، لأصبَحت حياتنا سلسلة لا تنقطع أبدًا من العقوبات، وبهذا يقع الإنسان في الإحباط.
والكتاب المقدس يحمل أمثلة عديدة لمغفرة بلا عقاب وبلا عذاب:
وإلا فما هي العقوبة الأرضية التي وقعت على الابن الضال (لو15)؟! أو ما هو العقاب الزمني الذي تعرض له زكا العشار (لو19)؟! أو ماذا كانت العقوبة التي وقعها الرب على المرأة الخاطئة التي ضُبطَت في ذات الفعل، والتي قال لها: "وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" (يو8: 11).
أو ما هو العقاب الزمني الذي نالته المرأة الخاطئة التي بللت قدمي الرب بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها؟! هذه التي فضَّلها الرب على الفريسي. وقال: إنه "قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا". ثم قال لها: "إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ" (لو7: 37 – 50)... فهل ذهبت هذه أو غيرها إلى المطهر؟! أو ما هي العقوبة الأرضية التي فُرضت على إنكار بطرس؟! وما هو العقاب الزمني الذي فُرض على شاول الطرسوسي في اضطهاده للكنيسة. حقًا إن بطرس وبولس تَعبا في حياتهما. ولكنه كان تعبًا من أجل الكرازة له مكافأته وأكاليله ومجده. ولم يكن عقابًا على خطية...
نقطة أخرى نقولها. وهو أن العقوبة الأرضية هي للفائدة الروحية، وليس للتكفير! ليست هي ثمن الخطية، إنما هي تأديب وعلاج.
إنها توقَّع لتقود إلى التوبة، كما حدث لخاطئ كورنثوس، أو لتقود إلى الانسحاق والاتضاع كما حدث لداود النبي. أو أنها تكون درسًا للآخرين، مثلما قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: "اَلَّذِينَ يُخْطِئُونَ وَبِّخْهُمْ أَمَامَ الْجَمِيعِ، لِكَيْ يَكُونَ عِنْدَ الْبَاقِينَ خَوْفٌ" (1تي5: 20).
ولكن لا يمكن مُطلقًا أن تكون للتكفير، أو لإيفاء العدل الإلهي.
أما "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23) أي الموت الأبدي.
فإن أخطأ إنسان، وفرض عليه الكاهن صومًا أو ميطانيات، فلا يكون هذا الصوم أو هذه الميطانيات وفاء للعدل الإلهي. فلا وفاء للعدل الإلهي إلا بدم المسيح.
إن القِصاصات الكنسية لا علاقة لها مُطلقًا بوفاء العدل الإلهي: أيستطيع إنسان أخذ تأديبات من الكنيسة أن يقول لله: أنا الآن لست مديونًا لك بشيء، لأني وفيت ديوني بالقِصاصات الكنسية؟!!
هذا كلام لا يمكن أن يقبله أي لاهوت مسيحي. لأن ديوننا لم يستطع إيفاءها سوى دم المسيح، الذي هو وحده يطهرنا من كل خطية (1يو1: 7)... أما ما تفرضه الكنيسة من عقوبات، ما هو إلا لون من العلاج أو التأديب.
لذلك فعبارة (قِصاصات)، لوفاء العدل الإلهي، عبارة غير سليمة.
ربما كلمة (تأديبات) أكثر توافقًا من كلمة (قِصاصات)...
ونظام العقوبات بسنوات، لم يرد في الإنجيل. ولكن وضعته الكنيسة.
طبعًا وضعته بسلطانها الإلهي في الحل والربط (متى18: 18). نحن لا نمانع في هذا. ولكن نمانع في أن السلطان الإلهي يُستخدم في الربط، ولا يُستخدم في الحلّ! إن الكنيسة التي فرضت العقوبة، بسلطانها أن ترفعها. وإن كانت قد فرضت عقوبة للعلاج، لتقود الخاطئ إلى التوبة، وبعد الموت لا علاج ولا توبة...
العقوبة الكنسية، كما تفرضها الكنيسة، يمكن أن ترفعها.
إذًا من واجب الكنيسة أن ترفع عقوبتها عند الموت. وإلا يكون في صلاتها عن الموتى لون من التناقض!!
لأنها في صلاتها عن الموتى، أعني عن المنتقلين، تطلب لهم من الله الرحمة والمغفرة، وأن يريحهم في فردوس النعيم، بينما هي في عقيدة المطهر لا تزال مُصرَّة على العقوبة والقصاص، ومُصرَّة على أن العدل الإلهي لم يستوفِ حقه بعد، ومُصرَّة على أن المغفرة لا تمنع العقوبة، حتى عند الموت!
والعقوبات الكنسية هي في الحياة الأرضية فقط، هي عقوبات أرضية.
لا يمكن أن يكون لها امتداد بعد الموت. والمفروض أن الكنيسة حينما تُعطي عقوبة كنسية، تحالل الشخص منها في جنازه، حينما تصلي عليه "أوشية الراقدين".
وتوجد أمثلة كثيرة في القوانين الكنسية، كانت الكنيسة فيها توقف العقوبة عند التعرض للموت، وتسمح للمعاقب أو المقطوع من شركة الكنيسة أن يتناول من الأسرار المقدسة، ومنها:
(أنقرا 6) على الرغم من أن الذين ذبحوا للأوثان، كانت تحكم عليهم بسنوات حرمان من الكنيسة، إلا أن هذا القانون يقول: "على أنه في حين الخطر، أو توقع الموت لمرض أو لأي سبب، فليصر قبولهم بشروط محددة".
(أنقرا 22) عن القاتلين عمدًا: يُسمح لهم بالشركة التامة في آخر حياتهم.
(قيصرية الجديدة – 6) "إذا تزوجت امرأة بأخوين، فلتُطرح خارجًا، أي من الشركة، حتى ساعة موتها، إذ يُطبق عليها حينذاك فعل الرحمة، فتُقبل مع التائبين، بشرط أن تتعهد إذا شُفيت من مرضها أن تحل رباط الزيجة".
(نيقية 13). وهو أول مجمع مسكوني، يضع قاعدة وهي:
"إذا أشرف إنسان على الموت، فيجب ألاَّ يُحرم من الزاد الأخير الذي لا غنى عنه"، "وعلى الإجمال إذا احتضر شخص، وطلب أن يناول القربان، فليمنحه الأسقف سؤله بعد الفحص".
(قرطاجنة 7) ويسمى هذا المجمع مجمع إفريقيا (سنة417م) يقرر:
"إذا صار أحدهم في خطر الموت أثناء غياب الأسقف، وطلب مصالحته أمام المذبح الإلهي، فيجب على القس أن يستشير الأسقف، ثم يصالح الرجل المريض حسب طلبه، موطدًا إياه بالنصائح الخلاصية".
(باسيليوس 73): القديس باسيليوس الكبير معروف بتشدُّده. ولكنه يقول:
"من أنكر المسيح، ثم اعترف بخطيئته وتاب، وبقى نائحًا مدة حياته، يناوَل الأسرار المقدسة ساعة موته".
(غ. النيسي2): يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص، وهو أخو القديس باسيليوس الكبير ما يشبه ذلك: "الذين يسقطون دون تهديد أو إكراه وينكرون المسيح... لا يجوز قبولهم في الشركة إلا ساعة موتهم". وهكذا نرى من كل ما سبق لقوانين القرن الرابع وبداية الخامس:
إن الكنيسة في أكثر عصورها تشددًا، وفي أبشع الخطايا: مثل إنكار المسيح، والذبح للأوثان، والقتل العمد، ما كانت تترك الخاطئ يترك العالم وعليه قِصاصات. بل كانت تقبله في الشركة – إذا تعرَّض للموت – وتناوله من الأسرار المقدسة.
أما ما يُقال في عقيدة المطهر الكاثوليكية، من أن إنسانًا يموت وعليه قِصاصات من الكنيسة، يوفيها بعد موته بعذابات مطهرية، فهذا أمر لم يعرفه مُطلقًا تاريخ الآباء الأولين، وأيضًا لا تعرفه الرحمة. ولا يوجد له أي سند كتابي...
كما أن هناك ملاحظة هامة نقولها، وهي:
نظام العقوبات الكنسية كان مُرتبطًا بنظام الخوارس في الكنيسة الذي أُلغي قبل إعلان عقيدة المطهر بقرون طويلة.
كان الخاطئ المحكوم عليه من الكنيسة يقضي سنوات خارج الكنيسة، أو سنوات في خورس الباكين، أو في خورس الراكعين، أو في خورس التائبين. ثم ينتقل إلى خورس المؤمنين، فيحضر قداس الموعوظين وينصرف، أو يحضر قداس القديسين ولا يتناول. ثم يُسمح له بالشركة الكاملة والتناول من الأسرار المقدسة... وهذا النظام انتهى تمامًا حوالي القرن السادس تقريبًا.
أيضًا لا يمكن القول بأنه لا بد من عقوبة، حتى على الخطايا (العرضية): إن لم نأخذها على الأرض، فلا بد أن نأخذها بعد الموت! هذا الكلام غير مقبول...
لننظر ماذا قال الكتاب المقدس، في العقوبات الكنسية أو العقوبات الأرضية، حتى بالنسبة إلى درجات صعبة من الخطيئة، كالانحراف في الإيمان والتعليم، والسلوك بلا ترتيب... قال:
"إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيكُمْ، وَلاَ يَجِيءُ بِهذَا التَّعْلِيمِ، فَلاَ تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ. لأَنَّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ يَشْتَرِكُ فِي أَعْمَالِهِ الشِّرِّيرَةِ" (2يو1: 10و11). "نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا" (2تس3: 6). "تَجَنَّبْ مِثْلَ هؤُلاَءِ" (1تي6: 5) "لاَ تُخَالِطُوا الزُّنَاةَ" (1كو5: 9). "لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هذَا" (1كو5: 11). "اَلَّذِينَ يُخْطِئُونَ وَبِّخْهُمْ أَمَامَ الْجَمِيعِ، لِكَيْ يَكُونَ عِنْدَ الْبَاقِينَ خَوْفٌ" (1تي5: 20).
فهل يمكن أن تحل عذابات المطهر محل إحدى هذه العقوبات؟
إذا كان المطهر يعتمد على عقوبات كنسية لم يوف حسابها. فلنبحث معًا ما هي هذه العقوبات؟ وهل هي متساوية مع المطهر، حتى يحل المطهر محلها؟
بعضها مُنع من التناول، أو ممارسة بعض أيام صوم أو نُسك معيَّنة، أو بعض ميطانيات (سجدات)، أو عدم قبول تقدمات ذلك الخاطئ... فهل هذه العقوبات يحل محلها عذاب المطهر، لتوفي حسابها، وهل يكون هذا عدلاً؟!
10- الصلاة على المنتقلين
إننا نصلي من أجل الراقدين، الذين انتقلوا من عالمنا الحاضر.
وكل الكنائس التقليدية، أرثوذكسية وكاثوليكية، تصلي من أجلهم. ولكن الكاثوليك يأخذونها علينا، كما لو كانت إثباتًا للمطهر.
نحن نصلي لأجل الراقدين، عملاً بصلاة القديس بولس الرسول من أجل أنيسيفورس، وقوله عنه: "لِيُعْطِهِ الرَّبُّ أَنْ يَجِدَ رَحْمَةً مِنَ الرَّبِّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ" (2تي1: 18). والمقصود بذلك اليوم هنا، هو يوم الدينونة. كما قال عنه نفسه: "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا" (2تي4: 8).
ولم يكن القديس بولس يطلب راحة لأنيسيفورس في (المطهر)!
وإنما (في ذلك اليوم)، يوم الدينونة الرهيب، حينما يقف أمام الديان العادل. هذه هي الرحمة الدائمة. ونحن نطلب للراقدين الراحة، فنقول: يا رب نيحهم. والنياح كلمة سريانية بمعنى الراحة، تعودنا استخدامها. فما المقصود بمعنى الراحة هنا.
نقصد راحة لنفوسهم في مكان الانتظار، لأن يوم الدينونة لم يأت موعده.
أي أنهم لا يكونون في قلق أو في اضطراب، وهم في انتظار يوم الدينونة... نطلب أن يعطيهم الرب راحة نفسية، راحة لنفوسهم التي قد تتذكر خطاياها فتتعب، إنما حينما تتذكر مراحم الله، تشعر براحة...
والصلاة على الراقدين، ليس فيها أي ذكر للمطهر إطلاقًا.
فنحن لا نطلب مطلقًا أن يريح الله تلك النفوس من عذاب المطهر، كأن يقصِّر مدته، أو أن يخفِّف حدته، أو أن يُخرجهم منه، أو أن يعطيهم احتمالاً له!! كلا، فالصلاة على الراقدين لا تطلب شيئًا من هذا كله، لأننا لا نؤمن بشيء من هذا كله... إنما نطلب لهذه النفوس راحة في مكان الانتظار، ما دامت الدينونة لم تأت بعد.
هذا هو اعتقادنا، ولا داعي لأن يقوم أحد بتأويل صلواتنا على غير المقصود منها.
وأن يُنسب إلينا ما لا نعتقد به. كأن يقول أحد الكُتّاب الكاثوليك – سامحه الله – إن طلب النجاة من العذابات الجهنمية "المقصود هنا بالعذابات الجهنمية – ما لا يخفى – هو العذابات المطهرية، التي لا فرق بينها وبين العذابات الجهنمية، إلا فيما عدا أن الأولى دائمة والثانية مؤقتة".
نحن نقول في الصلاة على الراقدين "نيحهم في فردوس النعيم"، ولا نقول نيحهم في المطهر!!
ونقول: "في الموضع الذي هرب منه الحزن والكآبة" بينما المطهر هو موضع للحزن والكآبة والتنهد... ونقول أيضًا عن الراحة الأبدية "في أورشليم السمائية، في كورة الأحياء إلى الأبد"... أين سيرة المطهر في كل هذه الصلوات.
عجيب أن هذا المؤلف يُريد إثبات المطهر من كتب الصلوات للكنيسة القبطية الأرثوذكسية!! ابعد يا ابني عن هذا المجال، فالكنيسة القبطية الأرثوذكسية أدرى بعقيدتها...
سؤال آخر نحب أن نقدمه في الصلاة على الراقدين:
أي عزاء تقدمه الكنيسة لأهل الميت في صلواتها في يوم وفاته؟!
إن بولس الرسول لم يرفع صلوات فقط من أجل أنيسيفورس، إنما صلّى أيضًا من أجل بيت أنيسيفورس أن يعطيهم الرب رحمة (2تي1: 16). ونحن ما هو العزاء الذي نقدمه لأسرة المتوفي؟ هل نقول لهم إنه يتعذب حاليًا في المطهر. ولكن اطمئنوا، إننا نصلي أن مدته لا تطول، ونصلي أن عذابه يخف؟! أم نعزيهم بصلوات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عن تلك النفس: افتح لها يا رب باب الرحمة.. اقبلها إليك.. ولتحملها ملائكة النور إلى الحياة.. ولتتكئ في أحضان آبائنا القديسين إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
ثم ما فائدة الصلاة على المنتقلين، إن كان الميت يتعذب؟!
يتعذب أثناء الصلاة، لأن الصلاة عليه لا تكون في لحظة وفاته، بل بعدها بساعات ويتعذب بعد الصلاة أيضًا، إذ تكون مدة عقوبته في المطهر مستمرة! ما شعور أهل المتوفي بقيمة صلواتنا؟! وما شعور المتوفي نفسه وهو في المطهر؟! هل يُعان وقتها لبضع دقائق، ثم يرجع إلى عذابه كما كان.. والحُكم هو الحُكم.. يستمر فيه حتى يتمِّم كل القِصاص المفروض عليه!!
إن كنيستنا القبطية تقرأ الحلّ على روح الميت أثناء صلاتها.
تحاللـه من جميع الخطايا التي فعلها وهو في الجسد. وكأنها تقول للرب: هذه النفس خرجت من عندنا، وهي محاللة من جهة الكنيسة. لا نربطها في شيء وبقى أن نتركها في رحمتك يا فاحص القلوب والأفكار، ويا عارف الخفيات والأسرار... ولكننا مع ذلك نشفع فيها، إذ لبست جسدًا. وسكنت في هذا العالم، وأنت يا رب "تعرف ضعف ونقص البشرية" وأنه ليس إنسان بلا خطية، ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض".
