موسوعة اللاهوت المقارن الجزء الأول – مقدمات

| الكتاب | موسوعة اللاهوت المقارن الجزء الأول – مقدمات |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | نوفمبر 2018م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 978-977-85440-1-5 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم موسوعة اللاهوت المقارن:
الجزء الأول – مقدمات
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
شكرٌ واجب
شكرٌ واجب
يتشرَّف "مركز معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث" بأن يتقدم بخالص الشكر والعرفان لفريق البحث الذي ساهم في العمل في موسوعة البابا شنوده في اللاهوت المقارن، والذى كان له عظيم الأثر في دفع العمل بالمركز.
نشكر أ.د. وداد عباس على تشجيعها الدائم وعملها الدؤوب في مراجعة أصول العمل، صياغًة، ومراجعة أملائية ونحوية. وأيضًا أ. ممدوح عبده وفريق التحرير والنشر بالمركز.
نشكر الباحث القدير الأستاذ ملاك بُشرى على عمله ليلاً ونهارًا لإعداد الموسوعة بكلِّ أبوابها وفصولها قبل البدء في إصدار الجزء الأول. كما نشكر شباب الباحثين: دكتور بيتر نعيم، الأستاذ بيشوي القمص يوأنس، الأستاذ باسم يعقوب.
كما نشكر كافة خدام المركز الذين تضافرت جهودهم لإخراج هذا العمل مع فريق الخدام المتطوعين بالمركز، وقد لا يتَّسع المجال لذكرِ اسم كلِّ واحدٍ منهم.
كما ندعو الخدام والباحثين من كافة الكنائس بكل الإبروشيات للمشاركة معنا في استكمال إصدار باقي موسوعات البابا شنوده الثالث؛ الثماني عشر.
لا ننسى الفضل الأول والأكبر لأبينا صاحب القداسة والغبطة البابا الأنبا تواضروس الثاني لتعضيده المركز ومتابعة كل إنتاجه، أدام الله رئاسته للكنيسة سنين كثيرة وأزمنة سالمة، بشفاعة كلية الطهر والدة الله القديسة العذراء مريم.
القمص بطرس بطرس جيد
مقدمة عامة لموسوعة اللاهوت المقارن
مقدمة عامة لموسوعة اللاهوت المقارن
تمهيد
تقوم فكرة موسوعة اللاهوت المقارن لقداسة البابا شنوده الثالث على تجميع تراث قداسته من كتابات وتعاليم لاهوتية في هذا المجال (اللاهوت المقارن) وإخراجها في صورة منظَّمة تغطي جوانب هذا الفرع من علم اللاهوت، بحيث يكون لدى القارئ مرجعٌ شامل يغطي هذا المجال.
إن كتابات وتعاليم قداسة البابا شنوده الثالث في هذا المجال كثيرة جدًا ومتنوعة، على مدار سني حياة قداسته ومراحلها (الخادم نظير جيد، الراهب أنطونيوس السرياني، الأنبا شنوده أسقف التعليم، وقداسة البابا شنوده الثالث) وهذه الكتابات والتعاليم جاءت في صورة:
1) عظات ومحاضرات صوتية، منها المحاضرات والعظات الأسبوعية، والمحاضرات المتخصِّصة لطلبة الكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية ومعهد الرعاية والتربية.
2) كتابات ومقالات دورية في الصحف والمجلات، مثال ذلك (مجلة الحق، مجلة مدارس الأحد، مجلة الكرازة، جريدة وطني، وصحف ومجلات أخرى).
3) محاضرات لاهوتية في مؤتمرات مثل: مؤتمر الخدام الأول بالإسكندرية في أغسطس 1974م؛ مؤتمر الخدام الثاني في يونية 1975م؛ مؤتمر الخدام في أغسطس 1976م، والذي تكلَّم فيه قداسته في موضوعات لاهوتية عن الروح القدس، وعن التكلُّم بألسنة. وأجاب قداسته على العديد من الأسئلة التي تشغل فكر الكثيرين من الخدام.
4) كُتب كتبها قداسته في هذا المجال، وهي كثيرة جدًا، على سبيل المثال وليس الحصر: الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي، بدعة الخلاص في لحظة، لاهوت المسيح، لماذا نرفض المطهر؟، شهود يهوه وهرطقاتهم، السبتيون الأدفنتست، خرافة إنجيل برنابا، وبِدع حديثة.
5) لقاءات وحوارات لاهوتية.
6) ردود على الأسئلة المثارة عن هذا الأمر.
وسوف تصدر موسوعة اللاهوت المقارن في عدة كتب تحتوي على الأقسام التالية:
1) مقدِّمات في اللاهوت المقارن وتشمل:
1- التعليم في الكنيسة المقدسة: (يشرح ما هو التعليم الكنسي السليم، ومصادر التعليم في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والتعليم الصحيح المسلَّم من الآباء، وضرورة أن يكون التعليم موافقًا للكتاب المقدس وتعاليم الآباء، والحذر من التفسير الخاطئ للكتاب المقدس، وكيف يكون التعليم نقيًا.... إلخ).
2- البدعة والهرطقة: (ويوضح فيه مفهوم البدعة والهرطقة، ومن أين أتت البدع والهرطقات؟، ويشرح أسباب سقوط العظماء من المعلِّمين في البدع والهرطقات، وخطورة ذلك الأمر، ودور الكنيسة في مواجهة ذلك).
2) لاهوت مقارن قديم ويشمل:
1- الرد على الآريوسيين: يشرح فيه قداسته الآيات التي أساء الأريوسيون فهمها، ويفنِّدها ويقوم بالرد عليهم. وهي عبارة عن محاضرات كثيرة على مدار سنوات متفرِّقة (1992، 1994، 1995، 2007، 2008م)، هذا إلى جانب المقالات المتعدِّدة التي نُشرت في مجلة الكرازة. وفي كل هذا يرجع قداسته إلى الكتاب المقدس والآباء الذين قاموا بالرد على المفهوم الخاطيء للأريوسيين، ويورد قداسته المراجع الخاصة بالآباء بطريقة محدَّدة للرجوع إليها والاستزادة من تلك الكتابات التي هي مرجع آبائي أصيل.
2- البيلاجية: يورد قداسته تعليم هذه الهرطقة، ويقوم بتفنيدها والرد عليها من خلال الكتاب المقدس، والآباء الذين تعرضوا لهذا الأمر.
3) بدع وهرطقات قديمة: مثل التهوُّد والغنوسية والمانية .... إلخ، وأيضًا يفنِّد قداسته تلك التعاليم الغريبة مستندًا في شروحاته على الكتاب المقدس والآباء. وستجد الكثير من الاقتباسات الآبائية والشواهد الكتابية في كل مقالٍ أو محاضرة.
4) لاهوت مقارن حديث ويشمل:
1- الكاثوليك: ويتناول في هذا الجزء بعض الاختلافات بيننا وبين إخوتنا الكاثوليك. وفي تلك المحاضرات والمقالات يوضِّح قداسته نقاط الاتفاق بيننا وبين إخوتنا الكاثوليك، ثم يورد معتقدات إخوتنا الكاثوليك التي نختلف معهم بشأنها، ثم يقدِّم قداسته الرد على هذه الاختلافات من خلال الكتاب المقدس والمجامع، ويورد قداسته عقيدتنا الأرثوذكسية في تلك الاختلافات ويثبت مدى مطابقتها للكتاب المقدس.
ومن هذه الاختلافات على سبيل المثال:
بِدء نشأة الكنيسة الكاثوليكية في الشرق، نشأة الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية في مصر، الحبل بلا دنس، انبثاق الروح القدس، الطبيعة الواحدة للسيد المسيح، المطهر، الغفرانات وزوائد القديسين، خلاص غير المؤمنين، رئاسة بطرس وعصمة بابا روما، بعض الاختلافات في الأسرار والصوم.
2- البروتستانت: يتناول في هذا الجزء نشأة الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية في مصر، مجمل الخلافات التي بيننا وبين إخوتنا البروتستانت، فيعرض قداسته اعتقادات إخوتنا البروتستانت، ثم يقدِّم الرد على تلك الاختلافات من خلال الكتاب المقدس، ثم يورد معتقد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ومدى توافق تلك العقائد مع الكتاب المقدس.
ومن هذه الاختلافات على سبيل المثال:
الاختلافات العقائدية مع البروتستانت: (المعمودية، الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي، بدعة الخلاص في لحظة، مركز الإيمان والأعمال في خلاص النفس البشرية، الإيمان والأعمال والتقليد، الخلاص بالأسرار).
الأجبية: صلاة الأجبية والرد علىى الشكوك.
العذراء: (دوام بتولية السيدة العذراء، إكرام العذراء وموقف البروتستانت، السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة).
المواهب: (المواهب الروحية، المواهب والتكلُّم بألسنة، الحركة الخمسينية).
التوبة والخلاص: (التوبة من جهة الخلافات العقائدية، التوبة وعلاقتها بالخلاص والفروق بين مفهوم التوبة، التوبة في المفوم الأرثوذكسي).
الكهنوت: (الكهنوت والاعتراضات عليه، عن الإكليروس، الكهنوت البشري، السيادة والسجود والأبوة في الكهنوت).
التقليد: (التقليد والتسليم الرسولي، التقليد والكتاب المقدس).
الشفاعة والقديسين: (الشفاعة كخلاف مع البروتستانت، أعياد القديسين، تسمية الكنيسة بأسماء العذراء والملائكة والقديسين).
الاختيار: (الاختيار في الفكر البروتستانتي، الاختيار في رومية 9، تقسية قلب الله، اختيار الله لأشخاص معينين أو رفضه لأشخاص معينين، الاختيار والرفض).
النعمة والجهاد والإيمان: عمل النعمة في الإنسان، الأعمال والجهاد، الأعمال ومركزها في موضوع الخلاص.
التبرير والتقديس: (التبرير والتقديس، التبرير والخلاص، التجديد).
اختلافات أخرى: (رشم علامة الصليب والاتجاه إلى الشرق، الاعتراف والتناول، الكنيسة، البخور، الأيقونات في الكنيسة، الصوم بيننا وبين البروتستانت، المُلك الألفي).
3- كنائس ومذاهب أخرى: مثل الكنيسة الأرمنية والكنيسة السريانية، وبعض الكنائس الأخرى الخلقدونية، وطوائف أخرى، البلاميس... إلخ.
5) بدع وهرطقات حديثة:
شهود يهوه، السبتيين الأدفنتست، كهنوت المرأة، وراثة الخطية الجدية، إنكار العقوبة، خلافات حول الفداء، النقد الكتابي، ومشاكل موجَّهة للكتاب المقدس ... إلخ.
6) قضايا لاهوتية والرد على أفكار كتب:
قام قداسة البابا شنوده الثالث، بالرد على أي أفكار جاءت في كتب وتم نشرها، حيث قام قداسته برصد تلك التعاليم المخالفة لعقيدتنا، وقد فنَّد قداسته كل تلك التعاليم وأثبت عدم صحتها، ثم أورد التعليم الصحيح من خلال الكتاب المقدس وكتابات الآباء الأولين وقوانين المجامع المقدس. وفي كل ذلك كان قداسته لا يترك شاردة أو واردة من تلك التعاليم دون أن يقوم بالرد عليها.
وهو كما يقول إنه كبابا للكنيسة دوره الدفاع عن الإيمان وتقديم تعليم الكنيسة، ذلك التعليم الصحيح والسليم الذي أؤتمن عليه. كما كان قداسته يؤكد دائمًا القول:
(أننا نحارب فكرًا وليس شخصًا). وفي كل هذا يزن هذا التعليم الذي يقدِّمه على أساس موافقته للكتاب المقدس وتعاليم الآباء والمجامع المقدسة.
7) أسئلة في اللاهوت المقارن:
كثير من الأسئلة كانت تُعرض على قداسة البابا، وذلك منذ أن كان خادمًا حتى نياحته، فنجد أنه وهو الخادم نظير جيد يقوم بالرد على شهود يهوه. ومنذ أن سيم أسقفًا للتعليم حتى نياحته لم تخلُ محاضرة أو عظة من الأسئلة التي تُعرض عليه، وقد قام قداسته بكتابة عدة كتب تحت عنوان (سنوات مع أسئلة الناس). وقد قام "مركز معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تراث قداسة البابا شنوده الثالث" بتجميع تلك الأسئلة على مدار حياته وهي بالآلاف، وقام المركز بتصنيفها. وهناك مئات الأسئلة في مجال اللاهوت المقارن أجاب قداسته عليها.
8) الحوارات اللاهوتية والقرارات المجمعية:
وهي تشمل تلك اللقاءات والحوارات مع الكنائس المختلفة (الكاثوليك والبروتستانت وكنائس أخرى)، وذلك بشأن مناقشة القضايا اللاهوتية محل الخلاف بيننا وبين الكنائس الأخرى، وقام قداسته بإصدار عدة قرارات مجمعية تختص بتلك الأمور بيننا وبين الكنائس الأخرى في مجال اللاهوت المقارن.
9) الوحدة في المفهوم الأرثوذكسي:
بعد أن شرح قداسته الخلافات بيننا وبين الكنائس الأخرى، وأوضح عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية، شرح قداسته وعلَّم بضرورة الوحدة بين الكنائس، ولكنها الوحدة بالمفهوم الأرثوذكسي. فيشرح قداسته في هذا الجزء أن الوحدة أمرٌ كتابي نحن ملتزمون به، وأن السيد المسيح هو من علَّمنا وأكَّد على ضرورة الوحدة. كما أوضح قداسته متى تكون الوحدة، وكيف تكون، وشرح أيضًا سعي الكنيسة القبطية في سبيل ذلك. وكل هذا موثَّق بكتابات وتعاليم قداسته في هذا المجال.
الباب الأول التعليم في الكنيسة المقدسة
مركز الكرازة والتعليم والوعظ في الكنيسة المقدسة[1]
الرب إلهنا الذي تأسَّف قائلاً: "قد هلك شعبي من عدم المعرفة" (هو 4: 6)، قد جعل التعليم أساسًا هامًا لنشر ملكوته على الأرض.
تولَّى عمل التعليم بنفسه، ولقَّبوه بالمعلِّم، وأرسل أنبياءه ورسله ليكونوا معلِّمين. وبهذا صار التعليم هو العمل الرئيسي لخلفاء الرسل من الأساقفة ومن يعاونونهم من رجال الإكليروس. كما صار التعليم جزءًا هامًا من طقس الكنيسة وصلواتها.
الكرازة والتعليم هما عمل الرب نفسه
المسيح إلهنا "المذَّخرُ فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (كو 2: 3)، جال في العالم معلِّمًا. فبعد القبض على يوحنا "ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا لأنَّه قد اقترب ملكوت السموات" (مت 4: 17). ويقول عنه متى الرسول: "كان يسوع يطوف المدن كلها والقرى: يعلِّم في مجامعها، ويكرِز ببشارة الملكوت، ويشفي كلَّ مرضٍ وكلَّ ضعفٍ في الشعب" (مت 9: 35).
"ولما أكمل يسوع أمره لتلاميذه الاثني عشر، انصرف من هناك ليعلِّم ويكرِز في مدنِهم" (مت 11: 1). ولما فتَّشت عنه الجموع "قال لهم: إنَّه ينبغى لي أن أبشِّر المدنَ الأُخَر أيضًا بملكوت الله، لأنَّي لهذا قد أُرسلت.." (لو 4: 43). وقال أنَّه انطبق عليه قول الكتاب "روحُ الربُّ عليَّ، لأَّنه مسحني لأبشِّر المساكين.. وأكرِز بسنةِ الرب المقبولة" (لو 4: 18).
الرب من فرط اهتمامه بالتعليم، دُعى "المعلِّم"..
كان الجميع يدعونه "المعلِّم". في حادثة المرأة الخاطئة قال له الكتبة والفريسيون: "يا معلِّم، هذه المرأة أُمسِكت وهي تزني" (يو 8: 4). وفي أول حديث له مع تلميذي يوحنا، قالا له: "ربِّي، الذي تفسيرُه: يا معلم. أين تمكث" (يو 1: 38). وهكذا نادته المجدلية "ربُّوني، الذي تفسيره يا معلِّم" (يو 20: 16). وفي أول مقابلة له مع نثنائيل: "قال له يا معلِّم، أنت ابن الله" (يو 1: 49). والتلاميذ عمومًا كانوا ينادونه هكذا. فعندما رأوا المولود أعمى قالوا للرب: "يا معلِّم، من أخطأ: هذا أم أبواه..؟" (يو 9: 2).
والرب وافق على هذا اللقب، ودعا نفسه به.
ومن أمثلة هذا، أنَّه لمَّا حلَّ الفِصح، قال لتلاميذه: "اذهبوا إلى المدينة، إلى فُلان، وقولوا له: المعلِّم يقول: إن وقتي قريب" (مت 26: 18). وفي صراحة قال أيضًا للتلاميذ بعد غسله لأرجلهم "أنتم تدعونني معلِّما وسيدًا، وحسنًا تقولون، لأنِّي أنا كذلك" (يو 13: 13).
لذلك كان المؤمنون يُدعوْنَ تلاميذ. ولما رأي اليهود أنَّ المولود أعمى قد آمن بالمسيح شتموه، قائلين: "أنت تلميذُ ذاك، وأمَّا نحنُ فإنَّنا تلاميذ موسى" (يو 9: 28). إنَّ الحياة المسيحية هي تلمذة للرب. والرب هو المعلِّم.
وكان السيد المسيح كمعلِّم، ينسِب تعليمه للآب ذاته
يقول علانية: "تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني" (يو 7: 16). وفي صلاته الوداعية يقول للآب: "الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم" (يو 17: 8).
الكرازة والتعليم هما عمل الرسل القديسين
ماذا كان عمل الأنبياء القديسين سوى التعليم؟ هكذا كان عمل نوح وموسى وإيليا ودانيال وإرميا، وسائر الأنبياء: يحملون كلمة الله للناس، ويعلِّمونهم طرقه.. وكُتب الأنبياء كلُّها كما يقول الرسول: "لأنَّ كلَّ ما سبق فكُتِب كُتِب لأجل تعليمنا" (رو 15: 4).
هكذا كان أيضًا عمل يوحنا المعمدان، كان صوتًا يصرخ في البرِّية: "أعدّوا طريقَ الرب، اصنعوا سبله مستقيمة" (مر 1: 3). وقد أورد لوقا البشير قبسًا من عظاته، ختمها بقوله: "وبأشياء أُخَر كثيرة كان يعظ الشعب ويبشِّرهم" (لو3: 18).
وهذا أيضًا أيَّده متى الإنجيلي بقوله: "وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرِز في بريَّة اليهود قائلاً: توبوا، لأنَّه قد اقترب ملكوت السموات" (مت3: 1).
إن الكرازة والتعليم هما العمل الذي أوصى به الرب رسله وتلاميذه
إن الاثنى عشر "أرسلهم ليكرزوا بملكوت الله" (لو 9: 2)، وهكذا السبعين (لو 10: 9). "فلما خرجوا كانوا يجتازون في كل قرية ويبشرون ويشفون في كل موضع" (لو 9: 6). وهذا هو ما تذكره بطرس الرسول عندما قال: "وأوصانا أن نكرز للشعب ونشهد" (أع 10: 42).
وكما أوصاهم الرب بهذا أثناء تدريبه لهم، هكذا أيضًا أمرهم بهذا قبل صعوده، قائلاً: "اذهبوا وتلمِذوا جميع الأمم وعمِّدوهم.. وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (مت 28: 19، 20). وقال لهم: "اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" (مر 16: 15). ويستطرد معلِّمنا مرقس قائلاً: "وأما هم فخرجوا، وكرزوا في كل مكان، والرب يعمل معهم، ويثبِّت الكلام بالآيات التابعة" (مر 16: 20).
وكما حدث مع الاثنيّ عشر، حدث مع بولس أيضًا أنَّه يقول صراحة: "لأن المسيح لم يرسلني لأعمِّد، بل لأبشِّر" (1كو 1: 17). لذلك يقول: "فويل لي إن كنت لا أبشِّر" (1كو 9: 16).
ويتذكَّر هذه المسئولية في رسائله فيقول: "الكرازة التي أؤتمِنت أنا عليها، بحسب أمر مخلِّصنا الله" (تي 1: 3). كما يقول أيضًا: "إذًا نسعى كسفراءَ عن المسيح، كأنَّ الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله" (2كو 5: 20).
وهكذا نفَّذ الرسل الأمر، وعاشوا للكرازة والوعظ والتعليم
"كانوا لا يزالون كلَّ يومٍ في الهيكل وفي البيوت معلِّمين ومبشِّرين بيسوع المسيح" (أع 5: 42). "وكانوا يتكلَّمون بكلامِ الله بمجاهرةِ" (أع 4: 31). منذ يوم الخمسين بدأوا بالتعليم، فيقول الكتاب عن بطرس: "وبأقوالٍ أخَر كثيرة كان يشهد لهم ويعظهم" (أع 2: 40). وعند سيامة الشمامسة السبعة، تذكر الرسل عملهم فقالوا: "وأما نحن فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة" (أع 6: 4).
وهكذا قال عنهم لوقا الإنجيلي: "كانوا منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة" (لو 1: 2) وقال أن الشعب "كان يواظبون على تعليم الرسل" (أع 2: 42).
من أجل هذا نقرأ تلك العبارة عن الكنيسة: "وكانت كلمة الله تنمو، وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا" (أع 6: 7)، حتى تضجَّر اليهود ورؤساؤهم من تعليم الرسل للشعب (أع 4: 2) ولأنَّهم ملأوا المدينة بتعليمهم (أع 5: 28).
بكلِّ مثابرة وقوة كان الرسل يعظون ويخدمون الكلمة. "كنا نعظ كل واحد منكم كالأب لأولاده، ونشجِّعكم ونشهد لكم لكي تسلكوا كما يحق لله.." (1 تس 2: 11، 12). ونقرأ كيف أن بولس الرسول كان يتكلَّم فيطيل الكلام إلى نصف الليل (أع 20: 7)، وبطرس ويوحنا يصرخان: "نحن لا يمكننا أن لا نتكلَّم بما رأينا وسمعنا" (أع 4: 20).
والرب نفسه يأمر بولس بهذا "لا تخف، بل تكلَّم ولا تسكت، لأنِّي أنا معك" (أع 18: 9). ونفَّذ بولس هذا، وظلَّ يكرِز بملكوت الله ويعلِّم "بكل مجاهرة، بلا مانع" (أع 28: 31)، كما فعل في تأسيسه لكنيسة روما. ويعوزنًا الوقت إن تكلَّمنا عن برنابا (ابن الوعظ) وسيلا وغيرهما..
الرسائل كانت للوعظ والتعليم، يقول يهوذا الرسول (يه 3): "أكتُب إليكم واعظًا أن تجتهدوا لأجل الإيمان المسلَّم مَرَّة للقديسين". ويقول بطرس الرسول: "كتبت إليكم بكلمات قليلة واعظًا وشاهدًا" (1بط 5: 12).
الكرازة والتعليم هما عمل الآباء الأساقفة
إن بولس يرسل إلى تلميذه تيموثاوس الأسقف، يقول له: "أعكُف على القراءة والوعظ والتعليم" (1تي 4: 13)، وأيضًا: "لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك، لأنك إذا فعلت هذا، تخلِّص نفسك والذين يسمعونك أيضًا" (1تي 4: 16).
"اكرِز بالكلمة. أعكُف على ذلك في وقتٍ مناسب وغير مناسب. وبِّخ، انتهِر، عِظ بكلِّ أناة وتعليم" (2تي 4: 2).
"اعمل عمل المبشر. تمِّم خدمتك" (2تي 4: 5). "علِّم وعِظ بهذا" (1تي 6: 2). ويرسل إلى تلميذه تيطس الأسقف قائلاً: "تكلَّم بهذه، وعِظ" (تي 2: 15).
"وأما أنت فتكلَّم بما يليق بالتعليم الصحيح.. مقدِّمًا في التعليم نقاوةً، ووقارًا، وإخلاصًا، وكلامًا صحيحًا غير ملوم" (تي 2: 1، 7، 8).
لهذا كله يقول بولس الرسول عن الأسقف في (1تي 3: 2) أن يكون "صالحًا للتعليم".
ويقول في رسالته إلى تيطس (1: 7، 9): "يجب أن يكون الأسقف.. ملازمًا للكلمة الصادقة التي بحسب التعليم، لكي يكون قادرًا أن يعظ بالتعليم الصحيح ويوبِّخ المناقضين".
وقد أسهب الباب الثالث من الدسقولية في هذا الموضوع، وورد فيه: "يجب أن يكون الأسقف مملوءًا من كلِّ تعليم، أديبًا، درب اللِسان. ويكون حي القلب في التعليم، يعلِّم في كلِّ وقت. ويتلو ويدرِس في كتب الرب ويتأمَّل الفصول، لكي يفسِّر الكتب بتأمُّل.. ليوصِ الأسقف العلمانيين بثبات، ويعِظهم".
وتتدرَّج الوصية إلى الأمر، فتقول الدسقولية: "اهتم بالكلام يا أسقف.. اشبِع شعبك واروِه من نور الناموس، فيغنَى بكثرةِ تعاليمك". وتشرح الدسقولية دينونة الأسقف في إهمال التعليم فتقول: "إذا لم توصوا أيها الأساقفة الشعب، وتشهدوا لهم بالتعليم، فخطية الذين لا يعرفون عليكم" (انظر أيضًا حز 33: 2- 9).
ما أصعب وأخطر القوانين التي وضعها الآباء الرسل على الأسقف الذي لا يهتم بالتعليم. قلمي يرتعش من كتابتها. سأتركها إلى حين.. آباؤنا الأساقفة القديسون كانوا وعَّاظًا ومعلِّمين..
ما أجمل تاريخ آبائنا الأساقفة القديسين في الاهتمام بالتعليم.
أثناسيوس الرسولي كان يجول من مكانٍ إلى آخر معلِّمًا، ومثبِّتًا الناس في الإيمان السليم، ومحارِبًا خطر الآريوسية. وهكذا كان القديس كيرلس عمود الدين في دقةِ تعليمه ومحاربته للنسطورية.
ومثلهما في فهم الإيمان والدفاع عنه معلمنا ديسقورس (البابا 25) الذي قاوم مجمع خلقدونية، والقديس ساويرس بطريرك أنطاكية الذي جال 28 سنة في المدن والقرى يثبِّت قواعد الإيمان ويرُد على أسئلة السائلين..
هل أتكلَّم أيضًا عن القديس يوحنا بطريرك القسطنطينية الذي من جمال عِظاته لقَّبوه "ذهبي الفم"؟ أم أتكلَّم عن القديس غريغوريوس أسقف نزينزا الذي من قوةِ حُجته لقَّبوه "الثيؤلوغوس" أي الناطق بالإلهيات؟ أم أتكلَّم عن عظات أغسطينوس أسقف هيبو ومقالاته ورسائله؟ أم عن القديس إيلاري أسقف بواتييه الذي من قوَّته في اللاهوتيات لقَّبوه "أثناسيوس الغرب"؟
أم أتكلَّم عن باسيليوس الكبير، أم عن كيرلس أسقف أورشليم. أم غريغوريوس أسقف نيصص، أم كبريانوس أسقف قرطاجِنه، أم أمبروسيوس أسقف ميلان! كلُّ واحدٍ من هؤلاء، كان - حسب تعبير بولس الرسول - مفصِّلاً كلمة الحق بالاستقامة..
هؤلاء الأساقفة وأمثالهم، كانوا معلِّمي المسكونة، وأبطال الإيمان. وما تزال عظاتُهم وتعاليمهم ورسائلهم مراجع لنا في الإيمان..
إذًا يجب أن يكون الأسقف صالحًا للتعليم، لأنَّه أيضًا - كعضو في المجمع المقدس- مؤتمَن على التشريع والتقنين ومحاربة البِدع وشرح الإيمان.
الكرازة والتعليم هما عمل الآباء الكهنة
القسوس تسميهم مقدمة الدسقولية "معلِّمين". ومن فم الكاهن تُطلب الشريعة كما يقول الكتاب. فإلى جوار خدمة الكهنوت لهم أيضًا خدمة التعليم. وفي هذا يقول بولس الرسول: "وأما الشيوخ (القسوس) المدبِّرون حسنًا فليُحسبوا أهلاً لكرامة مضاعفة، ولاسيَّما الذين يتعبون في الكلمة والتعليم" (1تي 5: 17).
وفي طقس الرسامة يصلِّي الأسقف لأجل الكاهن الجديد قائلاً للرب: "اِمنحه روح حكمتك، ليمتلئ من أعمال الشفاء وكلام التعليم، ليعلِّم شعبَك بوداعة". وفي الوصية التي يقرأها عليه الأسقف، يقول له: "زِد واستضئ بالمطالعة مواظبًا على القراءة والتعليم بمعاني كتب البيعة..".
ولنا مثالٌ في الكهنة الوعَّاظ المشهورين: القديس يوحنا ذهبي الفم عندما كان قِسًا لأنطاكية. وفي جيلنا الحديث نبغ القمص فيلوثيئوس والقس مِنَسَّى يوحنا وغيرهما..
الكرازة والتعليم هما من عمل الشمامسة
إنْ كان من خدمة الشمامسة العناية بالفقراء ومعاونة الكاهن في خدمة المذبح، فالتعليم أيضًا من أهم أعمالهم. إنَّ إسطفانوس العظيم رئيس الشمامسة كان يعلِّم. ووقف أمام ثلاثة مجامع: "ولم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلَّم به" (أع 6: 10). وفيلبُّس الشماس كرز في السامرة (أع 8: 5)، كما بشَّر الخصي الحبشي (أع 8: 35). والشماس أثناسيوس - في مجمع نيقية - يعطينا فكرة جميلة قوية عن عمل الشماس في التعليم. وفي جيلنا الحاضر يعوزنا الوقت إن تحدَّثنا عن حبيب جرجس وإسكندر حنا وعملهما في التعليم..
الكرازة والتعليم هما عمل الأناغنوستيس
الأناغنوستيس (الأُغنُسطُس) هو القارئ. وطقسه في الكنيسة أن يقرأ الكتب المقدسة، ويعرف تفسيرها ويفسِّرها للناس.
أما عن فهمه لما يقرأه فواضح من قول القانون الكنسي: "الذي يملأ أسماع الناس بالكلام، ألاَّ يفهم معنى ما يقول؟!". وأيضًا من تذكيره في السيامة بعبارة "فليفهم القارئ".
وطقس سيامته يحمل معنى عمله في الوعظ والتعليم. فالأسقف يصلِّي عنه قائلًا للرب: "أظهِر وجهك على عبدك (فلان) القائم أمامك، الذي قدَّموه ليُنذِر بأقوالك المقدسة، ويكرِز بأوامرك لشعبك، ويعلِّمهم كلامك الطاهر الذي من جهته خلاص نفوسهم ونجاتهم".