فلماذا لا تحنو الكنيسة الكاثوليكية مثلنا على روح الميت، وتحاللـه؟! لماذا تجعله يخرج من العالم وهو مربوط من جهة قِصاصات لم يقم بوفائها؟!
لماذا تقول له نحاللك من وصمة الخطية، ولا نحالك من عقوبتها؟! لماذا تتمسك بالعقوبة إلى هذا الحد، الذي يحتاج إلى تطهير وتكفير؟! لماذا لا تثق بدم المسيح الذي "يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ" (عب7: 25)، لماذا لا تثق بدم المسيح الذي "يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ... ومن كل إثم" (1يو1: 7، 9). ما الحاجة بعد إلى تطهير؟! ألم يقل الكتاب: "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 6).
وإن كانت الكنيسة قد أعطت حِلًا في الصلاة على الراقدين، فإن فكرة المطهر تُبطل مفعوله.
وذلك أن الخاطئ بعد حِلّ الكنيسة له، يذهب ليتعذب ويدفع الثمن! وكأن تحليل الكنيسة بلا قيمة! كأنما أحد القضاة حكم بتبرئة متهم، أو برفض الدعوى أو حفظ القضية. ومع ذلك يُقال لهذا المُتهم: عليك أن تقضي عشر سنوات في السجن!! ما قيمة الحُكم الذي حصل عليه إذًا؟!
هناك دليل آخر على أن الصلاة على الموتى لا علاقة لها بالمطهر ولا بإعانة النفوس التي فيه، وهي:
إن الكنيسة تُصلي على أرواح الجميع، حتى عن نفوس القديسين:
فهي بالإضافة إلى صلاة الجناز، تصلي لأجل الجميع وتقول: "أولئك الذين أخذت نفوسهم يا رب نيحهم في فردوس النعيم. وتصلي أيضًا عن أرواح القديسين"، ثم تقول بعد ذلك: "بركاتهم المقدسة فلتكن معنا آمين"... إنها شركة بين الذين انتقلوا والذين على الأرض...
ملاحظة أخرى نضيفها وهي أن الكنيسة لا تصلي لأجل الهالكين.
وذلك عملًا بقول الرسول عن الخطية التي للموت (1يو5: 16). فإن مات إنسان مُنتحرًا، ولم يكن فاقد العقل، لا نُصلي عليه. وإن مات أحد أثناء ارتكابه جريمة، لا نُصلي عليه. كذلك إن مات وهو في هرطقة أو بدعة أو ارتداد... أو إن مات وهو في خطية لم يَتُب عنها...
11- الدينونة
1- يعتقد إخوتنا الكاثوليك بدينونة خاصة بعد الموت مباشرة:
وهي غير الدينونة العامة التي بعد قيامة الأجساد... فيرون أن الإنسان بعد موته مباشرة يقف أمام الله لينال الحُكم: إما أن يكون شريرًا فيذهب مباشرة إلى جهنم، أو يكون بارًا فيذهب مُباشرة إلى السماء، أو أنه يكون بارًا ولكن عليه دينًا للعدل الإلهي، فيذهب إلى المطهر، لتتطهر نفسه، ويكفر عن خطيته ويوفي ديونه... ولكننا نقول إنه:
لم يذكر الكتاب سوى الدينونة العامة. وسنحاول أن نفحصها معًا لنرى على أي شيء تدل:
يشرح الرب خبر الدينونة فيقول: "وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، [أي في مجيئه الثاني]، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ، فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي.. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟.. فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ"... "ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ" (مت 25: 31-41).
وعبارة "اذهبوا إلى النار المُعدة لإبليس" معناها أنهم لم يكونوا قد ذهبوا إليها بعد. لأنه من غير المعقول أن يكونوا قد ذهبوا إلى هذه النار بعد الدينونة الخاصة، ثم يخرجهم الرب منها يوم القيامة ليختلطوا بالأبرار. ثم يفرزهم عنهم، ويوقفهم عن يساره، ويعود فيقول لهم: "اذهبوا إلى النار..."!!
نلاحظ أيضًا أنه بدأ يقول لهم حيثيات حُكمه: "لأني جُعت فلم تطعموني، عطشت فلم تسقوني. كنت غريبًا فلم تأووني.." إلخ.. حينئذ يُجيبونه هم أيضًا قائلين: "يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ غَرِيبًا أَوْ عُرْيَانًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟ "فَيُجِيبُهُمْ قِائِلاً: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا" (مت25: 42 – 45).
هنا نرى لونًا من المحاكمة، وحوارًا وفرصة للدفاع عن النفس.
ثم يُنفذ الحكم بعد ذلك "فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (مت 25: 46). ومعنى هذا أنه لم تكن محاكمة من قبل... بدليل أن الأبرار ما كانوا يعلمون، ولا الأشرار كانوا يعلمون، معنى حيثيات الحُكم، بدليل أنهم سألوا الرب: "متى يا رب رأيناك...؟"، والرب بدأ هنا (بعد القيامة) يشرح لهم ذنوبهم، وما كانوا قبلًا يفهمون...
فإذا كان المُضي إلى العذاب الأبدي، وإلى الحياة الأبدية، يكون بعد القيامة والفرز والمحاكمة، فكيف يُقال إنه بعد الموت مباشرة، في دينونة خاصة؟!
2– وكون الدينونة تكون بعد القيامة واضح من قول الرب:
"فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ" (يو5: 28، 29).
إذًا هنا قيامة عامة، ولا يذهبون إلى الحياة أو إلى الدينونة إلا بعدها...
بعد أن تتحد الأرواح بالأجساد التي تخرج من القبور، ويقف الإنسان كله أمام الله... وهناك شاهد آخر على هذا وهو:
3– يقول الرب: "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت16: 27). وعبارة "حينئذ يُجازي" معناها أنه لم يجازهم من قبل، وإنما حينئذ، حينما يأتي في مجد أبيه مع ملائكته.
4- هذه المجازاة في المجيء، هي جزء من قانون الإيمان النيقاوي:
وهو قانون الإيمان الذي تؤمن به جميع الكنائس، وفيه نقول عن المجيء الثاني للسيد الرب: "يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات".
5- نفس المعنى نراه في تفسير الرب لمَثل الزوان، إذ يقول:
"الحقل هو العالم، والزارع الجيد هو بنو الملكوت، والزوان هو بنو الشرير... والحصاد هو انقضاء العالم. والحصَّادون هم الملائكة".
"... هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ هذَا الْعَالَمِ: يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ" (مت 13: 38 – 41).
أي أن هذه الدينونة تكون عند انقضاء العالم. والأشرار يُطرحون في أتون النار في انقضاء العالم، وليس بعد الموت مباشرة... وكلمة "يجمعون" معناها يأتون بهم من كل مكان... وماذا عن الأبرار؟ يتابع الرب شرحه فيقول: "حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ" (مت13: 43).
وعبارة حينئذ، أي في ذلك الوقت، في انقضاء العالم، في الدينونة العامة، وليس بعد الموت مباشرة... "مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ".
6- يشبه هذا أيضًا ما ورد في رسالة يهوذا الرسول:
"وَتَنَبَّأَ عَنْ هؤُلاَءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابعُ مِنْ آدَمَ قَائِلاً: هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ.. لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمُ الَّتِي فَجَرُوا بِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ الصَّعْبَةِ.." إلخ (يه1: 14، 15).
إذًا هؤلاء لم يكونوا قد عوقبوا قبلاً، وإنما سيعاقبون حينما يأتي الرب في ربوات قديسيه ليصنع دينونة على الجميع... على هؤلاء الفجار وعلى غيرهم.
7– ومن الآيات الواضحة في هذا المجال قول بولس الرسول: "لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا" (2كو5: 10).
فلا يمكن أن تقف الروح وحدها، لكي تنال جزاء ما كان بالجسد، خيرًا كان أم شرًا.
إذًا لا بد من الوقوف أمام كرسي المسيح، بعد أن تتحد الروح بالجسد. وعبارة "أننا جميعًا"، تعني الدينونة العامة. وهنا نود أن نقول بعض ملاحظات عما يسمونه (الدينونة الخاصة):
8- ما لزوم الدينونة العامة، بعد الدينونة الخاصة؟
إن كان الخاطئ – في الدينونة الخاصة – قد صفى حسابه، وأخذ عقابه أو ثوابه، فما لزوم الدينونة العامة بالنسبة إليه؟!
ما دام الإنسان قد وقف أمام الله ونال دينونته، البار ذهب إلى السماء، والشرير ذهب إلى جهنم، وانتهى الأمر... فما لزوم الدينونة العامة إذًا؟ وما هدفها؟ وما قيمتها؟ وما تأثيرها على تلك النفوس؟ ولكن تكون لها قيمة، إن كانت هي الدينونة الوحيدة التي يتقرر فيها مصير الإنسان.
9- ومن الآيات الواضحة في الدينونة، ما ورد في سفر الرؤيا:
"ثُمَّ رَأَيْتُ عَرْشًا عَظِيمًا أَبْيَضَ، وَالْجَالِسَ عَلَيْهِ، الَّذِي مِنْ وَجْهِهِ هَرَبَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمَا مَوْضِعٌ!" [هذا عن نهاية العالم طبعًا] "وَرَأَيْتُ الأَمْوَاتَ صِغَارًا وَكِبَارًا وَاقِفِينَ أَمَامَ اللهِ، وَانْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ، وَانْفَتَحَ سِفْرٌ آخَرُ هُوَ سِفْرُ الْحَيَاةِ، وَدِينَ الأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ. وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ، وَسَلَّمَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا. وَدِينُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ. وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ" (رؤ20: 11 – 14).
كيف توجد دينونة قبل أن يقف كل الأموات أمام الله، وقبل أن يسلم البحر والهاوية الأموات الذين فيهما؟! وقبل أن تُفتح الأسفار وتُكشف الأعمال؟
10- والقديس بولس الرسول يتكلم عن الدينونة في المجيء الثاني واستعلان ربنا يسوع المسيح، فيقول: "إِذْ هُوَ عَادِلٌ عِنْدَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يُضَايِقُونَكُمْ يُجَازِيهِمْ ضِيقًا، وَإِيَّاكُمُ الَّذِينَ تَتَضَايَقُونَ رَاحَةً مَعَنَا، عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ .. الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ" (2تس1: 6 – 9).
فكيف نقول إن الدينونة تكون بعد الموت مباشرة، على الرغم من كل هذه الآيات الصريحة؟!
11– وأيضًا لا يتفق العقاب بعد الموت مباشرة، مع قول بولس الرسول: "وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ" (رو2: 5، 6).
وهنا يتكلم عن المجازاة في يوم الغضب، يوم الدينونة.
12– وأيضًا هذه الدينونة التي بعد الموت، ويكافأ فيها الأبرار، كما يعذب الأشرار، لا تتفق مع كلام الكتاب عن الأكاليل حيث يقول القديس بطرس الرسول للرعاة:
"صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ. وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى" (1بط 5: 3، 4). وكذلك قول بولس الرسول عن إكليل البر الموهوب له. قال: "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا" (2تي4: 8).
الغني ولعازر
يستدل بعض إخوتنا الكاثوليك على الدينونة الخاصة من قصة الغني ولعازر، وقول السيد المسيح إن لعازر كان يتعزى في حضن إبراهيم. وأن الغني "رفع عينيه في الهاوية وهو في العذاب... وقال: "أَبِي إِبْرَاهِيمَ، ارْحَمْنِي، وَأَرْسِلْ لِعَازَرَ لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصْبَعِهِ بِمَاءٍ وَيُبَرِّدَ لِسَانِي، لأَنِّي مُعَذَّبٌ فِي هذَا اللَّهِيبِ" (لو16: 24).
ونحن نناقش معًا هذه القصة:
1- يُجمِع الكثير من المفسرين على أنها قصة رمزية.
قالها السيد المسيح ليحض الأغنياء على عدم التمتع في الأرض، وترك الفقراء والمساكين محتاجين. وإلا فإن المسكين سيتعزى في السماء، بينما يتعذب الغني الشحيح.
2- ومن الدلالة على ذلك حاجة الغني إلى قطرة ماء ليبرد لسانه في ذلك اللهيب.
فالمفروض أن جسد الغني كان في القبر، وروحه هي التي كانت في الهاوية. والروح غير مادية، ولا يمكن أن يصلح لنا أن يبل لعازر طرف إصبعه بماء لكي يبرِّدها في ذلك اللهيب!! ثم ما معنى كلمة "يبرِّد لساني" حيث لا يوجد له جسد، ولا لسان؟!
لعل هذه النار، هي عذابه النفسي، إذ شعر بالضياع والهلاك، بلا رجاء...
بدليل أنه طلب من أجل أهله، حتى لا يتعذبون هم أيضًا، ولم يطلب من أجل نفسه، وبخاصة بعد أن أعلن له أبونا إبراهيم قائلاً: "وَفَوْقَ هذَا كُلِّهِ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ، حَتَّى إِنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْعُبُورَ مِنْ ههُنَا إِلَيْكُمْ لاَ يَقْدِرُونَ، وَلاَ الَّذِينَ مِنْ هُنَاكَ يَجْتَازُونَ إِلَيْنَا"(لو16: 26). أو لعل النار التي قال الغني إنه مُعذب بلهيبها هي نار الندم أو الخوف، إذ لا توجد أمامه فرصة لتغيير وضعه. أما الهوة المثبتة فهي هوة اليأس...
إذ هو شاعر أنه لا رجاء له. أما أبونا إبراهيم فله رجاء في الخلاص. ولذلك تنطبق عليه عبارة "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ" (رو12: 12).. وهنا لعلنا نسأل عن المعنى الرمزي أيضًا لقول الغني: "لأَنَّ لِي خَمْسَةَ إِخْوَةٍ" (لو16: 28).
3- الرقم خمسة كما يقول القديس أُغسطينوس يرمز للبشر.
فالخمس العذارى الحكيمات يرمزن إلى كل البشر الأبرار. والخمس العذارى الجاهلات يرمزن إلى كل البشر الخطاة. ورقم خمسة يتميَّز به الإنسان في حواسه الخمسة، وفي أطرافه (أصابع يديه وقدميه)... فكأن الغني الهالك، يتكلم عن كُل البشر الهالكين، أو كل أقاربه وأحبائه حتى لا يهلكوا هم أيضًا...
4- الغني في هذا المثل يرمز إلى الهالكين الذين لا رجاء لهم. فلا علاقة له إذًا بالمطهر، حسب المعتقد الكاثوليكي. ولكن عذابه لم يحن موعده. فالألم من خوف العقوبة الأبدية شيء، ومكابدة هذه العقوبة الأبدية شيء آخر. هو في مكان انتظار سيخرج منه في يوم الدينونة الرهيب إلى العذاب الأبدي، إلى البحيرة المتقدة بالنار والكبريت. فما هو فيه ليس هو الدينونة، إنما الخوف من الدينونة.
5- حينما ذكر السيد المسيح هذا المثل، لم يكن الخلاص قد تم، ولم يكن أبونا إبراهيم قد دخل الفردوس بعد. كان من الراقدين في الهاوية على رجاء... وظل هكذا إلى أن تم صلب المسيح، "نَزَلَ.. إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى.. سَبَى سَبْيًا وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا" (أف4: 8، 9). ونقل هذه النفوس إلى الفردوس... ومنهم أبونا إبراهيم ولعازر المسكين. فكل الآباء قبل الصلب كانوا منتظرين في الهاوية، كما قال الرسول: "فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا" (عب11: 13). كانوا منتظرين خلاص الرب. وفي ذلك الوقت لم يكن إبراهيم في النعيم الأبدي. وقد انتقل بعد الصليب إلى الفردوس.
على أن الفردوس أيضًا، هو مكان انتظار، سينتقل منه أبونا إبراهيم إلى النعيم الأبدي، إلى أورشليم السمائية. أما الآن فإن "كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا"، حتى الرسل الذين لهم باكورة الروح (رو8: 21– 23). "مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا"، هذا الذي يتوقعونه بِالصَّبْرِ (رو8: 23-25). هؤلاء الأبرار هم محروسون بإيمان... "لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ" (1بط1: 5). حينما نُقام في مجد، وفي قوة، ويلبس هذا الفاسد عدم فساد (1كو15: 43 – 49).
6– على أن هذه القصة – من ناحية أخرى – تدل على 3 أمور هامة:
أ) أن هناك مكانين فقط: أحدهما للعزاء، والآخر للعذاب، ولا ثالث لهما.
ب) أنه لا يمكن أن ينتقل الإنسان بعد الحساب من مكان إلى آخر، حسب قول أبينا إبراهيم (لو16: 26).