كما يقول له في الوصية بعد سيامته: "يجب عليك أن تتعلَّم واحدًا فواحدًا من فصول الكُتب المقدَّسة، أنفاس الله التي أؤتمِنت عليها، كي تعظ بها الشعب".
وبعد...
ليتنا نهتم بالتعليم والوعظ والكرازة، فالناس "كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا كارِز؟" (رو 10: 14).
فلنعلِّم في كلِّ حين، ولنشجِّع المعلِّمين والوعَّاظ، ونُفسِح لهم المجال، ونقدِّم لهم الإمكانيات..
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ نوفمبر 1965م
الكاهن والتعليم
الكاهن والتعليم[1]
أهمية التعليم
السيد المسيح لُقِّب بالمعلِّم الصالح فهو (معلِّم). وقد قال الرب: "هلك شعبي من عدم المعرفة"، فالتعليم يُكوِّن روحيات الإنسان، يُكوِّن عقيدته. وقد قُدِّم لنا الكتاب المقدس من أجل تعليمنا. والرسول بولس قال لتيموثاوس: "وأنت منذ الطفولية تعرِف الكتب المقدَّسة القادرة على التعليم والتهذيب والتوبيخ".
وتظهر أهمية التعليم في توزيع قراءات الكتاب المقدس على أسابيع السنة، حتى في العهد القديم كان لموسى (أسفار موسى) شخصٌ يقرأه كلَّ سبت. كان عمل الرسل هو التعليم وخدمة الكلمة، وقالوا في اختيار الشمامسة السبعة "وأمَّا نحن فنعكُف على الصلاة وخدمة الكلمة".
وكان التعليم هو وظيفة الرسل والأنبياء، وحينما أرسل المسيح التلاميذ قال لهم: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به". هنا الرب كلَّفهم بالتعليم.
ويقول بولس الرسول لتلميذه تيطس: "اهتم بما يليق بالتعليم الصحيح"، ويقول لتلميذه تيموثاوس: "لاحظ نفسك والتعليم، وداوم على ذلك. فإنك إن فعلت هذا تخلِّص نفسَك والذين يسمعونك أيضًا". وكأنَّه ربط التعليم بالخلاص.
ترك كثيرٌ من الآباء عظاتً صارت كتبًا للتعليم، مثل ذهبي الفم وأغسطينوس وساويروس الأنطاكي.
أيضًا بالتعليم ممكن أن ينُقَذ الإنسان من التعاليم الغريبة من الطوائف المتعدِّدة. ومن أهمية التعليم أن الكتاب يقول من فم الكاهن تُطلَب الشريعة (ملا 2: 7)؛ فما دام من فم الكاهن تُطلَب الشريعة، إذًا لابد أن يكون صالحًا للتعليم.
وحتى من صفات الأسقف كما جاء في الكتاب المقدَّس أنه ينبغي أن يكون "صالحًا للتعليم" (1تي 3: 2)، وهذا ما ورد أيضًا في الديسقولية وفي قوانين الكنيسة مسبوقًا بلفظ "لا بد".
وأيضا يقول الكتاب: "مستعدِّين دائمًا لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم" (1بط 3: 15).
فإذا كان الشخصُ العادي مستعدًا أن يجيب، فكم بالأولَى الكاهن! الكاهن أيضًا مستوى أعلى من الشعب، فإن كان أفرادُ الشعب على مستوى من المعرفة، على الأقل الخُدَّام مدرِّسي مدارس الأحد، فكم بالأولّى الكاهن.
كذلك الكاهن مُعرَّض أن يُسأل أي سؤال في أيِّ وقت، فإذا لم يستطع أن يجيب فإنَّه بهذا ليس فقط يعطي فكرة سيئة عن نفسه، إنَّما ربما يُعثِر الناس دينيًا.. فيقول شخص: إذا كنت ذهبت لأبونا ولا يعرف، فكم يكون الأمر!؟ "فإن كان النور الذي فيك ظلامًا فالظلامُ كم يكون!".
المفروض في الكاهن أن يكون واسع العلم، ليس فقط في الأمور الدينية، إنَّما في معارف متعدِّدة وخصوصًا كأب اعتراف، تُعرض عليه مشاكل كثيرة، وينبغي أن يعطي ردًا للذي يعترف عليه.
الدسقولية والتعليم
الدسقولية تقول: "أنَّ الأسقف راعٍ والكاهن معلِّم، والخادم شمَّاس"، بمعنى أن المفروض أن يكون الكاهن معلِّم. والتاريخ الكنسي يعطينا فكرة هامة عن القسوس المعلِّمين. لعلَّ من أشهر هؤلاء القسوس المعلِّمين القديس يوحنا ذهبي الفم حينما كان كاهنًا في أنطاكية قبل أن يصير رئيسًا لأساقفة القسطنطينية. وفي أيامنا الحاضرة ربما من الذين نبغوا في التعليم القس مِنَسَّى يوحنا كاهن ملَّوي، فقد ألَّف كتبًا عديدة جدًا وهو مجرَّد قِس، حتى حينما كان شماسًا، كتابه تاريخ الكنيسة ألَّفه وهو شمَّاس. القس مِنَسَّى يوحنا تنيَّح وعمره 30 سنة تقريبًا.. انظروا كم المؤلَّفات التي كتبها وعمره 30 سنة! أي كتبها قبل سن الثلاثين!!
ولأهمية التعليم في الكنيسة يوضع في كلِّ الرُتب حتى الشمَّاس، الشمَّاس ممكن أن يُعلِّم، ولذلك نسمع عن إسطفانوس الشمَّاس الأوَّل.. كيف كان معلِّمًا، وكيف أقنع مجامع كثيرة، ودخل كثيرون في الإيمان بواسطة تعليم إسطفانوس الشمَّاس. ونسمع في أيامنا الحديثة عن الشمَّاس حبيب جرجس وكيف كان منبعًا للتعليم في عصره، ورمزًا للتعليم في عصورٍ كثيرة. نسمع عن الشمَّاس مِنَسَّى يوحنا – كما قلت لكم، ونسمع أيضًا عن الشمَّاس إسكندر حنا وكيف كان نابغًا في التعليم.
من جهة القسوس تكلَّمنا عن بعض أمثلة، وممكن في عصرنا الحاضر نتكلَّم عن فيلوثاؤس إبراهيم، وهو معلِّم حبيب جرجس.
من الأمور العجيبة في التعليم مثلاً مار إفرام السرياني: لم يكن سوى شمَّاس، لم يأخذ أية رُتبة أزيَد من شمَّاس، وعندما أرادوا أن يرسموه شمَّاسًا قال: أنا غير مستحق.
الأسقف ينبغي أن يكون صالحًا للتعليم وهذ واضحٌ في الكتاب المقدَّس وفي قوانين الكنيسة. وأيضًا نرى كيف كان الأساقفة معلِّمين في الكنيسة، جبابرة، مثل أثناسيوس الرسولي، باسيليوس الكبير، كيرلس عمود الدين، كيرلس رئيس أساقفة أورشليم، إيلاري أسقف بواتييه.. والأمثلة كثيرة جدًا. فالمفروض الكلُّ كانوا معلمين، لأنَّ إذا كان الأساقفة أعضاء في المجمع المقدس، الذي هو مصدر التشريع والتعليم، إذًا لا بد أن يكونوا صالحين للتعليم.
والكاهن عمومًا لا بد أن يكون مرجعًا للعلم في منطقته، يعرف كيف يُقنِع الآخرين، وكيف يعلِّم، وكيف يُشبِعهم بالتعليم، وكيف يعلِّمهم باتِّضاع بغير تعالٍ عليهم: دون أن يتعالَى على الغير.
الكاهن المعلِّم ينال احترامًا من الناس من أجل تعليمه، ويكونُ مصدرًا للمعلومات بالنسبة إليهم. والكاهن في تعليمه يعلِّم بطريقٍ مباشر وطريقٍ غير مباشر.. كيف؟ الكاهن يعلِّم من فوق المنبر (منبر الكنيسة)، من فوق المنجلية، يعلِّم في عظات القداس، يعلِّم في اجتماعات كثيرة يعقِدها – هذه أشياء معروفة. والرسل كانوا يُدعَوْن خدامًا للكلمة، كما قالوا: "أمَّا نحن فنعكُف على الصلاة وخِدمة الكلمة". الكاهن مفروض أنَّه كواعظ يهتم بخدمة الكلمة.
شروط العظة الجيدة
وأحب أن أنبِّهكم إلى موضوعٍ هام عن منبر الكنيسة: إنَّ مِنبر الكنيسة خاص بالتعليم وليس بشيءٍ آخر. بعض الناس يظنون أن منبرَ الكنيسة مجالٌ لتصفية حسابات بينهم وبين آخرين، فتجد مثل هذا الشخص يقف على المنبر ليعِظ، وتكون عِظاته موجَّهة ضِد هذا أو ذاك، وضِد مجلس الكنيسة، وضِد زميله الكاهن، وضِد أمين الصندوق، وضِد واحد من الشعب. فيكون معروفًا إلى أين توجَّه العظة؟!
المفروض أن تكون العظة هادفة من الناحية العقيدية أو من الناحية الروحية، وبشكلٍ عام من حيث التعليم الديني وليس شيئًا آخر. الواعظ القوي في عظاته – أنا أتكلم عن الكهنوت عمومًا – تكون عظته محصِّلةً لكلِّ معلوماته؛ أي لا يتكلَّم مجرَّد كلمة روحية، ولكن إن كانت عنده معرفة بالتاريخ فيدرِج في العظة جزءًا من التاريخ، جزءًا من سيَر القديسين، جزءًا من العقيدة، من اللاهوت، جزءًا من الكتاب. كلُّ معلوماته في العلوم الدينية عمومًا تظهر في عظته، وهنا يبدو الفارق الكبير بين عظةٍ دسِمة وعظة سطحية.
الدسقولية تقول: اشبِع شعبك بالتعليم. والواعظ القوي هو الذي يكلِّم الناس فيما يحتاجونه، فلا يفرض عليهم معلومات يسمعونها على الرغم منهم، أرادوا أو لم يريدوا، وسواءً نافعةً لهم أو غير نافعة لهم. أي ينبغي أن تكون موضوعات تمِس حياة الناس، تمِس احتياجاتهم، ويستفيدون منها وتقودهم إلى حياة روحية.
أيضًا مفروض أن العظة تكون بأسلوب مهذَّب.. أحيانًا واعظ يقف فيشتِم الخطاة بأسلوب غير لائق يدعو للاشمئزاز، أسلوب مُنَفِّر. مفروض أن الأسلوب يكون مهذَّبًا وتُنتقَى الألفاظ انتقاءً، لأنه إذا شتم الخطاة، فالناس سوف يلتقطون تلك الشتائم ويستعملونها.. فلابد أن ينتقي الألفاظ. وحتى بالنسبة للخطاة، لا يلجأ إلى التجريح لئلا يجرح شعور أحد السامعين ولو عن غير قصد.
وكلما كان الكاهن الواعظ ذكِيًا أو فطِنًا تظهر حكمته وذكائه ومعرفته ومعلوماته في العظة فيستفيد منها الناس. ليس الأمر استعراض ذكاء، ولكن يفيد في المعرفة، يفيد في تحليل الآيات، يفيد في الرد على الأخطاء، يفيد في الإقناع.
ينبغي في العظة ألَّا يُفهم منها التعُّرض لاعترافات معيَّنة، لأن بعض الأشخاص يقول: أبونا كان يقصدني فيما قاله، أو يشكو أنه يفشي الاعترافات عن طريق العظات. إذا ضربت مثلاً فليكن مَثَل له العمومية والشمولية، وليست فيه التفاصيل التي تنطبق على شخصٍ معيَّن.
كذلك ينبغي أن تكون العظة في مستوى السامعين، أي أن العظة في الكنيسة لشعبٍ يختلف في مستوياته الفكرية ومستويات السن، وفي مستويات المعرفة والدرجات الروحية.. غير العظة في اجتماعٍ متخصِّص، مثل اجتماع شباب مثلاً معروف أنَّه في سنٍ معيَّنة ودرجة ثقافة معيَّنة.. غير العظة في اجتماع عُمَّال، غيرها في عظة عن الأطفال. أي أن العظة لمجموعةٍ متخصِّصة غير العظة في اجتماعٍ عام، لا بد أن تكون في مستوى الكل.
لا يحاول الواعظ أن يبين ذاته بنوعٍ من الفلسفة أو الاستعلاء أو استخدام مصطلحات لا يفهمها الكل، أو أن يقول ما لا يفهم حتى يشعر الناس أن مستواه عالٍ. لكن إن قال كلمة فلا بد أن يفسِّرها للناس.
ينبغي أيضًا أن الواعظ في عظته لا يُحمِّل السامعين أثقالاً عسرة الحِمل، كما وبَّخ المسيح الفريسيين على ذلك في (مت 23: 4)، حين قال عنهم: "فإنَّهم يحزمون أحمالاً ثقيلة عَسِرة الحمل.. وهم لا يريدون أن يحرِّكوها بإصبعهم".
كلَّما كانت المبادئ الروحية التي يقدِّمها الكاهن في عظته عملية وممكنة، كلَّما كانت عظته لها تأثير، وليست نظريات تقال للناس.
أيضًا لا يجوز للواعظ أن يبالِغ في كلامه، المبالغة التي تُخرج التعليم عن أرثوذكسيته. ماذا يعنى ذلك؟ كأن يقول الواعظ: من يعمل هذه الأشياء لا خلاص له!! الخطاة مثل هؤلاء لا فائدة منهم!! فمن الجائِز أن واحدًا من هذا النوع يسمع كلمة "لا فائدة" فييأس.. لا للمبالغة.
في بعض الأحيان تكون الأحكام الكُلِّية خاطئة، فلا يمكن أن أقول مثلاً: كلُّ الذين يعملون أمرًا ما، صفتهم كذا.. لكن الأفضل القول: أن غالبية من يفعلون هذا، أو كثيرين من الذين يعملون هذا.. أما التعميم بلفظ "كلهم" غير جائز، لا أقدر أن أقول هذا الكلام. مثال شخص يقول لك: كلُّ من يتكلَّم عن نفسه مُراءٍ، أو أنَّه متكبِّر ومنتفِخ!! وبعد ذلك نجد بولس الرسول يتكلَّم على بعض الأشياء عن نفسه، فهل نقول: أنه مراءٍ ومنتفِخ.. الأمور لا تكون هكذا، كلمة "كُل"، قابلة للخطأ.
بولس الرسول يقول: "كونوا متمثِّلين بي كما أنا أيضًا بالمسيح" (1 كو 11: 1)، فهل يصبح متكبِّر ومتعجرِف؟!!
نريد أن الإنسان يفهم الكلام، لذلك عبارة: "تضلِّون إذ لا تعرفون الكُتب" (مت 22: 29) تنطبق كثيرًا على التعليم.
في عظاتك وفي تعليمك احترس من نشر الآراء الخاصة كأنها عقائِد، بمعنَى: عندما يأتيك تأمُّل خاص، أو فكر خاص، تنشره كعقيدة؟! هذا الأمر لا يجوز. أنت تُعلِّم عقيدة الكنيسة وليس أفكارك الخاصة.
أيضًا لا تقدِّم للناس شيئًا جديدًا يبلبِل أفكارهم ويتعارض مع القديم المتوارَث، أو يتعارض مع المسلَّمات التي عندهم.
أية فكرة جديدة تأتيك، أعطِها فترة من الحضانة الفكرية، واستبقِها في ذهنك لمزيدٍ من القراءة، لمزيدٍ من الدراسة، لمزيدٍ من الاستشارة، لمزيدٍ من الفحص. ولا تُعلِّم الناس تعاليم خاصة.
هل الدين تعليم أم تسليم؟ [2]
الدين ليس مجرَّد دروس تُلقى على الناس، إنما الدين هو حياة عقيدية روحية، تسلِّمها روحٌ إلى روح، وتخرُج من قلبٍ إلى قلب، وتنتقل من إنسانٍ إلى آخر.
لا تظنوا أن التقليد الرسولي هو مجرَّد تقليد بمعنى تعاليم تنتقل من شخص لآخر.. لا، ليس هذا فقط..
فالتقليد الرسولي هو تسليم حياة، (حياة تسلَّم من جيلٍ إلى جيل). صدِّقوني حتى الحياة الكنسية نفسها، الرسل لم يكونوا شغوفين على الإطلاق بكتابة رسائل. يوحنا الحبيب الذي اتَّكأ على صدر المسيح الذي ائتمنه المسيح على رعاية أمه القديسة العذراء، يقول: "إذ كان لي كثير لأكتب إليكم، لم أُرد أن يكون بورقٍ وحبر، لأِّني أرجو أن آتي إليكم وأتكلَّم فمًا لفمٍ" (2يو 12).
التعاليم التي قالها الرسل تسلَّمتها الأجيال، ليس فقط كتب ولا تعاليم، وإنَّما حياة. فسِر الإفخارستيا لم يكن مجرَّد سر، بل كانت الكنيسة تحتفل بهذا السر، وهذه الحياة الكنسية تنتقل من مكانٍ لمكان.
وصارت تعاليمُ الرسل جزءًا من حياة الكنيسة، وانتقلت هذه الحياة من مكانٍ إلى مكان، ومن جيلٍ إلى جيل، حياةً وليس مجرَّد تعاليم تُنقَل في كتبٍ أو ورق.
والروحيات أيضًا كانت تنتقل من شخصٍ لآخر، كما أن أولادك يتعلَّمون من حياتك أكثر ممَّا يتعلَّمون من عظاتك.
[1] من عظة "الكاهن والتعليم"، لقداسة البابا شنوده الثالث بتاريخ 26 نوفمبر1991م
[2] سؤال من عظة لقداسة البابا بتاريخ 18 يوليو 1978م
مصادر التعليم في الكنيسة
مصادر التعليم في الكنيسة [1]
مصادر التعليم
لا أحب أن تتلقّوا أي تعليم إلَّا التعليم الثابت كنسيًا، بما لا يدعو إلى شيءٍ من الجدل. والتعليمُ الثابت في الكنيسة، هو التعليم الذي عليه دليلٌ من الكتاب المقدَّس، أو من التقليد، أو من الآباء الأُوَل، أو من الشرح اللاهوتي القوي.
ولعلكم تلاحظون أني أنا شخصيًا لا أقدِّمُ لكم تعليمًا إلَّا بما يسنده من آيات الكتاب المقدس، وهذا ما يُسمَّى في العلوم الدينية باللاهوت الكتابي، أي اللاهوت المبني على آيات من الكتاب المقدس.
لذلك أيُّ تعليم يصلكم وهو يتناقض مع آيةٍ من الكتاب المقدس لا تقبلوه أيًا كان قائله. وهذا الكلام الذي أقوله يسنِده ما ورد في (غل 1: 8، 9): "ولكن إن بشَّرناكم نحنُ أو ملاكٌ من السماء بغيرِ ما بشَّرناكم، فليكن أناثيما"، ولفظ (أناثيما) يعني محرومٌ أو مقطوع.
إذًا أيُّ تعليمٍ يأتي مخالفًا لآية من الآيات لا تقبلوه أيًا كان قائله. وهذا الكلام أيضًا استخدمه بعض الآباء، حينما تحدَّثوا عن الهرطقات بالنسبة إلى كبار المعلِّمين في الكنيسة.
مثال ذلك، أريوس، الذي كان واعظًا مشهورًا إلى أبعد الحدود، بل كان أعظم واعظ في الإسكندرية ومع ذلك وقع في هرطقة، وأوريجانوس الذي كان عالمًا لاهوتيًا تتلمَذ عليه كثيرٌ من الأساقفة، وكان حُجَّة لاهوتية في عصره، حتى أن أحد الآباء القديسين قال عنه: "لا يوجد العقل البشري الذي يستطيع أن يستوعب كلَّ ما قاله أوريجانوس". ووصل أريجانوس إلى درجة من العلم أنَّه كان يُملي أكثرَ من ناسخٍ في موضوعاتٍ متعدِّدة.. وسقط أوريجانوس، وقال عن نفسه: أيها البُرجُ العالي كيف سقطَّ؟ مع أنه عالمٌ من أعظم العلماء.
وعن هذا الأمر استخدم الآباء ما قيل في (تث 13: 1- 3): "إذا قام في وسطك نبيٌ أو حالمٌ حلُمًا وأعطاكَ آيةً أو أعجوبة، ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلَّمَك عنها قائلاً: لنذهب وراءَ آلهةٍ أخرى لم تعرِفها ونعبُدها، فلا تسمع لكلامِ ذلك النبيِّ أو الحالمِ ذلك الحُلم، لأنَّ الرب إلهكَم يمتحِنكم لكي يعلم هل تحبّون الرب إلهكم من كلِّ قلوبكم ومن كل أنفسِكم".
وهذه المشكلة هي التي سوف تحدُث في آخرِ الأيام من ضد المسيح (Antichrist)، الذي يلقِّبه البعض (بالمسيح الدجَّال). وهذا اللقب غير موجود في الكتاب المقدس، ولكن قال عنه الكتاب أنَّه "المقاوم والمرتفع على كلِّ ما يُدعى إلهًا.. حتى أنَّه يجلس في هيكل الله كإله.. الذي مجيئُه بعمل الشيطان، بكلِّ قوةٍ، وبآياتٍ وعجائب كاذبة" (2 تس 2: 4، 9)، وسيكون سبب الارتداد العام.
أما أنتم فلتثبُتوا في تعليمِ الكتاب المقدَّس، لتكن عندكم آية على كلِّ تعليمٍ ولا تقبلوا أيَّ تعليم ممَّا يتعارض مع الكتاب المقدَّس. لذلك اِحترسوا من التعليم الخاص، اِحترسوا من التعليم الخاص... الذي لكم أو لغيركم.
أيُّ شخصٍ يقدِّم لك تعليمًا خاصًا غير تعليم الكنيسة، غير آيات الكتاب المقدَّس، غير تقليدِ الكنيسة وأقوالِ الآباء، لا تقبله منه. وأنت أيضًا لا يكُن لك تعليمٌ خاص تعلِّمه.
أنت إنسان قبطي أرثوذكسي، تُعلِّم تعليم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. إن كان لك تعليمٌ خاص، لا يكُن داخل الكنيسة، لأنَّك لم تأتِ خادمًا في الكنسية لكي تغيِّر عقائد الكنيسة أو لكي تنشر ألفاظًا غريبة..
الحذر من الكتب الأجنبية
الكتب الأجنبية أيضًا لا نضمن الإيمان الذي فيها، نحن لا نُعلِّم تعليم الكنائس الأجنبية، ولا نُعلِّم تعليم الطوائف الأجنبية، ولا تكون مراجعنا هي مراجع الكتب الأجنبية، ففي هذا خطورة. هذه الكتب الأجنبية أضاعت كثيرين من الذين انحرفوا عن الإيمان، وسبب انحرافهم قراءة الكتب الأجنبية.
فقراءة الكتب الأجنبية تحتاج إلى عقلِ إنسانٍ متعمِّق في عقيدته الأرثوذكسية، بحيث لو قرأ تعليمًا غريبًا يستطيع أن يعرفه تمامًا ويفرِزه إلى جانب ويرُد عليه، وليس الكل بهذه الصفة.
في الكتب الأجنبية إذا كان هناك تعليم للعقائد المسيحية العامة، التي لا تختلف فيها طائفة عن أخرى، ربما تستفيد منها، لكن إذا كانت في أمورٍ طائفية ومذهبية أخرى فلا تقبلها.
وقد قال القديس يوحنا الرسول في أواخر رسالته الثانية (2 يو 10، 11): "إن كان أحد يأتيكُم، ولا يجيءُ بهذا التعليم، فلا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلامٌ. لأنَّ من يسلِّم عليه يشترك في أعماله الشريرة". ولعلَّ هذه الآيات تشمل أيضًا شهود يهوه الذين يمرّون على البيوت ويأتون بتعليمٍ غير تعليمِ الكنيسة. يقول لنا القديس يوحنا "لا تقبلوه في البيت ولا تقولوا له سلامٌ".
وشهود يهوه لهم ترجمة للكتاب المقدَّس غير الترجمة التي بين أيدينا
The New World Translation of the Holy Scripture
كتاب العالم الجديد، وفى ترجمة (العالم الجديد) يحوِّرون فيها الآيات لكي تتفِّق مع تعليمِهم الخاص! انظروا كيف تتطوَّر الأمور؟ وإلى أيِّ درجةٍ وصل التعليم الخاص؟ إنَّهم يحوِّرون آيات الكتاب لكي تتفِّق مع هذا التعليم!!
ومن خطورة التعليم الخاص والعقيدة الخاصة، أن كثيرين من بعضِ الكنائس يحتكمون إلى العقل وليس إلى الكتاب المقدس، وهذا من ضمن أخطاء بعض الكنائس الغربية: ما يقبله عقله يوافق عليه، وما لا يقبله عقله من الكتاب المقدس يرفضه! ولذلك ليس لديهم اِحترام الكتاب المقدس.
قديمًا كنَّا نقول أن البروتستانت ليسوا إنجيليين، لكن الآن حتى الإنجيل أصبح ليس هو المُهِم عندهم، ولكن المُهِم عندهم هو الفهم الخاص للعقل. وللأسف بعض رؤساء الكنائس يقعون في هذا الخطأ.
أتذكَّر أنَّني في اجتماع مجلس كنائس الشرق الأوسط، وقف البعض من المُهمِّين يقولون أن جميع الناس هم أبناء الله (مجاملةً للبعض)، وقلت لهم: لا، أبناء الله هم المؤمنون بِه، لأنَّ الكتاب يقول: "وأمَّا كلُّ الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنونَ باسمِه" (يو 1: 12).
يقولون إن آدم قيل عنه أنَّه ابن الله، فيصبِح كلُّ أولاد آدم هم أبناء الله! لكن البنوَّة الجسدية لا تحكُم هذا الأمر، لأنَّ عندما افتخر اليهود ببنوَّتهم لإبراهيم، قال لهم يوحنا المعمدان: "لا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم: لنا إبراهيمُ أبًا.. إنَّ الله قادرٌ أن يقُيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم" (مت 3: 9).
وقال بولس الرسول: الذين من إيمان إبراهيم أولئك هم أولاد إبراهيم، وقال لهم السيد المسيح: "لو كنتم أولاد إبراهيم، لكنتم تعملون أعمال إبراهيم!.. أنتم من أبٍ هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا" (يو 8: 39، 44).
إذًا لا بد للشخص أن يتمسَّك بالكتاب المقدس، يجعل عقيدته مبنيَّة على الكتاب المقدس، فليس من أجل سياسة معيَّنة أو إتِّجاه معيَّن يقيم الإنسان عقيدةً تخالِف الكتاب، وليس من أجل فهم خاص يقيم الإنسان عقيدة، وإلَّا لما اختلفت الكنائس.
فلماذا اختلفت الكنائس وتعدَّدت؟ بل حتى في البروتستانتية توجد مئات الكنائس، لماذا؟! ذلك من أجل الفكر الخاص، ومن أجل الفهم الخاص.
كلُّ إنسان يريد أن يقيم من فهمهِ عقيدة ويدعو الناس إلى اعتناقها، كلُّ إنسان يحِب المعرفة بفهمه الخاص، وهذه المعرفة أضاعت الكثيرين، وهي التي أضاعت أريوس وأضاعت أوريجانوس وأضاعت نسطور وأضاعت آخرين من الكِبار في جيلهم.
الاعتماد على العقل
كلُّ شخص يقتنع بفكرة، يعتقد أنَّها هي خُلاصة العِلم والمعرفة، ربما تكون كلها خاطئة. لذا المعرفة التي عندك لا بد أن تستند إلى الكتاب المقدَّس، لا بد أن تستند إلى تقليد الكنيسة المعروف، لا بد أن تستند إلى أقوال الآباء القديسين المشهود لهم أنَّهم معلِّمو الكنيسة (Doctors of the Church)، فكلمة Doctor تعني معلِّم، وقد جاءت من كلمة (Doctrines) أي (تعاليم)، تعاليم معلِّمي الكنيسة، آباء الكنيسة الأُوَل.
هنا وأريدكم أيضًا أن تفرِّقوا بين العقيدة والتأمل
التأمُّل، كلُّ واحد له تأمُّله الخاص، وربما تأمُّلات الآباء في آية ما تتنوَّع من واحدٍ للآخر، فهذا نوعٌ من التأمُّل. لكن العقيدة شيءٌ آخر، العقيدة ثابتةٌ لا تتغيَّر. التأمُّل ربما يتغيَّر من شخصٍ إلى آخر، ولكن بروحٍ واحدة. فتجدوا في تفاسير الآباء للمزامير، كلَّ واحدٍ يقول تأمُّلاته، ولكن العقيدة واحدة، أمَّا التأمُّل فيتعدَّد ويتنوَّع من شخصٍ لآخر.
أيضًا من مصادر التعليم في الكنيسة: طقوس الكنيسة
وطقوسُ الكنيسة تشمل عقائِدها، ولقد وضعها الآباء القديسون بفهمٍ سليم للعقيدة. تستطيع أن تستخرج عقيدة الكنيسة من الكتب الطقسية، من الكتب الخاصة بالأسرار المقدسة، ممّا يُقال في كلِّ سرٍ من أسرار الكنيسة.
وهناك كلماتٌ لطيفة وصغيرة، ولكن لها معنىً. فهناك كلامٌ أنتم لا تسمعونه، لأنَّ الكاهن يقوله سِرًا أثناء القداس الإلهي، أثناء تقديس الأسرار. وعندما يركع الكاهن أمام المذبح ويقول: (وهذا الخُبز يجعله جسدًا مقدَّسًا..) ما معنى "يجعله جسدًا مقدَّسًا، ودمًا كريمًا"؟
أيضًا يقول: "أطلب أنَّ روحك القدوس يحلُّ علينا وعلى هذه القرابين الموضوعة، ويطهرها وينقلها، ويظهرها قُدسًا لقديسيك"[2]. كلمة (وينقلها) هذه تمثِّل التحوُّل من خبز وخمر إلى جسد ودم. عبارة (وينقلها) أيضًا يقولها الكاهن في تقديس ماء المعمودية الذي ينقله من ماء عادي إلى ماء له طابع خاص، يستطيع أن يلِد أبناء لله.
كلمة بسيطة: (ينقلها)، تعبِّر عن التحوُّل. كلمات بسيطة تجدها موجوده في الأسرار، مثل الصلوات التي يقولها الأب الكاهن بعد ما يُغطِّس الشخص في المعمودية، يقول صلاة معيَّنة تجد تقريبًا فيها غالبية مفعول المعمودية في الإنسان. الصلوات التي تقال على المعمودية تعطيك فكرة عن عقيدة المسيحية في المعمودية، والتي تقال في الميرون تعطيك فكرة عن مفعول الميرون في الإنسان.