جـ) أنه لا شفاعة تُرجى بعد صدور الحُكم الإلهي.
وكل هذه الأمور الثلاثة ضد المطهر... القصة إذًا رمزية، ولا تدل على دينونة خاصة.
7– أما إذا كان الإنسان بعد الموت "أعماله تتبعه" (رؤ14: 13) ويبدأ إما أن يحس بأنه ضائع، إذ تقف خطاياه أمامه تزعجه... أو يحس براحة في الضمير وثقة. فهذا إحساس للنفس، وليس دينونة.. كتلميذ يخرج من أداء الامتحان، وهو فرح واثق بنجاحه، إذ قد أجاب حسنًا. وتلميذ آخر يخرج وهو يبكي، متأكدًا من رسوبه. ومع ذلك يبقى الاثنان في انتظار النتيجة. ولا يعتبر أحد منهما أنه نجح أو رسب، إلا بعد إعلان النتيجة.
ونحن نصلي لأجل الذين انتقلوا من عالمنا، لأن النتيجة لم تُعلن بعد. وهم لا يزالون في مكان الانتظار.
الفصل السادس الخلافات مع الكاثوليك حول السيدة العذراء
الخلافات مع الكاثوليك حول السيدة العذراء[1]
أولاً نحن نتَّفق مع إخوتنا الكاثوليك في عدة نقاط
- نتفق معهم في لقب العذراء كوالدة الإله، ونكون ضد النساطرة معًا.
- نتفق على أن العذراء ممتلئة نعمة. (البروتستانت يقولون "المنعم عليها").
- نتفق على دوام بتولية السيدة العذراء.
- نتفق على شفاعة السيدة العذراء وقبولها.
- نتفق على صعود العذراء إلى السماء، فنعيِّد بعيد صعود العذراء، وإن كان هناك خلافات في بعض التفاصيل.
- نتفق على أمومة العذراء للبشرية كلها، فكلنا نقول أمنا العذراء.
- نتفق على تمجيد العذراء.
- نتفق على أعياد للعذراء مريم كثيرة.
- نتفق على بناء الكنائس باسم السيدة العذراء.
- نتفق على عظمة السيدة العذراء بل نحن نضع السيدة العذراء فوق مستوى الملائكة ورؤساء الملائكة، ونقول في تسابيحنا: سَمَوتِ يا مريم فوق الشاروبيم، وعلَوتِ يا مريم فوق السارافيم، ونذكرها في التماجيد قبل رؤساء الملائكة. ونحب العذراء جدًا، وغالبية كنائسنا باسم السيدة العذراء. والعذراء بيننا وبينها علاقة كبيرة في ظهورات العذراء عندنا أكثر من أي مكان.
أما الخلافات معهم حول السيد العذراء فهي
قلت ما سبق كمقدمة.. لكي عندما نُناقش بعض النقاط المتطرِّفة التي لا نقبلها. لا نقول إننا لا نوقِّر العذراء كما يفعل البروتستانت، وإنما صدِّقوني وأنا أقرأ ما يقوله كثيرٌ من علماء اللاهوت الكاثوليك عن العذراء شعرت تمامًا في داخلي بمقدار الجرح اللاهوتي الذي أصاب الناس حتى قامت الحركة البروتستانتية كرد فعل.
نحن نمجِّد السيدة العذراء كثيرًا ونعطيها وضعًا أعلى من الرسل، وأعلى من الأنبياء، وأعلى من الملائكة ورؤساء الملائكة، ونقول لها: سَموتِ يا مريم فوق الشاروبيم وعلوتِ يا مريم فوق السيرافيم. ونتشفَّع بها قبل جميع رؤساء الملائكة ونسمِّيها "والدة الإله"، ولها ذكصولوجيات كثيرة، ولها شهر هو الشهر المريمي.. هو شهر كيهك، كله احتفالات وتماجيد بالسيدة العذراء.
ونتشفع بها كثيرًا، ويوجد لها أيقونات في كل كنيسة من الكنائس، ونجعلها على يمين المذبح من الناحية البحرية باستمرار، وكنائس كثيرة تُبنى على اسم السيدة العذراء.
فنحن لا نقلِّل من شأنها، ونحن أيضًا نعترف بأنها دائمة البتولية. كانت بتولاً قبل الحبَل المقدس، وكانت بتولاً أثناء ولادتها للمسيح، وكانت بتولاً بعد ولادتها للمسيح. ولكننا مع ذلك لا نرفع العذراء بالطريقة التي يتحدَّث بها الكاثوليك ويعتقدونها، الطريقة التي لا تقبلها السيدة العذراء نفسها. تمامًا كما رفعوا بطرس الرسول رفعةً هو نفسه لا يقبلها، بالمثل يرفعون السيدة العذراء رفعةً أكثر هي نفسها لا تقبلها.
وكما أن كثيرًا من عقائد الكاثوليك عقائد مستحدَثة مثل عقيدة المطهر، كذلك بعض عقائدهم في العذراء مستحدثة أيضًا، منها عقيدة الحبَل بلا دنس يسموها Immaculate Conception. هذه العقيدة ظلت بين الموافقة والمعارضة قرونًا طويلة حتى أذاعها البابا بيوس التاسع سنة 1854م وأصبحت عقيدة ثابتة عند الكاثوليك منذ ذلك الحين، أي من منتصف القرن التاسع عشر.
المشكلة في جوهرها الأساسي مبالغة فائقة الحد في تمجيد العذراء لدرجة تخرج عن صميم العقيدة اللاهوتية وأريد في هذا المجال أن أضع بعض نقاط بسيطة.
- نقطة منها مسألة الحبل بلا دنس، الحبل بالعذراء بلا دنس وبالتالي براءة العذراء من الخطية الأصلية أو الخطية الجدية أو الخطية الموروثة.
- إخوتنا الكاثوليك أيضًا يؤمنون بعصمة السيدة العذراء فيرون أنها لم ترتكب إطلاقًا أية خطية فعلية في حياتها، ولا أية خطية شخصية، ولا أية خطية عرضية، ولا هفوات ولا سهوات، عصمة كاملة عُصِمت بها من الخطية. نحن طبعًا نقول إن السيد المسيح هو الوحيد الذي كان بلا خطية، وهم يقولون الاستثناء للمسيح والعذراء معًا.
- يعتبرونها أيضًا مُشَارِكة في عملية الفداء، ويعتبرون أنها مصدر كل نعمة، أو لا تأتي نعمة إلا بواسطتها. شفاعتها تأخذ معنى يختلف عن معناها عندنا في الأرثوذكسية بحيث تكاد تكون هي الشفيعة الوحيدة. هم لا يقولون هذا الكلام مباشرة ولكن الأمر ينتهي بذلك، لأنه لا يمكن أن تصلنا أية نعمة إلا على يدها، وما دام لا يمكن أن تصل إلاّ على يدها فيكون أي قديس تتشفع به تأتي الشفاعة عن طريق العذراء أيضًا.
- لها مجال في الغفرانات متسعٌ جدًا، لدرجة أن بعض الكاثوليك يعتبرون أن كل زوائد القديسين تُقدَّم للسيدة العذراء وهي التي تصرف منها! فليس كل قديس يعطي من زوائده، إنما الكل يحوِّل إلى العذراء والعذراء هي التي تعمل هذه الأشياء.
- أمرٌ آخر عند الكاثوليك اسمه "عبادة مريم"، من جهة الغفرانات في العالم الآخر يسمونها "سيدة المطهر"، يقولون إإإإن سلطان السيدة العذراء يمتد إلى حيث يوجد سلطان ابنها، سواء في الكنيسة المنتصرة أو الكنيسة المجاهدة أو الكنيسة المعذَّبة أي في المطهر، وأنها تستطيع أن تطهِّر المطهر أو تفرغه كما تشاء، وممكن أن المطهر يفرغ في أعياد السيدة العذراء. لا أعرف عندما يفرغ المطهر أين يذهبون؟! ولها أن تخلِّص من تشاء. هذه النقاط سنأخذها واحدة واحدة.
[1] عن أربع محاضرات لقداسة البابا شنوده الثالث بتاريخ 27 مايو1986م، 16 نوفمبر1999م، 23 نوفمبر1999م، 13 فبراير 1996م.
الحبل بلا دنس
الحبل بلا دنس[1]
مسألة "الحبل بلا دنس" لماذا نرفض نحن هذه العقيدة؟
نرفضها لسببين (أو أكثر):
- أولاً لأنها ضد عقيدة الفداء، فنحن نعتقد جميعًا أننا كلنا قد ورثنا الخطية الأصلية، وأننا لا نستطيع أن نخلُص إلا بالفداء بدم المسيح، وأن "وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" (عب9: 22). فكيف إذًا أمكن أن العذراء تخلُص من الخطية الأصلية بدون سفك دم؟ كيف أمكن. هذه المشكلة الأولى.
المشكلة الثانية وهي أخطر منها: أنه لو كانت هناك طريقة يخلُص بها إنسان من الخطية الأصلية ومن الخطية الجدية ومن الحكم الذي وقع على أبوينا آدم وحواء، لو وُجدت طريقة غير الفداء، فلماذا لم يعمِّمها الله بالنسبة للبشرية، وكما عمل مع العذراء يعمل مع الكل؟ لماذا التجسُّد؟ ولماذا أخلى الرب ذاته وأخذ صورة عبد؟ ولماذا أُهين وشُتم؟ ولماذا صُلب؟ كأن المسألة تطعن في التجسُّد أيضًا بذاته. يقولون في هذه العقيدة أن الطوباوية مريم العذراء حُفظت طاهرة من كل دنس الخطية الأصلية التي سمّوها الـ Sin Original (الخطية الأصلية أو الخطية الجَدِّية) التي هي من جدودنا، من آدم وحواء. حُفظت طاهرة من كل دنس الخطية الأصلية منذ اللحظة الأولى من الحبل بها.
وقالوا أيضًا ذلك امتياز ونعمة وحيدين من الله القدير. أي أن الله أعطاها هذا الامتياز وهذه النعمة تدبيرًا استثنائيًا لم يُعطَ إلاّ لها، فجميع البشرية، حُبل بكل البشر بالخطية الجدية أو الأصلية ما عدا السيدة العذراء وحدها، كان هذا تدبيرًا استثنائيًا من الله تبارك اسمه. وكانت نعمة خاصة بها وحدها وامتيازًا خاصًا بها وحدها.
وقالوا أيضًا بتدخل خاص من الله قد وُقِّيَت من دنس الخطيئة الأصلية، أي نوع من الوقاية، الله أعطاها وقاية من ماذا؟ من الخطية الأصلية وهكذا أفتُديَت مريم بنعمة المسيح بصورة أكمل من سائر البشر.
البشر تحرَّروا من الخطيئة الأصلية الموجودة فيهم، وُلدوا بالخطية الأصلية ثم تحرَّروا منها. أما العذراء فقد وُقِّيَت، هي وقاية من الإصابة بالخطية الأصلية.
يقولون إن هذا الاعتقاد في وقاية العذراء من الخطية الأصلية له آيات في الكتاب المقدس، سنذكرها. ويقولون لا توجد آيات في الكتاب المقدس (تُثبت العكس). لكن هناك آيات قد تكون متضمنة لهذا الموضوع. وقبل أن نتكلم عن هذا الأمر، وقبل أن نورد الآيات الخاصة بهم:
يجب أن نوضِّح لماذا نحن نتمسك بأن العذراء وُلدت بالخطية الأصلية؟
أولًا: نقول هذا لأن كل إنسان كان تحت حُكم الموت، كلنا كنا في صُلب آدم وفي حواء أيضًا حينما حُكم عليهما بالموت، فأصبح كل نسلهما محكوم عليه بالموت، البشرية كلها بما في ذلك السيدة العذراء. ولم يكن هناك غير طريق واحد هو الفداء بدم المسيح، لم يكن هناك غير ذلك. كما قال بطرس الرسول: "لَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ" (أع 4: 12) وكما قيل: "بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" (عب 9: 22).
إذًا العذراء كانت محتاجة إلى هذا الخلاص وإلى هذا الفداء، مثلها مثل أي مخلوق. وهكذا قالت السيدة العذراء في تسبحتها المشهورة: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 46، 47). إذًا هي اعترفت بأن هذا الذي سيولد منها هو الذي سيخلِّصها وأنها محتاجة إلى الخلاص. فلو كانت قد خلُصت من قبل وهي في بطن أمها ما كانت تبتهج بميلاد الله مخلِّصها.
ثانيًا: لو كان الله أوجد طريقة واحدة لتخليص إنسان من الخطية الأصلية لعمَّم هذه الطريقة بالنسبة للبشر جميعًا، ولا حاجة إذًا إلى الفداء ولا حاجة إلى التجسد ولا حاجة إلى الآلام ولا حاجة إلى إهانات الصليب وإلى القبر.. إلى آخره. لأن لا توجد سوى هذه الطريقة وحدها، لذلك تجسَّد الرب. يقولون: عمل تدبير استثنائي للعذراء؟!
هذا التدبير الاستثنائي لماذا لا يعامل به كل البشرية وخلُصت؟
فنحن نعارض هذه النقطة مع تمجيدنا للعذراء لأنها تتعارض مع الفداء، وهكذا أيضًا كان كثير من الآباء الكاثوليك يُعارضون هذا الأمر قبل أن يُعلن في منتصف القرن التاسع عشر.
مثال ذلك؛ مثلًا القديس الكاثوليكي توما الإكويني، توما الإكويني كان من أكبر اللاهوتيين عندهم، عمل كتاب ضخم اسمه Summa Theologica أي قمة اللاهوتيات. هو عندهم يُعتبر قديس، قال: "إننا أمامنا تناقض بين عصمة العذراء من الخطية الأصلية، وبين شمولية الخطية للعالم كله". كان يعارض الفرنسيسكان الذين بزعامة راهب فرنسيسكاني يدعى "سكوت Scott"، نادوا بعصمة العذراء من الخطية الأصلية، لكن الـ Dominicans الدومينيكان كانوا يعارضون هذا الأمر بالنسبة للكاثوليك، ومن ضمنهم توما الإكويني.
هم وضعوا أمامهم بالنسبة للعذراء فكرتين، واحدة منهم فكرة "الطهارة المثالية والقداسة المثالية"، في الواقع فكرة الطهارة المثالية والقداسة المثالية هذه تكون في الحياة العملية. أي بالنسبة للخطايا الفعلية، لكن لا تكون للخطية المتوارثة من آدم، هذه شيء وهذا شيء آخر.
أيضًا قالوا فكرة التشابه والاختلاف بين مريم وحواء، فمريم هي صورة حواء قبل الخطية. وماذا أيضًا!!؟ قالوا هي سبب الخلاص. فالأولى جلبت الهلاك، وهذه جلبت الخلاص.
وقالوا أمر ثالث، فكرة الفداء بالوقاية. ما دام كل إنسان محتاج للفداء والعذراء محتاجة للفداء، فقالوا: الفداء بالوقاية!!!
الرد: إنه ما دام هناك فداء بالوقاية فلماذا لم يفدينا الله كلنا بالوقاية وتنتهي الحكاية؟ ما الداعي لكل هذا؟!
إن فكرة الفداء بالوقاية أدخلها "سكوت Scott" الفرنسيسكاني، وقال: هذه هي تمثل التوفيق بين عصمة مريم وبين الخلاص للجميع بالفداء. وقال إن هذا أَكمل أنواع الفداء، والمسيح افتدى أمه بهذه الصورة. إذًا طالما أنه قادر أن يفتدي أحد بهذه الصورة، فلماذا لا يفتدي العالم كله؟
هل هو راغب أن يُصلب ويأخذ شكل عبد ويتألم، ويرغب أن يُشتم ويُبصق عليه وأن يجلد.. ما لزوم كل هذا؟ فمن الممكن أن تمر على الجميع.
الرهبنة الفرنسيسكانية تبنَّت فكرة "سكوُت Scott"، بعكس الرهبنة الدومانيكانية. يقولون إن "البابا سكوت" أحيا عيد الحبل بالعذراء، أغناه بالغفرانات، فظل يوزِّع غفرانات لكي "يبسط" الناس، ومنع الفريقين (الفرنسيسكاني والدومنيكاني) من أنهم يتبادلوا الحرومات والأحكام.
وعندما جاء بيوس الخامس أدان العبارة التي تقول: "ما من أحد غير المسيح مُنزَّه من الخطية الأصلية"، قال إن هذه العبارة خطأ. وفي عهد بيوس التاسع، جعلها عقيدة سنة 1854م.