إذًا الصلوات الطقسية جزءٌ من التقليد الكنسي، ولكنَّها تحوي عقيدة الكنيسة في الأسرار، وهكذا في كلِّ صلاة من الصلوات الطقسية الأخرى. تريد أن تعرف عقيدة الكنيسة في سر مسِحه المرضَى اقرأ الصلوات التي يقولها الكاهن في سر مسحة المرضَى، وأيضًا في سر الكهنوت، وهكذا في كلِّ سرٍ من الأسرار.
نحن لا نفصِل إطلاقًا عقيدة الكنيسة عن طقوس الكنيسة، لا يمكن. ولا نفصِل طقوس الكنيسة عن عقيدة الكنيسة. لذلك احترس من معلوماتك التي تأخذها، ومن مصدرها.
احترسوا كثيرًا من كلِّ ما هو جديد في العقيدة. بعض الناس يفرحون بفكرٍ جديد يقدِّمونه للناس، ويجدون في الفكرِ الجديد مُتعة شيءٍ جديد يفرح به الشخص فيقدِّمه، مثل شخص مثلاً يتكلَّم عن حلول الروح القدس في اليوم الخمسين، ويقول ليس هذا هو حلول الروح القُدس بأنَّه يعطي قوة للناس للخدمة، كما يظن بعض المُحدثين، إنَّما هو عبارة عن اتِّحاد طبيعة إلهية بطبيعة بشرية!!
الحقيقة أنَّ اتِّحاد طبيعة إلهية بطبيعة بشرية لا يوجد إلَّا في السيد المسيح، فهو فقط الذي اتَّحدت فيه الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية، أمَّا بالنسبة للبشر فلم يحدُث ذلك. لكن هؤلاء فقط يريدون تقديم فِكر جديد!
إذًا الطبيعة الإلهية لا تتَّحِد بالطبيعة البشرية إلَّا في السيد المسيح، ولكن هذا الفكر الجديد يرى أن الروح القدس طبيعة إلهية والناس طبيعة بشرية واتَّحدوا معًا!!!
لكن نقول أنَّه يوجد فرق بين الحلول والاتِّحاد. كلمة "حلول" شيءٌ، وكلمة "اتِّحاد" شيءٌ آخر. وحتى الحلول، حلول النعمة شيءٌ، والحلول الأقنومي شيءٌ آخر، والحلول الأقنومي لا يوجد بالنسبة للبشر في علاقتِهم مع الله.
هنا لا بد أن تضع في ذهنك أن المعلومات اللاهوتية تحتاج إلى دِقَّة شديدة جدًا، فتغيير لفظ بلفظ ممكن أن يُوقِع في هرطقة، في بدعة.
ومرة جاءني سؤال يقول: شخص يقول ما رأي قداستك في كاهن أرثوذكسي يسمح بدخول قِس كاثوليكي للتعليم في اجتماع الشباب، وهذا في كنيسة....؟
نُجيب: أن ليس كل إنسان له سلطة في التعليم. لكن يمكن هذا إذا كان هناك مؤتمرات عامة، وأناس يتكلمون في حضور من يشرف على ما يقال، بحيث لو هناك تعليق يقوله. لكن واحد يعلِّم دون تعليق، فهذا ليس جائزًا.
هناك أُناس يتكلمون في معلوماتٍ عامة، وهناك أُناس يحبون أن يُدخِلوا في المعلومات العامة عقائدهم، وهذه أيضًا تحتاج إلى تمييز وفَهم. لأن الذي يحدث الآن أن الطوائف الأخرى تريد أن تدخل في الكنيسة القبطية تحت اسم العمل المسكوني، وهم المستفيدون. فتجد من يقول: لمَ لا تذهب إلى هذا الشخص في كنيستهم، طالما أنَّه قد جاء لكنيستنا وتكلَّم؟ نحن لا نحوِّل أناسًا منهم إلى الأرثوذكسية، وإنَّما هم الذين يحوِّلون أبناء كنيستنا إلى طوائفهم. المؤتمرات العامة شيءٌ معروف، أنَّ كنائس كثيرة تجتمع معًا، وتتكلَّم معًا، ولكن أيضًا لا بد أن تكون تحت ضابط وتخضع للتعليق.
نحن في التربية الكنسية نعلِّم عقائد الكنيسة الأصلية الأساسية. وفي اجتماعات الشباب من الجائز أن بعض الأمور لا تتعلَّق بالعقائد الأساسية، ولكن عندما يسألون فيها يجب أن نُجيب عليهم أيضًا بما يوافق تعاليم الكنيسة وعقائدها.
فأرجو إذا قرأت مرجِعًا أن تبحث هل الكلام الموجود فيه تسنِده آيات من الكتاب المقدس، هل تسنده أقوال من الآباء القديسين، هل يسنده تقليدٌ محفوظ معروفًا في الكنيسة المقدسة أم لا. ولا تعتنِق كلَّ ما يُكتَب ولا تعتقد بكلِّ ما يُكتب.
مصادر التشريع في المسيحية[3]
المصدرُ الأوَّل الأساسي للتشريع في المسيحية هو الكتابُ المقدس بعهديه، ثم هناك التقليد والإجماع العام. وفي ذلك يقول القديس باسيليوس الكبير (من آباءِ القرن الرابع الميلادي) في رسالته إلى ديودورس: (إن عاداتنا لها قوَّة القانون، لأنَّ القواعد سُلِّمت إلينا من أناسٍ قديسين).
هناك أيضًا القوانين الكنسية سواءً كانت من الآباءِ الرسل أو من مجامع مسكونية أو إقليمية، أو من كِبار معلِّمي الكنيسة من الآباءِ البطاركة والأساقفة. ومن هذا النوع الأخير قوانين أبوليدس وقوانين باسيليوس، وهي قوانين معترف بها ونافذة المفعول في العالم المسيحي. وكلُّ هذه القوانين التي وضعها الرسل والمجامع والآباء إنَّما كانت بناءً على السلطان الكهنوتي الذي منحه لهم السيد المسيح بقوله: "الحق أقول لكم: كلُّ ما تربطونه على الأرض يكونُ مربوطًا في السماء، وكلُّ ما تحلّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء" (مت 18: 18).
فالسيد المسيح قد سلَّم تلاميذه روحَ التعليم، وترك لهم كثيرًا من التفاصيل لم يعطِهم فيها تعليمًا، وأسند إليهم أن يتصرَّفوا فيها حسب الروح المعطَى لهم، لأنَّ المسيحية روحٌ وليست مجرَّد نصوص.
وقد دَعَى السيد المسيح إلى التمسُّك بالروح وليس بالحرف. وفي ذلك يقول بولس الرسول في (2كو 3: 6): "الذي جعلنا كُفاةً لأن نكون خدَّامَ عهدٍ جديد. لا الحرف بل الروح. لأنَّ الحرفَ يقتُل ولكن الروح يُحيي".
وقد كانت للسيد المسيح أحاديث كثيرة مع تلاميذه لم يرِد منها في الكتاب المقدس شيءٌ (أع 1: 3). وهذا واضحٌ، لأنَّهم لو سجَّلوا كلَّ شيءٍ لِما كان ذلك مستطاعًا، كما شهد القديس يوحنا في إنجيله (21: 25).
وهكذا في أشياءٍ كثيرة جدًا وجوهرية للغاية سار العالم المسيحي بحسب التقاليد التي سُلِّمت إليه، ولم ترِد في الإنجيل، إذ لم يكن ممكنًا أن تشمل الأناجيل كلَّ شيءٍ. ومثال ذلك كل تفاصيل العبادة في الكنيسة. فالكتاب المقدس يذكُر أنَّ السيد المسيح أمرَ تلاميذه قائلاً: "تلمِّذوا جميعَ الأمم وعمِّدوهم" (مت 28: 19). أمَّا طقس العِماد، طريقته وصلواته، فلم يُذكر عنها شيءٌ. كذلك صلوات عقد الزواج، وصلاة القداس، وصلوات الجناز.. إلخ. كلُّ ذلك وغيره وصل إلينا عن طريق التقليد. وضع بعضه رسل السيد المسيح، والبعض وضعه الآباء البطاركة والأساقفة فصار تقليدًا له قوة القانون..
هناك كما قلنا التقليد والإجماع العام والقوانين. وهناك روح الدين كما فهمها بنوه ومعلِّموه، وكما شرحه الآباء القديسون الأُوَل الذين كانوا يتكلَّمون بروح الله، وكلماتهم لها في قلوبنا هيبة القوانين ذاتها.
4 عظة "لأمناء الخدمة، مصادر التعليم في الكنيسة"، لقداسة البابا شنوده الثالث بتاريخ 13 مارس 1995م
[2] صلاة استدعاء الروح القدس، القداس الباسيلي
[3] البابا شنوده الثالث، كتاب شريعة الزوجة الواحدة، صـ 7 - 8
تنقية التعليم
تنقية التعليم[1]
بعض الذين يقومون بالتعليم في الكنيسة لا يقدِّمون لتلاميذهم أو لسامعيهم تعليم الكنيسة. وإنَّما يقدِّمون فكرًا خاصًا.. خاصًا بهم، أو بغيرهم، قرأوه في بعض الكتب أو سمعوه، وربما يكون فكرًا منحرفًا أو معارضًا تمامًا لتعليم الكنيسة..!
نحن محتاجون إلى تنقية التعليم
سواءً التعليم على المنبر، أو الوعظ، أو التعليم في مدارس التربية الكنسية، أو التعليم عن طريق المطبوعات، كتبًا كانت أو مجلات، أو نبذات، أو حتى التعليم الخاطئ، الذي يَندَس في الترانيم دون أن يشعر مردِّدوها، كما يَندَس أيضًا في بعضِ الصور.
وتنقيةُ التعليم هي فوق مستوى المجاملات، لا يؤخَذ فيها بالوجوه. إنَّ أمانة الكنيسة في هذا الجيل، تُسلِّمها للأجيال. وقديمًا كانت الكنيسة حريصة جدًا، وحازمة جدًا، في مسألة التعليم.. ولا بد أن نحتفظ بهذا الحِرص والحزم.
المعرفة[2]
المعرفة ليست بالأمر الهيِّن، لأنَّ المسيح إلهنا هو أقنوم المعرفة، وهو أقنوم العلم، وهو أقنوم الحكمة. فالمعرفةُ أصلاً شيءٌ إلهي، واللهُ في القديم كان هو مصدر المعرفة. والروح القدس أيضًا وُصِف بهذا الأمر، وتولَّى تعليم الناس وإعطائهم المعرفة، فقد قال السيد المسيح عن الروح القدس: "أنهُ يعلِّمكم كلَّ شيءٍ ويذكِّركم بكلِّ ما قلتهُ لكم". وقيل عن الروح القدس أنه هو الناطقُ فى الأنبياء. وهو الذي يتكلَّم على لسان الرسل والتلاميذ كما قال السيد المسيح: "لأنَّ لستم أنتم المتكلِّمين بل روح أبيكم" (مت 10: 20)، أي أن الله هو الذي يعطيك المعرفة.
وما أجمل عبارة: "لأني أنا أعطيكم فمًا وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها" (لو 21: 15) الله يعطيك فمًا وحكمة.
فالمعرفة الحقيقة والسليمة هي من الله نفسه، من روح الله الساكن في الإنسان، روح الحق الذي يُعطي معرفة الحق. والسيد المسيح نفسه من أسمائه أنَّه هو الحق، قال: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6). فمعرفه الحق هي معرفة الله.
وهكذا وجدنا أن الله يضع معرفته في قلوب الناس، ويضع معرفته في أذهان الناس، ويضع معرفته على ألسنة الناس حتى يتكلَّموا بكلام الله. جميلة هذه العبارة في المزمور: "يا رب اِفتح شفتيَّ، فيخبر فمي بتسبيحك" (مز 51: 15).
فالله هو الذي يفتح شفتيك، وهو الذي يملأ فمك كلامًا. ولذلك عليك أن تسأل نفسك باستمرار: هل المعرفة التي فيك معرفة إلهية؟ أم معرفة عالمية؟ أم معرفة خاطئة؟ هل المعرفة التي فيك أخذتها من الله نفسه أم أخذتها من مصدرٍ آخر غير الله؟
ماذا كانت خطيَّة آدم وحواء الأولى التي أتعبتنا جميعًا؟ خطيَّتهم أنَّهم أخذوا المعرفة عن مصدر غير الله، فأكلوا من شجرة المعرفة، ولما أكلوا من شجرة المعرفة صاروا جُهَّالاً، لأنَّها معرفة عن مصدر آخر غير الله.
الله خلق الإنسان على صورته ومثاله في المعرفة، وأيضًا في قبول المعرفة. صدِّقوني من أكبر الآيات التي تَدُل على عظمة المعرفة قول السيد المسيح: هذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا 17: 3) الحياة الأبدية التي هي المعرفة الحقَّانية.
الله أوجد في الإنسان مصدرًا للمعرفة هو الضمير، وكانوا يسمُّونهُ الشريعة الداخلية أي الشريعة غير المكتوبة أو الشريعة الأدبية، شريعة داخل الإنسان تعطيه معرفة. وعندما بدأ الضميرُ يفسد ويفشل، أرسل الله مصدرًا آخر للمعرفة هو الوحي الإلهي، الكتب المقدسة.
ومن أهمية هذه المعرفة الإلهية أنَّ الله كتب بأصبعه الوصايا العشر على لوحين (المكتوبة بأصبع الله). وهنا يقف الإنسان مُتحيِّرًا: ما معنى مكتوبة بأصبع الله؟! أشياءٌ نتذوَّقها سواءً استوعبناها أو لم نستوعبها، أن الله يكتب بنفسه هذه المعرفة اللازمة لخلاص الإنسان واللازمة لنقاوته!
وقبل الكُتب المقدسة أوجد الله مصدرًا آخر للمعرفة هو التقليد، جيل يسلِّم جيل آخر ما عندهُ من معرفةٍ إلهية. يعني مثلاً هابيل قدَّم ذبيحة.. من أين أخذ هابيل فكرة الذبيحة؟ من آدم. كان هذا هو التقليد الأول الذي ذكرهُ الكتاب المقدس. البشرية كلُّها كانت تقدِّس يوم الرب.. من أين أخذت هذا الأمر؟ من آدم، وآدم أخذهُ من الله الذي استراح في اليوم السابع.
أشياءٌ كثيرة جدًا عُرِفت بالتقليد، موسى الذي كتب الأسفار الأولى من الكتاب المقدس، كتبها سنة ألف وأربعمائة قبل الميلاد، وهناك آلاف من السنين سبقت موسى أُخذت فيها المعرفة عن طريق التقليد (جيلٌ يسلِّم جيل).
وبعد ذلك خصَّص الله أشخاصًا من عنده لتسليم المعرفة للناس، وكان أول أشخاص قدَّمهم الله لهذا الغرض، الأنبياء من جهة ورجال الكهنوت من جهة أخرى. رجال الكهنوت لأنه قيل عن الكاهن: "من فمه يطلبون الشريعة" (ملا 2: 7)، والأنبياء لأن الروح القدس كان هو الناطق فيهم. وكون أن الله يوجِد الأنبياء والكهنوت للمعرفة، فهذا دليل على أهمية هذه المعرفة عند الله.
والكتاب المُقدس فيه كلامٌ صريح، وفيه كلامٌ عن طريق الرمز. والرمز يحتاج إلى شرحٍ وتفسير. فكان لا بد من أشخاص يعلِّمون الآخرين ويشرحون لهم الكتب، ومن هنا وُجِدت وظيفة المعلِّمين في الكنيسة، وأصبح التعليم هو العمل الأول لكلِّ قادة الكنيسة.
التعليم أساسي لتوصيل الإيمان
مسألة التعليم مسألة أساسية في الكنيسة، هو العمل الأول لنقل الإيمان ولتفهيم الناس حقائق هذا الإيمان.
كلُّ إنسان يحتاج إلى معرفة سليمة. وقد كانت هذه المعرفة موضوع صلوات أبينا داود النبي، فكان يُصلِّي من أجلها، وأنتم ترددون صلواته هذه في صلواتكم: "طُرقك يا رب عرِّفني. سبُلك فهِّمني" (مز 25: 4)، كان يطلب المعرفة من الله نفسه. ليت كل أحد منكم يطلب هذا الإرشاد الإلهي ويقول: "عرِّفني يا رب طُرُقك، فهِّمني سُبُلك".
هل تعرفون: عندما يعرف الإنسان الله، حينئذٍ تكون تصرفات هذا الإنسان حسب مشيئة الله. وكثيرٌ من الناس يسألون: هل تصرُّفي يوافق مشيئة الله أم لا؟ عرفني يا رب طُرُقك، فهمني سُبُلك.
هناك شيءٌ آخر طلب داود النبي أن يعرفه، انظروا ماذا يقول: "عرِّفني يا رب نهايتي، ومقدار أيَّامي كم هيَّ، فأعلم كيف أنا زائل" (مز 39: 4). "الإنسان مثل العُشب أيامُه. كزهر الحقل كذلك يُزهر. لأنَّ ريحًا تَعبُر عليه فلا يكون، ولا يعرِفه موضعه بعد" (مز 103: 15، 16).
آباؤنا الرُهبان كانت هذه المعرفة - فناء العالم وزواله - هي الأساس عندُهم. لماذا؟ لكي يستعد كُلُّ أحد لأبديته. مسكين الإنسان التي حياته في العالميات والماديات ولا يفكِّر في الموت وفي الأبدية.. عرِّفني يا رب نهايتي، ومقدار أيامي كم هيَّ، لأعلم كيف أنا زائل.
القديس أنطونيوس الكبير هذه المعرفة هي التي قادتهُ للرهبنة. عندما نظر جُثمان أبيه مطروحًا أمامُه، قال لهُ: "أين عظمتُك وسُلطانُك وغِناك؟! خرجت من العالم بغير إرادتك وأنا أخرُج بإرادتي". لقد عرف أن العالم لا شيء.
يحتاج الإنسان ليس فقط أن يعرف طرق الرب ولا أن يعرف نفسُه، إنَّما أيضًا أن يعرف الخير، أين هو. آدم كان يعرف الخير فقط، وعندما أكل من شجرة معرفة الخير والشر أصبح يعرف الخير والشر، فأضيفت إليه معرفة مُتعِبة. يكفي لك أن تعرف الخير فقط.
الفلاسفة أيضًا بحثوا عن هذه المعرفة، وهناك حكمة قالها سقراط الفيلسوف (أبو الفلاسفة)، قال: "أنا أجهل وغيري يجهل، كل ما في الأمر إنني جاهل وأعرف أنني جاهل وغيري جاهل ويجهل أنَّه جاهل، فجهلهُ مركَّب". يا ليت الإنسان يعرف إنه جاهل ويسعى إلى المعرفة ويطلبها.
اقرأوا في سفر الأمثال عن طلب الحكمة وطلب المعرفة. اقتنيها بكل قلبك، وحاول أن تعرف المعرفة السليمة.
أعمق أنواع المعرفة وأسماها وأقدسها هي معرفة الإنسان لله.. أن تعرف الله.
هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك (يو 17: 3). يوحنا الرسول يقول: "من قال قد عرفته وهو لا يحفظ وصاياه، فهو كاذب وليس الحق فيه" (1يو 2: 4). من يقدر أن يقول عرِفت الله المعرفة الحقيقية؟ من يريد أن يقول إنَّه عرِف الله معرفة اختبارية، فليذُق وينظر ما أطيب الرب، فيعرفه.
نحن يا إخوتي لا نعرف الله من الكتب، ولا من علم اللاهوت، إنَّما نعرف الله بالأكثر من الحياة، ونعرفه من النور الإلهي المُعلن في الوحي، ونعرفه عندما يكشف لنا ذاته ويُرينا بعضًا من نوره الإلهي.
يقول داود النبي: "اكشِف عن عينيَّ، فأرَى عجائبَ من شريعتك" (مز 119: 18).. اكشف عن عينيَّ. ويصلِّي إليشع من أجل تلميذه جيحزي أن يفتح عينيه ليرى أن الذين معهم أكثر من الذين عليهم (2 مل 6: 16، 17).. افتح يا رب عينى الغلام. إذًا هناك عمل إلهي لتوصيل المعرفة للإنسان، أن الرب يفتح.
أعجبني في قصة قيامة رب المجد، أنه فتح ذهنهم ليفهموا الكتب (لو24: 45). ابتدأ يفتح عقلهم لأجل أن يعرفوا.
إذًا الله هو الذي يُعطي المعرفة، هو الذي يشرح، هو الذي يُفهِم ويفتح ذهن الإنسان، عملية ليست هيِّنة. إن كان الله هكذا، إذًا فينبغي أن نفرِّق بين المعرفة التي مصدرها الله والمعرفة التي لها مصادر أخرى.
ربما تكون المصادر الأخرى ضارة، لأن هناك معارف تضُر قال عنها الكتاب: "الذي يزيد علمًا يزيد حزنًا" (جا 1: 18). بالطبع لا يقصد العلم النافع ولا يقصد العلم الروحي، إنما يقصد المعرفة الضارة، المعرفة التي تُتعب، المعرفة التي تُشوِّه أفكار الإنسان، المعرفة التي تُفقِده بساطته وتُفقِده نقاوته.
هناك أناسٌ يعرفون أشياءً، يقول الشخص منهم يا ليتني ما عرفت وما سمعت، يا ليتني ما قرأت! ويندم أنَّه عرِف. وهناك أشخاص يصبُّون المعرفة المضرَّة في آذان الناس.
ووسائل المعرفة الآن في العالم لا تدخل تحت حصر، الجرائد والمجلات والتليفزيون وأشياء كثيرة جدًا، والاجتماعات، والكلام. والإنسان الحكيم ينتقي المعرفة الصالحة، وإن لم يعرف كيف ينتقي يطلب إرشادًا. والإرشاد أيضًا من وسائل المعرفة، وخصوصًا إذا كان إرشادًا على أيدي مُعلِّمين حقيقيين يعرفون المعرفة السليمة.
لأن الكتاب يلوم هؤلاء حينما يقول: "يا شعبي، مُرشدوكَ مُضِلّون" (إش 3: 12)، وعن هذا يقول: "أعمى يقود أعمى، يسقطان كلاهما في حفرة" (مت 15: 14). إذًا تحتاج إرشاد، فليكن إرشاد من معلِّمين حقيقيين، مثلما يقول الشاعر:
فاطلبوا العلم على أربابه .•. واطلبوا الحكمة عند الحكماء
عن هذا الإرشاد الروحي يقول الآباء: الذين بلا مرشد يسقطون مثل أوراق الشجر. ويقول الكتاب: "على فهمك لا تعتمد" (أم 3: 5).
المعرفة الحقيقية
اطلب المعرفة الحقيقية، وابعد عن المعارف الضارة، إذًا المعرفة على ثلاثة أنواع: معرفة ضارة، ومعرفة لا تفيد (باطلة)، ومعرفة نافعة. قال أحد الروحيين عبارة لطيفة:
"إننا نضيع أوقاتنا في معرفة أشياء لا نُدان في اليوم الأخير على جهلنا إياها".
المعرفة الحقيقية هي المعرفة التي تبني الإنسان من الداخل.. تبني علاقته بالله، وتبني علاقته بالآخرين، وتقوِّي إيمانه وتزيد نقاوته، هذه هي المعرفة. وصديقك الحقيقي هو الذي تنال منه معرفة سليمة. أما الذي معارفه تضيِّعك، فليس هو صديقًا بل هو عدو.
وليتك أيضًا تصادِق الكتاب المقدس.. فهو يعطيك معرفة. لا يترك جيبك، ولا يترك ذهنك، ولا يترك تأملاتك.
والتأمُّل أيضًا من طرق المعرفة.. كلَّما يتعمَّق الإنسان في التأمُّل، كلَّما يأخذ معرفة جديدة ويكشف له الروح أشياء لم يكن يعرفها من قبل.
وهنا أحب أن أقول النصيحة الأخيرة في هذا الموضوع
ينبغي أن تفرِّق بين ما يجوز لك معرفته وبين ما لا يجوز لك معرفته
وتُحسِن انتقاء المعارف التي تبنيك والتي تبني الآخرين. وابتعد عن المعرفة الضارة أيًا كان مصدرها.
وليكن لك روح الإفراز الذي يعرِّفك الضار من النافع، واطلب إرشاد الله الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين.
[1] رأي، "تنقية التعليم"، لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 12 سبتمبر 1980م
[2] عظة "المعرفة والعلم"، لقداسة البابا شنوده الثالث في 24 أغسطس 1979م
الـــوعــــظ والتعلــيـــــم
الـــوعــــظ والتعلــيـــــم[1]
أحيانًا يفرِّق البعض بين كلمة الوعظ وكلمة التعليم، كما لو كان الوعظ كلام يؤثر في الناس وفيه الناحية الانفعالية أكثر. ولكن التعليم فيه الأساس العلمي للوعظ الذي يقوله الواعظ، وأغلب الوعَّاظ الناجحين هم الذين وعظهم نوعٌ من التعليم، بمعنى أن يقول الكلام المؤثِّر وفي نفس الوقت يثبِته بأدلة وبراهين يرقَى به إلى مستوى التعليم.
ولذلك كان السيد المسيح واعظًا ومُعلِّمًا وكانوا ينادونه: أيها المعلِّم الصالح.
في فترةٍ ما كان الوعظُ في الكنيسة نوعًا من الخطابة، ونوعًا من الفصاحة، بل أحيانًا كانت العظة فيها لونٌ من التقسيم السجعي. ولكن الأمر الذي يثبُت في الناس بالأكثر هو الوعظ التعليمي. والسيد المسيح عهد إلى التلاميذ بالتعليم وقال لهم: "علِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (مت 28: 20). وكان الرسل معلِّمين، وسُمِّيَ تعليمهم "خدمة الكلمة، والكرازة، والتبشير".
وكان الفرق بين الكرازة والتعليم، وهما كلمتان وردتا في آخر إصحاح في إنجيل متى (مت 28): Preaching – Teaching
Preaching تعني الكرازة وهي لغير المؤمنين، Teaching تعني التعليم وهو للمؤمنين.
رسائل بولس الرسول كانت أيضًا لونًا من التعليم، وتلاميذ الرسل صاروا هم أيضًا معلِّمين في الكنيسة، فبولس الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس: "لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك" (1تي 4: 16). ويقول لتلميذه تيطس: "أما أنت فتكلَّم بما يليق بالتعليم الصحيح" (تي 2: 1). وأصبح لا بد أن يكون في الكنيسة ليس فقط الكلام الوعظي التأثيري الانفعالي، إنما أيضًا لا بد أن يكون التعليم مرتكِزًا على أدلةٍ وبراهين.
وجاء وقتٌ من الأوقات كان فيه التعليم هو عمل البطاركة أيضًا، مثلما كان القديس أثناسيوس الرسولي، ومثلما كان القديس يوحنا ذهبي الفم، ومثلما كان الآباء الأُوَل، مثل القديس كيرلس الأورشليمي والقديس كيرلس الإسكندري الذين كانوا معلِّمين في الكنيسة، وكانوا يطلقون عليهم: "معلِّمو البيعة".
وأصبح كلام هؤلاء حُججًا وأسسًا تعليمية في الكنيسة الجامعة، وحتى الآن نأخذ أقوال هؤلاء الآباء كدليل على صحة التعليم السليم.
بعد ذلك صار الأساقفة أيضًا مشهورين بالتعليم، مثل القديس أغسطينوس، والقديس إيلاري أسقف بواتييه، ومثل القديس إبيفانيوس أسقف قبرص، والقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ومثل الآباء الكبادوكيين: القديس غريغوريوس النزينزي الناطق بالإلهيات، والقديس غريغوريس أسقف نيصص، والقديس باسيليوس الكبير.
وبعد ذلك صار القسوس أيضًا معلِّمين. ففي أيامنا الماضية كان القس مِنَسَّى يوحنا من القسوس المشهورين بالتعليم وله كتب، وكان القمص إبراهيم عطية الذي صار فيما بعد مديرًا للكلية الإكليريكية من القسوس المشهورين في التعليم، وكذلك القمص إبراهيم لوقا، والقمص مرقس داود، وقسوس كثيرون غيرهم كانوا مشهورين بالتعليم.
ثم أيضًا صار شمامسة مشهورين بالتعليم، لعل أوَّلهم الشماس القديس إسطفانوس أوَّل الشمامسة، الذي وقف أمام ثلاثة مجامع ولم يستطيعوا أن يقاوموا القوة والروح التي يتكلَّم بها. ومثل الشماس مار إفرام السرياني الذي كانوا يطلقون عليه قيثارة الروح. ومثل الشماس مِنَسَّى يوحنا قبل أن يُرسم كاهنًا إذ له كتاب في التاريخ ألَّفه وهو شماس، ومثل الشماس عيَّاد عيَّاد، ومثل الشماس إسكندر حنا وهو من أشهر الوعّاظ الذين كانوا في أيامنا. وقد كنَّا نستفيد من عظاته، وكان يعِظ في مكانٍ تابع لكنيسة جزيرة بدران في فِناء الكنيسة الكبير قبل أن تُبنى الكنيسة، حتى أن الناس كانوا يقفون في شارع جزيرة بدران ولا يجدون مكانًا.
وكان خريجو الإكليريكية أيضًا من الشمامسة المعلِّمين في الكنيسة. وكانت الكنيسة ناجحة طالما وُجِد فيها أمثال هؤلاء المعلِّمين. لكن مجرد أن يقول شخصًا ما كلمتيْن بتأثير، فهذا الأمر لا يليق، فلا بد أن يكون المتكلِّم معلِّمًا. والعظة الحقيقية هي التي تجمع كلَّ معلومات الواعظ، إن كان لديه كلام في التفسير يقوله، لديه كلام من أقوال الآباء يقوله، كلام في التاريخ الكنسي يقوله، كلام في العقيدة وفي اللاهوت يقوله. فيجمع كل ما عنده من معلومات في العظة.
والوعظ والتعليم موجودٌ بثلاثة أنواع
نوع منهم هو الوعظ على مستوى الطقس الكنسي والقراءات الكنسية، والفصول التي توجد في القطمارس في كلِّ قدّاس.
نوع آخر مشهور هو الوعظ في الجنَّازات، ففي الجنَّازات يحضر كثيرون من غير المسيحيين ومن غير الأرثوذكس للمجاملة فتكون فرصة جيِّدة للكلام المفيد الذي يُظهِر تعليم الكنيسة.
وهناك وعظ آخر في مناسبات، كما في اجتماعات الشباب، اجتماعات الشعب، مناسبات أعياد. وكلُّ هذا وعظٌ حُر، غير مقيَّد بقطمارس.