ما هي الآيات التي استندوا عليها؟
قالوا في (تكوين 3: 15) عندما قال الله لحواء بالنسبة للحية: "وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ (تصيبين قدمه أو تلدغين قدمه وهو يسحقك)"، قالوا هذه العبارة "يسحق رأسك" في مفهومها مكتوبة عن المسيح، أن المسيح هو نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية.
لكن لا مانع في التفسير الرمزي من أن انتصار مريم على الشيطان لم يكن كاملًا إلا لو كانت خارج سلطانه، أي كانت بعيدة عن ذلك.
أيضًا انتصارها على الشيطان هذا في الحياة الفعلية، لكن الأصل؟ المسيح هو الوحيد الذي وُلد مُنزهًا عن الخطية الأصلية لأن الروح القدس حل أقنوميًا في بطن العذراء وطهر مستودعها حتى أن ابنها الذي يولد منها يكون بعيدًا عن الخطية الأصلية.
فلو نحن عملنا ذلك فلا بد من أن نقول: أن حِنَّة زوجة يواقيم أم العذراء لا بد أن الروح القدس يكون حلَّ عليها أقنوميًا لكي يطهِّر مستودعها، وهذا ما لم يقل به أحد.
يجب أن نلاحظ أن الخروج من التفسير الحرفي أو النص، لكي يتخيَّل رموزًا على حسب مزاجه الشخصي ليس تعليمًا كتابيًا. لذلك قالوا إن هذه العقيدة لم تُذكَر صراحةً في الكتاب، لكن مُتضَمَّنة. لنرى كيف مُتضَمنَّة؟
قالوا في (لوقا1: 28)، وهذه يستخدمونها كثيرًا جدًا جدًا، أن الملاك قال للعذراء: "السلام لك أيتها الممتلئة نعمة"، فقالوا: عبارة "ممتلئة نعمة" تعني بعيدة عن الخطية!! وقد قيل لها الروح القدس حلَّ عليكِ.
الرد: إن الرسل الاثني عشر كانوا ممتلئين من الروح القدس، ومع ذلك.. امتلاؤهم من الروح القدس لم يكن إثباتًا بأنهم تخلُّوا عن الخطية الأصلية ولا الفعلية، لأن كثيرًا من الرسل أخطأوا.
والنعمة ليس معناها أنها تكون بريئة من الخطية الأصلية، فربنا يعمل بنعمته في جميع خُدَّامه، ومع ذلك لا نقول: أن نعمته تعطيهم عصمة. وبولس الرسول قال لست أنا، لا أنا بل نعمة المسيح العاملة فيَّ، فنعمة المسيح العاملة فيه لم تعطه عصمة..
وقال: "بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 10)، فهذه النعمة لا تُعطي عصمة. ونحن نأخذ نعمًا كثيرة من الله، ولكنها لا تُعطي عصمة. تقول: ممتلئة بالنعمة، فالرسل – كما قلنا - امتلأوا بالروح القدس، وامتلاؤهم بالروح القدس لم يعطهم عصمة.
من ضمن خطورة هذا التفسير، أنهم يجعلون العذراء مساوية للمسيح تمامًا في هذا الأمر. فما من أحد كان معصومًا من الخطية إلاّ السيد المسيح.
فلما تكون العذراء معصومة، ماذا يكون الفرق بينها وبين المسيح؟ وما معنى أن "الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (مز14: 3)، ولماذا قال المسيح للشاب الغني: "لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ؟" (مت19: 17) (مر10: 18) (لو18: 19). فهنا وضع العذراء في مكانة مثل المسيح تمامًا... أمرٌ غير مقبول لاهوتيًا إطلاقًا، أن بعض الآباء يجعلوها في مستوى المسيح.
هم يقولون: إنها بامتيازٍ من الله كانت معصومة من الخطية الأصلية، ومن كل الخطايا الفعلية أيضًا. كانت في عصمة من كل خطية شخصية أو وراثية، كما قال البابا بيوس الثاني عشر. أما توما الإكويني فرفض مسألة عصمتها من الخطية الأصلية واكتفى بعصمتها من الخطية الفعلية.
النقطة الثالثة التي يعتمدون عليها في (لو1: 41، 42) عندما قالت لها القديسة أليصابات: "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ!"، فقالوا إنها جمعت بين البركتيْن، مباركة لها، ومباركة لثمرة بطنها. بينما في (تث 28: 3، 4) يقول إن أطعت وصايا ربنا تحلُّ عليك جميع هذه البركات، ومن ضمن البركات: "مباركًا تكون... وَمُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ"، فالأمر هو هو.
في الحقيقة إن هذا نوع من محاولة إعطاء آيات الكتاب المقدس مفهومًا أكثر من مفهومها الحقيقي، كلام مزيَّد ليس له دلالته ليثبت ما يقولون.
يقولون: إن مريم عُصِمت أيضًا مثل المسيح من بدء حياتها من كل خطية. وهنا تشبيهها بالمسيح تشبيه غير معقول. إننا نرى أن موضوع الحبل بلا دنس موضوع ضد الفداء وضد حاجة كل إنسان إلى الخلاص، ولهذا البروتستانت تمسَّكوا تمامًا بعبارة "الخلاص بالدم" ويشدِّدون عليها جدًا، ونحن أيضًا نقول إنه "لا خلاص إلا بالدم".
إذًا عقيدة الحبل بلا دنس ضد الفداء، وضد التجسد، وهي عقيدة حديثة...
والعجيب أن من ضمن مصادرها الرؤيا التي تُنسب إلى فتاة اسمها برناديت، التي يحتفلون بها ويسمونها (عذراء لورد). وهي بنت صغيرة 12 أو 13 سنة، تقول إن السيدة العذراء ظهرت لها وقالت لها: أنا الحبل بلا دنس!
وفرضًا أن الرؤيا صحيحة، فقد تكون العذراء قالت لها: أنا التي حبلت بالمسيح بلا دنس، لكن مع ذلك قالت الفتاة إن العذراء ظهرت لها حوالي 18 مرة. وصارت فيما بعد راهبة ورئيسة دير في مدينة لورد بفرنسا.
لا نقدر أن نؤسس عقيدة على رؤيا رأتها فتاة صغيرة، لكن فيما بعد... بعد ما أُعلنت العقيدة بدأ البحث عن أصول لها في التاريخ وأصول لها في أقوال الآباء. كل هذه الأصول لم تكن موجودة قبل هذا الأمر، ولكن مثل شخص ابتدأ يكوِّن عقيدة فيبدأ يبحث لها في الماضي القديم.
بدليل أن في كل المجامع المقدسة السابقة قبل ذلك حتى المجامع الكاثوليكية لا يوجد بها شيء عن هذا الموضوع.
عقيدتهم بأن العذراء وسيطة لكل نعمة.
جاء في أحد الكتب الكاثوليكية (كتاب من منشورات المطبعة الكاثوليكية ببيروت)، وهو من الكتب التي تمثل العقيدة ومكتوب عليه "فليُطبع":
يقول: "إن مريم هي بولادتها للمخلِّص مصدر كل النِعم والسبيل لكل النِعم (قضية أكيدة) ومنذ انتقال مريم إلى السماء ما من نعمة تأتي إلى البشر إلاّ بشفاعتها الفعلية".
نحن كأرثوذكس نقول "العذراء شفاعتها مقبولة ونحن نتشفع بها"، ولسنا مثل البروتستانت الذين ينكرون الشفاعة، لكن لا نقول "ما من نعمة تأتي إلى البشر إلا بشفاعتها الفعلية".
ويقولون أيضًا "أُعطيت أن توزِّع نعمة المسيح الخلاصية على البشر، واشتراكها إنما هو في تطبيقها الفداء على البشر".
الرد: الكاثوليك يقولون إن هذا الأمر جاء في إعلان بابوي، أعلن البابا لاون الثالث عشر في رسالته... إلى آخره: [إنه بتدبير إلهي ما من نعمة من كنز النِعم الكبير الذي أتى به المخلِّص توزَّع علينا إلا عن يد مريم. وكما أنه ليس مَن يستطيع أن يتقرَّب من الآب إلا عن طريق الابن، كذلك ليس مَن يستطيع أن يتقرَّب من الابن إلاّ عن طريق أمه].
وكأن الكنيسة نفسها لا تستطيع أن تُقرِّب الناس إلى الله، ولا الكهنوت يُقرِّب، ولا الأسرار، ولا أي شيء. لا يوجد غير العذراء. وبعد ذلك البابا بندكتوس الخامس عشر يقول: [إن كل النِعم التي شاء صانع كل خير أن يوزِّعها على أبناء آدم المساكين، إنما يوزِّعها بتدبير من عنايته الإلهية عن يد العذراء القديسة وسيطة كل النِعم لدى الله].
والبابا بيوس الحادي عشر يقول في رسالة سنة 1937م: [الله أراد أن ننال كل شيء عن يد مريم]!!! كما قلنا من قبل أن إخوتنا الكاثوليك في تمجيدهم لبعض القديسين يبالغون مبالغات تُخرِج الأمر عن وضعه اللاهوتي، فيبالغون مثلاً في تمجيد بطرس الرسول بأن يجعلوه خليفة المسيح على الأرض، وأنه رئيس لكل كنائس العالم! وهذا الكلام غير معقول.
ولأنهم يحسدون الكنيسة القبطية على مكانتها اللاهوتية في المجامع المسكونية وقوَّتها فيقولون إن مار مرقس كان سكرتيرًا لبطرس الرسول! وما سمعنا طول حياتنا أن بطرس كان له سكرتير! أو يقولون إنه كان مترجمًا لبطرس الرسول! (هذا الكلام تم نشره في كتاب مار مرقس).
وبطرس لم يكن محتاجًا لمترجم، أولًا: لأن موهبة الألسنة كانت موجودة لكل الرسل أخذوها في يوم الخمسين، وثانيًا: بطرس الرسول كان يخدم وسط اليهود، وهو عارف لغتهم. أو يقولون إن بطرس الرسول هو الذي أرسل مار مرقس ليبشِّر في مصر، وبعد أن رجع مار مرقس قدَّم تقريرًا عن خدمته لبطرس الرسول!! كيف تثبتون ذلك؟ إنه مجرد كلام لتمجيد بطرس بطريقة غير مقبولة. كذلك عن السيدة العذراء يقولون: "الحبل بلا دنس".
عقيدتهم بأن العذراء شريكة في الفداء.
يعتقدون بأن العذراء كانت شريكة في الفداء co-redeemer، Redeem تعني يفدي، Redeemer تعني فادي، وco-redeemer أي شريك في الفداء. المعروف أن الفداء تم بواسطة المسيح وحده، فما معنى أنها كانت شريكة في الفداء؟
نعرف أن الفداء قد تم بواسطة دم المسيح الذي سُفك من أجلنا والذي قال عنه: "هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا" (مت 26: 28). ويقول الكتاب أنه: "غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ" (رؤ1: 5)، ويقول: "بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ" (1بط1: 19). فكيف كانت العذراء شريكة في هذا الدم المسفوك، ما معنى شريكة؟
وهل الفداء تأخذ هي أيضًا نصيبًا من فضله، وإن كنا نحن قد اُشترينا بثمن والذي اشترانا هو المسيح فهل تكون العذراء شريكة في الشراء، وإن كان المسيح في الفداء قد خلَّصنا ونلنا الخلاص بواسطته فهل تكون العذراء أيضًا شريكةً في الخلاص، وهي كانت محتاجة كذلك إلى الخلاص نفسه، وقالت: "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 47)؟؟
كل هذا محاولة لتمجيد العذراء بطريقة لا تقبلها العذراء نفسها. والسيد المسيح يتكلَّم عن هذا الفداء الذي قام به، فيقول ما سجله القديس يوحنا: "لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أيضًا" (يو10: 17، 18). فالمسيح هو الذي قدَّم نفسه، ولا يوجد من شاركه في هذا الأمر.
يقولون إنها قدَّمت ابنها الوحيد، فما معنى قدَّمت ابنها الوحيد؟! هي التي دفعته إلى الصلب؟! أهي التي أغرته أو أقنعته بتقديم نفسه عن حياة العالم؟ هو من نفسه قدَّم ذاته محبةً لخلاص الناس ومنهم العذراء.
عقيدتهم بأن العذراء واسطة في الخلاص.
وأحيانًا يقولون بدل co-redeemer (شريكة في الفداء) يقولون كانت واسطة في الخلاص. هي صحيح التي ولدت المسيح لكن ليست هي التي تسبَّبت في الخلاص.
يقولون: أولاً وسيطة في الفداء لأنها ولدت المسيح، وكون أنها ولدته فهي شريكة في الفداء!
هل كل أم تلد ولدًا له أعمال مقدسة تكون شريكة في أعماله المقدسة؟ هل أليصابات كانت شريكة في كرازة يوحنا المعمدان؟ ثم هل ولدته من نفسها أم من اشتراك الروح القدس في هذه الولادة؟ نحن نقول تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، ويقولون: "شريكة في الفداء، لأنها قدَّمته ذبيحة لله الآب على الصليب"!؟
هل هي التي قدَّمته ذبيحة؟ قالت للناس: "تفضلوا خذوه واصلبوه، هدية مني لكم"! بالعكس لقد قالت: "أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص، أما أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك".
ما معنى قدَّمته للصليب؟ المسيح قدَّمه الآب، أم هو قدَّم نفسه، أم العذراء التي قدَّمته؟ كما قلنا من قبل في (يوحنا 10: 17، 18) "أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أيضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أيضًا".
يقولون: إذا كان المسيح وحده على الصليب قدَّم ذبيحة المصالحة، إلاّ أن مريم التي كانت واقفة بجانبه على الصليب كانت تقدِّم معه ذبيحة بقلبها! وأيضًا كانت واقفة المجدلية، وكانت واقفة مريم زوجة كلوبا، وكان واقفًا يوحنا الحبيب. فهل كانت واقفة بجانبه على الصليب تعني أنها هي التي عملت المُصالحة؟؟
المصالحة لم تتم إلاّ بالدم وبالموت، وهي لم تكن شريكة لا في الدم ولا شريكة في الموت.
كون أنها كانت متألِّمة لأجله وهو على الصليب ليس معنى هذا أنها كانت مُشترِكة في آلامه من أجل الخلاص. آلام الصلب شيء والآلام العاطفية من العذراء شيء آخر، من طبيعتها، هذا أمر وذلك أمر آخر. وأيضًا كل الذين كانوا حول الصليب كانوا متألِّمين أيضًا.
يقولون أيضًا عندما قالت: "لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ" (لو1: 38)، وقبِلت الحبل المقدس كانت بقبولها هذا للحبل المقدس قد اشتركت في (عملية التجسُّد)، وبالتالي في عملية الفداء فيما بعد!
يجب أن كل شيء يكون له حدود ولا تفهم الأمور بهذا الشكل. إن قبولها لمشيئة الله: "ليكن لي كقولك"، هذه تدُل على حياة التسليم للإرادة الإلهية، ولا تدل على شركة في التجسد ولا شركة في الفداء... إن الحبل بلا دنس عقيدة حديثة أعلنها البابا بيوس التاسع في 8 ديسمبر1854م وأصبح يوم 8 ديسمبر عيدًا سنويًا للعذراء. وأيضًا عقيدة المطهر هي عقيدة حديثة. وأيضًا انبثاق الروح القدس كان في القرن الحادي عشر، أي في القرون الأولى لم يكن له وجود.
وأيضًا بعض الباباوات رؤساء كنيسة روما كانوا يمنحون غفرانات باسم السيدة العذراء في الاحتفالات بـ 8 ديسمبر، أو من يزور كنيسة على اسم العذراء في 8 ديسمبر، أو يحتفل بعيدها في 8 ديسمبر.. إلى آخره. لدرجة أن البابا بيوس الثاني عشر وهو الذي أعلن عقيدة صعود العذراء سنة 1946م منح غفرانًا كاملاً لمن يعترف ويتناول في أية كنيسة من كنائس العذراء في يوم 8 ديسمبر سنة 1953م أو 1954م.
[1] محاضرة لقداسة البابا شنوده الثالث بعنوان "العذراء عند الكاثوليك"، بتاريخ 13 فبراير 1996م.