أما الوعظ في الكنيسة في القدَّاسات فهو مقيَّد بالقطمارس، وأحيانًا يبحث الإنسان عن عظة بصعوبة ليقولها، لأنَّ الكثير من الكلام قيل من قبل في هذا الموضوع فلا توجد أشياء جديدة يقولها. فإن استطاع أن يجد شيئًا جديدًا فليقُله، وإن لم يجد فنصيحتي أن يعظ على أي شيء من القراءات، أي يعظ على آية في البولس أو في الكاثوليكون أو في الإبركسيس، أو يعظ على قديسي اليوم، فليس من الضروري القراءات. يعظ على قديسي اليوم بحيث يقول معلومات جديدة ولا يكرِّر الكلام الذي جاء في السنكسار.
كلَّما كان الواعظ يقدِّم شيئًا جديدًا كلَّما كان الناس يتأثرون بوعظه. وكلَّما كان يقدِّم معلومات دسمة يتأثَّر الناس بوعظه، لأنَّ الناس لم يأتوا ليسمعوا كلامًا سمعوه من قبل. فلا بد أن يكون كلام جديد بقدرِ الإمكان.
كثير من كتب الآباء القديسين، مثل كتب القديس يوحنا ذهبي الفم أو القديس أغسطينوس، هذه لم تكن مؤلَّفات، فهم لم يؤلِّفوا كتبًا، وإنَّما كانت العظات التي ألقوها على الناس وجُمِعت وأصبحت كتبًا، أو كانت بعض الرسائل لهم وجُمِعت وأصبحت كتبًا. إلى هذا الحد كانت عظات الآباء القديسين لها قيمتها.
من الأمثلة أيضًا عظات القديس كيرلس الأورشليمي التي كان يلقيها على الموعوظين أي المُعدِّين للعماد (الداخلين إلى الإيمان حديثًا)، جُمِعت في كتاب في شرح قانون الإيمان المسيحي.
بالفعل كان الكثير من كتب الآباء عظات لهم، ألقوها خاصة في الصوم الكبير، وجمعوها وأصبحت كتبًا. لكنهم لم يقصدوا أن يُخرِجوا كتبًا إلَّا الكتب الخاصة بالعقيدة. مثال ذلك كلام أثناسيوس الرسولي ضد الآريوسيين، أو كلام القديس أغسطينوس ضد البيلاجيين والمانيين، أو كلام القديس كيرلس الكبير ضد النساطرة، فهذه كلُّها كانت "وعظ تعليمي".
تمتلئ الكنائس من أجل سماع العظات، وأحيانًا تكون فارغة حين لا توجد عظات مشبِعة، إذ قد يقول بعض الناس لا نذهب إلى الكنيسة ولنذهب إلى مجمع البروتستانت المجاور لنا لأنَّه توجد عِظة مشبِعة بالنسبة لهم! فلكي تنجح اجتماعاتكم لا بد أن تكون عظاتكم قويَّة، ولكي يكون الوعظ قويًا لا بد أن يكون له تحضير وقراءة مسبقة. فليست أمانة أن نكلِّم الناس دون أن نجهِّز لهم ما نقوله.
الإعداد الجيد للعظة
في بداية خدمتي كأسقف، كان الوعَّاظ وطلبة الإكليريكية خاصةً يُحرَجوا أن يقولوا أنَّهم قاموا بتحضير العظة، فكان الواعظ يمسك الإنجيل بيده ويضع ورقة التحضير فيه، بحيث أن الناس لا يروا الورقة! فلماذا هذا الرياء؟!
بعد ذلك لم يكن لديَّ أي مانع أن أعمل كروت، وأكتب التحضير في الكارت، ويكون لديَّ اثنين أو ثلاثة أو أربعة كروت أضعهم أمامي، ولا مانع أن أمسك واحدًا منهم في يدي. هل نكون مُرائين أمام الناس؟ هل وجود ورقة مكتوب فيها التحضير معناها أنَّ الإنسان ناقص في العلم والمعرفة؟ إطلاقًا.
نحن لا نقرأ من الورق، بمعنى أننا نمسك الورق ونقرأ منه. إنَّما الكارت يكون فيه النقاط الأساسية فقط، أو ممكن قول من أقوال الآباء أو آية موجودة، والباقي يُقال ارتجالي، هو فقط للتذكرة. المسألة ليست مسألة أن أعرف أو لا أعرف، إنَّما المسألة مسألة الشعب يستفيد أو لا يستفيد. هدفنا أن الشعب يستفيد، وليس هدفنا أن يقال عنَّا أنَّنا أناس عارفين (من العارفين بالله)! المهم أن الناس يستفيدوا، فلا مانع إطلاقًا من التحضير ووضع ما سيقال أمام الشخص ليقوله للناس.
أذكر ذات مرة كنت قد دُعيت لإلقاء محاضرة في نقابة الصحفيين سنة 1965م عن "إسرائيل في رأي المسيحية". وكنت قد قمت بتحضير حوالي ثلاثين كارت أو أكثر، لا اتذكر العدد، وقسَّمتهم إلى أبواب، ووضعتها أمامي. كل باب آخذه أُخرِج الكارت الخاص به. في الحقيقة كنت اتكلَّم من نفسي ولا أقرأ من الورق، لكنِّي كنت قد أعددت النقاط. لذلك نقيب الصحفيين في ذلك الوقت لم يقل هذه محاضرة، بل قال: تبارك هذا المؤتمر الشعبي الذي تكلَّم فيه فلان، فاعتبره "مؤتمر". وأُخذِت تلك المحاضرة وطُبِعت ككتاب. شيء مجهَّز (بحث)، وليس مجرَّد كلمة.
لا يصح إطلاقًا أن تستهين بعقلية الناس أو تستهين بشعور الناس الذين أتوا من بعيد لأجل أن يحضروا ويستمعوا منَّا إلى فراغ.
أذكر ذات مرة أيضًا كنت دُعيت لإلقاء كلمة عن المتنيِّح القمص بيشوي كامل في يوم الجناز. تكلَّمت، ووجدوا أنَّها تصلح أن تكون كتاب. لماذا؟ هل أتكلَّم وأقول: فلان هذا كان إنسانًا حسنًا؟ كل الناس يعرفون ذلك!! لكن جلست مع السيدة زوجته، أرملته، وأخذت منها معلومات. جلست مع زملائه الكهنة الذين عاشوا معه وأخذت منهم معلومات، وجلست مع خُدام التربية الكنسية الذين خدموا في الكنيسة وأخذت منهم معلومات، جلست مع أراخنة الشعب الذين عايشوه وأخذت منهم معلومات. ثم أمسكت الكتب والمؤلفات والنبذات التي أخرجها وجلستُ أقرأها واستنتج منها أشياء، وأُخرِج منها معلومات، ثم ألقيت ليس مجرَّد عظة تقال في جنَّاز إنما بحث عن الرجل على مستوى المعلومات.
لكن إن شخصًا في عظة يقول أي كلام، فهذا الأمر ليس معقولًا. لا بد أن يعرف جيدًا ماذا سيقول.
أريدكم في عظاتكم أن تدرسوا، وأن تلاحظوا ما الكلام الذي قيل في هذا الموضوع، وما هي الكتب التي كُتِبت عنه، من هم الآباء الذين تكلَّموا عنه، وما هي المؤلَفات التي تناولته.
ولذلك مما يصلح للنجاح في الوعظ والتعليم أن تكون للكاهن أو للخادم مكتبة كبيرة يقرأ فيها باستمرار.
أقول للكاهن: لا تظن أنَّك عندما أصبحت كاهنًا ولبست الملابس السوداء والعمة السوداء أنَّك انتقلت من تلميذ إلى معلِّم! أنت تلميذ ومعلِّم فى نفس الوقت، وأنت معلِّم بناءً على كونك تلميذًا. بمعنى أن تكون تلميذًا وتعلِّم الناس، تقرأ وتقول للناس، فهل هؤلاء الذين يتكلَّمون يؤلفون كلامًا؟ لا إنَّما لا بد أن تقرأ وأن تعرف.
من الجائز أن الموضوع الذي تتكلَّم فيه تكون قد قرأت عنه في خمسة أو ستة أو سبعة كتب، وقد جمعت من هنا ومن هناك، وأضفت إلى كلِّ هذا فكرك، ليس فكرك الخاص بفكرٍ شاذ، وإنَّما تأملاتك الخاصة بحيث لا تتناقض مع أقوال الآباء الأقدمين.
الناس عندما يسمعون الواعظ أو المعلِّم أو الكاهن من الجائز أن يأخذوا كلامه ويرددونه في اجتماعات أخرى، أي أنهم يتتلمذون عليه، فلا بد أن يكون هذا الكلام حُجَّة لكي إذا استخدموه لا يخطئوا (لا يخطئ هو ويجعل الناس يخطئون).
وأيضًا عن الإعداد الجيد للعظة
أذكُر فى عام 1947م طُلِب منِّي في اجتماع المدرسين في كنيسة الأنبا أنطونيوس في شبرا أن أتكلَّم عن القديس أرسانيوس معلِّم أولاد الملوك. وفي ذلك الحين لم يكن يوجد أي كتاب في السوق عن القديس أرسانيوس إطلاقًا، ولم يكن بستان الرهبان قد طُبِع ولا نُسِخ. لم يكن هناك شيءٌ نهائيًا. لدرجة ظللت أبحث عن القديس أرسانيوس حتى في كتب التاريخ ولم أجد فيها أكثر من صفحة ونصف، الآن هناك كتب كثيرة.
لكنَّني ذهبت إلي دار الكتب وأحضرت
La Grande Encyclopedia, Encyclopedia Birtanica
لكي أرى ماذا كُتِب؟ وظللت أبحث وأبحث، وأخيرًا كوَّنت عظةً اعتبروها عظةً جيدة جدًا عن القديس أرسانيوس. حاليًا لا تعتبر شيئًا إلى جوار الكتب الكبيرة التي تكلَّمَت عنه.
عندما بدأنا لم يكن عندنا المواد الموجودة الآن. ولم تكن الكتب الدينية منتشرة في المكتبات الكنسية مثلما هي موجودة عندكم. لم يكن يوجد شيء من هذا، حتى مكتبة الإكليريكية كانت بسيطة، والمكتبات الدينية العادية الكتب التي فيها كانت كتبًا بسيطة، ليست مثل الموجود الآن.
كان أكثر كتاب في العقيدة أو في اللاهوت المقارن كتابٌ صغير، كتبه حبيب جرجس، اسمه "الصخرة الأرثوذكسية"، وكتبٌ كان قد أخرجها الأسقف إيسيذورس مثل "بيان البُهتان بالبُرهان لما في العقائد الغربية من الزيغان". واسم الكتاب كان فيه سجع (بيان - بُهتان – بُرهان – زيغان).
فالعظات قديمًا كان فيها أحيانًا التقسيم السجعي. واعتقد أن عظات فؤاد باسيلي (أبونا بولس باسيلي) كانت مقسَّمة تقسيمًا سجعيًا. وعظات عيَّاد عيَّاد أيضًا كانت هكذا. وعندما أصبحت أسقف الإكليريكية وجدت أسلوب عيَّاد عيَّاد يختلف عن أسلوب فؤاد باسيلي، وعن أسلوب أبونا إبراهيم عطية (وهو أستاذ الوعظ)، فقلت للطلبة: أنا سأريحكم وأقول لكم ما هو الأسلوب الذي تعملون به. فضحك أحد الطلبة وقال لي: وجدتنا مرتبكين مع ثلاثة أساليب، فتقدِّم لنا الأسلوب الرابع! لكن بعد ذلك الذي ثبُتَ هو هذا الأسلوب الرابع.
بل كان المؤلفون قديمًا يصطدمون ببعضهم البعض أيضًا بطريقة سجعية. كمثال لذلك: فرنسيس العتر اصطدم بفيلوثاؤس (جرجس فيلوثاؤس عوض) ومعهم الراهب، فوجدوا أن أبونا مينا البرماوي كتب "ترويض الأذهان في كتاب بستان الرهبان"، فأصدروا ضده كتاب اسمه "أريج العطر في أضلولة العتر".. وإذا به هو أيضًا يرد عليهم بكتاب أسماه "الردود العترية على الأضاليل الفيلوثاؤسية البرماوية"! وهكذا كنت تجد كتب تصطدم ببعضها البعض. ولكي يستطيع أحد أن يُخرِج معلومات من هذه الكتب القديمة، كان لا بد له أن ينقِّيها من الشتائم والأشياء شبه ذلك.
فمثلًا شخص يريد أن يناقش نقطة، فيقول له: "سأريك أيها الأستاذ الفاضل كم في كلامك من خطلٍ ومن خطأٍ ومن تناقضٍ: النقطة الأولى تدل على عقليتك التي كذا وكذا." أشياء صعبة، حتى أن الشخص لكي يقرأ كتب الناس القدامى لا بد أن يغربِلها، ويأخذ المعلومات التي فيها.
أمَّا الآن فتجدون كتبنا في المناقشات اللاهوتية لا يوجد بها أية شتيمة، إنَّما فيها إثباتات وبراهين. الشتائم ليست من عملِنا ولا هي موضوعاتنا، ولا هي أسلوبنا، لكنَّنا نأخذ الكلام بالرد على الفكر.
لا مانع أن تقرأوا هذه الكتب القديمة، فالأسقف إيسيذورس كان من أكبر علماء مصر، خُذ المعلومات التي تقدر عليها واترك الباقي. أبونا ميخائيل مينا كان من أكبر علماء عصره، خُذ المعلومات التي تريدها واترك الباقي. كانوا أنوارًا بالنسبة لعصرِهم على الرغم من أسلوبهم المميَّز الذي يختلف عن أسلوب أيامنا هذه.
أيضًا في الوعظ والتعليم احترسوا من الفكر الخاص الشاذ، الذي يتصوَّر به الشخص أنَّه يعرف ما لا يعرفه الآخرون، أو يناقض الآخرين ويعارضهم لكي يثبت أنَّه أكثر علمًا وأكثر معرفةً، وهم لهم أخطاءهم.
كثيرٌ من الناس عندهم هذه النزعة، يريد أن يُظهر أن الناس لم يكونوا يعرفون إلى أن أرسل إليهم الله هذا المبعوث الإلهي يكلِّمهم عن المعرفة الحقيقية! ولماذا هذا يا بُنيّ؟ ما فائدة الذاتية والعظمة التي تكون موجودة في العظة؟
ومرة جاءني سؤال يقول: رغم وجود عظات دسمة في كنيستنا، لكن شبابنا يرفض ويذهب إلى أماكن أخرى بحجة أنَّ كلامَهم سهلٌ وليس معقَّد، ولا يوجد فيه طقس وعقيدة؟
ونجيب: الطقس والعقيدة ليس "كلام معقَّد"، بل بالعكس أذكر مرة ذهبت في إحدى المناسبات وكان الواعظ البروتستانتي هو الذي يتكلَّم كلام بالفُصحى وأنا أتكلَّم باللغة الدارجة، ليس كل الكلام، لكن بوجه عام بلغة سهلة.
غالبًا من ضمن الأشياء التي تجعل بعض اجتماعات البروتستانت مزدحمة بالناس النجاح في الترانيم المنعشة، نحن أحيانًا لا نهتم بالترانيم، وهذه نقطة ضعف في اجتماعاتنا، وليس في العظات.
وأحيانًا في الترانيم يكون معلِّم أو شمَّاس يعزِف عزف منفرد، أو يقف منفردًا ويرنِّم، وبقية الشعب صُمٌ بُكمٌ لا يتحدثون! فهل هذا نجاح؟ قاعدة مهمة: نجاح قائد الترانيم أن يجعل الكلَّ معه والكلَّ متحمِّس ومنتعِش ويتكلَّم بنفس الترنيمة، لكن أن يكون وحده الذي يرنِّم ولا أحد يقول معه، أو يقول لحن بهزَّات لا أحد يعرفها، وقد يكون هو سعيد أنَّ لا أحد يعرفها، لأنَّه بذلك يصبح هو الكبير الذي يعرف.. ليس هذا نجاح.
النجاح أن تشرك الناس معك في الترنيم وفي الألحان وفي التأثُّر وفي العاطفة، هذا هو النجاح. يا ليتنا نهتم بهذه النقطة لئلا اجتماعاتنا لا تكون فيها حرارة.
من الأسباب أيضًا ليس فقط أن ترانيمهم منعشة، بل أحيانًا تكون ترانيم جديدة. كل فترة ترنيمة جديدة، بينما نحن لا يوجد عندنا غير ترنيمة "عند شق الفجر باكر في صباح الأحد".. لنقُل غيرها فالناس يعرفونها. نريد ليس فقط ترنيمة منعشة، بل ترانيم جديدة أيضًا غير الذي تعوَّد عليه الناس. يا ليت يوجد عندنا مجموعة تكون مهمتها إنعاش الترنيم في الكنيسة.
[1] عظة "الوعظ والتعليم"، لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 3 أبريل 2000م
لاحظ نفسك والتعليم
لاحظ نفسك والتعليم[1]
يقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس في (1تي 4: 16) "لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك، لأنَّك إذا فعلت هذا، تخلِّص نفسك والذين يسمعونك أيضًا".
والسيد المسيح يقول: "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلَّه وخسِر نفسه" (مت 16: 26). ليس فقط لو ربح العالم كلَّه من الناحية المادية، ولكن حتى لو ربح من الناحية الروحية وخسر نفسه، ماذا يستفيد؟ ولهذا على كلِّ إنسان أن يسأل نفسه، هل الخدمة كانت سببًا في نموه الروحي؟ أم أنه في الخدمة قد ضاع وفقد روحياته؟!
لا تظن أن هذا الأمر صعب أن يحدث، فكثيرون ضاعوا وهم داخل الخدمة: ديماس مساعد بولس الرسول، أحد مساعديه الجبابرة، ذات مرة ذُكِر اسمه قبل لوقا الإنجيلي، في النهاية قال عنه بولس: "لأن ديماس قد تركني إذ أحب العالم الحاضر" (2تي 4: 10). كان خادمًا، خادمًا قويًا أيضًا.
بولس الرسول يقول: "لأنَّ كثيرين يسيرون ممن كنت أذكرهم لكم مرارًا، والآن أذكرهم أيضًا باكيًا، وهم أعداء صليب المسيح" (في 3: 18). أذكرهم وأنا باكٍ، كانوا من داخل الكنيسة، أناس كِبار وجيِّدين.
وفي سفر الرؤيا يطلب الاحتراس من بدعة النيقولاويين، يقال أن نيقولاوس كان أحد الشمامسة السبعة الذين كانوا ممتلئين من الروح القدس والحكمة، وضاع وانتهى.
والابن الكبير في (لو 15)، الذي رفض أن يفرح برجوع أخيه، وتكلَّم مع أبيه بأسلوب عنيف وصعب لا يليق أن ابنًا يكلَّم به أباه، وقال له: "ها أنا أخدمك سنين هذا عددها، وقط لم أتجاوز وصيتك، وجديًا لم تعطني قط لأفرح مع أصدقائي". أي أنه كان يخدم سنين هذا عددها وما زال يشتهي جدي! "وابنك هذا الذي أنفق أموالك على الزواني".. وأخذ يسب في أخيه ويلعن ويتَّهمه إتهامات لم يذكرها الكتاب. هذا كان يعيش ويخدم سنين هذا عددها، وانتهى.
أصبحت مشيئته لا تتَّفق مع مشيئة الآب، وإن كان قد قيل عن الابن الضال الصغير أنَّه تاب، لم يقل الكتاب عن هذا الكبير أنَّه تاب.
لا تقل هؤلاء لهم خطايا، فسأورد لكم آية عجيبة جدًا جدًا ومخيفة، في (1 كو 9: 27) يقول بولس الرسول: "بل أقمع جسدي وأستعبده، حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا". بولس يقول "لئلا بعد ما كرزت لآخرين أصير أنا نفسي مرفوضًا"؟! بولس خائف على نفسه! شيء مخيف، فبولس هذا الذي صعد إلى السماء الثالثة!! والذي تعب أكثر من جميع الرسل!! والذي كانت له معجزات عديدة، يقول: "لئلا بعد ما كرزت لآخرين أصير أنا نفسي مرفوضًا"! إذًا:
لاحظ نفسك لئلا تضيع
لاحظ نفسك لئلا تضيع، لئلا بعدما كرزت لآخرين تصير أنت نفسك مرفوضًا، لا يوجد إنسان كبير على الخطية، لكن المهم في الخدمة أن هناك خطايا غير ظاهرة، وخطايا يظنَّها صاحبها أنَّها فضيلة. وهنا الخطورة، فالذي في الشارع، الذي يقع في الزنا، يقع في السجاير، يقع في الكذب في الحلفان، يعرف أنَّ هذه خطية واضحة، ولكن هناك خطايا في الخدمة صاحبها يظنَّها فضيلة وهذه صعبة.
لذلك معلِّمنا يعقوب الرسول يقول:"لا تكونوا معلِّمين كثيرين يا إخوتي.. لأنَّنا في أشياء كثيرة نعثُر جميعنا" (يع 3: 1، 2). وبولس الرسول يقول" لاحظ نفسك والتعليم".
ونلاحظ أنه وضع كلمة "نفسك" قبل كلمة "التعليم"، أي لاحظ نفسك أولاً، ثم بعد ذلك التعليم؛ لأنَّ نفسك لو لم تكن صالحة، فالتعليم لن يفيد.
والتعليم ينبغي أن ينبُع من نفسٍ روحية قوية لها صلة بربنا. فالكتاب يقول: "وبِّخ، انتهِر، عِظ" (2تي 4: 2). أقول له نعم، ولكنه يقول أيضًا: "أخرِج أولاً الخشبة من عينك، وحينئذٍ تُبصِر جيدًا أن تُخرِج القذى من عين أخيك" (مت 7: 5).
نقِّ نفسَك من العيوب أولاً قبل أن تعِظ وتوبِّخ وتنتهِر، لئلا فيما تعِظ وتوبِّخ وتنتهِر تقع في قسوةِ القلب أثناء التوبيخ، أو تقع في الظُلم أثناء التوبيخ، أو تقع في الإدانة أثناء التوبيخ. لاحظ نفسَك أولاً، لاحظ نفسك لكي تعرِف عندما توبخ وتنتهر أن تقول هذا الكلام بمحبة، ولا تقوله بعداوة، ولا بقلبٍ سيء.
لاحِظ نفسك، لاحِظ قلبك، لاحِظ فكرك، لاحِظ عواطفك، لاحِظ مشاعرك، لاحِظ روحياتك، لاحِظ نموك الروحي.. لاحِظ.. لاحِظ نفسك أولاً. هناك شخص عندما يصبح خادم مدارس أحد، يقول: أشكر الله أنِّي انتهيت من نفسي، والآن ابتدئ اهتم بنفوس الآخرين!!
المفروض أنَّك تلاحِظ نفسَك إلى آخر نفَس من حياتك، لماذا؟ لأن بولس الرسول يقول: "لاحِظ نفسك والتعليم وداوِم على ذلك". داوِم على ملاحظة نفسك، لماذا: لئلا بعد ما كرزت لآخرين تصير أنت نفسك مرفوضًا.. بماذا تنفعك الكرازة لآخرين إذا صِرت أنت مرفوضًا؟ تكون قد أضعت روحك.
الله سيسألك عن نفسك أولاً قبل أن يسألك عن الآخرين..
لذلك الخدمة والكرازة ينبغى أن تبدأ أولاً من قطاع النفس الداخلي، قبل أن تخرُج إلى خارج، تبتدئ من الداخل، من داخل نفسك. وبعد ذلك تدخل في التعليم، لأن نفسك إذا لم تلاحِظها ستعثِر الخدمة. وأيضًا أخطاؤك سيكون لها تأثيرٌ سيء على الخدمة..
لاحِظ نفسك لئلا فيما تتكلَّم عن الفضائل والخطايا يقول لك تلاميذك: "أيها الطبيب اشفِ نفسك أولاً"، لئلا فيما تتكلَّم عن الفضائل لا يرونها الناس ظاهرةً وممثَّلةً فيك. لذلك لاحِظ نفسك ولاحِظ التعليم، لأنَّه يوجد خُدّام كلُّ نشاطهم من الخارج في الخدمة، ولا يوجد لهم نشاط داخلي في القلب وفي الفكر لا يوجد! من الخارج مظهر ومن الداخل ضياع.
لذلك يقول لك لاحِظ نفسك، لاحِظ نقاوتك، لاحِظ نموَّك أنَّك تمتد إلى قدّام. بولس الرسول يقول: "أنسى ما هو وراء" ليس أنسى ما هو وراء بمعنى أنسى الخطايا.. ليس كذلك، الخطايا لا ينساها، فهو يقول: "أنا الذي كنت قبلاً مجدِّفًا ومضطهِّدًا ومفتريًا" (1تي 1: 13). هو لا ينساها.. لكن ينسى الخطوات الروحية الطويلة التي وصل إليها من أجل أن يمتد إلى قدَّام أكثر منها. وداوم على ذلك..
اهتم بتنظيم الوقت
هناك بعض أشخاص اِنهماكهم بالخدمة ومشاغل الخدمة لا يعطيهم وقتًا لروحياتهم، وهذا خطأٌ من الأخطاء التي نذكرها، أن الإنسان لا يكون له وقت لروحياته.
أذكر ذات مرة وأنا في الدير - عندما كنت قسًا قبل سيامتي أسقفًا - أن مرَّ عليَّ شابًا من كِبار الخُدّام ليأخذ نصيحتي الروحية، ومن الكلام الذي قاله لي: أنا آسف، فأنا لا أجد وقت لروحياتي، لا أجد وقت لصلاتي ولا قراءاتي ولا تأملاتي..
قلت له: لماذا؟ قال لي: الخدمة، دفاتر التحضير. هذا لأنَّه أصبح يشرف على غيره، فيتابع دفاتر غيره، والمكتبة، والنادي، والنشاط الصيفي، اجتماع الخدام، اجتماع الشبَّان المتكلِّمين.. قلت له: وأنت أين نفسك؟ قال لي: لا أجد وقتًا. تذكَّرت الآية التي تقول: "لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك". أخشى أنك تنشغل بالخدمة، وقلبك يناديك في يوم من الأيام ويقول لك اهتم بي، فتقول له: عندما يحصل لي وقت أستدعيك.. عندما أجد وقت ألاحِظ قلبي، فأنا مشغول وليس لديَّ وقت.
اهرب من الفتور والضعف
هناك أُناس في الخدمة تكون حياتهم في الخدمة بشكل هرَمي، مثل ذلك يظل يرتفع لأعلى، لأعلى، حتى يصل للقمة، وبعد ذلك يبتدئ ينزل، ينزل، ينزل لأسفل حتى يجد نفسه على السفح الآخر من الهرم. يصعد، ويصعد لآخر ما يصل إليه، ثم يطمئن لنفسه أنَّه غير محتاج لاهتمام الآن فينزل منحدرًا حتى الضياع.
تقول ماذا أفعل من ناحية الوقت؟ أقول لك: لا تقتطع وقتًا من روحياتك الخاصة لأجل الخدمة.. إنَّما اقتطع من الوقت الضائع واعطِ للخدمة.
لا أقول لك لا تهتم بالخدمة، لكن خُذ من الوقت الثاني وليس من وقت روحياتك، من وقت العالم، من الوقت الخاص بالدردشة، من وقت الكلام، من وقت الجلسات مع الناس، من الوقت الضائع عمومًا، وحوِّله للخدمة. لكن أحذِر أن تضيِّع روحياتك بسبب الخدمة.
الأخطاء التي يقع فيها الإنسان الذي لا يهتم بنفسه
ما هي الأخطاء التي يقع فيها الإنسان عندما يسير في الخدمة ولا يهتم بنفسه؟
1- الكبرياء
يخدِم وينمو في الخدمة ويتحوَّل لمسئول، ثم تكبر نفسه من الداخل.. وعندما تكبر نفسه من الداخل يبتدئ ينتقد الآخرين، يقع في الإدانة. عندما تكبر نفسه من الداخل لا يحتمل نصيحة، لا يحتمل نقد. يقول لك: تساوَت الرؤوس، هل فلان سيعرف أفضل منِّي؟!!! ويبتدئ يصطدم في الكبير وفي الصغير.. لقد كبرت نفسه من الداخل.
2- فقدان التلمذة
وحينما تكبر نفسه من الداخل يفقد شيئًا آخر، وهو (حياة التلمذة). في البدء كان يبحث عن كلمة منفعة، وكان يُحِب أن يستفيد، الآن أصبح في مرتبة معلِّم وليس في مرتبة تلميذ. ففقد التلمذة، وعندما يفقد تلمذته يفقد طفوليته، لأنَّ السيد المسيح يقول: "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات" (مت 18: 3).
احترس تمامًا من أن تفقد تلمذتك، لئلا تكبَر نفسك في عينيك، لئلا تظن أنك ارتفعت فوق مستوى التعلُّم لأنَّك صِرت معلِّمًا، لئلا ترفض التعليم، لئلا يكبَر ذهنك وتعتد برأيك. وهذه إحدى أخطاء الذي لا يهتم بنفسه في الخدمة..
وحينما أقول لا تترك تلمذتك.. لا أقصد فقط التلمذة على الكتب، إنَّما التلمذة على الناس أيضًا، لأن التلمذة على الناس فيها اتِّضاع، حتى يجرِّب المدرِّس الآيات عن فضائل الاستماع: "الاستماع أفضل من التكلُّم"، "الاستماع أفضل من تقديم الذبائح"..
3- التسلُّط
الأخطر من هذا في مسألة الكبرياء، عندما يتدرَّج الإنسان من تلميذ إلى مدرِّس، إلى مسئول، إلى كبير المسئولين. كان في البدء "تلميذ"، الآن أصبح "مدرِّس"، بعد ذلك "أحد الأمناء": أمين ابتدائي، أمين إعدادي، أمين ثانوي، ثم أمين عام.. فقد يتألَّه إذ أصبح "أمين عام"!
ويبحث عن نفسه زمان، أيام أن كان تلميذًا، في بدءِ دخوله الخدمة. كان بسيطًا، وكان هادئًا، الآن كبر في عينيّ نفسه. وممكن عندما يصبح "أمين" يستبعِد كلَّ الذين يخالفونه في الرأي ولا يُبقي إلَّا تلاميذه، ويبقى الكلُّ خاضعًا ومطيعًا! وماذا عنه هو؟ متى يُطيع؟!!
وهنا يفقد أيضًا الطاعة، وفي نفس الوقت الذي يفقد فيه الطاعة يطلب الطاعة من الآخرين الذين تحت يديه..
لاحِظ نفسك والتعليم، لأنَّ التعليم الصحيح يقول لك: لاحِظ نفسك.