الفصل السابع خلاص غير المؤمنين
خلاص غير المؤمنين[1]
في موضوع خلاص غير المؤمنين إخوتنا الكاثوليك أرادوا أن يظهروا حنانًا حول غير المؤمنين فقرروا خلاصهم. وأصدروا كتب في هذا الموضوع؛ أنا عندي كتاب ألفه أحد الرهبان الكاثوليك في مصر عن خلاص غير المؤمنين، وهذه العقيدة نادى بها الڤاتيكان... وأيضًا جلست مع بعض المطارنة الكاثوليك الذين يؤمنون بهذا الكلام.
ما مضمون كلمة الإيمان؟
في البداية قبل أن أبدأ في الرد على موضوع "خلاص غير المؤمنين"، أريد أن أوضح لكم ما هو مضمون كلمة الإيمان ما دام هؤلاء ناس غير مؤمنين.
مضمون كلمة الإيمان تعني:
- الإيمان بالثالوث القدوس بلاهوت الآب، لاهوت الابن، لاهوت الروح القدس. (وغير المؤمنين لا يؤمنوا بهذه الأمور!!).
- الإيمان بكلام السيد المسيح وتعاليمه، أي الإيمان بالإنجيل.
- الإيمان بالروح القدس وعمله، الإيمان بالأسرار، بالمعمودية، بالمسحة المقدسة، بسكنّى الروح القدس فينا.
- الإيمان بسر الإفخارستيا الذي يقول فيه السيد المسيح: "من لا يأكل جسده ويشرب دمه لا تكون له فيه حياة" (يو6: 53، 54).
- أيضًا الإيمان بالكفارة وبالفداء وبفاعلية دم المسيح. والإيمان بأنه بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ! (عب9: 22).
وبالتالي كلمة غير المؤمنين تعني: الذين لا يؤمنون بشيء من هذا كله، ويضاف إلى هذا الإيمان بالقيامة؛ بقيامة الجسد وبحياة الدهر الآتي .. إلى آخره.
فمثلاً يمكن أن نعتبر "شهود يهوه" من غير المؤمنين... لأنهم لا يؤمنون بالثالوث القدوس، ويؤمنوا أن المسيح هو الملاك ميخائيل، وأن المسيح مخلوق، وأن السيد المسيح صار ابنًا لله في المعمودية فقط، وقبل ذلك لم يكن، ولا يؤمنون بحياة الدهر الآتي كما نؤمن بها نحن... فإلى أي مدى يمكن أن يُقال: إن غير المؤمنين يكون لهم خلاص، وهل هذا هو تعليم الكتاب؟
المشكلة التي يقع فيها كثيرون ليس فقط من الكاثوليك، إنما من الأنجليكان أيضًا - الكنيسة الإنجليزية وغيرها - ومن البروتستانت... هو سيطرة الناحية العقلية على الناحية الكتابية..
أي لا يهمهم آيات الكتاب المقدس، بل يهمهم الناحية العقلية فيقولوا: "وهذا ما ذنبه، ولماذا لا يخلُص؟!" ولا يسندون كلامهم إطلاقًا بآياتٍ من الكتاب المقدس. أما نحن فيهمنا أن كل عقيدة نتحدث عنها أو نؤمن بها ينبغي أن يكون لنا عليها شاهدٌ من الكتب، أو شهادات من الكتب، أو آيات من الكتاب المقدس.
فمثلاً نضع أمامنا الآتي: في (أع 16: 31): "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ"، البروتستانت يتمسكون بهذه الآية كثيرًا.
أيضًا (يو3: 18): "اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ". عبارة "قد دين" أي يقع في دينونة.
من أخطر الآيات أيضًا آخر آية في الإصحاح الثالث (يو3: 36) "الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ".
(مر16: 16) "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ"، فالذي لا يؤمن بالابن، لا يؤمن بإنجيله، ولا بتعاليمه ولا يؤمن بنعمته، ولا يؤمن بخيرات العهد الجديد... إذًا ما فائدة الكرازة والتعليم وما فائدة العماد وباقي الأسرار ولماذا إذًا تجسد الرب وصُلب؟
الكتاب المقدس يقول: "لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ" (يو3: 16)، يعني الذي يستفيد من عملية الفداء هو من يؤمن به، ويؤمن بأن دم يسوع المسيح يطهرنا من كل خطية كما ورد في (1يو1: 7) "وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ"، ويؤمن بأنه "غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ" كما وُجد في (رؤ1: 5).
إذًا ماذا عن الذي لا يتخذ المسيح فاديًا ومخلصًا؟
أوقات يقولوا: إن هناك ناس لم تصلهم البشارة بالمسيح..! حاليًا لا يمكن أن نقول هذا الكلام. لأن البشارة بالمسيح وصلت إلى أقصاء الأرض كلها، بل إن الكتاب المقدس تُرجم إلى عشرات اللغات ربما إلى ستين أو سبعين أو مائة لغة وأكثر.. فلا نقدر أن نقول إن البشارة بالمسيح لم تصل.. وماذا عن الذين وصلتهم هذه البشارة، ولم يكتفوا فقط بأن يرفضوها بل قاوموها بكل أنواع المقاومة!!
إذًا خلاص غير المؤمنين عبارة عن بدعة جديدة تحطِّم المسيحية أكثر مما تكسب أشخاصًا.. ولكن المسيحية لن تتحطَّم بل تتحطَّم هذه البدع.
[1] جزء من محاضرة "خلاص غير المؤمنين، والحبل بلا دنس" لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 9 نوفمبر1999م.
الفصل الثامن طبيعة المسيح
طبيعة المسيح[1]
عقيدة كنيستنا
السيد المسيح هو الإله الكلمة المتجسد له لاهوت كامل، وناسوت كامل، لاهوته متحد بناسوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، اتحادًا كاملاً أقنوميًا جوهريًا، تعجز اللغة أن تعبر عنه، حتى قيل عنه إنه سر عظيم "عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ" (1تي 3: 16).
وهذا الاتحاد دائم لا ينفصل مطلقًا ولا يفترق. نقول عنه في القداس الإلهي : "إن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين".
الطبيعة اللاهوتية (الله الكلمة) اتحدت بالطبيعة الناسوتية التي أخذها الكلمة (اللوجوس) من العذراء مريم بعمل الروح القدس. الروح القدس طهَّر وقَدَّس مستودع العذراء؛ طهارة كاملة حتى لا يرث المولود منها شيئًا من الخطية الأصلية، وكوّن من دمائها جسدًا اتحد به ابن الله الوحيد. وقد تم هذا الاتحاد منذ اللحظة الأولى للحبل المقدس في رحم السيدة العذراء.
وباتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية داخل رحم السيدة العذراء تكونت منهما طبيعة واحدة هي طبيعة الله الكلمة المتجسد.
لم تجد الكنيسة المقدسة تعبيرًا أصدق وأعمق وأدق من هذا التعبير. وهو التعبير الذي استخدمه القديس كيرلس الكبير (عمود الدين)، والقديس أثناسيوس الرسولي من قبله، وكل منهما قمة في التعليم اللاهوتي على مستوى العالم كله.
حتى أنني حينما اشتركت في حوار أعدته جماعة Pro Oriente في ڤيينا بالنمسا فيسبتمبر 1971م بين الكاثوليك الرومانيين والكنائس الأرثوذكسية الشرقية القديمة عن طبيعة المسيح،
μία φύσις τοῦ θεοῦ λόγου σεσαρκωμένη |
كان موضوع هذا الحوار هو قول القديس كيرلس: "طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد".
وبعد الشقاق الذي حدث سنة 451م، حيث رفضنا مجمع خلقدونية وتحديداته اللاهوتية، عُرفنا بأصحاب الطبيعة الواحدة Monophysites.
وتشترك في هذا الإيمان الكنائس السريانية، والأرمنية، والإثيوبية، والهندية، وهي الكنائس الأرثوذكسية غير الخلقيدونية.
بينما الكنائس الخلقيدونية الكاثوليكية واليونانية (الروم الأرثوذكس) فتؤمن بطبيعتين للسيد المسيح وتشترك في هذا الاعتقاد أيضًا الكنائس البروتستانتية ولذلك تُعْرَف كل هذه الكنائس باسم أصحاب الطبيعتين.
وكنائس الروم الأرثوذكس، أو الأرثوذكس الخلقيدونيين فتشمل كنائس القسطنطينية واليونان، وأورشليم، وقبرص، وروسيا، ورومانيا، والمجر، والصرب، وكنائس الروم الأرثوذكس في مصر وفي سوريا ولبنان، وفي أمريكا، وفي دير سانت كاترين بسيناء إلخ.
وتعبير "أصحاب الطبيعة الواحدة" Monophysites أُسيء فهمه عن قصد أو غير قصد خلال فترات التاريخ، فاضطُهدت بالذات الكنيسة القبطية والكنيسة السريانية اضطهادات مروّعة بسبب اعتقادها، وبخاصة في الفترة من مجمع خلقيدونية سنة 451م حتى بدء دخول الإسلام سوريا ومصر (حوالي 641م). واستمر المفهوم الخاطئ خلال التاريخ، كما لو كنا نؤمن بطبيعة واحدة للمسيح وننكر وجود الطبيعة الأخرى.
فأي الطبيعتين أنكرتها كنيسة الإسكندرية؟
هل هي الطبيعة اللاهوتية. وقد كانت كنيستنا أكثر كنائس العالم دفاعًا عن لاهوت المسيح ضد الأريوسية في مجمع نيقية المسكوني المقدس سنة 325م، وفيما قبله وما بعده. أم هي الطبيعة الناسوتية وأقدم كتاب وأعمق كتاب شرحها هو كتاب "تجسد الكلمة" للقديس أثناسيوس الإسكندري!
إنما عبارة "طبيعة واحدة" المقصود بها ليس الطبيعة اللاهوتية وحدها، ولا الطبيعة البشرية وحدها، إنما اتحاد هاتين الطبيعتين في طبيعة واحدة هي (طبيعة الكلمة المتجسد).
وذلك مثلما نتحدث عن الطبيعة البشرية وهي عبارة عن اتحاد طبيعتين هما النفس والجسد. فالطبيعة البشرية ليست هي النفس وحدها، ولا الجسد وحده، إنما اتحادهما معًا في طبيعة واحدة تسمى الطبيعة البشرية. وسنتحدث عن هذا الموضوع بالتفصيل فيما بعد.
والقديس كيرلس الكبير علّمنا أن لا نتحدث عن طبيعتين بعد الاتحاد.
فيمكن أن نقول إن الطبيعة اللاهوتية اتحدت أقنوميًا بالطبيعة البشرية داخل رحم القديسة العذراء، ولكن بعد هذا الاتحاد لا نعود مطلقًا نتكلم عن طبيعتين في المسيح. فتعبير الطبيعتين يوحي بالانفصال والافتراق. ومع أن أصحاب الطبيعتين يقولون باتحادهما، إلا أن نغمة الانفصال كما تبدو واضحة في مجمع خلقدونية، مما جعلنا نرفضه. ونُفي القديس ديسقوروس الإسكندري بسبب هذا الرفض.
وإلى أن نشرح بالتفصيل موضوع الطبيعة والطبيعتين في المسيح، نود أن نتعرض قبل ذلك لشرح نقطة هامة وهي:
أشهر الهرطقات
أشهر الهرطقات حول طبيعة المسيح
1) هرطقة آريوس
كان أريوس ينكر لاهوت المسيح ويرى أنه أقل من الآب في الجوهر، وأنه مخلوق. وما زالت جذور الآريوسية قائمة حتى الآن. حتى بعد أن شجبها مجمع نيقية المسكوني سنة 325م، ظل آريوس والآريوسيون من بعده سبب تعب وشقاق وشك للكنيسة المقدسة.
2) هرطقة أبوليناريوس
وكان ينادي بلاهوت المسيح، ولكن لا يؤمن بكمال ناسوته. إذ كان يرى أن ناسوت المسيح لم يكن محتاجًا إلى روح، فكان بغير روح، لأن الله اللوجوس كان يقوم بعملها في منح الحياة. ولما كان هذا يعني أن ناسوت المسيح كان ناقصًا، لذلك حكم مجمع القسطنطينية المسكوني المقدس المنعقد سنة 381م. بحرم أبوليناريوس وهرطقته هذه.
3) هرطقة نسطور
وكان نسطور بطريركًا للقسطنطينية من سنة 428م. حتى حرمه مجمع أفسس المسكوني المقدس سنة 431م.
وكان يرفض تسمية القديسة العذراء مريم بوالدة الإله θeotokoc، ويرى أنها ولدت إنسانًا، وهذا الإنسان حل فيه اللاهوت. لذلك يمكن أن تسمى العذراء أم يسوع. وقد نشر هذا التعليم قسيسه أنسطاسيوس، وأيد هو تعليم هذا القس وكتب خمسة كتب ضد تسمية العذراء والدة الإله.
ويعتبر أنه بهذا أنكر لاهوت المسيح.
وحتى قوله إن اللاهوت قد حل فيه لم يكن بمعنى الاتحاد الأقنومي، وإنما حلول بمعنى المصاحبة. أو حلول كما يحدث للقديسين.
أي أن المسيح صار مسكنًا لله، كما صار في عماده مسكنًا للروح القدس. وهو بهذا الوضع يعتبر حامل الله كاللقب الذي أخذه القديس أغناطيوس الأنطاكي.
وقال إن العذراء لا يمكن أن تلد الإله، فالمخلوق لا يلد الخالق! وما يولد من الجسد ليس سوى جسد. وهكذا يرى أن علاقة طبيعة المسيح البشرية بالطبيعة اللاهوتية بدأت بعد ولادته من العذراء، ولم تكن اتحادًا، وقال صراحة: "أنا أفصل بين الطبيعتين".
وبهذا الوضع تكون النسطورية ضد عقيدة الكفارة.
لأنه إن كان المسيح لم يتحد بالطبيعة اللاهوتية، فلا يمكن أن يقدم كفارة غير محدودة تكفي لغفران جميع الخطايا لجميع الناس في جميع العصور.
والكنيسة حينما تقول إن العذراء والدة الإله، إنما تعني أنها ولدت الكلمة المتجسد، وليس أنها كانت أصلًا للاهوت، حاشا.
فالله الكلمة هو خالق العذراء، ولكنه في ملء الزمان حل فيها، وحبلت به متحدًا بالناسوت وولدته. والاثنا عشر حرمًا التي وضعها القديس كيرلس Anathemas، فيها ردود على كل هرطقات نسطور. فقد حرم من قال إن الطبيعتين كانتا بطريق المصاحبة، ومن قال إن الله الكلمة كان يعمل في الإنسان يسوع، أو أنه كان ساكنًا فيه. كما حرم من فرَّق بين المسيح وكلمة الله، وأنه ولد كإنسان فقط من امرأة.
4) هرطقة أوطاخي
كان أوطاخي (يوطيخوس) أب رهبنة ورئيس دير بالقسطنطينية. وكان ضد هرطقة نسطور. فمن شدة اهتمامه بوحدة الطبيعتين في المسيح - وقد فصلهما نسطور- وقع في بدعة أخرى. فقال إن الطبيعة البشرية ابتُلعت وتلاشت في الطبيعة الإلهية، وكأنها نقطة خل في المحيط. وهو بهذا قد أنكر ناسوت المسيح.
أوطاخي هذا حرمه القديس ديسقوروس. وعاد فتظاهر بالإيمان السليم، فحاللـه القديس ديسقوروس على أساس رجوعه عن هرطقته. ولكنه بعد ذلك أعلن فساد عقيدته مرة أخرى فحرمه مجمع خلقيدونية سنة 451م. كما حرمته الكنيسة القبطية أيضًا.
مجمع خلقيدونية
على الرغم من أن مجمع أفسس المسكوني المقدس قد حرم نسطور، إلا أن جذور النسطورية قد امتدت إلى مجمع خلقيدونية الذي ظهر فيه انفصال الطبيعتين حيث قيل فيه: إن المسيح اثنان إله وإنسان: الواحد يبهر بالعجائب والآخر ملقى للشتائم والإهانات. هكذا قال لاون (ليو) Leo أسقف روما في كتابه المشهور بـ"طومس لاون" الذي رفضته الكنيسة القبطية. ولكن أخذ به مجمع خلقيدونية، الذي أعلن أن هناك طبيعتين في المسيح بعد الاتحاد: طبيعة لاهوتية تعمل ما يختص بها، وطبيعة ناسوتية تعمل ما يختص بها.
قال نسطور إن هاتين الطبيعتين منفصلتان. وقال مجمع قرطاجنة إنهما متحدتان ولكنه فصلهما بهذا الشرح. وكما قرر أن المسيح له طبيعتان، قرر أيضًا أن له مشيئتين وفعلين.