لا تظن أن التعليم يعني الخدمة فقط، وحينما يكبر الخادم، بدلاً من أن يستمع أصبح يناقش. من قبل وهو صغير كان يسمع الكلام ويقول: أنا سعيدٌ جدًا، فاليوم سمِعت كلمة لطيفة من الأستاذ فلان، سمِعت كلمة لطيفة من أبونا فلان، سمِعت كلمة لطيفة من نيافة الأنبا فلان.. الآن يناقِش كلَّ كلمة يسمعها، يتناقش فيها، وهنا التحوُّل داخل النفس. وقد يقول لك فلان مخطئ، وقد يعتد برأيه ويدخل فيه صلابة الفِكر والعِناد، وهذه الأمور نجدُها في خُدَّام كثيرين.
4- الإدانة والتركيز على أخطاء الآخرين
من الأخطاء الكثيرة التي تصادف الخادم أيضًا الإدانة؛ الإدانة في محيط الخدمة سواءً إدانة زملائه، أو إدانة المسئول في الخدمة، أو إدانة الأب الكاهن، أو إدانة مجلس الكنيسة وأعضاء اللجنة.. إلخ. صدِّقوني عشنا في الخدمة طوال عمرنا، أذكر طوال حياتي (في الخدمة، حتى رهبنتي)، لم أكن أعرف إطلاقًا أعضاء مجلس الكنيسة من هم!.. وحتى الآن لا أعرف من كانوا أعضاء مجلس الكنيسة عندما كنت خادمًا. ولماذا أعرفهم؟!
لكن من الأخطاء التي يقع فيها الإنسان الذي لا يلاحِظ نفسه: أنَّه يخرج من حاله، ويدخل في أحوالِ الآخرين.
5- التعليم الخاص
من الأخطاء التي يقع فيها الخادم أيضًا الذي لا يهتم بنفسه ولا يلاحِظ نفسه: التعليم الخاص، أن يكون صاحب مدرسة خاصة وفكر خاص.
أنت جزءٌ في الكنيسة القبطية، تُعلِّم تعليم الكنيسة القبطية. يقول لك أنا صاحب رأي، أنا صاحب فكر! ويصبح له رأيه وتعليمه الخاص، ومفهومه الخاص يحوِّله للآخرين. لذلك نجد أفكارًا كثيرة خطأ تنتشر لأن هناك مدرس اقتنع بالفكر الخاطئ وبدأ ينشره..
قبل أن يخدم كان فكره الخاطئ واقعًا على نفسه فقط، لكن الآن وهو خادم ينشر الفكر الخاطئ ويعلِّم ما يراه. ولذلك بولس الرسول يقول لتلميذه تيطس: "تكلَّم بما يليق بالتعليم الصحيح" (تي 2: 1)، ويقول لتلميذه تيموثاوس: "وما سمعته منِّي بشهودٍ كثيرين، أودِعه أناسًا أمناءَ" (2 تي 2: 2).
لا تأتي بفكرٍ من عِندك، الفكر الذي استلمته هو الذي تحوِّله.. ما تعلَّمته مني بشهودٍ كثيرين أودِعه أناسًا أمناءَ، يكونون أكفاءً أن يعلِّموا آخرين أيضًا.
أيضًا من الأخطاء التي يقع فيها الخادم الذي لا يهتم بروحياته، أن الدين يتحوَّل عنده إلى فكرٍ أو فلسفة؛ العقيدة تُصبِح فلسفة، أو اللاهوت يُصبِح فلسفة، وتخلو الروحيات من تعليمه، فحتى الروحيات تتحوَّل إلى علم.. يقول لك عن الصلاة: إنَّ الصلاة لها درجات، هناك صلاة عادية، هناك صلاة خاصة، صلاة عامة، صلاة من أجل الآخرين، هناك ما يُدعى هذيذ، شيء اسمه تأمُّل، اسمه دَهْش.. إنَّه عِلم!
فهل هذا الهذيذ دخلتَ أنت فيه؟ والدَهْش هل دخلت فيه أيضًا؟.. يقول: هذا موجودٌ في كتاب كذا.. وتحوَّلت الروحيات إلى علم، وبعد ذلك لا تصبح الروحيات "ممارسة" إنَّما "فكر".. فكرٌ يتداوله الناس، ولا يحيونه، ولا يعيشونه.
6- تحويل الدين إلى فكرة أو فلسفة
ثم يتحوَّل هذا الخادم بالفكر الذي يُدرَّس ولا يُمارَس إلى جسر!! جسر يوصِّل الناس من شاطئٍ إلى شاطئ وهو باقٍ مكانه لا يتحرَّك، واقفٌ هكذا مثل محطة مرور، يقول لك: تريد أن تصل للطريق، تمشي في هذا الشارع تصل للآخر. وأنت؟ هل تمشي؟ يقول: أنا واقف هنا، أنا نقطة مرور..
ويتحوَّل هذا الخادم إلى مثالٍ لأجراسِ الكنائس التي تدعو الناس إلى دخول الهياكل دون أن تدخل هي إلى الهياكل، هي مجرَّد جرس.. يقول لك أُدخل، وهو لا يدخل. أو مثل بوَّاب الكنيسة، يقول لك تدخل وتجلس في هذا المكان، وهو نفسه لا يدخل ولا يجلس في المكان. هذا يجلس على باب المعرفة، يدخل وهو جالِس مكانه، يُرشِد الناس إلى الطريق دون أن يسير فيه..
يتحوَّل إلى مدرِّس روحيات، وليس إلى شخصٍ روحي.. وهناك فرقٌ بين شخص روحي ومدرِّس روحيات. بماذا يفيد؟؟ أصبحت (الروحيَّات) علم يُدرس مثل التاريخ، ومثل الجغرافيا، ومثل الطبيعة، ومثل الكيمياء.
7- إهمال العبادة
من الأخطاء التي يقع فيها الخادم الذي لا يهتم بروحياته أيضًا: إهمال العبادة، إهمال الروحيات كما قلنا سابقًا، ثم لا يوجد وقت للصلاة.. لماذا؟ مشغولٌ بالخدمة، لا يوجد وقت للقراءة.. لماذا؟ مشغولٌ بالخدمة.
مشكلةٌ أخرى أيضًا.. يقرأ من أجل الآخرين وليس من أجل نفسه.. يقرأ ليحضِّر درسًا ولا يقرأ لكي يحيا حياةً روحية.. القراءةُ بالنسبة له وسيلةٌ للعلم الذي يعلِّمه للآخرين، وليس وسيلةَ التأمُّل الخاص والحياة الخاصة والتداريب الخاصة والممارسات..
باختصار يتحوَّل من عابدٍ إلى عالِم.. يكلِّمك في شتَّى الفنون الكنسية والعلوم الكنسية، ولو حاورته يهيج عليك ويتخاصم معك! هل كلُّ هذه العلوم لا تُخرِج منك الخصام ولا الغضب ولا الصوت العالي ولا النرفزة؟ فيقول لك: ماذا تقصد؟ هل تعرف مع من تتكلَّم؟ نعم، إنسان يعمل خارج نفسه ولا يدخل إلى داخل نفسِه ليعمل فيها، بينما بولس الرسول يقول لك: لاحِظ نفسك، ثم التعليم، وداوِم على ذلك. لاحِظ نفسك وداوِم على ذلك، لئلا بعدما كرزت لآخرين تصير أنت نفسك مرفوضًا.
8- تحوُّل الخدمة إلى الصراعات والاصطدامات
والخادم الذي ينسى نفسه قد يدخل في الخدمة وتتحوَّل الخدمة بالنسبة له إلى صراعات واصطدامات ومشاكل ودوامات.
روحياتك أيها الحبيب؛ روحياتك، نموَّك، قلبك، علاقتك بربنا؟! فيُخبِرك بمشاكل الخدمة! مشاكلُ الخدمة أشياءٌ تحارِبك من الخارج، لكن لا تدخُل إلى قلبك. في الداخل قلبك لا بد أن يكون محصَّنًا.
نقول سبِّحي الرب يا أورشليم، لماذا؟؟ "لأنَّه قد شدَّد عوارض أبوابك. بارك أبناءَك داخِلك" (مز 147: 13).. أبواب مغلقة لا تدخلها الخطية، لا تدخلها العثرة. وأيضًا: "أختي العروس جنةٌ مغلقة، عينٌ مقفَلة، ينبوعٌ مختوم"، (نش 4: 12).. هي محصَّنة، المشاكل موجودة خارجًا لكن الداخل لا..
لاحِظ نفسك والتعليم، وداوِم على ذلك، لئلا يضيع التعليم أيضًا. عندما تلاحِظ التعليم لاحِظ أن تعطي الأولاد معلوماتً كافية شاملة لكلِّ شيءٍ، ومعلوماتً صحيحة، وتدرِّبهم في الحياةِ الروحية، وتوصِّلهم لربنا.
سمات التعليم السليم[2]
من جهة التعليم ينبغي أن يكون تعليمًا سليمًا، كما قال القديس بولس لتلميذه تيطس "تكلَّم بما يليق بالتعليم الصحيح" (تي 2: 1)، فلا يكون تعليمك فكرًا شخصيًا، ولا تعليمًا منحرِفًا، ولا مجرَّد عقيدةً ابتكرتها. فتعدُّد مدارس التعليم أوجَد البدع والهرطقات. وكما يكون تعليمك سليمًا، ينبغي أن يكون أيضًا تعليمًا دسمًا يُشبِع سامعيك. كما يجب أن يكون مناسبًا لهم، متدرِّجًا مع مستواهم، ويكون تعليمًا نقيًا من الشتائم والتوبيخ، يشعر كلُّ من يسمعه أن الروحَ هو الذي يتكلَّم على فمك، وهو الذي أعطاك ما تتكلَّم به.
لاحِظ التعليم الذي تعلِّمه لغيرك بحيث يكون تعليمًا كتابيًا يستند على كلمة الله التي تحكُمك للخلاص (2تي 3: 15)، وكما يقول القديس الأنبا أنطونيوس: في كلِّ ما تقوله ينبغي أن يكون لك عليه شاهدًا من الكتب.
وليكن تعليمُك أيضًا تعليمًا رسوليًا، حسب التقليد الذي تسلَّمناه من الآباء (2تي 2: 2). ليكن تعليمُك آبائيًا حسبما تعلَّمنا من آبائنا القديسين. لا تعتمد على فكرك الخاص، لئلا تضلَّك الأفكار، وكما قال الكتاب "وعلى فهمِك لا تعتمد" (أم 3: 5). إنَّما أُنظر ماذا قال آباؤنا الذين تكلَّموا بالروح.
[1] من عظة "الاجتماع الرابع لإعداد خدام، لاحظ نفسك والتعليم"، لقداسة البابا شنوده الثالث بتاريخ 8 يونيو 1978م
11 البابا شنوده الثالث، كتاب الخادم الروحي والخدمة الروحية ج 3. ص 113 – 114
أهمية العقيدة وتدريسها
أهمية العقيدة وتدريسها[1]
هل نعلِّم أولادنا الفضيلة، بلا إيمان، ونتركهم لمحاربة الشكوك؟
هل التعزية الروحية تكون على حساب الإيمان؟
وما موقفنا من حرب الشكوك؟
في وقتٍ ما، ربما منذ أكثر من ثلاثين سنة، اتهمتنا بعض الطوائف أن تدريسنا العقيدة للناس يكون على حساب روحياتهم، وأن عظاتنا ليست خلاصية، وأنهم يسمعون الكلام في العقيدة فلا يتعزّون، وأن التعزية لا تأتي إلا بترك المنهج العقيدي إلى المنهج الروحي، أو الخلاصي، بحسب تعبيرهم.
وفي بساطةِ الأقباط، تركنا تدريس العقيدة، وبدأنا الكلام في الروحيات، وجاريناهم في الطريقة (الخلاصية). فلمَّا وجدونا هكذا، صاروا يدرِّسون العقيدة في عمق، بحسب مفاهيمهم، ويجعلون الكِبار والصِغار يحفظون آياتً معيَّنة، يفسِّرونها لهم بطريقةٍ خاصة. وتحوَّلت مواعظهم الخلاصية إلى موضوعاتٍ عقائدية بحتة. والمنهج العقلي الذي انتقدوه، اِندمجوا فيه لأبعدِ الحدود.
وتنبَّهت الكنيسة للعملية كلِّها، وكيف بدأت وتحوَّلت وتطوَّرت. ورأت الكنيسة أولادها أمام مجموعة ضخمة من الشكوك تُوجَّه إلى الإيمان، من داخل ومن خارج، فكان لا بد أن تعمل عملاً. والعمل بدأ من رئاسة الكنيسة، ولكنَّه لا بد أن ينتشر في كلِّ مكان، من أجل الإيمان.
ووجد أولادنا أنفسهم أمام شكوكٍ لم تُدرَّس لهم في مدارس التربية الكنسية، ولا في اجتماعات الوعظ في الكنيسة، ولم يجدوا مؤلَّفات تقدِّم ردودًا. بل زحفت التعاليم الغريبة حتى إلى بعض الذين يقومون بالتعليم داخل الكنيسة!!
إن الدين ليس هو مجموعة من الفضائل. فالفضائل توجد حتَّى عند غير المؤمنين، عند البراهما والبوذيين وغيرهم.. ولكن الدين أولاً عقيدة وإيمان ومن هذا الإيمان تنبُع الفضائل، ويكون لها وضعٌ روحي غير وضعِ الفضائل عند غير المؤمنين.
والخلاص وإن كان يتعلَّق بروحيات الإنسان، إلَّا أنَّه عقيدة لها أساسها، وهذه العقيدة تؤثِّر على طابع الروحيات.
ولذلك فإن الكنيسة ستعمل بكلِّ جهدها على تعميق مفاهيم العقيدة في أبنائها منذ بداية طفولتهم، حتى إذا شبّوا لا تُتعِبهم الشكوك والمحاربات الفكرية التي من الخارج..
الآباء والأمهات عليهم مسئولية كبيرة في هذا المجال. وينبغي أن تُدرِك الأم مدى مسئوليتها كإشبين لطفلها، تسلَّمته من الكنيسة يوم العماد لتربيته في حياة الإيمان السليم. والمسئولية تقع أيضًا على مدارس التربية الكنسية التي ينبغي أن تٌعدَّل مناهجها لتتَّفق والقيام بهذه الرسالة.
وهناك مسئولية أيضًا على الآباء الكهنة، وعلى الوعَّاظ، وعلى المهتمِّين بقيادات الشباب، وعلى كلِّ من له مهمة التعليم.
الطفل: نقدِّم له الإيمان بطريقةٍ التسليم، وفي المراحِل المتقدِّمة: يأخذ التعليم أسلوب التفهيم. وفي كلِّ الفترات: نجعل أولادنا يحفظون العقيدة والآيات. وفي المرحلة الثانوية والجامعية: يدخل أبناؤنا في المرحلة الجدلية التي تحتمل مناقشة الآراء المعارضة والشكوك.
ويشمل تدريسنا المنهجيْن معًا، العقيدي والروحي، الإيمان والفضيلة، العقل والقلب، الإنسان كله، لكي يكون منهجًا متكاملاً.
اهتمامُنا بالإيمان والعقيدة لا يُنسينا الحياة الروحية والسلوك المسيحي. والاهتمام بالفضيلة لا يُنسينا الإيمان. افعلوا هذه ولا تتركوا تلك. فالتطرُّف في أحد الطريقيْن له أخطاره.
وفيما نحن ندرِس الإيمان لا نكون عقلانيين، وإنَّما روحيين أيضًا. وعلينا أن نجمع كلَّ ما يواجه أبناءنا خارج الكنيسة من أفكارٍ وتيَّارات وحروب وشكوك، ونقدِّم لهم ردودًا. وتكون هذه أيضًا مسئولية كنائسنا ومجلاتنا ومفكرينا، بل تكون هذه أيضًا مسئولية كلِّياتنا الإكليريكية.
هذا الجيل الذي نعيش فيه، يحتاج إلى اهتمام خاص بالإيمان. ويكفي كبرهان نظرةً واحدةً إلى المكتبات والمطبوعات. وهو جيلٌ لا تصلُح معه السطحية في التعليم، وإنَّما يجب إعداد المعلِّمين بعمقٍ خاص في الفهم والمعرفة والدراسة. وينبغي أن تكون للخُدام دراسات مستمرَّة تنشِّط معلوماتهم Refreshing Courses، وتجعلها مناسبةً لجيلهم.
كلُّ عصر له أفكاره، وله الدراسات التي تناسبه، ولا يجوز أن يعيش الخُدَّام في غير جيلهم، لا يشعرون بالحروب التي يتعرَّض لها أبناؤهم، وبالشكوك الفكرية التي تهاجمهم. وما أجمل قول الرسول: "مستعدِّين دائمًا لمجاوبة كلِّ من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم" (1بط 3: 15).
[1] البابا شنوده الثالث، كتاب بدعة الخلاص في لحظة، ص 7 – 10
العقيدة الأرثوذكسية
العقيدة الأرثوذكسية[1]
العقيدة الأرثوذكسية كوضع متوسِّط بين تطرفيْن
العقيدة الأرثوذكسية هي وضعٌ متوسِّط معتدِل بيْن تطرُّفٍ كاثوليكي وتطرُّفٍ بروتستانتي. كيف؟ من أمثلة ذلك.
الكهنوت
عندما تمادى الكاثوليك في سلطة الكهنوت إلى حدودٍ غير معقولة، قال البروتستانت كرد فعل لا يوجد كهنوت على الإطلاق، وقالوا لا يوجد إلَّا كاهن واحد هو يسوع المسيح، والناس كلُّهم مثل بعض، إمَّا أن لا يكون كهنوت نهائيًا أو نكون كلنُّا كهنة.
الأرثوذكسية قالت: يوجد كهنوت له سلطاته المحدَّدة المعروفة، لا يزيد عنها.
فالكاثوليك تمادوا في سلطان الحل والربط بالنسبة للكهنوت، فتمادوا في تفسير عبارة "كلُّ ما تحلّونه على الأرض يكون محلولًا في السماء" (مت 18: 18) بطريقةٍ غير معقولة أوصلتهم إلى صكوك الغفران، وأوصلتهم إلى كشف أو تسعيرة بالنسبة للغفرانات، وقسَّموا الخطايا إلى أنواعٍ وأشكال بعقوباتٍ متنوِّعة.
فكانت النتيجة أن البروتستانت قالوا: لا يوجد شيءٌ اسمه حل ولا ربط ولا مغفرة، والمسألة بين الإنسان وبين الله وحده. هذا لأَّنهم تعبوا من الغفرانات الموجودة عند الكاثوليك.. تطرُّف.
الغفرانات
الكاثوليك في الغفرانات يقولون: لو أن شخصًا يزور المكان الفلاني في عيد الميلاد أو عيد القيامة يُغفَر له كذا سنة وكذا يوم، ولو يصلِّي الصلاة الفلانية للقديس الفلاني يُغفر له 300 يوم.. أشياء عجيبة، غُفرانات تُعطَى من أماكن معيَّنة وفي مناسبات معيَّنة ومن تلاوات خاصة، وغفرانات ممكن أن يمنحها الحَبر الأعظم أي البابا!
فلمَّا تمادوا في هذا الموضوع، قال البروتستانت: لا يوجد شيءٌ اسمه غُفرانات نهائيًا، ولا شيء اسمه حِل ولا ربط ولا اعتراف، ولا شيء اسمه سلطان كهنوتي. والحكاية بيْن الإنسان وربنا.
أما الأرثوذكس فقالوا: لا، نحن في وضعٍ متوسِّط. يوجد سلطان حِل وربط وسلطان كهنوتي، لكن هناك حدود لا تصل إلى مستوى هذه الغفرانات ولا هذه القوائم وهذه التسعيرات. الغفران أساسه التوبة، إنسان يتوب فالأب الكاهن يجد أنَّه تاب، يعطي له المغفرة، لكن لا نقول من يزور الكنيسة الفلانية يُغفر له 300 يوم، ومن يزور الكنيسة الفلانية يُغفر له 30 سنة! هذا كلام غير معقول.
قصة الغفرانات عند الكاثوليك هذه جاءت من ناحية القديسين، فعندهم أمور تُدعَى (استحقاقات القديسين أو زوائد القديسين).. زوائد القديسين تعني أن قديسًا يكون قد عمل أعمالاً كبيرة جدًا، فيكون له رصيدٌ من الغفرانات ممكن أن يورِّثه لغيره، وممكن هذا الرصيد تُمنَح منه غفرانات بالاستشفاع (اسمها زوائد القديسين).
القديسين
واهتم الكاثوليك جدًا بالقدِّيسين لدرجة أن إكرام القديسين في كتبِهم يسمونه "عبادة القدِّيسين"، يدعونها هكذا، حتى أن تمثال مارمرقس، وماربطرس في روما، رجله تهرّأت من كثرة قبلات الناس لها! شيء غير معقول. وأقيمت التماثيل، وأصبح الناس يأتون ليسجدوا أمام التماثيل ويقبِّلوا أقدامها، وأصبحت هذه التماثيل تُقام في كلِّ مكان وتدشَّن تدشينًا خاصًا، ويعملوا لها زفَّة.
فالبروتستانت تضايقوا من هذا التطرُّف، وقالوا: لا توجد أشياء اسمها قديسين، كلُّنا قديسين.. مثلما قالوا كلُّنا كهنة، قالوا كلُّنا قديسين، ولا يوجد شيء اسمه قديسين. ثم تمادوا لدرجة أنَّهم أصبحوا يحتقرون القديسين، فلا يقبلوا أن يسموا الكنائس بأسماءِ القديسين، لا يطلبون شفاعة القديسين، ولا يحتفظون حتى بأيقونات أو صور للقديسين، ولا يحتفلون بأعياد القديسين.
تمادوا تماديًا عكسيًا كرد فعل، مثل كرة تضربها في الحائط ترُد من الناحية الثانية بنفس القوة وعكس الاتِّجاه، مثل نظرية زاوية السقوط وزاوية الانعكاس، فكلُّ فِعل له رد فعل مساوٍ له في القوة، ومغاير له في الاتِّجاه. فكان رد فعل هؤلاء احتقار القديسين.
أما نحن الأرثوذكس، فنأخذ موقفًا وسط، نُعلِّم بأنَّه يوجد قديسين ولهم احترامهم، ولهم توقيرهم، لكن لا نصل إلى درجة زوائد القديسين، لأنَّ الكلَّ تحت الحكم ولا يوجد أحد عنده زوائد: "متى فعلتُم كلَّ ما أُمِرتم به فقولوا: أنَّنا عبيدٌ بطالون" (لو 17: 10). أيضًا لا توجد لدينا عبادة للقديسين، إنَّما إكرامهم له حدود. ولا توجد تماثيل للقديسين، يكفي الصور. وأصبحنا نُحب القديسين ونكرِّمهم ونطلب شفاعتهم في حدودٍ معتدلة. لذلك نقول:
إن الأرثوذكسية وضعٌ متوسِّط بيْن تطرُّفيْن، تطرُّف كاثوليكي وتطرُّف بروتستانتي.
العذراء مريم
قصة القديسين هذه امتدت إلى قصة العذراء مريم. فالكاثوليك تمادوا في إكرام العذراء مريم أيضًا بشكلٍ غير معقول، لدرجة أنَّهم قالوا: إن مريم حُبِل بها بلا دنس الخطية الأصلية، ولِدت مُطهَّرة بدون خطية آدم وحواء، بينما العذراء تقول: "تبتهج روحي بالله مخلِّصي" (لو 1: 47)، أي أنَّها كانت محتاجة الخلاص هي أيضًا.
ومن تماديهم في إكرام العذراء مريم أنَّهم وجَّهوا لها الصلوات. هل تعرفون صلوات العائلة المقدسة التي يصلّون فيها إلى الثلاثة: "چيسوس، ماري، چوزيف" (يسوع، ومريم، ويوسف). وتمادوا أيضًا بالنسبة للعذراء مريم في كلِّ ما يختص بها من إكرام، لا تقبله العذراء نفسها.
أما البروتستانت فقالوا: لا عذراء ولا غيرها، العذراء هذه مِثل بيضة خرج منها كتكوت، والقِشرة أصبحت بلا قيمة. أو مِثل وعاء فخاري كان به عسل، خرج العسل، فالوعاء أصبح بلا قيمة. أو علبة كان فيها جوهرة خرجت الجوهرة، وأصبحت العلبة ليس لها قيمة.. وتمادوا هم أيضًا في الموضوع لدرجة أنَّهم قالوا: العذراء تزوجت يوسف وأنجبت بعد المسيح، وأصبح له إخوة بالجسد، وعملوا لها قصة.. تطرُّف من ناحية، يقابله تطرُّف من ناحيةٍ أخرى.
الأرثوذكس قالوا: العذراء قديسة عظيمة أعظم من الملائكة ورؤساء الملائكة وأعظم من الشاروبيم والسيرافيم، ولكنَّها لم يُحبَل بها بلا دنس الخطية، وكانت محتاجة إلى الخلاص بدم المسيح مثل أي انسان آخر. هي قديسة نكرِّمها، ولكن لا نعبدها ولا نعصِمها.. وضعٌ متوسِّط.
السلطة الكنسية
الكاثوليك تمادوا في شيءٍ آخر، من جهة السلطة الكنسية في شخصية البابا، فأصبح البابا بالنسبة لهم معصومًا من الخطأ. أصبحت سلطته زائدة عن حدودها، لدرجة أن الكلمة التي تخرج من فمه تُصبِح قانونًا، وإذا أرسل رسالة يسمونها الإرادة الرسولية، على اعتبار أنَّه يمثِّل الرسل، فهذه تكون إرادة رسولية.
وتمادوا أيضًا في رئاسته للكنيسة فأصبح هو خليفة المسيح بالنسبة للعالم كلِّه، وأصبحت رئاسته أهم من المجمع المقدس كلِّه. فما معنى أهم من المجمع؟ أي أن لو مجمع الفاتيكان الثاني اجتمع فيه 2500 أسقفًا وقرَّروا قرارات ثم أرسلوا هذه القرارات إلى البابا لكي يعتمدها، فإذا لم يعتمدها يكون عمل الـ 2500 أسقف كأن لم يكن، وكأن البابا في نظر الكاثوليك أهم من المجمع، وسلطته أقوى من المجمع. وإذا أراد أن يلغي قرارات المجمع، فإنَّه يلغيها، وإن أراد أن يُعدِّلها فإنَّه يعدِّلها.
والبروتستانت قالوا: لا يوجد عندنا بابا ونُريح أنفسنا. لا يوجد بابا، وليس هذا فقط، بل تطرَّفوا فقالوا لا يوجد بطاركة ولا يوجد أساقفة. لأنَّه إذا كان لا يوجد كهنة، فبالتالي لا توجد رئاسة للكهنوت، وأصبح عندهم لا يوجد أكثر من كلمة "قِس". وحتى القِس عندهم ليس كهنوت، ولكنَّه مجرد راعٍ وليس كاهنًا لأنَّه لا يمارس أي أسرار كنسية.
أما نحن كأرثوذكس: فلنا الوضع المتوسِّط الذي تسلَّمناه من الآباء. يوجد أساقفة، ورؤساء للأساقفة، ويوجد بطاركة وباباوات، ولكنهم ليسوا معصومين، لأنَّ العِصمة لله وحده. وأيضًا كلامهم ليس قوانين، إنَّما لهم أن يُصدروا قوانين، بشرط أن يوافق عليها المجمع المقدس. وأيضًا في كنيستنا الأرثوذكسية المجمع المقدس سلطانه أكبر من البابا. صحيح أن البابا يرأس المجمع المقدس، لكن قرار المجمع المقدس يخضع له البابا نفسه. وهكذا في هذا الوضع المتوسِّط لم نذهب يمينًا في التطرُّف الكاثوليكي ولا يسارًا في التطرُّف البروتستانتي، وبقيَت الأرثوذكسية في وضعِها المعتدِل.
حاليًا الكاثوليك تنازلوا عن كلمة "عصمة البابا"، فبعد ما كانت عصمة فقط بوجه عام، قالوا لا، هي عِصمة في التعليم. وبعد ذلك قالوا العصمة في التعليم، ليس فقط عندما يتكلَّم، وإنَّما التعليم الذي تُكوَّن له لجان ومجامع وتجتمع له الكنيسة وتقرِّره الكنيسة كلُّها، ويقف البابا ليعلنه. وحتى من جهة الإعلان ليس أي إعلان، وإنَّما إعلان في التعليم يسمونه (إكس كاتيدرا Ex Cathedra)، أي يعلنه للناس من فوق الكرسي البابوي، فيُعتبر هذا التعليم معصومًا. أي أنَّهم اعتبروا أن المعصوم هو التعليم وليس الشخص، وأيضًا الذي يصدر نتيجة جمعيات ولجان ومجامع وبحث وفحص ودراسة، وتقرِّره الكنيسة، ويعلنه البابا. فالمسألة أصبحت هادئة قليلاً عمّا قبل.
لكن الكاثوليك تمادوا في أمرٍ آخر هو: الرئاسة البطرسية وخلافتها. فقالوا: أن بطرس رئيس الرسل، وأن بابا روما هو خليفة بطرس، وبهذا يصبح خليفة المسيح في العالم كلِّه، وهكذا يصبح العالم المسيحي كلُّه له رئاسة واحدة.
البروتستانت قالوا: لا توجد رئاسة، لا بطرس ولا بولس ولا غيرهما، لا هذا ولا ذاك. كلُّ واحد في منطقته قائمٌ بذاته، رئيسه الله مباشرةً، وكلُّ واحد يفكِّر حسبما يرى، وكلُّ كنيسة قائمة بذاتها، رئيسة نفسها. وضاعت مسألة الرئاسة تمامًا كرَد فِعل.
الكنيسة الأرثوذكسية قالت: كلُّ كرسي من الكراسي له رئاسته المحلية ولكن لا توجد رئاسة عامة للعالمِ كلِّه، أي أن كرسي الإسكندرية له الرئاسة في نطاق كرازة مارمرقس، الكرسي الأنطاكي له رئاسته في نطاقه، الكرسي الأورشليمي له رئاسته في نطاقه، كرسي روما له رئاسته في نطاقه، لكن لا توجد رئاسة عامة للعالمِ كلِّه. أما العالم المسيحي ككل، فإن وُجِدت له رئاسة يكون هذا إن اجتمع مجمع مسكوني من رؤساء الكنائس كلها، فيصبح رأي هذا المجمع يسود على الكل.. وضعٌ متوسِّط.
مسألة التقاليد والقوانين الكنيسة
الكاثوليكية بالغت فيها لدرجة أصبح الناس لا يستطيعون أن يناقشوا أمرًا. هذا أمرٌ أمرَ به البابا الفلاني، فليكن. هذا أمرَ به المجمع الفلاني، ليكن كذلك.. وهكذا. والقصة دخلت في تقاليد صعبة، وأصبح كثيرٌ من الكاثوليك لا يفهمون القواعد الأساسية لهذه الأمور، إنَّما يكفي أن يتسلَّموها على أنها قالها باباوات، أو قالتها مجامع فقط.