ومن هنا نشأت مشكلة الطبيعتين والمشيئتين، وبدأ صراع لاهوتي، وانشقاق ضخم في الكنيسة، نحاول حاليًا إنهاءه بالوصول إلى صيغة إيمان مشترك يقبله الجميع.
طبيعة الاتحاد
اتحاد بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا استحالة:
المقصود أن وحدة الطبيعة هي وحدة حقيقية. ليست اختلاطًا مثل اختلاط القمح بالشعير، ولا امتزاجًا، مثل مزج الخمر بالماء أو مزج اللبن بالماء. كما لم يحدث تغيير مثل الذي يحدث في المُركبّات، فمثلاً ثاني أكسيد الكربون فيه كربون وأوكسچين، وقد تغير طبع كل منهما في هذا الاتحاد وفقد خاصيته التي كانت تميزه قبل الاتحاد، بينما لم يحدث تغيير في اللاهوت ولا في الناسوت باتحادهما.
كذلك تمت الوحدة بين الطبيعتين بغير استحالة.
فما استحال اللاهوت إلى ناسوت، ولا استحال الناسوت إلى لاهوت، كما أن اللاهوت لم يختلط بالناسوت، ولا امتزج به، إنما هو اتحاد، أدى إلى وحدة في الطبيعة.
مثال اتحاد الحديد والنار
وقد استخدمه القديس كيرلس الكبير، واستخدمه أيضًا القديس ديسقوروس. ففي حالة الحديد المحمى بالنار، لا نقول هناك طبيعتان، حديد ونار، إنما نقول حديد محمى بالنار، كما نقول عن طبيعة السيد المسيح إله متأنس، أو إله متجسد، ولا نقول إنه اثنان إله وإنسان.
وفي حالة الحديد المحمى بالنار لا توجد استحالة. فلا الحديد يستحيل إلى نار، ولا النار تستحيل إلى حديد.
ولكنهما يتحدان معًا بغير اختلاط ولا امتزاج. وإن كان هذا الحال ليس إلى دوام، وهنا نقطة الخلاف. غير أننا نقصد التشبيه بالحديد في حالة كونه محمى بالنار، وله كل خواص النار وكل خواص الحديد.
وكذلك كانت طبيعة الكلمة المتجسد واحدة، ولها كل خواص اللاهوت وكل خواص الناسوت.
مثال اتحاد النفس والجسد
وقد استخدم هذا التشبيه القديس كيرلس عمود الدين، والقديس أغسطينوس، وعدد كبير من علماء اللاهوت القدامى والحديثين.
وفي هذا المثال تتحد طبيعة النفس الروحانية، بطبيعة الجسد المادية الترابية، ويتكون من هذا الاتحاد طبيعة واحدة هي الطبيعة البشرية.
هذه الطبيعة التي ليست هي الجسد وحده، ولا النفس وحدها، إنما هما الاثنان معًا متحدين بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا استحالة. فما استحالت النفس إلى جسد، ولا استحال الجسد إلى نفس، ومع ذلك صار الاثنان واحدًا في الجوهر وفي الطبيعة، بحيث نقول إن هذه طبيعة واحدة وشخص واحد. فإن كنا نقبل مثال اتحاد النفس والجسد في طبيعة واحدة، فلماذا لا نقبل اتحاد اللاهوت والناسوت في طبيعة واحدة؟!
هنا ونطرح سؤالًا هامًا بالنسبة إلى تعبير طبيعة واحدة وتعبير طبيعتين
ألا نعترف كلنا أن هذه التي نسميها طبيعة بشرية، كانت فيه قبل الاتحاد طبيعتان: هما النفس والجسد. ومع ذلك الذين يستخدمون تعبير (الطبيعتين) اللاهوتية والبشرية، لا يتكلمون عن طبيعة النفس وطبيعة الجسد، إنما عن طبيعة واحدة بشرية في المسيح. فإن كان لا بد من التفصيل، فإن هذا سيؤدي إلى أن في المسيح ثلاث طبائع!!! هي اللاهوت، والنفس، والجسد، وكل من هذه الطبائع له كيانه الخاص وجوهره الخاص... وطبعًا لا يقبل أحد هذا الكلام، لا هذا الجانب ولا ذاك.
أمّا إن قبلنا اتحاد النفس والجسد في طبيعة واحدة في المسيح، واستخدمنا هذا التعبير لاهوتيًّا، فإنه يكون من السهل علينا إذًا أن نستخدم عبارة طبيعة واحدة للمسيح أو طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد...
وكما أن الطبيعة البشرية يمكن أن يقال عنها أنها طبيعة واحدة من طبيعتين، كذلك نقول عن الكلمة المتجسد أنه طبيعة واحدة من طبيعتين.
فإن قيل إن طبيعة اللاهوت مغايرة لطبيعة الناسوت، فكيف يتحدان، نقول أيضًا إن طبيعة النفس هي كذلك مغايرة لطبيعة الجسد، وقد اتحدت معه في طبيعة واحدة هي الطبيعة الإنسانية.
ومع أن الإنسان تكون من هاتين الطبيعتين، إلا أننا لا نقول عنه مطلقًا أنه اثنان، بل إنسان واحد. وكل أعماله ننسبها إلى هذه الطبيعة الواحدة.
وليس إلى النفس فقط، ولا إلى الجسد فقط. فنقول: أكل فلان أو جاع أو تعب أو نام أو تألم ولا نقول إن جسد فلان هو الذي أكل أو جاع أو تعب أو نام أو تألم. والمفهوم طبعًا أنه جاع أو نام بالجسد... ولكننا ننسب هذا الأمر إلى الإنسان كله، وليس إلى جسده فقط...
كذلك كل ما كان يفعله المسيح كان ينسب إليه كله، وليس إلى لاهوته وحده أو إلى ناسوته وحده.
كما قال لاون في مجمع خلقيدونية. وسنشرح هذه النقطة بالتفصيل فيما بعد إن شاء الله...
* * *
إن اتحاد النفس والجسد، هو اتحاد ذاتي جوهري حقيقي، اتحاد أقنومي، كذلك اتحاد الطبيعة الإلهية للمسيح بالطبيعة البشرية في رحم العذراء، هو اتحاد أقنومي، ذاتي جوهري حقيقي. وليس مجرد اقتران أو مصاحبة كما يزعم نسطور.
ومع أن مثال وحدة النفس والجسد في الطبيعة البشرية هو مثال شامل في أوجه شتى، هي التي قصدناها وحدها، إلا أن هذا التشبيه فيه نقطة نقص، هي إمكانية انفصال النفس عن الجسد بالموت، وعودتهما إليه بالقيامة. أما وحدة الطبيعة بين اللاهوت والناسوت في المسيح، فهي وحدة بغير انفصال. فلم ينفصل لاهوته عن ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين.
وحدة الطبيعة في الميلاد
من الذي ولدته العذراء؟ هل ولدت إلهًا فقط؟ أم إنسانًا فقط؟ أم ولدت إلهًا وإنسانًا؟ أم ولدت الإله المتجسد؟
من المستحيل أن تكون قد ولدت إلهًا فقط، لأنها ولدت طفلاً رآه الكل. ولا يمكن أن تكون ولدت إنسانًا فقط، لأن هذه هي هرطقة نسطور! ثم ما معنى قول الكتاب: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أيضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو35:1)؟ وما معنى أن ابنها يدعى عِمَّانُوئِيلَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ اَللهُ مَعَنَا (مت23:1)؟ وما معنى قول إشعياء النبي: "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ" (إش6:9). إذًا هو لم يكن مجرد إنسان، وإنما كان ابن الله وعمانوئيل وإلهًا قديرًا.
والعذراء أيضًا لم تلد إنسانًا وإلهًا، وإلا كان لها ابنان: الواحد منهما إله، والآخر منهما إنسان. لم يبق إلا أنها ولدت الإله المتجسد.
إن المسيح. ليس ابنين، أحدهما ابن لله المعبود، والآخر إنسان غير معبود.
ونحن لا نفصل بين لاهوته وناسوته. وكما قال القديس أثناسيوس الرسولي عن السيد المسيح: "ليس هو طبيعتين نسجد للواحدة، ولا نسجد للأخرى، بل طبيعة واحدة هي الكلمة المتجسد المسجود له مع جسده سجودًا واحدًا".
ولذلك فإن شعائر العبادة لا تقدم للاهوت وحده دون الناسوت، إذ لا يوجد فصل، بل العبادة هي لهذا الإله المتجسد.
إن السيد المسيح هو الابن الوحيد المولود من جوهر الآب قبل كل الدهور، وهو نفسه ابن الإنسان الذي صار "بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ" (رو29:8). وكما قال عنه أحد الآباء إنه ولد من الآب قبل كل الدهور بغير أم، وولد من العذراء، في ملء الزمان بغير أب.
ولذلك قال الرسول: "لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ" (غلا4:4).
إذًا الذي ولد من العذراء هو ابن الله، وفي نفس الوقت هو ابن الإنسان كما قال عن نفسه.
إن الابن (اللوجوس) قد حلّ في بطن القديسة العذراء، وأخذ له ناسوتًا منها، ثم ولدته. وليس مثلما يقول نسطور إن العذراء قد ولدت إنسانًا عاديًا، وهذا الإنسان سكن فيه الله فيما بعد، أو حل فيه، أو صار حاملًا لله دون اتحاد طبيعي أقنومي.
ولذلك فنحن نقدم العبادة لهذا المولود.
ونقول له في تسبحة الثلاثة تقديسات "قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت، الذي ولد من العذراء ارحمنا". كما قال الملاك: "الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو35:1).
لقد اتحدت في المسيح الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية في بطن العذراء.
لذلك حينما زارت العذراء أليصابات قالت لها تلك القديسة العجوز: "مِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" (لو43:1).
وكانت مريم حبلى لم تلد بعد، ودُعيت أم الرب.
ويقول قانون الإيمان عنه "نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور.. الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنس وصُلبَ عنا.. وتألم وقُبرَ وقام...
إذًا ابن الله الوحيد هذا هو الذي نزل من السماء وتجسد، فالمركز الأصلي له هو لاهوته الذي نزل في بطن العذراء وتجسد.
وليس كما يقول نسطور أن أصله إنسان ثم سكن فيه الله بعد ولادته!! الذي تجسد هو أصلًا ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور.
ولذلك استطاع أن يقول: "قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ" (يو58:8). والذي قال هذا هو يسوع المسيح وهو يكلم اليهود. ولم يقل لاهوتي كائن قبل إبراهيم، وإنما قال أنا كائن مما يدل على وحدة الطبيعة فيه.
إمكانية الوحدة
إن هذه الوحدة بين الطبيعة الإلهية والطبيعة الناسوتية أمر ممكن، وإلا ما كان ممكنًا أن تتم. إنها أمر كان في علم الله منذ الأزل. كان يعرفه ويدبِّره بسابق علمه بما يحتاجه الإنسان من خلاص. ولذلك قال القديس بولس الرسول عن تجسد الرب يسوع: "السِّرِّ الَّذِي كَانَ مَكْتُومًا فِي الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ. وَلكِنْ ظَهَرَ الآنَ، وَأُعْلِمَ بِهِ جَمِيعُ الأُمَمِ..." (رو16: 25، 26).
بل إن أحد الآباء فيما تأمل في قول الكتاب: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو9:2). وهي عبارة تقال عن النعيم الأبدي. هذا الأب قال: "هذا الذي لم يخطر على قلب بشر، أن يصير الله إنسانًا ويصلب ويموت، لكي يفتدينا ويشترينا بدمه".
وقال أب آخر: "إن حضور الله في خليقته يكون بثلاثة أنواع: إما حضور عام بحكم وجوده الإلهي في كل مكان، أو حضور بنعمته في قديسيه. أما النوع الثالث الفريد الذي لم يحدث سوى مرة واحدة، فهو وحدته بأقنومه في المسيح، حينما اتحدت طبيعته الإلهية بطبيعة بشرية في رحم العذراء".
طبيعة واحدة للكلمة المتجسد
إنها طبيعة واحدة ولكن لها كل خواص الطبيعتين:
كل خواص اللاهوت وكل خواص الناسوت. فيها الناسوت لم يصر لاهوتًا، بل ظل ناسوتًا، ولكنه ناسوت الله الكلمة. والكلمة لم يتحول إلى ناسوت، بل بقَى كما هو إلهًا، ولكن متحدًا بجسد لاهوته غير مائت، وناسوته قابل للموت. وقد اتحد اللاهوت مع الناسوت في الجوهر وفي الأقنوم وفي الطبيعة، بدون انفصال.
ولم يحدث انفصال بين اللاهوت والناسوت في موت المسيح.
وكما نقول في القسمة السريانية عن موته "انفصلت نفسه عن جسده. ولاهوته لم ينفصل قط لا عن نفسه ولا عن جسده". وهكذا نفسه وهي متحدة باللاهوت ذهبت إلى الجحيم، لتبشّر الراقدين على الرجاء. وتفتح لهم باب الفردوس وتدخلهم فيه. وبقى جسده في القبر متحدًا باللاهوت.
وفي اليوم الثالث أتت نفسه المتحدة بلاهوته، لتتحد بجسده المتحد بلاهوته وهكذا صارت القيامة.
وأمكن للإله المتجسد القائم من الأموات، أن يخرج من القبر وهو مغلق وعليه حجر عظيم. وأمكن أن يدخل على التلاميذ والأبواب مغلقة (يو19:20).
فهل دخل من الأبواب المغلقة بلاهوته أم بناسوته؟ أليس هذا دليلًا على وحدة الطبيعة. ومن هذا الذي خرج من القبر؟ أهو لاهوته أم ناسوته، أم هو المسيح الكلمة المتجسد؟
إننا لا نتحدث هنا عن طبيعتين منفصلتين: إله، وإنسان. فهذا التعبير يدل على اثنين لا واحد. وتعبير اثنين لا يدل مطلقًا على اتحاد.
فالاتحاد لا يقسم إلى اثنين.
وأنا أحب أن استخدم عبارة الاتحاد للتكلم عن الذي حدث في بطن العذراء. أما بعد ذلك فنسميها وحدة الطبيعة. كذلك تعبير اثنين يوحي بالانفصال أو إمكانيته.
أهميّة الوحدة للكفارة والفداء
إن الإيمان بطبيعة واحدة للكلمة المتجسد، هو أمر لازم وجوهري وأساسي للفداء. فالفداء يتطلب كفارة غير محدودة، تكفي لمغفرة خطايا غير محدودة، لجميع الناس في جميع العصور. ولم يكن هناك حل سوى تجسد الله الكلمة ليجعل بلاهوته الكفارة غير محدودة.
فلو أننا تكلمنا عن طبيعتين منفصلتين. وقامت الطبيعة البشرية بعملية الفداء وحدها. لما كان ممكنًا على الإطلاق أن تقدم كفارة غير محدودة لخلاص البشر. ومن هنا كانت خطورة المناداة بطبيعتين منفصلتين، تقوم كل منهما بما يخصها.
ففي هذه الحالة، موت الطبيعة البشرية وحدها لا يكفي للفداء.
ولذلك نرى القديس بولس الرسول يقول: "لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ" (1كو8:2).
ولم يقل لما صلبوا الإنسان يسوع المسيح. إن تعبير رب المجد هنا يدل دلالة أكيدة على وحدة الطبيعة ولزومها للفداء والكفارة والخلاص. لأن الذي صُلب هو رب المجد. طبعًا صُلب بالجسد، ولكن الجسد كان متحدًا باللاهوت في طبيعة واحدة. وهنا الأمر الأساسي اللازم للخلاص.
ويقول القديس بطرس الرسول لليهود: "أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ، وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ" (أع14:3، 15).
وهنا أشار إلى أن المصلوب كان رئيس الحياة، وهذا تعبير إلهي، فلم يفصل الطبيعتين مطلقًا في موضوع الصلب لأهمية وحدتهما من أجل عمل الفداء.
ويقول القديس بولس أيضًا في رسالته إلى العبرانيين: "لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ، أَنْ يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِالآلاَمِ" (عب10:2).
وهنا في مجال آلامه، لم ينس مطلقًا لاهوته، إذ أنه من أجله الكل، وبه الكل. هذا الذي قال عنه في موضع آخر: "الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ" (كو16:1).