البروتستانت قالوا: لا توجد تقاليد نهائيًا، لا تقاليد ولا قوانين ولا شيء أبدًا، لا يوجد غير الكتاب المقدس وحده، وأنكروا حتى كلَّ قرارات المجامع السابقة وكلَّ قوانين المجامع، حتى لو كانت مجامع مسكونية اجتمع فيها رؤساء الكنائس أجمع. قالوا لا يوجد غير الإنجيل، وليس لنا دخل بالباقي كله.
الكنيسة القبطية قالت: توجد تقاليد، وتوجد قوانين للمجامع المسكونية والمجامع المحلية التي ووافقَ عليها، وقوانين الآباء الموافَق عليها، لكن لا نتطرَّف في التقاليد إلى أبعد من هذا.
الزواج والطلاق
حتى الزواج والطلاق، بالغ فيه الكاثوليك لدرجة أنَّهم قالوا: إن الزواج سرٌ مقدَّس، ولا يمكن أن ينحل إلَّا بالموت، حتى في الزنا لا ينحل، ينفصلوا جسمانيًا فقط، وهو ما يسمونه انفصال جسماني، ولكن يظلوا مرتبطين.
البروتستانت قالوا لا يوجد أشياء اسمها أسرار، والزواج ليس سرًا، هو عقدٌ، ولكن ليس سرًا، وممكن أن ينحل.
الكنيسة الأرثوذكسية أخذت الموقف المتوسط، أن الزواج سرٌ كنسي ولكن يمكن أن ينحل بالزنا، بمعنى يمكن الطلاق للزنا على حسب تعاليم المسيح، ويمكن أيضًا لتغيير الدين حسبما ورد في (1كو 7). حاليًا البروتستانت يوافقون على هذا الأمر، ونحن نحاول في الأحوال الشخصية أن نوجِد "قانون موحَّد" على قدرِ الإمكان.
الصوم
بالغ الكاثوليك في الصوم في وقتٍ من الأوقات، لدرجة أن البروتستانت أنكروا الصوم نهائيًا وقالوا من يريد أن يصوم فليصم وحده، لكن لا يوجد صوم عمومي للكنيسة كلها. حاليًا الكاثوليك يمكن أن لا يكون عندهم صوم أيضًا.
في مؤتمراتٍ كنَّا كأقباط أرثوذكس نحضرها، كان قليلون منهم يمكن أن يكونوا صائمين. حتى يومي الأربعاء والجمعة يأكلون فيهما لحوم، كلُّهم بما فيهم البروتستانت والكاثوليك.. الصوم تقريبًا كاد أن ينتهي عند كلِّ هؤلاء. نشكر الله أن الكنيسة القبطية محافِظة، وظلَّت وحدها على هذه المحافظة، لم تغيِّرها.
الصلوات
بالغت الكنيسة الكاثوليكية في التلاوات المعيَّنة، فيقولون: تقول تلاوة الصلاة الفلانية، وتكرِّرها، فيغفَر لك كذا يوم. تقول "أبانا الذي" كذا مرة، فتُغفر 70 يوم، تُغفر 100 يوم.. وهكذا. كان معي هذا الكتاب ذات مرة، وجلست أقرأ فيه صلوات العذراء مريم، عندما تقولها سيُغفر لك كذا.. صلوات.. وأمور كثيرة في التلاوات.
البروتستانت قالوا: كل هذه الصلوات المحفوظة لا دخل لنا بها. كلُّ أحد يصلّي من قلبه ولا دخل لنا بالصلواتِ المحفوظة كلِّها.
الكنيسة الأرثوذكسية: كانت في موضعٍ متوسط، موجودة صلوات محفوظة في الأجبية، وموجودة الصلوات الخاصة بكلِّ واحد، لكن لا توجد المبالغة الخاصة بالصلاة والتلاوة، لا يوجد موضوع كلَّما يتلو شخص شيء يُغفر له هذا الأمر.
في باقى الأمور كلِّها وجدنا الكنيسة القبطية تمثِّل الوضع المتوسِّط المعتدل بيْن التطرُّفات اليمينية واليسارية، لذلك استطاعت أن تحتفظ بوضعها بدون الهزَّات الشديدة التي صادفت الكاثوليك في تاريخهم الطويل من انشقاق كنائس كثيرة عنهم.
[1] محاضرة "الاجتماع العاشر لإعداد خدام، كلمة عن الأرثوذكسية كوضع متوسط بين متطرفين"، لقداسة البابا شنوده الثالث بتاريخ 20 يوليو 1978م
الاتِّضاع في العقيدة والطقوس
الاتِّضاع في العقيدة والطقوس [1]
من أكبر المبادئ المعروفة في حياة الاتِّضاع أن الإنسان يشعر بعدم الاستحقاق، أي يقول أنا لا أستحق حتى دخول الكنيسة. ونحن نقول: "أمَّا أنا فبكثرة رحمتك أدخل إلى بيتك وأسجد قدَّام هيكلِ قدسِك بمخافتك".. إنسان شاعر أنَّه لا يستحِق أن يدخل الكنيسة، "ببيتك تليق القداسة يا رب"، وأنا لم أصل لهذه القداسة..
تصوَّروا حتى في الاستماع للإنجيل.. يقول الكاهن في الأوشية: "اجعلنا مستحقّين أن نسمع ونعمل بأناجيلك المقدسة بطلبات قديسيك".. حتى مجرَّد السماع لا بد أن نكون مستحقين أن نسمع ونعمل. وفي القسمة نشكر ربنا لأنَّه جعلنا مستحقين أن نقف في هذا الموضع المقدس ونرفع أيدينا إلى فوق.
الروح الأرثوذكسية السليمة
هذا هو الوضع السليم، الروح الأرثوذكسية السليمة، التي نتعلَّمها في مسألة الاِّتضاع.. الشعور بعدم الاستحقاق، لدرجة أن الكاهن قبل أن يبتدئ القداس يصلِّي صلاة تٌسمَّى صلاة الاستعداد، يقول فيها: "أيها الرب العارف قلب كل أحد، القدوس المستريح في قديسيه الذي بلا خطية وحده القادر على مغفرة الخطايا، أنت تعلم يا رب إني غير مستحق ولا مستعد ولا مستوجِب لهذه الخدمة المقدسة التي لك، وليس لي وجه أن أقف وافتح فاي أمام مجدك الأقدس، بل ككثرة رأفتك اغفر لي أنا الخاطي وامنحني أن أجد نعمة ورأفة في هذه الساعة.. إلخ. تصوَّروا الكاهن يقول هذا!
روح الاتضاع في صلوات الكنيسة
هذه هي روح الاتِّضاع الموجودة حتى في صلوات الكنيسة.. حتى من آباء الكنيسة والكاهن، فقبل أن يخدم يغسل يديه بالمياه ويقول: اِنضح عليَّ بزوفاك فأطهر، اغسلني فأبيض أكثر من الثلج. وعند تقديم الحمَل يقول: اِعطِ أن تكون مقبولة تقدمتنا هذه الذبيحة عن خطاياي وجهالات شعبك. هذه هي الروح المتَّضعة التي نٌحب أن نسلك فيها، والتي تعلَّمناها في الكنيسة. أقول هذا الكلام لأن في أيامنا هذه هناك أناس يقولون: نحن جالسون في السماويات، وجالسون على عرش الله.. وكلام كبير غير مفيد وغير صحيح.
ليست هذه هي الروح الأرثوذكسية، أن يقول الشخص أنا جالس في السموات وأنا جالس على عرش الله! يا أخي اتَّضع قليلاً. من الأخطاء التي يمشي فيها البعض أنَّهم يأخذون آية موجودة في الكتاب قالها أحد القديسين في وضعٍ معيَّن، في درجةٍ روحية معيَّنة، ويطبِّقها على نفسه ويطبِّقها على كلِّ الشعب.
نحن نسير في الكنيسة بطريقة الاتِّضاع المسيحي، لأن الطوائف التي قصَّرت في الاتِّضاع أضاعت عقيدتها. هل تظنّون أن كثيرًا من الطوائف الغربية خلافنا معها عقيديّ! صدِّقوني، بدأ روحيًا أولاً بفقْد الاتِّضاع، ثم تحوَّل إلى عقيدي.
مثال لذلك:
الذين يرفضون شفاعة القديسين، يرفضونها عن ماذا؟ هل عن عقيدة؟! عن كبرياء وعظمة وعدم اتِّضاع؟! لا يوجد غير ذلك.. تجد شخص يقول لك: ما الفرق بيني وبين القديسين؟! ولماذا أنا أطلب شفاعة القديسين؟ أنا أتصل بالله مباشرةً. لماذا العذراء ومارجرجس والملاك؟! صِلتي بالله مباشرةً.. وعندما يتكبَّر قلب الإنسان في الداخل لا يطُلب شفاعة القديسين ولا يُكرِّم القديسين، فكلنا بالنسبة له قديسون. سوف يقول لك ذلك: كلُّنا قديسون، ومثل بعضنا البعض، ولا فرق.
روح الكبرياء والعقيدة
الاتِّضاع هو الذي يُكوِّن عقيدة من الداخل. لكن مثل هذا الشخص يقول: أكلِّم الله مباشرة ولا اتشفع بقديسين؛ حتى في الاعتراف.. يقول اعترِف على الله مباشرة ولا اتَّصل بكاهن؛ آخذ بركة من أبونا؟.. لا، أنا أطلب البركة من الله مباشرة!! ويأتي بآيات مثل: "الله الذي باركنا بكلِّ بركة روحية في السماويات" (أف 1: 3) ويظل يورد آيات.. إذًا لماذا تأخذ بركة من الناس؟!
المسألة تبدأ بروح كبرياء ثم تتحوَّل إلى عقيدة. ذات مرة شخص بَلاموسي (من البلاموس) انتقد أنَّنا نقول: كيريا ليسون، يا رب ارحم.. يقول: لماذا تقول: يا رب ارحم، والرب رحمك وانتهى الأمر؟ هل الله لم يرحمك، لذلك تقول يا رب ارحم؟! الله رحمك وانتهى الأمر!
وآخر يقول: نحن لا نجاهد ضد الشيطان لكي ننتصر.. فنحن انتصرنا عليه من زمان!! وماذا إذًا عن كلِّ الآيات التي عن الجهاد؟؟ يقول لك: لا، أنا لا أجاهد لكي انتصر على الشيطان. أنا أجاهد لأنّي انتصرت عليه! إذًا ما دام انتصرت عليه، فلماذا تجاهد؟ أُجاهد لأجل أن آخذ الغنائم أو المغانم.. أي غنائم هذه؟!
صدَق السيد المسيح عندما قال: "تضِلّون إذ لا تعرفون الكتب"، فالكتاب يقول: "لم تقاوموا بعد حتَّى الدم مجاهدين ضد الخطية" (عب 12: 4) ليس فقط إنَّنا انتصرنا، فالكتاب يقول عن الخطية أنَّها: "طرحت كثيرين جرحَى وكلُّ قتلاها أقوياء" (أم 7: 26)، وبطرس الرسول يقول: "إبليس خِصمكم كأسدٍ زائر، يجولُ ملتمِسًا من يبتلعه هو، فقاوموه راسخين في الإيمان".
الإنسان المتَّضِع يقول: أنا إنسانٌ فقير، ممكن الخطية تنتصر عليَّ، فيجاهد في اتِّضاع.. يقول مثلما قال الكتاب: "لا تستكبِر بل خَف"، "تمِّموا خلاصكم بخوفٍ ورِعدة"، "سيروا زمان غربتكم بخوف". هل بعد الآن أخاف؟! ممَّن أخاف؟؟ من الشيطان؟ من يكون الشيطان؟! أنت لو لم تخف تقع، فالشيطان ينهزِم أمام المتَّضعين.
تذكَّر قصة يعقوب المجاهد.. ذات مرة ظهر له الشيطان، فأمسك بعصا وضربه 3 ضربات، فنظر إليه الشيطان وضحك، وقال له: أنت تضربني 3 ضربات، وماذا تفعل لي! سأعطيك 3 ضربات أنا أيضًا أوقِعك بهم. وفعلاً أوقعه في 3 خطايا.. لماذا؟ لأنَّه لم يخَف.
لذلك "لا تستكبر بل خف". من الممكن أن يعطيك الشيطان فكرة، ويقول لك أفضل شيء أنَّك تحتقر الشيطان، ويكون احتقار الشيطان لعبة شيطانية.. (كمن يتبادل الكرة معك). أنت تريد أن تغلِب الشيطان، اتَّضع، مثلما قال الأنبا أنطونيوس: "أنا أضعف من أن أقاتل أصغركم، أيها الأقوياء ماذا تريدون مني أنا الضعيف؟ أنا لست في قوتكم".. يقول البستان: "وعندما كان الشياطين يسمعون هذه الصلاة المملوءة اتِّضاعًا، كانوا ينحلّون كالدخان".
الاتِّضاع في العقيدة
الذين ينكرون الكهنوت يقولون: لماذا تكون هناك واسطة بيني وبين الله؟ أنا بيني وبين ربنا الطريق خالية. والذين ينكرون الاعتراف، يقولون: لماذا اعترِف على كاهن؟ فلأعترف بيني وبين الله مباشرة. والذين ينكرون الشفاعة، يقولون ولماذ اتشفع بالقديسين؟ فأنا بيني وبين الله علاقة مباشرة. إن فكرة (بيني وبين الله مباشرة) هذه فكرة كبرياء، ممكن أن تضُر وتؤدي للسقوط..
السقوط العقيدي والسقوط الروحي
أنا مثلاً أنظر لصورة العشاء الرباني، وآخذ منها درسًا في الاتِّضاع وفي الشفاعة: بطرس وهو رسول من أكبر الرسل، وقد يكون أكبرهم سنًا وله مكانته.. إلخ. وبولس نفسه قال عنه أنَّه من الثلاثة المعتبرين أعمدة في الكنيسة.
عندما قال السيد المسيح واحدٌ منكم يسلِّمني أسرع بطرس إلى يوحنا، وقال له: ما هذا الأمر..؟ كلِّم السيد. عجبًا! فها هو معك على المائدة، وليس ببعيد عنك! وهو معك دائمًا.. وتأكلوا معًا! لكن بطرس الرسول ذهب يتشفَّع بيوحنا لأجل أن يكلِّم السيد المسيح، والكتاب يقول: "فاتَّكأ ذاك (يوحنا) على صدر يسوع وقال له: يا سيد، من هو؟ فأجاب يسوع: هو ذاك الذي أغمس أنا اللُقمة وأعطيه!" وتجد في الصورة بطرس ذاهب ليوحنا لكي يتشفَّع به عند المسيح، والمسيح جالس معه على المائدة. فلا تقُل: لا واسطة بيني وبين ربنا، ولا سور، أكلِّمه أنا مباشرةً.
الأشخاص الذين قلبهم يتكبَّر، لا يوجد لديهم إكرام قديسين ولا عِظام القديسين ولا أعياد القديسين.. لا يوجد شيء نهائيًا. الاتِّضاع يجعل الناس يصلّون بروح اتِّضاع.
نحن عندما نصلِّي نقول: "اجعلنا مستحقين أن نقول بشكر يا أبانا الذي في السماوات"؛ فحتى في الصلاة نقول له: (اجعلنا مستحقين). نحن نقولها مثلما نقول: "اجعلنا مستحقين أن نسمع إنجيلك". وعندما يكون الإنسان لديه اتِّضاع تجد صلاته بها خشوع، فتجده يصلّي واقفًا.. وتجد ركوع.. وسجود.. وتجد ميطانيات.
هناك كنائس بروتستانتية لا تركع ولا تسجد، ويصلّي الشخص وهو جالس.. يُحني رأسه هكذا ويصلّي. بينما أنت واقفٌ أمام ربنا (رب الأرباب وملك الملوك).. واقفٌ هكذا وتصلّي. ونحن نصلّي ونقول: "أنت هو القيام حولك"، القيام يعني الوقوف، وفي اللغة القبطية (ني إفكوهي إيراتو)، أي واقفين على أرجلِهم.
"أنت هو القيام حولك الملائكة ورؤساء الملائكة والأرباب والسلاطين والكراسي، وبجناحيْن يغطّون وجوههم، وبجناحيْن يغطّون أرجلهم، ويطيرون باثنيْن".. منتهَى الخشوع أمام ربنا.
ونسمع في سفر الرؤيا أن الأربعة وعشرين قسيسًا في حضرة ربنا خلعوا تيجانهم وألقوها على الأرض، وسجدوا على الأرض لربنا إلى أبد الآبدين. أما أن أحدًا يصلّي وهو جالس، فهذه كبرياء، غير شاعر بعظمة ربنا.
إنَّ مار إسحاق يقول: تقف أمام ربنا كأنَّك واقفٌ أمام لهيب نار! فكيف لشخص أن يصلّي وهو جالس.
والذي اعتاد أن يكون متضعًا في صلاته، يتعوَّد أن يكون متَّضعًا في قراءة الإنجيل أيضًا، وأيضًا هناك اجتماعات عند البعض، يقرأون فيها الإنجيل وهم جالسون أيضًا.
نتيجة عدم الاتِّضاع في العقيدة ومثل هذه الأمور، جاءت البروتستانتية ورفضت التقاليد والقوانين والآباء، ويقولون لا يوجد غير الإنجيل.. وماذا عن هذه التقاليد؟ يقولون هي ليست سوى كلام آباء! وما لنا نحن بالآباء والقوانين والمجامع؟!!!
روح الاتضاع وكلمة الله
هنا روح العظمة التي من داخل، نرفض تقاليد الآباء.. نرفض أقوال الآباء.. نرفض القوانين.. نرفض المجامع.. لا يوجد غير الإنجيل.
وبعد ذلك وصلت الكبرياء أيضًا عند البعض إلى العقلانية والثقة في الذات بأن يقبل من كلام ربنا ما يوافق عقله، والباقي يرفضه.
ذات مرة كنت أتكلَّم مع رئيس أساقفة، وكان الموضوع عن رسامة المرأة، قسيسة أو غيره، وقلت له بولس الرسول يقول: .. وأوردت له آية من تيموثاوس الأولى (1 تي 2) ومن كورنثوس الأولى (1 كو 11) وغيرهما.. هل تعرفون ماذا قال؟ قال لي: لكن هذا كلام بولس.. فقلت له: بولس! هل كلام بولس هذا موحى به من الله أم لا؟ قال لي طبعًا موحى به. قلت له: إذًا لماذا تقول هذا كلام بولس؟!
لذلك تجدوا بعض الكتب المقدسة الإنجليزية تكتب الكلام الخارج من فم المسيح بحبر أحمر، والكلام الآخر بحبر أسود، لكي يكون هذا كلام المسيح وذاك كلام بولس.. وهل بولس لا يعجبك؟!
ولقد وصل الأمر في موضوع رسامة المرأة أنَّ أحد أساقفة الغرب لكي يدافع عن رسامة المرأة هاجم بولس الرسول، وقال عنه أنه Abnormal، يشكو من Abnormality في شخصيته، يعني شذوذ، لأنَّه ليس يوافقه. وهكذا هاجم بولس وأشبعه هجومًا..
هنا تبدو الكبرياء. عندما تدخل الكبرياء، ممكن للإنسان أن يحذف أسفارًا من الكتاب، وممكن ألَّا يقبل كلام، وممكن أن يفسِّر الآية كما يرى، ويفعل ما يريد.
القصة تحتاج اتِّضاع قلب. لكي يبدأ الإنسان في حياته الروحية لا بد أن يضع الأساس، الذي هو الاتِّضاع، وعلى الاتِّضاع تُبنى العقيدة نفسها والتقاليد وأقوال الآباء.. لكن أن يأتي إنسان ويقول لك ماذا تعني أقوال الآباء التي تتبعها، أو القديسين.. كلُّنا قديسين؟!
هناك أمرٌ آخر: الإنسان المتَّضِع يجاهِد لكي ينال؛ غير المتَّضِع يقول أنا نِلت.. أنا خلُصت.. اسمي كُتِب في سفر الحياة.. أنا جالسٌ في السماويات.. ما كل هذا!!!
أنت في فترة اختبار وفي فترة صراع وفي فترة جهاد.. ولا تعرف هل ستخرج سليمًا أم مجروحًا أم ضائعًا.. أم ماذا؟
جلستُ مع واحد من هؤلاء، وكان ذلك منذ زمنٍ بعيد، قبل رهبنتي، وقد قال لي: أنا خلُصت. فقلت له: خلاص نهائي؟ قال لي: نعم خلاص نهائي.. قلت له: ألن تخطئ مرةً ثانية؟ قال لي: "المولود من الله لا يخطئ". هذه الآية أعرفها، فهي موجودة في يوحنا الأولى، وأنت لا تخطئ؟! قال لي: نعم. قلت له: إذًا صلِّ من أجلي، فأنا من النوع الذي يخطئ.
هذا الشخص يأتي بآيات ويطبِّقها. هل تعرفون قضية المولود من الله لا يخطئ أنَّنا نطبِّقها؟ في صلاة الغروب نقول: "لستُ مستحقًا أن أُدعى لك ابنًا". لماذا لست مستحقًا أن أدعى ابنًا؟ لأنَّ المولود منك لا يخطئ وأنا أُخطئ.. فلذلك أكون لا أستحق كلمة ابن هذه. فلا يصِح أن يأخذها الإنسان ويطبِّقها على نفسه بفهمٍ خاص، بل يطبِّقها على نفسه ويقول (أنا غير مستحق).
تمييز الفكر الأرثوذكسي
تستطيع أن تميِّز الفكر الأرثوذكسي من غيره، هل فيه كبرياء أم فيه اتِّضاع؟ أمَّا من يقول أنا نِلت، ولا أجاهد لكي أنال! فلنقرأ في (فيلبي 3)، ولنرَ كيف أن شخصًا مثل بولس الرسول الذي صعد للسماء الثالثة، وسمع أشياءً لا يُنطق بها، وربنا كان يشفق عليه من كثرة الاستعلانات.. إلخ، بولس هذا يقول: "ليس أنِّي قد نلت أو قد صرت كاملاً، ولكنِّي أسعى لعلِّي أُدرِك الذي لأجله أدركني أيضًا المسيح يسوع. أيها الإخوة، أنا لست أحسب نفسي أنِّي قد أدركت. ولكني أفعل شيئًا واحدًا: إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدَّام، أسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع" (في 3: 12 – 14). "أسعى نحو الغرض"، فالإنسان الروحي يسعى نحو الغرض. ويقول: "اركضوا لكي تنالوا"، ولا يقول: أنا نِلت.
ماذا نلت؟! ليس هذا وقته. الكتاب يقول: "فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل" (مت 5: 48)، فهل وصلت أنت لهذا الكمال؟! "كونوا قديسين لأنِّي أنا قدوس" (1بط 1: 16)، هل وصلت أنت لهذه القداسة؟ ليس الآن.
الذي يقول لست أحسب أني قد أدركت أو نلت لكنِّي أسعى، هو بولس الرسول الذي صعد إلى السماء الثالثة!! فهل نحن نقول نِلنا ووصلنا وجلسنا في السماويات! ليس بعد. هل تأخذ آية وتطبِّقها، أم تأخذ الآية وتمرِّن نفسك لكي ترى هل تصل أم لا؟
هناك كلمة لطيفة حدثت مع القديس الأنبا أنطونيوس: جلس وسط بعض أولاده وقال لهم آية، ثم قال يا ليتكم تقولون لي تأمُّلكم فيها أو تفسيركم لها. فواحد منهم قال له تفسيرًا، وآخر قال له تفسيرًا ثانيًا.. الثالث وكان هو الأنبا يوسف، فلما سأله الأنبا أنطونيوس: وأنت ما رأيك يا أنبا يوسف؟ نظر الأنبا يوسف للقديس أنطونيوس، وقال له: لا أعرف. فقال له الأنبا أنطونيوس: طوباك يا أنبا يوسف، لأنَّك عرفت الطريق إلى كلمة لا أعرف.
والآباء يقولون إذا جلست وسط الشيوخ لا تتكلَّم، وإن سألوك عن شيءٍ فقل لا أعرف. لكن كلُّ إنسان يدَّعي المعرفة، ومن الممكن لمن يدَّعي المعرفة أن يقع، لأن المعرفة تنفُخ وكثيرون ضاعوا بسبب إدِّعاء المعرفة. أمَّا المتَّضِع فلا يسقط أبدًا.
روح الكبرياء وضياع المبتدعين
النار موجودة أسفل ومستقرة، وأسفل فيه اتِّضاع، والدخان يصعد إلى فوق ويرتفع في السحاب وينتشر عرضًا وارتفاعًا، وفيما هو يرتفع يتبدَّد. والنار التي هي مستقرَّة أسفل تظلُّ محتفظة بثباتها. فالإنسان الذي يريد أن يصل لربنا يتَّضع، وأسرار الله تنكشف للمتَّضعين.. هل تعرفون المبتدعين الذين في العالم لماذا ضاعوا؟ لا تظنوا أنَّهم ضاعوا بسبب البدع.. بل ضاعوا بسبب الكبرياء.
شخص مثل نسطور: أرسل له القديس كيرلس رسالة، فلو كان متَّضعًا كان يتنازل عن فكرته ويقبل الرسالة.. أرسل له رسالة ثانية، لو متَّضع كان يقبل الكلام. لكن عدم الاتِّضاع يجعل الإنسان يتشبَّث فتتحوَّل الأخطاء إلى بدعة، فيضيِّع نفسه.
شخص مثل أريوس: المجمع المسكوني المقدس كلُّه (318 أسقفًا) واجهوه، فلو كان اتَّضع وقبِل الكلام لكانوا سامحوه وانتهت المشكلة. لكنَّه أضاع نفسه بسبب عدم اتِّضاعه..
الاتضاع أساس الحياة الروحية
الاتِّضاع فى كلِّ فضيلة، والاتِّضاع يدخل في كلِّ عقيدة، والاتِّضاع يدخل في كلِّ طقس.. وضع صور القديسين في الكنيسة.. التبخير حولها.. الميطانيات.. كلُّ هذا ما هو إلَّا اتِّضاع. لكن عندما يفقد الإنسان الاتِّضاع يضيع.
أساس الحياة الروحية هو الاتِّضاع، وقمة الحياة الروحية المحبة الكاملة.. تريد أن تبني بناءً جيِّدًا، تعلَّم الاتِّضاع في أول الأمر. تتَّضع نفسك من الداخل. كمثال: المشورة.. هناك إنسانٌ يمشي بحسب فكره، وعندما يمشي بحسب فكره يضيع، أمَّا عندما يستشير ويسمع المشورة فإنَّه يُنقِذ نفسه.
وعن الاتِّضاع يقول الكتاب: "وعلى فهمك لا تعتمد" (أم 3: 5)، هل أنت ضامن فهمك! لربما يكون فهمك خطأ. فإذا سلكت بدون مشورة تخطئ.. إذا أعلنت هذا الفهم على الناس، أو علَّمت هذا للناس قد تُضيِّع غيرك. والكتاب يقول هذه الآية أتت مرتيْن متتاليتيْن في سفر الأمثال (أم 14: 12، 16: 25) نفس الآية بالحرف الواحد، يقول: "توجد طريق تبدو للإنسان مستقيمة، وعاقبتها طرق الموت".
الإنسان المتَّضع لا يعتد برأيه ويستشير غيره، وإن جاءت له فكرة جديدة يعرضها على الناس الذين يكبُرونه، هل هي صحيحة أم خطأ؟
غير المتَّضع لا يستشير، فيضيع نتيجة عدم المشورة. تصوَّروا قديس عظيم مثل القديس بولس ظهر له السيد المسيح ودعاه للخدمة وعيَّنه رسولاً للأمم وإناءً مختارًا، وبعد ذلك يقول: ذهبت وقابلت الثلاثة المعتبرين أعمدة: يعقوب وبطرس ويوحنا، لأعرض عليهم إنجيلي (أي بشارته).. تعرض عليهم إنجيلك! نعم لأرى هل يوافقوا أم لا. أعرض عليهم إنجيلي!! مع أنَّه فيما بعد ظهر أنَّه هو الذي تعب أكثر من جميع الرسل وكان يفوقهم جميعًا..
وعندما نسأل أنفسنا من هو أكبر رسول تعب في التعليم وفي بناء ملكوت الله في العصر الرسولي، نجد رقم واحد بولس الرسول. أكثر واحد عملت فيه النعمة بقوة.. اقرأوا (2 كو: 12)، وانظروا ماذا فعل؟ ومع ذلك يقول: ذهبتُ إلى الثلاثة المعتبرين أعمدة لأعرض عليهم إنجيلي، لأعرِف كيف يكون هذا الكلام.
أصعب أمر أن إنسانًا يعتقد في شيء ما أنَّه صحيح، فينشر هذا الأمر، فتكون النتيجة أنَّه يضيع ويُضيِّع غيره. لذلك فإنَّ العقيدة أيضًا تحتاج إلى اتِّضاع.. ليس أي أحد يأتيه فكرٌ يعتبره عقيدة، أو يعتبره صحيحًا، أو يثق في كلامه. العقيدة تحتاج إلى اتِّضاع.
من الأشياء التي أتعبت البروتستانتية حرية التفسير: أنَّ كلَّ أحد يفسِّر الإنجيل حسب فكره. نتيجة ذلك تكوَّنت مئات المذاهب، لماذا؟ لأنَّ كلَّ شخص يفسِّر كيفما يرى، يكوِّن له كنيسة.. يجمع له أُناس.. وتُصبح كنيسة مستقلَّة.
ما الذي أضاع شهود يهوه؟ أنَّهم أناس يفسِّرون الإنجيل على حسب هواهم.. وما الذي أضاع السبتيين؟ هم أُناس يفسرون الإنجيل على حسب فكرهم.
الاتِّضاع يوجد في الفكر، ويوجد في القلب، ويوجد في الحياة، ويوجد في العقيدة. والفكر المتَّضع هو الفكر الذي لا يثق بنفسه، ولا يعتمد على ذاته، إنَّما يستشير أولاً..
من أجل هذا وُجِد في الكنيسة الإرشاد الروحي والمرشدين والآباء، والسلوك في حياة الطاعة. والطاعة أيضًا تدُل على الاتِّضاع، لأن ممكن أن المتَّضع يُطيع لكن غير المتَّضع لا يستطيع أن يُطيع. فالذي يفقد الاتِّضاع يفقد الطاعة، ويفقد الخضوع للرئاسات. ولذلك في البروتستانتية لا تجد رئاسات.. كلُّه مثل بعضه البعض.. لا توجد رُتب.. كلُّه واحد.. كلُّكم إخوة، وكلُّكم متساوون.