والسيد المسيح نفسه حينما ظهر ليوحنا الرائي قال له: "أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا". "وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ" (رؤ17:1، 18). فهذا الذي كان ميتًا هو الأول والآخر، وبيده مفاتيح الهاوية والموت.
وهكذا لم يفصل لاهوته عن ناسوته هنا وهو يتحدث عن موته.
إذًا فالذي مات هو رب المجد، ورئيس الحياة، ورئيس الخلاص، هو أيضًا الأول والآخر.
إنها خطورة كبيرة على خلاصنا أن نفصل ما بين الطبيعتين أثناء الحديث عن موضوع الخلاص. ولعل البعض يقول: ومن هذا الذي فصل؟! أليس مجمع خلقيدونية يقول بطبيعتين متحدتين؟! نعم يقول هذا. ويقول معه طومس لاون أيضًا: إن المسيح اثنان إله وإنسان، الواحد يبهر العجائب، والثاني ملقى للإهانات والآلام!
فإن كان هذا الإنسان وحده هو الملقى للآلام، فأي خلاص إذًا نكون قد أخذناه؟! هنا ونفحص موضوع:
الطبيعة الواحدة والآلام
حقا إن اللاهوت غير قابل للآلام، ولكن الناسوت حينما وقع عليه الألم، كان متحدًا باللاهوت.
فنسب الألم إلى هذه الطبيعة الواحدة غير المحدودة. ولذلك نرى أن قانون الإيمان الذي حدده مجمع نيقية المقدس يقول إن ابن الله الوحيد، نزل من السماء، وتجسد وتأنس وصُلبَ عنا على عهد بيلاطس وتألم وقُبر وقام. فرق كبير بين أن نقول إن الناسوت وحده منفصلاً عن اللاهوت قد تألم، وبين أن نقول إن الابن الوحيد تجسد وصلب وتألم وقبر وقام. هنا فائدة الإيمان بالطبيعة الواحدة التي تعطي الفداء فاعليته غير المحدودة.
فهل تألم اللاهوت إذًا؟
نقول إنه بجوهره غير قابل للألم. ولكن المسيح تألم بالجسد، وصُلب بالجسد. ونقول في قطع الساعة التاسعة: "يا من ذاق الموت بالجسد في وقت الساعة التاسعة".
مات بالجسد، الجسد المتحد باللاهوت. فصار موته يعطي عدم محدودية للكفارة.
وقد قدم لنا الآباء مثالاً جميلاً لهذا الموضوع وهو الحديد المحمّى بالنار.
مثال اللاهوت المتحد بالناسوت: فقالوا إن المطرقة وهي تطرق الحديد إنما تضرب الحديد المحمّى بالنار فتقع على الاثنين. ولكن الحديد يتثنى (يتألم) بينما النار لا يضرها الطرق بشيء. ومع ذلك فهي متحدة بالحديد أثناء طرقه.
وفي صلب المسيح يقدم لنا الكتاب آية جميلة جدًا في حديث القديس بولس الرسول مع أساقفة أفسس حيث قال: "لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع 28:20).
ونُسب الدم هنا إلى الله، بينما الله روح، والدم هو دم ناسوته. ولكن هذا التعبير يدل دلالة عجيبة جدًا على الطبيعة الواحدة للكلمة المتجسد، حتى أن ما يتعلق بالناسوت يمكن أن ينسب في نفس الوقت للاهوت، بلا تفريق إذ لا يوجد انفصال بين الطبيعتين.
إن انفصال الطبيعتين الذي نادى به نسطور لم يستطع أن يقدم حلًا لموضوع الكفارة والفداء. وقد حرصت الكنيسة على تعبير الطبيعة الواحدة من أجل أهميةهذا الموضوع، كما لباقي النتائج أيضًا المترتبة على وحدة الطبيعة.
ونحن في التعبيرات العادية نقول فلان مات، ولا نقول أن جسده فقط قد مات، إن كانت روحه على صورة الله وهبها الله نعمة الخلود... والروح لا تموت.
وإن كان الهدف الأول من التجسد هو الفداء. والفداء لا يمكن أن يتم عن طريق الطبيعة البشرية وحدها، إذًا الإيمان بطبيعة واحدة للكلمة المتجسد أمر جوهري لا يستطيع أحد أن ينكره. ولا يمكن أن يتم الفداء إن قلنا أن الناسوت وحده هو الذي له الآلام والصليب والدم والموت. انظر إلى الكتاب كيف يقول عن الله الآب:
"اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ.." (رو 32:8). وقوله أيضًا: "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ" (يو16:3). ويقول أيضًا: "هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا" (1يو10:4).
إذًا فالذي بذله الآب هو الابن، والابن الوحيد، أي الأقنوم الثاني، الكلمة. ولم يقل بذل ناسوته أو أي شيء من هذا القبيل، مع أنه مات على الصليب بالجسد ولكن هذا دليل كبير على وحدة طبيعة الله الكلمة، وأيضًا أهمية هذه الوحدة من أجل عمل الفداء. ويقول أيضًا في هذا المجال عن الله الآب، "الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ.." (كو13:1-15).
حينما يتحدث عن مغفرة الخطايا بدم المسيح، ينسب هذا إلى الابن الذي هو صورة الله غير المنظور الذي له الملكوت. وهذا دليل آخر على وحدة الطبيعة واهتمام الكتاب بها في موضوع الفداء.
ومثال آخر مشابه، ظهر في حديث المسيح عن الكرامين الأردياء. يقول إن صاحب الكرم أرسل أخيرًا ابنه لهؤلاء الكرامين. "فَلَمَّا رَأَوْا الابْنَ... فَأَخَذُوهُ وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ وَقَتَلُوهُ" (مت37:21-39).
وهنا ينسب الموت إلى الابن، ولم يقل إلى ناسوته. فما أعمق هذا الكلام عن الطبيعة الواحدة. ويعوِزنا الوقت إن تحدثنا عن باقي الأمثلة. نكتفي بهذا الآن. في كل هذه الأمثلة نرى أن الكتاب - وعلى لسان السيد المسيح نفسه - لا يفصل مطلقًا بين طبيعة المسيح ناسوتيًا أو لاهوتيًا، إنما يتكلم عنها كطبيعة واحدة ما يقوله عن ابن الله، هو ما يقوله عن ابن الإنسان.
تعبير ابن الإنسان
استخدام عبارة ابن الإنسان في مناسبات تدل على اللاهوت:
لا شك أن عبارة ابن الإنسان تعبر عن ناسوت المسيح، كما أن عبارة ابن الله تدل على لاهوته. ومع ذلك فإن السيد المسيح استخدم عبارة ابن الإنسان في مواضع كثيرة نذكر منها:
1- شرح أن ابن الإنسان موجود في السماء وعلى الأرض.
وذلك في قوله لنيقوديموس: "لَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو13:3).
فمن هو هذا ابن الإنسان الذي نزل من السماء؟ والذي هو في السماء ويكلم نيقوديموس على الأرض؟ أهو الطبيعة الإلهية أم الطبيعة البشرية؟ لا يمكن أن يكون هو إلا الكلمة المتجسد. فهذه العبارة واضحة جدًا في إثبات الطبيعة الواحدة.
2- وقال: "إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أيضًا" (مت8:12).
فإن كان تعبير ابن الإنسان يعني الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت هو رب السبت أي الله، إذًا فقد اجتمع اللاهوت والناسوت معًا في تعبير واحد. وهذا دليل على وحدة الطبيعة.
3- قال: "أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا" (مت 6:9).
بينما لا يغفر الخطايا إلا الله وحده. فهل الذي قال للمفلوج: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ" هو الناسوت أم اللاهوت؟ أليس حسنًا نقول إنه الكلمة المتجسد.
4- قال إن ابن الإنسان هو الذي سيدين العالم.
فهل الطبيعة البشرية هي التي ستدين العالم أم اللاهوت؟ يقول: "إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت 27:16). نلاحظ هنا أنه يقول ابْنَ الإِنْسَانِ وفي نفس الوقت يقول: "فِي مَجْدِ أَبِيهِ".
أي يجمع بين كونه ابن الإنسان وابن الله في عبارة واحدة، مما يدل على وحدة الطبيعة. ويقول ابن الإنسان مع ملائكته بينما تعبير ملائكته يدل على لاهوته.
وهكذا نرى هنا أن تعبير ابن الإنسان، لا يمكن أن يدل على الطبيعة الإنسانية وحدها ولا على الطبيعة اللاهوتية وحدها.
وإنما على وحدة الطبيعة أي الطبيعة الواحدة التي للكلمة المتجسد.
5- ونفس التعبير نجده في (مت 25: 31- 34) "وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ.. فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ. ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ".
هنا (ابن الإنسان، وأبي) في عبارة واحدة.
أي أن المتكلم هو ابن الإنسان، وهو ابن الله في نفس الوقت. وابن الإنسان هو الذي سيدين العالم، بينما الدينونة هي للابن ابن الله (يو5: 22). وهنا وحدة الطبيعة واضحة.
6- وقال لرئيس الكهنة (في محاكمته) ".. مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ.." (مت 26: 63 - 65). وفي ذلك قال القديس اسطفانوس وقت استشهاده: "هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ" (أع 56:7).
فمن هذا القائم عن يمين الله؟ والجالس عن يمين القوة والآتي على سحاب السماء؟ هل هو الطبيعة البشرية أم الطبيعة اللاهوتية؟
لا نستطيع هنا أن نفصل أو نميز، بل نقول إنها الطبيعة الواحدة طبيعة الكلمة المتجسد.
7- وهو كابن الإنسان يدعو الملائكة "ملائكته"، والمختارين "مختاريه".
إذ يقول: "وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ، فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ.." (مت 30:24-31).
وهنا كابن الإنسان يتصرف كإله ولا نستطيع في هذه العبارة أن نقول هنا الطبيعة البشرية وهنا الطبيعة الإلهية. فالمتكلم هو يسوع ابن مريم، والمتكلم في نفس الوقت هو ابن الله ديّان الأرض كلها، الذي له سلطان على الملائكة يرسلهم. وله سلطان على البشر يجمع مختاريه من أقصاء السماوات إلى أقصائها. إنها طبيعة واحدة لا فصل فيها.
8- قال السيد المسيح أيضًا في حديثه مع تلاميذه:
"فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلاً" (يو6: 62).
المهم هنا في عبارة (حيث كان أولاً). أي أنه كان أولاً في السماء. والمعروف طبعًا أن الذي كان في السماء هو أقنوم الابن. ولكن هنا لوحدة الطبيعة يقول عن ابن الإنسان، ما يقوله عن أقنوم الكلمة، لأنه هو الكلمة المتجسد.
وهذا يطابق أيضًا قوله لنيقوديموس عن ابن الإنسان، إنه هو الذي نزل من السماء (يو13:3)، بينما الذي نزل من السماء هو أقنوم الابن أي اللاهوت.
وبنفس هذا المعنى يقول بولس عن السيد إنه: "الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ" (1كو47:15).
(يمكن الرجوع إلى كتابنا: سنوات مع أسئلة الناس جـ2 لقراءة المزيد عن هذه النقطة الخاصة بابن الإنسان).
* * *
شهادة نصوص كتابية
آيات كثيرة من الكتاب تُثبت الطبيعة الواحدة
1- شهادة من الله الآب نفسه يقول عن يسوع الذي يعمده يوحنا المعمدان: "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (مت3: 17).
وطبعًا لم يقل هذا هو ناسوت ابني، لأن ناسوته غير منفصل عن لاهوته لحظة واحدة ولا طرفة عين. وعبارة (هذا) لا تطلق على اثنين، بل على مفرد. وهنا تطلق على الطبيعة الواحدة التي للكلمة المتجسد.
2- ونفس التعبير قاله القديس يوحنا المعمدان إذ أشار إلى المسيح وقال: "هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي" (يو15:1).
فكيف يكون بعده وقبله؟ إنه بعده في الميلاد الجسدي، وقبله باللاهوت. ولكن المعمدان لا يفصل بين الناسوت واللاهوت، وإنما يقول (هذا) الذي أمامي (الكلمة المتجسد) كان قبلي. واضح هنا وحدة الطبيعة. إن الذي يعمده هو نفسه الذي كان قبله.
3- يقول القديس يوحنا الإنجيلي: "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو18:1).
والابن الوحيد هو الله الكلمة، الأقنوم الثاني، فكيف أنه أعطانا خبرًا عن الآب؟ لا شك حينما تجسد. فهل الذي خبَّر هنا هو الناسوت، إنه يقول عنه: "اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ" بينما خبَّرنا ناسوته. وهذا دليل على وحدة الطبيعة.
4- ونفس الكلام يقوله نفس الرسول في رسالته الأولى: "اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا" (1يو1:1). وإنه يقول عن هذا الذي رأوه ولمسوه إنه الذي كان من البدء أي الله: فكيف رأوا الله ولمسوه، إلا إن كان هو الكلمة المتجسد. لأن الكلام هنا ليس عن الناسوت وحده ولا اللاهوت وحده. لأن الناسوت ما كان أزليًّا منذ البدء، واللاهوت وحده لا يُلمس بالأيدي.
5- وبنفس المعنى نأخذ حديث السيد المسيح مع الرجل الذي وُلد أعمى ومنحه الرب البصر. إنه يسأل مَن هو ابن الله فيقول له الرب: "قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ" (يو9: 37).
وابن الله هو الله الكلمة أي اللاهوت. والذي يتكلم معه هل هو الناسوت؟ لا يمكن أن يكون الناسوت وحده لأنه يقول له إنه هو ابن الله. إذًا فهو الله المتجسد، الذي ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ (1تي 16:3).
6- يقول القديس بولس الرسول عن بني إسرائيل حينما كانوا في برية سيناء: "وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ" (1كو4:10).
والمعروف أن بني إسرائيل هؤلاء، كانوا في برية سيناء قبل ميلاد المسيح بأربعة عشر قرنًا. فكيف يكون معهم يرتوون منه؟ إلا لو كان يتكلم عن الطبيعة اللاهوتية التي هي الله الكلمة. والله الكلمة لم يصرّ اسمه المسيح إلا بتجسده. ولكن نظرًا للطبيعة الواحدة، لم يستطع الرسول أن يفصل. فتكلم عن أزلية المسيح ووجوده قبل مولده.
ويتابع الرسول كلامه بنفس المعنى فيقول: "وَلاَ نُجَرِّبِ الْمَسِيحَ كَمَا جَرَّبَ أيضًا أُنَاسٌ مِنْهُمْ، فَأَهْلَكَتْهُمُ الْحَيَّاتُ" (1كو9:10).
7- من الذي سجد له المجوس (مت 11:2)؟
هل سجدوا للاهوت وحده؟ كلا، إنهم سجدوا لطفل في مزود وقدموا له هدايا. أم تراهم سجدوا للناسوت؟ إن الناسوت لا تقدم له العبادة.
إذًا لا جواب سوى أنهم سجدوا للإله المتجسد، كما سجد المولود أعمى فيما بعد.
وكما سجد الذين كانوا في السفينة لما انتهر الرب الرياح ومشى على الماء لقد سجدوا له ليس مجرد احترام. وإنما "جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللهِ" (مت 14: 33).
8- كذلك نسأل: مَن الذي مشى على الماء وانتهر الريح؟ أهو اللاهوت أم الناسوت؟ لا شك أنه الكلمة المتجسد.
وهكذا باقي المعجزات: مَن الذي كان يصنعها؟ أهو اللاهوت وحده؟
إذًا ما معنى عبارة "فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ" (لو40:4).
وما معنى أن نازفة الدم لمست هدب ثوبه فشفيت (مر5: 29). وفي شفاء المولود أعمى. من الذي "تَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى" (يو6:9)؟ لا شك أن الذي صنع هذه المعجزات كلها وشبيهاتها كثيرات هو السيد المسيح "الكلمة المتجسد" ويقول القديس يوحنا الإنجيلي "وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ" (يو30:20). لاحظ هنا عبارة (يسوع).
نكتفي بهذه الأمثلة الآن، لأننا لو تابعنا ما في الكتاب/ فلن ندخل تحت حصر، لأن لغة الطبيعة الواحدة شاملة فيه.
لذلك ننتقل حاليًا من الحديث عن الطبيعة الواحدة، إلى موضوع يتصل بها وهو المشيئة الواحدة.
المشيئة الواحدة والفعل الواحد
هل السيد المسيح له مشيئتان وفعلان، أي مشيئة إلهية ومشيئة بشرية. وفعلان أي فعل باللاهوت، وفعل بالناسوت. إننا الذين نستخدم تعبير طبيعة واحدة للكلمة المتجسد كما استخدمه من قبل القديس كيرلس الكبير: نؤمن أن له مشيئة واحدة وفعل واحد.
وطبيعي أنه ما دامت الطبيعة واحدة، تكون المشيئة واحدة، وبالتالي يكون الفعل واحدًا. إن ما يختاره اللاهوت، لا شك أنه هو نفسه ما يختاره الناسوت، لأنه لا يوجد تناقض مطلقًا بينهما في المشيئة والعمل.
والسيد المسيح قد قال: "طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ" (يو34:4)
وهذا دليل على أن مشيئته هي مشيئة الآب. وقد قال عن نفسه في ذلك: "لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ" (يو5: 19).
وهو لا يطلب لنفسه مشيئة خاصة غير مشيئة الآب، لذلك يقول: "نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو38:6).
واضح أن الآب والابن في الثالوث القدوس لهما مشيئة واحدة، لأنه قال: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو10: 30).
وما دام هو واحدًا معه في اللاهوت، فبالضرورة يكون واحدًا معه في المشيئة. والابن كان في تجسده على الأرض ينفذ مشيئة الآب السماوي، إذًا لا بد كانت له ولناسوته مشيئة واحدة.
لأنه ما هي الخطيئة سوى أن تتعارض مشيئة الإنسان مع الله.
والسيد المسيح لم تكن فيه خطيئة البتة، حاشا. بل قال لليهود متحديًا: "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟" (يو46:8) وإذًا كانت مشيئته هي مشيئة الآب.
إن البشر القديسين الكاملين في تصرفاتهم، يصلون إلى اتفاق كامل بين مشيئتهم ومشيئة الله: بحيث تكون مشيئتهم هي مشيئة الله، ومشيئة الله هي مشيئتهم.
وكما قال القديس بولس الرسول: "وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ" (1كو16:2).
ولم يقل صارت أفكارنا متمشية مع فكر المسيح، بل لنا فكر المسيح. وهنا الوحدانية.
فإن كان قد قيل هذا مع الذين يعمل الرب معهم وفيهم، فكم بالأكثر تكون الوحدة بين الكلمة وناسوته في المشيئة والفكر والعمل، وهو الذي قد اتحد اللاهوت فيه بالناسوت اتحادًا أقنوميًا جوهريًا ذاتيًا، بغير افتراق، لم ينفصل عنه لحظة واحدة ولا طرفة عين.
إن لم تكن هناك وحدة بين لاهوت المسيح وناسوته في المشيئة، فهل يكون هناك تعارض إذًا أو صراع داخلي، حاشا. وكيف إذًا يكون المسيح قدوة لنا ومثالاً، حتى كما سلك ذاك نسلك نحن أيضًا (1يو6:2).
البر الكامل الذي عاش فيه المسيح القدوس كان مشيئة ناسوته كما هو مشيئة لاهوته.
وكذلك كان خلاص البشر، أي الرسالة التي جاء من أجلها المسيح وقال: "ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (مت11:18). وهذه نفس مشيئة الآب الذي "أَحَبَّنَا وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا" (1يو4: 10). إذًا فالصلب اختاره اللاهوت والناسوت. ولو لم تكن مشيئة واحدة، ما كان يقال إن المسيح مات بإرادته عنا.
وما دامت المشيئة واحدة، لا بد أن يكون الفعل واحدًا: وهنا لا نفرق بين الطبيعتين.
الاتفاقية المشتركة مع الكاثوليك
نؤمن أن ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الكلمة (اللوجوس) المتجسد، هو كامل في لاهوته وكامل في ناسوته. وأنه جعل ناسوته واحدًا مع لاهوته، بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. وأن لاهوته لم ينفصل عن ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين.
وفي نفس الوقت نحرم تعاليم كل من نسطور وأوطاخي.
Agreed Statement on Christology
"We believe that our Lord, God and Saviour Jesus Christ, the Incarnate-Logos is perfect in His Divinity and perfect in His Humanity. He made His Humanity One with His Divinity without Mixture, nor Mingling, nor Confusion. His Divinity was not separated from His humanity even for a moment or twinkling of an eye.
At the same time, we anathematize the Doctrines of both Nestorius and Eutyches."
Signatures
[1] كتاب طبيعة المسيح لقداسة البابا شنوده الثالث
الفصل التاسع خلافات أخرى
خلافات أخرى[1]
عصمة بابا روما
الكاثوليك كان عندهم زمان اعتقاد هو "عصمة البابا". ولكن لأنه لا يوجد أحد معصوم من الخطأ "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" كما ورد في (إش 53: 6)، وكما قال معلمنا يعقوب الرسول: "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ! لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا" (يع3: 1، 2)، ويوحنا الرسول يقول: "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا" (1يو1: 8)، وبولس الرسول يقول: "الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا" (1تي1: 15)، وكما نقول في الجناز: "ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض"... فتدرّجوا من هذه إلى أنهم قالوا: لا نقصد عصمة البابا في حياته الخاصة.. إنما نقصد عصمته في التعليم.
ومن جهة العصمة في التعليم
نحن نعرف أن هناك بطاركة من بطاركة العالم حُكم عليهم بالهرطقة؛ مثل مقدونيوس وكان بطريرك القسطنطينية الذي أنكر لاهوت الروح القدس، ومثل نسطور بطريرك القسطنطينية أيضًا الذي اختلف في طبيعة المسيح وقال إن العذراء أنجبت إنسانًا عاديًا وبعد ولادته صاحبه اللاهوت، أي أن نسطور لا يعترف أن العذراء والدة الإله، (كلمة "ثيؤطوكوس" لا يعترف بها).
هذه دقق عليها القديس كيرلس الكبير، كما دقق عليها أيضًا القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات، والقديس غريغوريوس أسقف نيصص. فتدّرجوا وقالوا: إن البابا معصوم من الخطأ في التعليم الذي يذكره (اكس كاتدرا ex cathedra) أي من فوق منبر الكنيسة، وقالوا إن هذا التعليم الذي يُقال من فوق المنبر، هو التعليم الذي يكون المجمع المقدس بلجان كثيرة فحص هذه الأمور وانتهى إلى وضع، وقدَّمه إلى البابا لكي يُعلنه على الناس... إذًا يوجد تدرج في كلامهم عن عصمة البابا.
لكن الذي نعرفه حتى الآن أنه "يكفي أن بابا روما يُلقي تصريحًا لاهوتيًا.. لكي تجدوا كل الرئاسات الدينية الكاثوليكية تُنادي بهذا التصريح، وأحيانًا يصدروا عليه كُتب"، مثل "خلاص غير المؤمنين"! عندي كتاب أصدره راهب كاثوليكي اسمه "خلاص غير المؤمنين".. ما دام البابا قال أو صرح بذلك!!
فإذًا بعض أمور من عندهم!! عندي مجلة عجيبة لبابا روما الحالي، عندما زار أندونيسيا قدموا له نسخة من القرآن، فانحنى وقبّلها والصورة موجودة معايا، والمجلة التي اشتريتها بالفرنساوي موجودة معي، ممكن أعرضها عليكم في وقت من الأوقات.
حتى في مرة من المرات واحد من الأساقفة الذين انشقوا عليه، وألّف كتابًا ضده... عرض صورة له عندما زار أحد البلاد الآسيوية، وواحدة من السيدات تباركه وتدهنه في رأسه بالزيت!! لكن يوجد تطور كما قلت لكم في عصمة البابا.
الطلاق
الكاثوليك أيضًا يختلفون معنا في مسألة الطلاق، فنحن نقول (بالطلاق لعلة الزنا) كما ورد في الإنجيل ولاختلاف الدين كما ورد في رسائل بولس.. وسأقول لكم الآيات كلها، ولكنهم لا يؤمنون بالطلاق على الإطلاق حتى لو المرأة أو الرجل قاما بالزنا، لا يوجد طلاق!!
الطلاق لعلة الزنا موجود في أربعة مواضع في الأناجيل في (مت 5: 32) في العظة على الجبل. وفي (مت 19: 9) في حديث المسيح مع الكتبة والفريسيين ونفس هذا الحديث في (مر10: 11) وأيضًا في (لو16: 18).
أما من جهة تغيير الدين عندما تكلم بولس الرسول على اختلاف الدين في الزواج في بدء المسيحية في (1كو7: 15) قال: "وَلكِنْ إِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيُفَارِقْ. لَيْسَ الأَخُ أَوِ الأُخْتُ مُسْتَعْبَدًا فِي مِثْلِ هذِهِ الأَحْوَالِ"، فمن أين جاء تغيير الدين؟
كان في بعض الأوقات يوجد اثنين متزوجين من قبل ظهور المسيحية يهودًا أو أُممين، وثم طرف منهم يؤمن بالمسيحية.. فكانوا يقولوا له: يمكنك أن تبقى مع الطرف الآخر غير المؤمن ربما تكسبه، ثم بولس الرسول قال لهم: "لأَنَّهُ كَيْفَ تَعْلَمِينَ أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ، هَلْ تُخَلِّصِينَ الرَّجُلَ؟ أَوْ كَيْفَ تَعْلَمُ أَيُّهَا الرَّجُلُ، هَلْ تُخَلِّصُ الْمَرْأَةَ؟ ... وَلكِنْ إِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيُفَارِقْ. لَيْسَ الأَخُ أَوِ الأُخْتُ مُسْتَعْبَدًا فِي مِثْلِ هذِهِ الأَحْوَالِ" (1كو7).
أما الكاثوليك فعندهم تدقيق شديد جدًا في منع الطلاق حتى للزنا.. وحتى لتغيير الدين. فماذا فعلوا؟!! لجائز الناس ممكن يتركوهم أو يلجأوا إلى بطلان الزواج كبديل.
لعل بعضكم يقول: إننا عملنا قانون موحد للأحوال الشخصية.. قلنا فيه أسباب الطلاق: الزنى، أو تغيير الدين. لكن الكاثوليك قالوا في هذه النقطة: لا يوجد طلاق على الإطلاق. تُحسب كل هذه أسبابًا للانفصال الجسماني separation de Coeur يعني ينفصل الجسد عن الجسد، ويبقى الزواج قائمًا، يعني هي تذهب إلى بيت أبيها وهو يذهب إلى بيت أبيه.. ويظل الزواج زواج (أي على ذمة بعض)!!
[1] جزء من محاضرة لقداسة البابا شنوده الثالث بعنوان "الخلافات بيننا وبين الكاثوليك" بتاريخ 20 نوفمبر1999م.
الخلافات في النواحي الطقسية
الخلافات في النواحي الطقسية
- القداس.
- القربان غير المختمر.
- الصوم.
هناك أيضًا تطور آخر في النواحي الطقسية..
1- القداس
قديمًا كانوا يقدمون القربان بطريقة مثل الفطيرة، شيء دائري يكسر منه ويضع في الفم، والقربان كان غير مختمرًا أي فطير. ثم صدر قرارٌ من الرئاسة الدينية الكاثوليكية: إن الكنائس الكاثوليكية التي توجد في بلاد شرقية تتبع الطقس الشرقي. لذلك صاروا يصنعون قربان مثل قرباننا، ويعملون الطقس مثل طقسنا، وبعد ما كانوا باللغة اللاتينية أصبحوا يقولوا باللغة القبطية والعربية... وعندما تدخل الكنيسة الكاثوليكية تظن إنك في كنيسة أرثوذكسية مثلنا بالظبط، لكن لا أقدر أن أقول بالظبط.. لماذا؟!!
لأنهم في القداس، بيعملوا قداس باسيلي مثل قداسنا.. لكنهم يختلفون في الأمور الآتية:
1- في أوشية الآباء يذكرون آباءهم هم، غير كنائسنا الشرقية تذكر اسم البطريرك وشركاؤه من المطارنة إلى آخره، وهم يذكروا آباءهم.
2- في قانون الإيمان يقولوا: الروح القدس منبثق من الآب والابن.
3- في مجمع القديسين يذكروا القديسين قبل الانشقاق قبل سنة 451م، ولذلك مجمعهم مختصر، ولا يذكروا فيه الكل. وطبعًا عندنا نذكر آباء كثير شرقيين، ولا نذكر أحد من باباوات روما، هم طبعًا مجمع القديسين عندهم مختلف. فإذًا ثلاثة اختلافات أوشية الآباء، قانون الإيمان، مجمع القديسين، باقي القداس مثلنا لكنه قداس مختصر.
2- القربان
حكاية القربان المختمر والفطير كيف نشأت؟ وكيف نصنع نحن قربان مختمر؟
في سفر الخروج الإصحاح 12 بعد الحديث عن خروف الفصح.. ذكر أنهم يأخذوا أسبوع فطير، أي لا يوجد طعام مختمر، ولا يوجد خمير في بيوتهم طول مدة هذا الأسبوع، والذي يوجد خمير في بيته تُقطع تلك النفس من شعبها، لأن الخمير كان يرمز إلى الشر، والفطير يرمز إلى الخير.. ولذلك بولس الرسول في (1كو5: 7، 8) يقول: "لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا. إِذًا لِنُعَيِّدْ، لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ، وَلاَ بِخَمِيرَةِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ، بَلْ بِفَطِيرِ الإِخْلاَصِ وَالْحَقِّ" فكان الخمير يرمز إلى الشر والخبث.. والفطير يرمز إلى الإخلاص...
وبالتالي كيف نحن في قربان الحمل الذي نقدمه يكون مختمرًا .. والحمل يمثل السيد المسيح؟!!
نحن لا نقدم المسيح في الحمل بل المسيح الحامل خطايانا الذي صُلب عنا.. الذي نقول: "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 6)، فالخمير الموجود عندنا في القربان ليس خاصًا بالمسيح إنما خاص بخطايانا نحن، التي حملها المسيح.
فهو لم يكن خاطئًا وإنما كان حامل خطية، فهو قدوس بلا عيب لكن حامل خطية... لذلك نضع الخمير في القربان لأنه يمثل حمل الله الذي حمل خطايا العالم كله. أما الكاثوليك فلا يهمهم خمير أم فطير، ما يهمهم هو أن يضموا مَن يستطيعون ضمّه، كما قلت لكم أنهم قالوا لهم: في البلاد الشرقية اتبعوا طقوس البلاد الشرقية.
2- الصوم
من ضمن الخلافات أيضًا الصوم... كنا زمان نقول إن البروتستانت ألغوا الصوم، وأقصد بذلك أي ألغوا الصوم الجماعي. يعني إذا أراد واحد أن يصوم كفرد يصوم، لكن الجماعة كلها لا تصوم.. إلا إذا فرضوا على أنفسهم صوم في يوم من الأيام.. لكن لا يعتبر فيه أصوام ثابتة لجماعة المؤمنين كلهم. وأيضًا مع الصوم ألغوا الطعام النباتي، أي ممكن إن الواحد يصوم طول النهار لحد المغرب ويفطر على (فروجة على دندي على ديك رومي على أي حاجة).. فيكون لا صيام عام ولا صيام نباتي.
وهكذا صار الكاثوليك أيضًا، أنا أذكر إننا عندما ذهبنا للمحاورات اللاهوتية مع الكنيسة الكاثوليكية في سبتمبر 1971م - قبل البطريركية بشهر ونصف تقريبًا – وكنت أنا وأبونا صليب سوريـال نمثل الكنيسة القبطية، حيث انتدبنا نيافة القائم مقام.. فكانت الكنيسة الكاثوليكية وممثلوها والكنائس الأرثوذكسية الأخرى - وللأسف – لم يكن أحد صائمًا يوم الجمعة غير أبونا صليب سوريـال وأنا فقط.. والباقين كلهم أكلوا اللحمة والبيض والجبنة والقشطة...
يوجد نوعين من الصيام...
+ صوم بيّاض: وبيّاض أي يصوم عن اللحمة، لكن يأكل الجبنة والبيض واللبن والزبدة... وربما الآن الكل لا يصوم!! حتى من جهة الاستعداد للقداس الإلهي تكفي ساعة واحدة قبل القداس، (يعني الشخص يقوم من النوم يغسل وجهه، ويفطر فطار كويس، ولحين ما يرتدي ملابسه، ويركب المواصلات إلى الكنيسة، يكون مرّ نصف ساعة، ونصف ساعة أخرى في القداس، فيكون مرت الساعة، فيتناول ويقول: اللهم إني صائم!)!
على كلٍّ، مسألة القربان والطلاق والصوم هذه مسائل ليست في اللاهوتيات إنما في الروحيات والعقائد.