أذكُر في كتاب الكهنوت أنَّني قُمت بالرد على (كلُّكم إخوة وكلُّكم متساوون)، قلت: حتى الإخوة غير متساويين. فقد قال الله ليعقوب: "كن سيدًا لإخوتك، وليسجد لك بنو أمك"، ويوسف الصديق سجد له إخوته وهو أخوهم. فليس الإخوة متساويين. كما أن الـ 12 أبناء يعقوب واحد منهم أصبح له الكهنوت.. وواحد المُلك. فليسوا كلهم متساويين. لكن في الاتِّضاع يقول: "مقدِّمين بعضكم بعضًا في الكرامة" (رو 12: 10).
الإنسان المتَّضع لا يكبَر في عينيّ نفسه.. لا يصير حكيمًا في عينيّ نفسه.. لا يصير بارًا في عينيّ نفسه. مشكلة أيوب أنَّه صار بارًا في عينيّ نفسه.. مشكلة أي إنسان يصير حكيمًا في عينيّ نفسه، فيضيِّع نفسه بهذه الحكمة.
ولذلك مثلاً تجد في العقيدة، شخص يقول أنا وريث.. أنا اِبن.. أطالب بحقِّي في الميراث!.. حقك في الميراث؟! أي ميراث هذا؟! عليك أن تقول: يا رب اجعلني كأحد أجرائك؛ يقول أطالب بنصيبي فى الميراث.. استخدم سلطاني كابن.. تستخدم سلطانك! تواضَع قليلاً. هل أنت لك سلطان؟!! كوْن أن الله أعطانا سلطان أن ندوس الحيَّات والعقارب لا يعني أن أقول أنَّني أطالب بسلطان.. هو الذي أعطانا سلطان، مثلما اعتبرنا المسيح إخوة له، فهل تقول: يا أخ يسوع؟!
هناك فرقٌ بين أن ربنا يعطينا شيء وأنَّنا نخطئ في هذه الأشياء.
[1] من محاضرة "علاقة الاتضاع بالعقيدة والطقوس الروحية"، لقداسة البابا شنوده الثالث بتاريخ 8 مايو 1991م
الباب الثاني البدعة والهرطقة
البدعة والهرطقة [1]
قبل الحديث عن البدع والهرطقات نتكلَّم عن معنى كلمة "لاهوت" وأقسام علم اللاهوت:
ما معنى كلمة لاهوت؟
كلمة لاهوت عندما تُطلق على الله (لاهوته) تأتي بمعنىDivinity))، لكن علم اللاهوت كعلم يُدعى Theology)). والمقصود به العلم الذي يبحث في الأمور الخاصة بالله. وكلمةTheology جاءت من كلمة Theos )ثيئوس( تعني الله، وlogo؛ logos علم، فيكون الكلام عن الله.
وأقسام علم اللاهوت كثيرة:
اللاهوت النظري Systematic Theology، اللاهوت العقيدي Dogmatic Theology، اللاهوت المقارن Comparative Theology، اللاهوت الأدبي Moral Theology، اللاهوت الطقسي Liturgical Theology، اللاهوت النسكي أيضًا Ascetic Theology، اللاهوت الرعوي يسمى Pastoral Theology.. إلى آخره.
وعندما يُقال لاهوت القديس أثناسيوس، فليس المقصود به أن هو إله، إنَّما يعني علم اللاهوت عند القديس أثناسيوس، أو عندما يقال لاهوت القديس كيرلس عمود الدين، فهو يعني علم اللاهوت عند كيرلس عمود الدين.
وكليات اللاهوت تُسمَّى: Theological Institutes، أو Seminaries أوSchools Theological. أيضًا كلمة Theological أي التي تعطي التعليم من عند الله.. فلفظ Theosيعني الله.
كيف بدأت البدع؟
معروفٌ أنَّ المسيحية بدأت فكرًا واحدًا، مثلما قال بولس الرسول في (1كو 2: 16): "وأما نحن فلنا فكر المسيح"، فكانوا كلُّهم بفكرٍ واحد. إذًا من أين جاءت الأخطاء، بحيث وُجِد علم اللاهوت المقارن Comparative Theology لأشياء مقارنة متداخلة مع بعضها البعض؟!
السيد المسيح وتصحيح المفاهيم
حينما جاء السيد المسيح وبدأ رسالته في التعليم، كان يُصحِّح الأخطاء اللاهوتية والتعليمية والدينية في المجتمعِ اليهودي في ذلك الحين. كان يصحِّح، ولعل هذا ظاهرٌ في قوله في العظة على الجبل: "قد سمِعتم أنَّه قيل.. وأمَّا أنا فأقول لكُم".. أي أنه لم يكن يريد أن يُغيِّر، وإنَّما يريد أن يُفسِّر، يُريد أن يوضِّح المفهوم السليم، لأنَّ المجتمع اليهودي كان قد وقع في أخطاءٍ كثيرة.
أعطيكم مثالاً، عندما يقول: "سمِعتم أنَّه قيل: عينٌ بعينٍ وسنٌ بسنٍّ. وأمَّا أنا فأقولُ لكم: لا تقاوموا الشرَّ، بل من لطمك على خدِّك الأيمن فحوِّل له الآخرَ أيضًا" (مت 5: 38، 39)، فإنَّهم لم يفهموا معنى "عينٌ بعينٍ وسنٌ بسنٍّ". كان المقصود بها الحُكم في القضاء، أي عندما يقف اثنان ليتقاضيا في قاعةِ المحكمة فالقاضي يحكُم بمبدأ "عينٌ بعينٍ وسنٌ بسنٍّ ونفسٌ بنفسٍ"، ولم يُقصد بهذه الآية المعاملات الشخصية.
فيوسف الصدِّيق مثلاً لم يعامل إخوته بهذا المبدأ "عينٌ بعينٍ وسنٌ بسنٍّ"، بل بمبدأ الإحسان إلى أعدائِه - الذين كانوا إخوته - مثلما قال السيد المسيح: "أحسِنوا إلى مبغضيكم". إذًا كان المفهوم منضبط، ولكن السيد المسيح جاء يصحِّح المفاهيم، لا أن يصحِّح الآيات، لذلك قال لهم: "ما جئت لأنقُض الناموس بل لأكمِّل".. أُكمِّل فهمكم. ولعل من هذا أيضًا تعليم الكتبة والفريسيين بخصوص السبت، وأنَّه لا يحل فعل الخير حتى في السبوت، فقد صحَّح المسيح هذا المفهوم، وأيضًا عرَّفهم أنَّهم "قادة عميان"، يعلِّمون تعليمًا خاطئًا (متى 23).
ومن جهة تصحيح المفاهيم الموجودة، أنا آسف أن أقول أن الأخطاء كانت قد وصلت حتى إلى الرسل الاثنى عشر قبل حلول الروح القدس عليهم. ما معنى هذا الكلام؟ معنى ذلك أنه كانت هناك مسائل موجودة وسط المجتمع اليهودي ومنتشرة هنا وهناك، فأخذوها وسألوا السيد المسيح فيها، لأنَّهم لا يعرفون.
مثال ذلك قولهم في (يوحنا 9: 2) في قصة المولود أعمى: "يا معلِّم، من أخطأ: هذا أم أبواه حتى وُلِد أعمى؟ (يو 9: 2) فالذين يعتقدون في عودة التجسد Reincarnation البعض منهم يقولون من جهة هل أخطأ هذا الإنسان حتى وُلِد هكذا، أنه يمكن أن يكون أخطأ في حياة سابقة لذلك وُلِد أعمى. فهذه عقوبة عن خطية سابقة، في حياة قبل ذلك، أي أنه كان يحيا من قبل وأخطأ في تلك الحياة فكانت نتيجة الخطية أنَّه عوقب عليها في الحياة الحاضرة بأن وُلِد أعمى. فما دام وُلِد نتيجة خطية، فلا بد أن تكون الخطية قبل الولادة.
هذا ما قاله التلاميذ، ولكن ليس معنى هذا أنهم كانوا يقعون في أخطاء. لكن لم يكن الروح القدس قد حلَّ عليهم بعد، وكانوا لا يزالون تلاميذ يتعلَّمون. وبالطبع بعدما حلَّ الروح القدس عليهم، الكلُّ اتَّخذ مسارًا صحيحًا. كما أن المسيح طبعًا رد على هذا الاستفسار، وقال لهم: "لا هذا أخطأ ولا أبواه".
هذا الأمر أيضًا وقع فيه اليهود، وليس فقط التلاميذ، ولذلك لما بدأ يوحنا المعمدان رسالته في التعليم قالوا له: "هل أنت إيليا؟" قال لهم: "لا"، فاسترسلوا: "هل أنت المسيح؟ هل أنت النبي؟" هذا أمرٌ آخر، فلماذا يقولون له: "هل أنت إيليا؟! هذا يعني كأن إيليا نزل وتجسَّد في هيئة يوحنا المعمدان، وطبعًا هذه الفكرة لا تخدم أولئك القائلين بــ Reincarnation، لأن إيليا لم يمت، ومعروف أنَّه صعد للسماء. فالقول بأنه ظهر في يوحنا المعمدان يعني أنه يكون إنسان حي على شكلين؟ فهو مرة إيليا ومرة يوحنا المعمدان!! هذه أخطاء وصلت إلى الفكر اليهودي نتيجة الرحلات القادمة من الهند والقادمة من بلاد الشرق والتي تمُر على فلسطين.. إلى آخره.
أفكار تنتشر وتدخل في أذهان الناس، ولذلك السيد المسيح في (مت 16) قال للتلاميذ: "من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟"، قالوا له: "البعض يقول إيليا والبعض يقول إرميا والبعض يقول أحد الأنبياء"، قال لهم: "وأنتم ماذا تقولون؟" فقال له بطرس: "أنت هو المسيح ابن الله الحي". فقال له: "طوباك يا بطرس".. المسيح لم يكن يناقش مبادئ فلسفية، لكنَّه كان يقول الأشياء الإيجابية دون أن يناقش. فقولهم له: أنت إيليا.. أنت إرميا.. أنت أحد الأنبياء، ذلك يعني أن فكرة عودة التجسُّد موجودة لديهم، انتقلت إليهم من الأسفار، والرحلات، والمعاملات التجارية من بلاد الشرق الأقصى.
فالسيد المسيح كان يصحِّح هذه الأمور، وأيضًا كان يرُد بطريقة إيجابية دون أن يدخل في مناقشات.
اللص اليمين، قال له: "اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك"، فلم يقل له: "لم يأتِ الملكوت" أو "الملكوت ليس بعد".. لا إنَّه مصلوبٌ بجانبه، فلا يعطيه محاضرات، إنَّما قال له: "اليوم تكون معي في الفردوس".. فصحَّح كلمة (ملكوتك) بكلمة (الفردوس)، بطريقة إيجابية هادئة في مواجهة الفكر الخاطئ.
لعل من الأفكار الخاطئة أيضًا التي وقع فيها التلاميذ، وصحَّحها لهم السيد المسيح بطريقة إيجابية ولم يرضَ أن يدخل معهم في مناقشة، قولهم في (أع 1): "هل في هذا الوقت ترُد المُلك إلى إسرائيل؟".. أرُد المُلك لإسرائيل؟!! أما زلتم يهود؟..
لم يقل لهم: أنتم ما زلتم يهود، تعقَّلوا واتركوا هذا الكلام، بل قال لهم: "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات، لكن متى حلَّ الروح القدس عليكم حينئذ تكونون لي شهودًا في أورشليم وكل اليهودية وفي السامرة وإلى أقصى الأرض". إذًا كانت هناك أفكار تحشو الأذهان، حتى أذهان التلاميذ، والسيد المسيح يصحِّح إيجابيًا دون أن يناقش سلبيات.
أخطاء في العصر الرسولي
حتَّى في العصر الرسولي بدأت تظهر تعاليم خاطئة واجهها الرسل وواجهها المسيح نفسه. ففي سفر الرؤيا يقول لراعي كنيسة برغامس: "عندك أنت أيضًا قومٌ متمسِّكون بتعليم النيقولاويين الذي أبغضه" (رؤ 2: 15)، هنا توجد هرطقة اسمها (هرطقة النيقولاويين). نيقولاوس هذا للأسف الشديد تسمعون عنه أنَّه كان أحد الشمامسة السبعة المملوئين من الروح القدس والحكمة، من الذين رسمهم التلاميذ، لكنه وقع في أخطاءٍ تعليمية، والمسيح تكلَّم عنها، فقد كان موجودًا في ذلك الحين.
نسمع أيضًا عن أخطاء أخرى تكلَّم عنها بولس الرسول في (غل 1: 8، 9)، فماذا قال؟ قال: "إنِّي أتعجَّب أنكم تنتقلون هكذا سريعًا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيلٍ آخر"..
إنجيل آخر!! أي إلى بشارةٍ أخرى، لذلك يوضِّح: "ليس هو آخر، غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن يحوِّلوا إنجيل المسيح. ولكن إن بشَّرناكم نحن أو ملاكٌ من السماء بغير ما بشَّرناكم، فليكن أناثيما!" (غل 1: 8)، أي فليكن محرومًا.
قال لهم انتبهوا، سيأتي أُناس يقولون لكم تعليم غير صحيح، "كما سبق فقلنا أقول الآن أيضًا: إن كان أحد يبشِّركم بغير ما قبلتم، فليكن أناثيما!" To be anathematized
يعني يُحرَم، فنقول مثلاً؛ "أن نسطور حُرِم بواسطة القديس كيرلس"
(He was anathematized by Saint Cyril)
وأيضًا نجد نفس هذا التحذير من القديس يوحنا في (1يو 4: 1) حيث يقول: "أيها الأحباء، لا تصدِّقوا كلَّ روح، بل امتحنوا الأرواح: هل هي من الله؟ لأنَّ أنبياءَ كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم". أي ليس أي أحد يأتيكم ويقول لكم كلام تعليم تقبلونه، فهناك أنبياء كذبة، وهم ليسوا أنبياء حقيقةً لكنهم يقومون بعمل الأنبياء، أو هم يدَّعون أنهم أنبياء وهم كذبة.
"بهذا تعرفون روح الله: كل روح يعترف بيسوع المسيح أنَّه قد جاء في الجسد فهو من الله، وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنَّه قد جاء في الجسد فليس من الله. وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنَّه يأتي، والآن هو في العالم" (1يو 4: 2-3). "قد صار الآن أضدادٌ للمسيح كثيرون" (1يو 2: 18).
فهناك إذًا أخطاء لاهوتية بدأت تدخل من ذلك الزمان تستدعي أن الشخص يكون محرومًا.
ولهذا فإن القديس يوحنا، وهو من أكثر الذين تكلَّموا عن المحبة، يكرِّر التنبيه في آخر رسالته الثانية (2يو 10، 11) قائلاً: "إن كان أحد يأتيكم، ولا يجيء بهذا التعليم، فلا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلام. لأنَّ من يُسلِّم عليه يشترك في أعماله الشريرة".. هذا القول ينطبق في هذه الأيام على أناس مثل شهود يهوه، يأتون ويطرقون الباب، ويقولون لك: "نحن نريد أنْ نتكلَّم معكم في الإنجيل، ونفتح الإنجيل"، قل لهم: "ليس لنا علاقة بكم". تذكَّر قول القديس يوحنا: "لا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلام". وأيضًا هناك أُناسٌ كثيرون تكلَّموا كلامًا غير صحيح عن مجيء المسيح الثاني، تكلم عنها بولس الرسول في (2 تس 2).
حركة التهوُّد[2]
ومن ضمن الأخطاء التي قامت في العصر الرسولي وحاربها الرسل وبخاصة بولس الرسول حركة التهوُّد في المسيحية، إذ أراد بعض اليهود الذين قبلوا الإيمان المسيحي أن يستبقوا في المسيحية التعاليم اليهودية، من جهة النجاسة والتطهير، من جهة الأكل النجس والأكل الطاهر، الشرب النجس والشرب الطاهر، من أجل الأعياد اليهودية، من أجل المواسم اليهودية، من أجل الاحتفال بأوائل الشهور، من أجل بقاء السبت في المسيحية ليكون هو يوم الرب. وقد ردَّ بولس الرسول على هذا الكلام في رسالته إلى أهل كولوسي (كو 2: 16، 17) لكي يمنع أمر هذا التهوُّد، قال لهم: "فلا يحكم عليكم أحد في أكلٍ أو شرب". والأكل أو الشرب ليس معناه الصوم، ولكن المقصود أن لا يحكم أحد عليكم في أكل أو شرب أي طعام نجس أو طاهر، أن لا تأكلوا هذا ولا تأكلوا ذاك. "لا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب، أو من جهة عيد أو هلال أو سبت، التي هي ظل الأمور العتيدة، وأما الجسد فللمسيح".
هناك أفكار أخرى كثيرة قامت حتى في العصر الرسولي، وكان الرسل يحاولون أن يقاوموها أو يردوا عليها، أو يحذروا الناس منها، ويوضحون لهم التعليم السليم. كمثال ما قاله بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس في (2تي 2: 2)، (احفظوها 3 اثنينات بجانب بعض 2تي 2: 2). قال له: "وما سمعته مني بشهودٍ كثيرين، أودعه أناسًا أمناء، يكونون أكفاءً أن يُعلِّموا آخرين أيضًا". أي أن بولس الرسول استلم من المسيح، كما قال في (1كو 11: 23): "لأنِّي تسلَّمت من الرب ما سلمَّتكم أيضًا"، هذا من جهة الإفخارستيا. ثم بولس يسلِّم تيموثاوس، وتيموثاوس يودع هذا التعليم لأشخاص أكفاء، وهؤلاء الأشخاص الأكفاء يعلِّمون آخرين أيضًا..
تصوَّروا من كثرةِ الهرطقات الموجودة، أن القديس إيريناؤس الذي عاش في القرن الثاني كتب مؤَلَفًا "ضد جميع الهرطقات"، تضمَّن 38 هرطقة في القرن الثاني.
إذًا من أين تأتي البدع والهرطقات:
من أين تأتي البدع والهرطقات التي نناقشها في اللاهوت المقارن؟
تأتي البدع أولاً من الرأي الخاص
شخص لا يُعلِّم تعليم الكنيسة وإنَّما يُعلِّم رأيه الخاص، وفكره الخاص، وتفسيره الخاص، ومفهومه الخاص، حتى لو عارض الكل. أيضًا الذات تدخل في الموضوع، أو تحويل الدين إلى فلسفة، وهذا أمرٌ حاربه بولس الرسول، قائلاً: "أتيت ليس بسمو الكلام"، "لئلا يتعطَّل صليب المسيح" (1كو 2: 1؛ 1: 17)، يعني لا يريد أن يكلِّمهم فلسفة لئلا يفتكروا أن المسيحية هذه مبدأ فلسفي جديد. وأحيانًا يأتي هذا الأمر من الدراسات الغريبة، وحاليًا من الغريبة والغربية.. واحد يقرأ كتاب أجنبي يعجبه فيه رأي جديد لم يسمعه أحد، فيأخذ هذا الرأي ويعتنقه وينشره كتعليم!
في العصور الأولى للمسيحية كان من ضمن تأثير الفلسفات الغريبة تأثير الغنوسية Gnosticism والأفلاطونية المحدثة Neoplatonism. هؤلاء كان لهم تأثير كبير في كثير من المبادئ والأفكار الهرطوقية التي نشأت في بعض القرون الأولى، مع حرية التفسير. كل واحد يريد أن يقول ما لديه، مع عدم فهم آيات معينة، يا ليت من لا يفهم آية يبحث عن مرجع من المراجع في الكنيسة لكي يعرف التفسير بدلاً من أن يفسِّرها على أهوائه ويقع في بدعة أو هرطقة وينشرها وسط الناس.
تأتي البدع من اختلاف المدارس اللاهوتية
أحيانًا كانت تأتي هذه الهرطقات من اختلاف المدارس اللاهوتية، حيث كانت هناك في العصور الأولى مدرسة الإسكندرية ومدرسة أنطاكية، وكان بينهما اختلاف في التفسير. وأحيانًا كان يأتي الاختلاف نتيجة أسلوب التفسير، فكانت هناك مدرسة اسمها مدرسة التفسير الحرفي، وهذه من ضمن الذين نبغوا فيها القديس باسيليوس الكبير، ومدرسة اسمها مدرسة التفسير الرمزي، وهذه نبغ فيها أوريجانوس في البداية، وأخطأ، ونبغ فيها أيضًا أغسطينوس، ولم يخطئ.
أوريجانوس بدأ يطبق الرمز بشكل واسع أزيد مما يجب، لدرجة أنه اعتبر كما لو أن جنة عدن هذه كلها رموز، واعتبر خطية آدم وحواء خطية زنا! من أين أتي بفكرة (زنا)؟ قال أنَّ شجرة معرفة الخير والشر كانت في وسط الجنة، مثلما الأعضاء التناسلية موجودة في وسط جسم الإنسان، وقال أنَّ بعد أنْ أخطأ آدم وحواء، آدم عرف امرأته.. وكلام آخر لا أريد أن أشغل عقولكم به.. لكن بالطبع لا يمكن أن نأخذ بالأسلوب الرمزي لأوريجانوس ونقول أنَّها كانت خطية زنا. تكون خطية زنا لو أن ربنا منعهم عن أمر ما ووقعوا فيه. لكن ربنا لم يمنعهم أن يعيشوا معًا، بل قال لهم: "اثمروا واكثروا واملأوا الأرض". وهم لم يكونوا يعرفوا كيف يثمروا، فلو أنَّ ربنا شرح لهم الأمر وقال لهم تمتنعوا عن كذا، يكون هو الذي فتح أعينهم لأشياءٍ لم يكونوا يعرفونها وهم أُناس بسطاء. المهم أنَّ أوريجانوس أخطأ في أمورٍ كثيرة، سأذكر لكم بعضًا منها فيما بعد لئلا البعض منكم وسط انبهاره بأوريجانوس يصدِّق كلَّ ما قاله. يقولون "أنه فيلسوف عظيم"، فهل يعني هذا أن نقبل كل شيءٍ يقوله؟ فقد وقع وهو فيلسوف عظيم، كما قال عن نفسه: "أيها البرج العالي كيف سقطَّ؟".
تأتي البدع من البحث في أمور فوق المستوى
من ضمن الأشياء التي تُسبِّب الوقوع في الهرطقات عند كثيرين: البحث في أمور فوق مستوانا..
مثال ذلك البحث في "ما هي الروح"؟ صدِّقوني جلست مع قمة من القمم وقال لي: "الروح هذه موجات كهربائية"! يا أبي: موجات كهربائية! من أين أتيت بهذا؟! من الجائز أن تكون قد أخذتها من أوريجانوس؟
مثال آخر شخص يقول: "الملائكة ليسوا أرواحًا، الروح الوحيد هو الله إنَّما هؤلاء أجسام روحانية"! كيف؟ ألم يقُل الكتاب المقدَّس في (مز 104: 4): "الذي خلق ملائكته أرواحًا وخدامه نارًا ملتهبة"؟ لكنه يقول لك: "لا، لا، لا، كلمة "أرواحًا" هنا ليس معناها أرواح بالمعنى المطلق".
إنَّ دخول الناس في أمورٍ لا يفهمونها، أو هي فوق مستواهم، بدأ أولاً من خلال علم الميتافيزيقا، أي ما فوق الطبيعة أو ما وراء الطبيعة. بدأوا يدخلون في أشياء تُتعبهم، مثل أوريجانوس الذي تكلَّم عن الروح، وتكلَّم عن النفس، وعن الملائكة، وعن نفس المسيح، بل وتكلَّم عن خلاص الشياطين! فلو الشياطين خلصوا، يكون المفروض أن لا أحد يهلك، طالما أنَّهم السبب في هذا كله.
أذكر ذات مرة كنتُ أُدَرِّس في الإكليريكية، عندما كنا نعطي المحاضرات في القاعة التي في مبنى الأنبا رويس، وسألني شخص: "هل يمكن أن يَخلُص الشيطان؟" قلت: "ليس من المعقول أن الشيطان يخلُص، فالكتاب تكلم عن هلاك الشياطين، وقال في (رؤ 20: 10): "وإبليس الذي كان يُضلُّهم طُرِح في بحيرة النار والكبريت، حيث الوحش والنبي الكذَّاب. وسيُعذَّبون نهارًا وليلاً إلى أبد الآبدين". والسيد المسيح في (مت25: 41) عندما كان يتكلَّم عن الذين عن اليمين وعن اليسار، قال للذين عن اليسار: "اذهبوا عنِّي يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدَّة لإبليس وملائكته". فكيف تقول هذا بينما الكتاب المقدس يقول لا خلاص للشيطان وسيُطرح في بحيرة النار والكبريت وفي النار المُعدَّة له؟ كيف يمكن هذا؟
فكان رد ذلك الشخص الذي سألني أن أحد الآباء قال هذا. فقلت له: "هل معقول أن أحدًا من الآباء يعارِض الكتاب المقدس؟ بولس الرسول يقول في (غل 1: 8) "إن بشَّرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشَّرناكم، فليكن أناثيما!" وسألته: من الذي قال هذا الكلام؟ قال لي: "أوريجانوس"، فقلت له: "إنَّ هذه من أخطاء أوريجانوس التي حُرِم بسببها. فأنت تقول لي أنَّه قولٌ لواحدٍ من الآباء، ولكنه هذا قولٌ لواحدٍ حُرِم". لكن في ذلك الحين كان هناك شخص يحب أن يعلِّمهم الأشياء الغريبة، ولقد مضت تلك الأيام.
من الأمور التي تعجبني في أقوال الآباء قولٌ للقديس الأنبا يوسف: كان القديس الأنبا أنطونيوس جالسًا وسط تلاميذه، وقال لهم آية وقال لهذا: "بما أنت تفسِّرها؟" ولآخر: "وأنت بمَ تفسِّرها؟ ولذاك ولغيره كذلك "أنت بمَ تفسِّرها؟" فهذا قال كلام، وذاك قال كلام آخر، وهكذا. وبعد ذلك قال للأنبا يوسف: "وأنت يا أنبا يوسف ما رأيك في هذه الآية؟" فأجابه الأنبا يوسف: "صدِّقني يا أبي لا أعرف". فقال له الأنبا أنطونيوس: "طوباك يا أنبا يوسف لأنَّك عرفت الطريق إلى كلمة: لا أعرف".
كلُّ واحد يريد أن يُظهِر أنَّه عالم وأنَّه أكثر العارفين ويفهم ما لا يفهمه الغير، ويجاوب ليس فقط في أمور الدين وإنَّما في كلِّ شيء. فلو سألته وقلت له: "القنبلة الهيدروچينية، ما هي؟" سوف يجاوبك؛ "أخبار العلم؟" يجاوبك. حقيقة لا مانع وليس عيبًا أبدًا أن في بعض الأمور نقول "لا أعرف".
البعض ذات مرة تطرَّقوا لموضوع: هل الروح تُولد أم تُخلق؟ وقالوا: "لا، إنها تُخلَق، لأن ربنا عندما يولد الطفل يضع له روح من عنده". إذًا بهذا الشكل، طالما أنه يضع له روح، فهو لا يرث الخطية! وقد جاء رد القديس أغسطينوس على چيروم في هذه النقطة، قائلاً له: "ما دامت الروح مخلوقة فتكون لم ترِث الخطية الأصلية، إذًا لماذا نعمِّد الأطفال، طالما هم لم يرثوا خطية؟"
ويتطوَّر جِدال صاحب هذا الرأي فيقول: "هذه الروح متى يضعها؟ يضعها في يوم الأربعين، أم في الشهر الثاني، الثالث، أو الرابع؟ فبالتالي إذا أجهضنا الطفل قبل ذلك لا نكون قتلنا روح. إذًا هذا جائز"!! لأن لم تدخله روح بعد، فهو مجرد (كمية دم)!!! إنَّهم أُناس يريدون أن يدخلوا فيما لا يعلمون لكي يُظهِروا أنَّهم يعلمون فوقَ كلِّ العارفين، وهذا أمر غير معقول. وهكذا يدخلون في موضوعات مثل عودة التجسُّد، وتناسخ الأرواح، وأمور أخرى.
ملحوظة: بمناسبة موضوع "هل يخلُص الشيطان"؟
الآن للأسف، الإخوة الكاثوليك أقرّوا مبدأ جديد هو "خلاص غير المؤمنين"! الڤاتيكان بدأ يتكلَّم عنه، والتقطه بعض الموجودين وألَّفوا عنه كتبًا. راهب كاثوليكي هنا في مصر ألَّف كتابًا عن هذا الموضوع، وأهداني هذا الكتاب!
خلاص غير المؤمنين؟!! هذا يعني أن الإيمان إذًا لا لزوم له!! ويكون الفداء قد جاء هكذا دون حاجة لإيمان! لقد قلت ذات مرة لاثنيْن من الآباء المطارنة الكاثوليك: "بأيِّ وجهٍ سوف تقابلون القديس بطرس الرسول الذي يقول: "ليس بأحد غيره الخلاص" (أع 4: 12)؟
ما يحدث أنَّ كلَّ واحد يفكِّر، وعندما يفكِّر تظهر له قصة جديدة، وعندما تظهر أمور جديدة ممكن أن هذه الأمور الجديدة تتحوَّل إلى بِدعة ويتعب الناس منها، ونتعب نحن حتى نُخرِج الفكرة من أذهانهم. ومع ذلك نحن لا نتعب، كما يقول القديس أغسطينوس: "إنَّنا نشكر الهراطقة لأنَّهم عندما أتوا ببِدع في الدين، فتعمَّقنا نحن في الكتاب بالأكثر لكي نرُد على كلامهم". فيكون كأنَّهم على غيرِ ما يقصدون أعطونا فرصة أن نتعمَّق في الكتاب بالأكثر.
استخدام منهج النقد الكتابي
هناك أشياءٌ الآن تدخُل ضِمن الأمور التي يتناولها علم اللاهوت المقارن. فعندنا للأسف الشديد أيضا ما يسمّونه في بلاد الغرب: "النقد الكتابي"
Biblical Criticism من خلاله ينتقدون الكتاب المقدَّس كيفما يريدون، بطريقة صعبة جدًا. على سبيل المثال نجد شخص يكتب مقدِّمة لإنجيل يوحنا، يقول فيها: "هل حقًا يوحنا الرسول هو الذي كتب إنجيل يوحنا أم كتبه واحد اسمه يوحنا في القرن الثاني؟" لماذا كل هذا التخبُّط؟ ومن أين أتيت بهذا الكلام؟ ويدخل في أبحاث وكلام كثير.
أيضًا تجدهم في الكتاب المقدَّس يفرِّقون بين كلام السيد المسيح والكلام العادي، أو كلام الرُسُل وكلام الإنجيل. فيكتبون كلام السيد المسيح بالبنط الأحمر والكلام الثاني بالبنط الأسود!
مثلما حدث ذات مرة حين زارني رئيس أساقفة كانتربري السابق، وكُنَّا نتكلَّم عن موضوعٍ ما[3]، فتطرَّق الحديث إلى موضوع كهنوت المرأة، وموضوع Homosexuality، وأمور أخرى مماثلة، فأنا ذكرت له آيات من بولس الرسول عن هذا الموضوع، فإذا به يقول لي: "But this is what Saint Paul said".. "هذا كلام بولس"!!! هل بولس سقط من الحسبان؟ بولس هذا من أعظم الرسل. فقلت له: ""What saint Paul said was inspired or not? "كلام بولس هذا موحى به أم لا؟" ففكر برهة وقال لي: "inspired".. قلت له: "إذًا انتهي الأمر".
وقال لي: "يا ليتك تساعدنا في هذه الأشياء، ونحن سوف نعمل اجتماع في "لامبث بالاس" (لامبث بالاس هذا هو القصر الكبير لهم التي تُعقد فيه المؤتمرات).
المهم أنَّنا أرسلنا أنبا بيشوي، ولم يفعلوا. وبعد ذلك نجد أسقف من أساقفة الكنيسة الإنجليزية اسمه سبونج Bishop Spong، ألَّف كتابًا بعنوان "Sin" "الخطيئة"، فيه ظهر أنه لم يعجبه محاربة بولس الرسول لـ Homosexuality، وقوله أنَّ "الرجل رأس المرأة".. إلخ.
فتكلَّم في كتابه عن "The Abnormality of Saint Paul" أي "شذوذ القديس بولس"، وأنَّه لم يكن شخصًا عاديًا طبيعيًا Normal، وإنَّما شخصًا مضطربًا! هل يقال ذلك عن القديس بولس؟!!!
الهرطقة هي الخروج عن الإيمان..
فكانت الكنيسة تأخذ أولئك الخارجين عن الإيمان وتناقشهم في أوَّل الأمر، وبعد ذلك إن لم يكن من ذلك جدوى تعقد لهم مجامع لمحاربتهم. وكانت في أول الأمر مجامع مكانية، ثم مجامع إقليمية، ثم مجامع مسكونية. نسطور على سبيل المثال عندما أعلن بدعته، أرسل له القديس كيرلس الكبير رسائل يشرح له فيها، وظل يتفاهم معه. ثم في النهاية أصدر الاثنى عشر حُرمًا Cyril of Alexandria Twelve Anathemas
من يقول كذا يكون محروم، والذي يقول كذا يكون محروم.. وضاع نسطور.
الكنيسة لم تكن تجامل أحدًا في مسألة البدع. أريوس أيضًا كان قِسًا، بل وأشهر قِس في الإسكندرية، ولكنه خرج عن الإيمان. الكنيسة تكلَّمت معه، وعقدت له مجامع، ولكن بلا فائدة منه، فحرمته.
عبرة من تاريخ الكنيسة
بهذه المناسبة أريد أن أقول لكم كلمة فى هذا السياق قد لا تنتبهون لها، لكنني سأشرح سِرَّها: لو تسآلتم أي بابا من بابوات الإسكندرية جلس أقصر مدة على الكرسي المرقسي؟ الإجابة إنه أرشيلاوس، جلس ستة أشهر ومات. ولماذا مات، ولماذا جلس ستة أشهر؟ هذا لأنَّ القديس بطرس خاتم الشهداء البابا (17) الذي ظهر أريوس في أيامه، كان قد جمع القديس بطرس هذا تلميذيه أرشيلاوس وألكسندر وقال لهما: "أنا رأيت رؤيا، المسيح ممزَّق الثياب، وقلت له: "يا سيد من الذي مزَّق ثيابك" فقال: أريوس. لذلك لا تقبلوا أريوس".. لكن لما جاء آرشيلاوس بعد بطرس خاتم الشهداء بطريرك رقم 18، وجاء إليه أريوس وظل يراوغ ويقول له: "أنا تُبت وأصبحت حسن"، قبِله. والنتيجة أنَّه لم يمكث على الكرسي إلا ستة أشهر وتنيَّح، لأنَّه لو ظل أكثر لكان أتعب الكنيسة.
بعد ذلك جاء خلفًا له ألكسندروس البطريرك (19)، وهذا حرم أريوس وعقد مجمعًا من أساقفة الكرسي المرقسي بالإسكندرية، حضره 100 أسقفًا من أساقفة الكرسي المرقسي، وحرم أريوس. ثم انتقل الأمر إلى المجمع المسكوني الذي عُقِد في نيقية سنة 325 وحضره 318 من رؤساء الكنائس وممثليها. كلُّ هذا لأن الكنيسة كانت حازمة، وعندما خرج بطريرك من البطاركة وتساهل مع أريوس ربنا لم يدعه يبقى غير ستة أشهر.
والكنيسة عقدت مجامع، لأن الهراطقة الذين قاموا كانوا أُناسًا جبابرة بعضهم بطاركة، وخاصة في كرسي القسطنطينية، منهم مقدونيوس رئيس أساقفة كرسي القسطنطينية الذي أنكر لاهوت الروح القدس وحرمه المجمع المسكوني الثاني سنة 381م. ومنهم أيضًا نسطور. وبعد ذلك دخلت السياسة في الدين.. إلخ.
[1] محاضرة "معنى اللاهوت"، لقداسة البابا شنوده الثالث بتاريخ 27 أكتوبر 1998م
[2] سيأتي الحديث عن التهود مرة أخرى في صفحة 126
[3] ذكرت هذه القصة صفحة 97، ذكرها قداسة البابا شنوده في عظتين مرة ليدلل على نتائج الكبرياء، ومرة عندما تكلم
عن النقد الكتابي
كيف سقط الهراطقة؟
كيف سقط الهراطقة؟
الحق الكتابي.. والفهم الخاص[1]
يظن الهراطقة أن مفهومهم الخاص هو الحق الإلهي..! وكثيرًا ما يضعون من عندياتِهم تفاسير خاصة يستندون عليها في إنكار عقائد الكنيسة. وإذا بحثنا عما يسند هذه التفاسير، لا نجد.. هم يكتبون كلام.. مجرَّد كلام.
فمثلاً هم ينكرون حق الحِلِّ والربط الخاص بالكهنوت..
فإن أوردت لهم قول الرب "الحق أقولُ لكم: كلُّ ما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء، وكل ما تحلِّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء" (متى 18: 18).. يقولون لك تفسيرًا عجيبًا مفاده أنَّ هذا الحق أُعطيَ للرسل، لتحليل أكل لحم الخنزير الذي كان محرمًا من قبل..!!
كلام المسيح ليست فيه أية إشارة إلى الخنازير، ولا إلى النجاسات والتطهير.. ولا هو قصر حق الحل والربط على شيءٍ محدَّد، بل قال "كلُّ ما تربطونه. كلُّ ما تحلِّونه".. ولكن هذا التفسير هو فكرهم الخاص، يفرِضونه فرضًا على اعتبار أنَّه الحق الإلهي!! وفي جرأة يسمونه أيضًا "الحق الكتابي" بينما تفسيرهم لا يتَّفِق مع نصوص الكتاب!! فإن قلت لهم: وما رأيكم في نصٍ آخر صريح يقول عن الرب أنَّه نفخ في وجوهِ تلاميذه القديسين، وقال لهم: "اقبلوا الروح القدس. من غفرتُم خطاياه تُغفر له. ومن أمسكتُم خطاياه أُمسِكت" (يو 20: 22، 23) ولا مجال هنا للتأويل، فالحق الكتابي واضح..
حينئذ لا تجد منهم إلَّا محاولات للهرب من النص الكتابي بشتَّى السبُل، وفتح أبواب عديدة للمناقشة في إطار الفهم الخاص، الذي يقول عنه الكتاب "وعلى فهمك لا تعتمد" (أم 3: 5). ومع ذلك يعلِّقون لافتة (الحق الكتابي)، بينما لم يحترموا هذا الحق الكتابي كما رأينا في الآيتين السابقتين، مركِّزين على فهمهم الخاص!
إنَّنا نوافق على الحق الكتابي. ونقدِّس كلَّ كلمة في الكتاب. لكنَّنا لا نوافق على الفهم الخاص الذي لهؤلاء، ولا نعتبر أنَّه الحق الإلهي. كذلك ينبغي أن يعرف هؤلاء أنَّ كلَّ تقاليد الكنيسة وتعالميها وطقوسها، مصدرها الأساسي هو الكتاب المقدس. وكلُّ عقيدة في الكنيسة مبنية على تعليم الكتاب. ولا توجد كنيسة في العالم تحترم الكتاب المقدس بقدرِ ما تحترمه كنائسنا التقليدية التي أسَّسها الآباء الرسل. ونحن مستعدون أن نراجع معهم كل تعليم في ضوء الكتاب المقدَّس، وليس في ظلِّ فهمهم الخاص..
محاولة إثبات سلامة رأيهم وأرثوذكسية تعليمهم[2]
الكنيسة هي الكنيسة، تقف راسخة على مرِّ الزمن. كلُّ آلة صُوِرت ضدَّها لا تنجح.. قام ضدَّها كثيرٌ من الهراطقة والمبتدعين في عصورٍ متعدِّدة، وكان بعضهم على درجةٍ كبيرة من الفصاحةِ واللباقة والدراسة اللاهوتية، وبعضهم له شعبية ضخمة، وبعضهم على صلةٍ وطيدة جدًا مع الحكَّام.. ومع ذلك انتصرت الكنيسة على الهراطقة والهرطقات..
المشكلة الأولى للهراطقة أنَّهم يريدون أن يُثبتوا أنَّهم على حق، وأن رأيهم سليم، وتعليمهم أرثوذكسي. لم يتَّضعوا ويعترفوا أنَّهم اخطأوا، ولو فعلوا ذلك لانتهت مشكلتهم.
ولكنهم بدلاً من الاتِّضاع، دخلوا في ميدان الجدل والصراع الفكري الذي انتهى بحرمانِهم..
لقد حرمتهم الكنيسة لأنَّهم لم يتوبوا.
وسبب عدم توبتهم عنادٌ في القلب وكبرياء.. وإصرارهم على أن ينشروا أفكارهم الغريبة.. وعلى أن يكوِّنوا لهم شيعة تتبعهم في انحرافاتهم.
إن إيمان الكنيسة معروف، وشعبنا حساس جدًا لتقاليده الكنسية الموروثة التي تسلَّمها جيل عن جيل عن الآباء. ويستطيع شعبنا بكل سهولة أن يميِّز الشيء الجديد الذي يحاول المبتدعون إدخاله إلى الكنيسة..
والتقليد عندنا في الكنيسة أقوى من الجدل الفكري، ومع ذلك سنفتح هذه الصفحة لمناقشة كلَّ فكرٍ جديد، ونثبُت بعده على عقائدنا وتقاليدنا وإيماننا المسلَّم لنا من الرسلِ ومن الآباء. قبل الكسر الكبرياء وقبل السقوط تشامخ الروح (أم 16: 18).
من أين أتت البدعة؟[3]
الآريوسيون كانوا ضد لاهوت المسيح (ضد لاهوت المسيح فقط)، وقالوا: "أن المسيح ليس إله، وأنه ليس مساويًا للآب في الجوهر"، وأيضًا قالوا أنَّه كانت له إرادة حرة ممكن تسير في الخير وممكن تسير في الشر.
لم يكونوا لديهم عليه شيء مما هو شر، لكن نظريًا له إرادة حرة للسير في الخير أو في الشر. فجاء أبوليناريوس لكي يهاجمهم في هذه النقطة وقال: أن الإرادة الحرة هذه تأتي من النفس البشرية، النفس العاقلة الحرة التي تختار هذا الطريق أو ذاك. ثم قال لهم: المسيح لم تكن له نفس بشرية حرة، فممكن أن يحيا بصفته اللوجوس، بصفته الكلمة، بصفته الأقنوم الثاني، يحيا بالروح القدس الذي فيه ولا يحتاج لنفس، فأنكر بذلك النفس البشرية في السيد المسيح.
ولإنكاره النفس البشرية حرمته الكنيسة، بعد أن حاورته وأرسلت له رسائل، ولم يستجب. لم ينجح في إثبات فكره، لأن لو كان السيد المسيح ليست له نفس بشرية، لا يكون له ناسوت كامل، وهذا يعني أنه لم يأخذ طبيعتنا البشرية كاملةً وإنَّما أخذ جزءًا منها فقط.
من العجيب أن الهراطقة يحاولون إثبات هرطقاتهم بآياتٍ من الكتاب!!
يستخدم الهراطقة، على سبيل المثال، الآيات: (يو1: 14) "والكلمة صار جسدًا"، فيقولون لم يُذكر في هذه الآية النفس. ونفس الأمر في (1تي 3: 16) "عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد"..
لكن في الحقيقة، وكما قال القديس غريغوريوس أسقف نيصص، أن كلمة "جسد" هنا تعني الإنسان كلَّه. فأحيانًا الإنسان كله يعبُّر عنه بكلمة "نفس" أو بكلمة "جسد" – بمفهوم إطلاق الجزء على الكل - مثلما نقول أن الذين خلصوا من الطوفان ثمانية أنفس بالماء، فالمقصود ليس فقط ثمانية أنفس، وإنَّما ثمانية أشخاص، فالشخص كله أُطلِق عليه كلمة "نفس".
كذلك كلمة "جسد"، كما في قول السيد المسيح في (مت 24) "لو لم يقصر الله تلك الأيام لم يخلُص جسد".
المقصود لم يخلُص أي إنسان، أي الشخص كله. هكذا فإنه ليس من المعقول أن السيد المسيح لم يأخذ من طبيعتنا إلا الجسد فقط، وإلاّ فإنَّه لا يكون ابنًا للإنسان له نفس طبيعة الإنسان، الطبيعة الكاملة.
كيف سقط الهراطقة، في ما نشروه من بدع؟[4]
لما كانت الهرطقة هي انحراف عن الإيمان، فكيف إذًا انحرفوا؟ هل هو جهلٌ منهم؟ هل هو عدم فهم للعقيدة؟ هل هو انسياق وراء قراءات خاطئة، أو تأثُّر بتعليمٍ خاطئ؟ أم هل هذا كله معًا؟
قد تكون كل هذه الأسباب موجودة، ولكن هناك سببٌ أخطر من كل هذا، وهو الكبرياء، وما يتبعها من إصرار وعناد..
فما هي مظاهر الكبرياء، التي تقود إلى الهرطقة؟
الكبرياء
+ أول مظهر للكبرياء في المبتدع، هو ثقته العجيبة بنفسه، واعتداده بذاته: بحيث لا يستشير في ما يعِن له من فكر.
ذلك لثقته أنَّه ليس في حاجة إلى استشارة. بل إن أتته النصيحة لا يقبلها، لأنه يثق أن رأيه أفضل من النصيحة! وهكذا إذ يصير بلا مرشد، يسقط مثل أوراق الشجر، كما يقول الكتاب.
+ والمظهر الثاني للكبرياء، أنه يُحب أن يقدِّم للناس شيئًا جديدًا، مفهومًا غير مفهومِهم. فهذا الجديد يسبَّب له شهرة وعظمة.
ولعلَّ لفظ (بدعة) أتى من هذا الشيء الجديد، لأنَّ المبتدِع قد ابتدع شيئًا لم يكن موجودًا، ولم يكن مألوفًا، يُظهِر به للناس أنَّه يفهم فوق فهمهم، أو أنهم لم يصلوا بعد إلى مداركه! ولفرحه بالجديد غير المألوف، قد يقرأ للغرباء، ويقدِّم مفاهيمهم وبراهينهم التي لم يطَّلِع عليها المؤمنون. فيقنِع الناس بفكرته، ويصيِّرهم له تلاميذ وتابعين وأبناء.. ويفرح كلما كثُر عدد هؤلاء التابعين. والعجيب أنَّه يقدِّم كلَّ جديد كأنَّه عقيدةٌ راسخة، وليس كمجرد رأي قابل للنقاش أو قابل للخطأ والصواب.
+ والمظهر الثالث لكبرياء المبتدع، هو عناده وإصراره على فكره:
لو أن إنسانًا أخطأ في فكرٍ لاهوتي، ونبَّهوه إلى الصواب، فقبِل التنبيه وقبِل التصويب، ما قامت البدعة ولا انتشرت. لكنها تقوم، إذا أصرَّ على رأيِه في عناد، ورفض أن يرجع عن أفكاره الخاطئة.. إنه يعتبِر الرجوع عن أفكاره الخاطئة، لونٌ من الخضوع، ولونٌ من الاعتراف بالخطأ.. وكبرياؤه لا يسمح له بالخضوع ولا بالهزيمة ولا بالاعتراف بالخطأ، فيعاند، ويستمر على فكره، ويصير هرطوقيًا..
+ والمظهر الرابع لكبرياء المبتدع، هو محاولته أن ينتصر لفكره بأيِّ ثمنٍ، وبكلِّ وسائل الإقناع، مهما كانت خاطئة!
يدورُ باحثًا عن آيةٍ من الكتاب، ويتلاعب بمفهومِها حسب هواه، أو يبحث عن نصٍ من أقوالِ الآباء والقديسين ليثبِت به كلامه، مهما كان هذا النص لا يسنده أو قيل في مناسبةٍ أخرى بقصدٍ آخر..
بل قد يتحايل بجزءٍ من آية دون باقيها، أو بخدعةِ الآيةِ الواحدة والنصف الآية مع إخفاءِ باقي الآيات والنصوص..! المهم أن ينتصر بأي ثمن، ويثبِت أنَّ فكرَه حق، ويحاول أن يقنع الناس بأنَّه على صواب، وأنَّ إيمانه سليم، وأنَّه مضطَهد، وأنَّه مظلوم، وأنَّهم يرفضون أن يفهموه.
والواقع أنَّه هو الذي لا يريد أن يفهم، ولا يريد أن يقتنع، بسبب كبريائه، مهما قيل له.. بل كل جهده يركِّزه في محاولةِ الانتصار، وليس في محاولة الفهم. رغبته في الانتصار تسدُّ أذنيه عن السماع، وتغلقُ ذهنه عن الفهم، وتقسِّي قلبه، وتجعله في وضعٍ لا يقبل فيه سوى الانتصار.. ذاته و كفى! أما الإيمان فهو قربانٌ لهذه الذات.
إنَّه يريد أن يبدو في صورة البطل أمام تابعيه! البطل الجريء المقاوِم، الذي لا يخضع، الذي على حق، الذي يمثِّل زعامة معيَّنة، وسيرى الناس كيف تنتصر!! أنَّه فكرٌ يخدعه، فيخدع به الناس..
+ والمظهر الخامس لكبرياء المبتدع، هو البحث عن شعبية تسنده.
إذا لم يسنده الفكر، يحاول أن تسنده الجماهير. يحاول أن يجمع الناس حوله بأيَّةِ طريقة: بالإقناع، أو بالخداع، أو باستدرار عطفِهم عليه، أو بتحزُّبهم له بلونٍ من التبعية، أو بمطالبَتهم بمساندته لحفظ كيانهم معه، أو بأكاذيبٍ يحيكها حول من يعارضون بدعته..
ما يهمه هو أن يصل إلى شعبية تحيطُ به لتقوِّى فكره، أو أن يصل إلى حزبية أو طائفية، سببها الكبرياء، كبرياء الذات التي تريد أن تنتصر، وكبرياء الذات التي ترفض الخضوع وترفض الاعتراف بالخطأ.
+ والمظهر السادس لكبرياء المبتدع هو مقاومتة حتى للرؤساء.
لكي يدافع عن نفسه، هو مستعدٌ أن يقاوِم الكل، مهما كانت درجاتهم ومراكزهم..! يقاوم الكهنوت، يقاوم حتى المرشد وأب الاعتراف، يقاوم كلَّ الرئاسات الدينية، بل حتى المجامع المقدسة.. ذاته تُخفي عنه كلَّ هيبة، وكلَّ رئاسة! ومن أجل ذاته يقاوم.. لا يسمع ولا يطيع ولا يخضع. تنفخه الكبرياء، ويحطِّمه الغرور، فيظنُ أنَّه لا رأي سوى رأيَه! الكلُّ مخطئون، وهو وحده على صواب..! بل قد يحاول أن يحطِّم كل ما يعترضه، من أجل أن تبقى ذاته ولو وسط الحطام..!
+ والمظهر السابع لكبرياء المبتدع، هو تخيُّله أنَّه لا بد سينتصر بمقاومته، غير واضعٍ في ذهنِه انهزامات كل الهراطقة السابقين.
كم من مبتدعين مرّوا على الكنيسة في تاريخها الطويل، وحاربوها بكلِّ قوةٍ وعنف، وما تزال الكنيسة قائمة، تستمع إلى قولِ الرب: "كلُّ آلةٍ صُوِرت ضدَّك لا تنجح" (إش 54: 17).
ولكن المبتدع يصوِّر له الغرور أنَّه يستطيع أن يقود الكنيسة في طريقه!! بل قد يصوِّر له الغرور أنَّ العالم كله سيسير وراءه، وأن الناس سيمارسون ضغوطًا من أجلِه، وأن الإيمان سيخضع للضغوط!! وقد يظن أنَّه سيصيرُ بطلاً، وأن اسمه سيصبح على كلِّ الألسنة..! مسكين!
ثم تتبخَّر كل هذه الآمال والأحلام، ويرى المبتدِع أنه قد ضيَّع نفسَه وقد ضيَّع كثيرين معه، سيطالبه الرب بدمائهم.. ويرى أنَّه بدلاً من أن ينال شهرة، قد صار عثرة!
ويرى - بعد فوات الفرصة - أنَّه كان خيرًا له أن يتضِّع، وأن يرجع عن فكره وكبريائه، فيخلِّص نفسه، والذين يتبعونه أيضًا..
من له أذنان للسمع فليسمع..
[1] مقال "الهرطقة والهراطقة، الحق الكتابي"، لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 13 أبريل 1979م
[2] مقال "حول الهرطقة والهراطقة (1)"، لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 22 سبتمبر 1978م
[3] جزء من محاضرة "تاريخ البدع والهرطقات التي قامت في العصور الأولى"، لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 27 مارس 2000م
[4] مقال "كيف سقط الهراطقة؟"، لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19 مايو 1978م
الكبرياء في التعليم والتفسير
الكبرياء في التعليم والتفسير [1]
هناك منهجان للتعليم.. منهج فيه كبرياء، ومنهج فيه التواضع..
فالكبرياء ليس مجرد العظمة والانتفاخ والتعامل مع الآخرين بكبرياء. إنَّما هناك في التعليم أيضًا هذا المظهر، في التفسير الكتابي.. كيف؟
مثال على ذلك الكلام عن تألُّه الإنسان، وهذا كبرياء.. إن الإنسان يريد أن يتألَّه أو أن يصير شريكًا في الطبيعة الإلهية.. هذا نوعٌ من الكبرياء.. أو الكلام عن اتِّحادنا بالطبيعة الإلهية واتِّحادنا بها أقنوميًا.. هذا أيضًا نوعٌ من الكبرياء.
من الأمثلة الأخرى الكلام عن الدخول إلى الله بجرأة.. أو أنَّنا نكون قديسين بلا لوم أمام الله.. من يقدِر أن يكون قديسًا بلا لوم أمام الله؟
أو أن نكون شركاء للمسيح في القداسة، في المجد، في الطبيعة الإلهية!! الله وحده هو الذي له المجد وهو وحده القدوس.
أيضًا من الكبرياء في التعليم الكلام عن الجلوس عن يمين الله.. جلوس البشر عن يمين الله، أو عن التكريم الذي يناله الناس، أو الكلام عن ما لنا من حقوق وميراث..
كل ما لنا هو منحة وليس حقًا.. ليس لنا حقوق عند الله، لكن لنا مِنح وعطايا، فلسنا أصحاب حقوق.
نقطة أخيرة في منهج الكبرياء في التعليم فكرة الامتلاء بكلِّ ملء الله، استنادًا إلى آية موجودة في (أف 3: 19) "لكي تمتلئوا إلى كلِّ ملء الله"..
لكن الخطأ في فهمها فهمًا خاطئًا جدًا..
هذا من ناحية منهج الكبرياء في التعليم.. أما عن فكر الكنيسة فهي لم تعلِّمنا هذا الأمر إطلاقًا.. فالكاهن في صلاة الاستعداد قبل القداس يقول: "أنت تعلم يا رب إنِّي غير مستحق ولا مستعد ولا مستوجب لهذه الخدمة المقدَّسة لك، وليس لي وجه أن أقف وأفتح فاي".. الكاهن الذي ينوب عن البشر في الصلاة ويقودهم، يقول ليس لي وجه أن أقف وأفتح فاي.. وأنت تعلم إنِّي غير مستعد ولا مستحق..!
وأيضًا نحن لا نقول أبدًا أننا أطهار، وإنَّما نطلب من الله هذه الطهارة، ونقول في القداس الإلهي أكثر من مرة.. طهِّر نفوسنا وأجسادنا وأروحنا. وفي رسالة يوحنا الأولى (1يو 1: 7، 8) يقول: "إن قلنا أن ليس لنا خطية نُضلُّ أنفسنا.. يطهِّرنا من كلِّ إثم". فلا نقول أنَّنا نقف بلا لوم أمام الله، قديسين، بينما ليس الحق فينا.
لذلك علَّمنا السيد المسيح له المجد أن نقول في كل يومٍ وكل ساعة في الصلاة الربَّانية: "اغفر لنا خطايانا كما نغفر نحن أيضًا". أي أن كلَّ إنسان يقف يصلِّي يكون شاعرًا بخطاياه.. ويقول: اغفر لنا خطايانا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا. ومعروفٌ الفرق بين صلاة الفرِّيسي وصلاة العشَّار.. الفرِّيسي وقف يفتخر حتى أمام الله نفسه، ويقول أنا أصوم يومين في الأسبوع، وأعشِّر جميع أموالي، ولست مثل سائر الناس الظالمين الخاطفين والزناة..!
أمَّا التواضع فنرى مثالاً له في أب الآباء إبراهيم. الرب قال له أباركك وتكون بركة. وإبراهيم يقول: "إنِّي قد شرعت أكلِّم المولى وأنا ترابٌ ورماد" (تك 18: 27).. وهذا التراب والرماد وصل إليه أيوب الصدِّيق أيضًا حينما قال في آخر السفر (أي 42: 3-6): "ولكنِّي قد نطَقتُ بما لم أفهم. بعجائب فوقي لم أعرفها. اِسمع الآن وأنا أتكلَّم. أسألك فتعلِّمني. بسمع الأذن قد سمعتُ عنك، والآن رأتكَ عيني. لذلك أرفُض وأندم في التراب والرماد".
من يقول إن لنا المجد، وأنَّنا جالسين في السماويات، وعلى يمين الله، وقدِّيسين بلا لوم.. هل هذا الإنسان يصلِّي صلاة الساعة السادسة؟! تلك التي يقول فيها: مزِّق صك خطايانا؟.. وهل يصلِّي صلاة الغروب؟!! ويقول إن كان الصدِّيق بالجهدِ يخلُص، فأين أظهر أنا الخاطئ.. لكلِّ أثمٍ بحرصٍ ونشاط فعلت، ولكل خطيه ِّبشوقٍ واجتهاد ارتكبت؟!
هذا هو التعليم الذي تعلِّمه لنا الكنيسة.. كيف نكون متواضعين في الصلاة سواءً في النهار أو في الليل..
ففي نصف الليل نقول: "أعطِني يا رب ينابيع دموعٍ كثيرة كما أعطيت في القديم للمرأة الخاطئة".. "بعينٍ متحنِّنه يا رب أنظر إلى ضعفي، فعمَّا قليل تفنى حياتي وبأعمالي ليس لي خلاص"..
وفي صلاة النوم نقول: "هوذا أنا عتيدٌ أن أقف أمام الديَّان العادل مرعوب ومرتعب من أجل كثرة خطاياي، لأنَّ العمرَ المنقضي في الخطايا مستوجبٌ الدينونة".. هكذا تعلِّمنا الكنيسة دائماً أن الاتِّضاع ليس مجرَّد أن أضرب ميطانيات وأقول أخطأت، إنَّما التواضعٌ في الفكر.
[1] من محاضرة "الكبرياء في التعليم والتفسير"، لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 28 ديسمبر 2003م
البدع والهرطقات التي قامت في العصور الأولى
البدع والهرطقات التي قامت في العصور الأولى[1]
من أول البدع التي قامت "بدعة التهوُّد" التي أراد بها البعض تهويد المسيحية. دخلوا في المسيحية واستبقوا في داخلهم الطقوس اليهودية والتعاليم اليهودية، بل إنهم أصرّوا على أن يحافظوا على الناموس الموسوي من جهة السبت ومن جهة الختان، واعتبروا أن الأمم الذين لم يُختتنوا نجِسين، واشترطوا أن يتمِّموا هذا الأمر.
حركة التهوُّد في المسيحية..
هذه الحركة حاربها القديس بولس الرسول بكلِّ قوة. ففي رسالته إلى أهل كولوسي (كو 2: 17، 16) قال: "فلا يحكم عليكم أحد في أكلٍ أو شرب، أو من جهة عيدٍ أو هلال أو سبت، التي هي ظل الأمور العتيدة، وأما الجسد فللمسيح". أي أن الرموز في العهد القديم تبطُل عندما يأتي العهد الجديد، "أما الجسد فللمسيح". كما وبَّخ أيضًا أهل غلاطية من جهة هذا الأمر، وقال لهم: "أهكذا أنتم أغبياء! أبعدما ابتدأتم بالروح، تكمِّلون بالجسد" (غل 3: 3). وتكلَّم عن هذا الموضوع كثيرًا في الرسالة إلى رومية، بل إنَّه أيضًا وبَّخ بطرس الرسول في (غل 2: 14) وقال له: "إن كنت وأنت يهودي تعيش أُمميًا لا يهوديًا، فلماذا تُلزِم الأمم أن يتهوَّدوا؟"
لذلك فإن هؤلاء كانوا ضد القديس بولس الرسول، والمتشدِّدون منهم لم يعترفوا برسائله ولا به كرسول. أما المعتدلون فوافقوا أن يعتبروه رسولاً ولكن لم يقبلوا رسائله.
هؤلاء المتهوِّدون أُطلق عليهم في التاريخ "الإبيونيين"، وهي كلمة تعني فقراء أو مساكين، فقد اعتبروهم أُناس مساكين في تفكيرهم وفي اتجاهاتهم، وأصبحت "الإبيونية" هرطقة. هؤلاء المتهوِّدون أصرّوا على ناموس موسى، وليس فقط على الختان والسبت وإلاّ لكان الأمر هيِّنًا، لكنهم دخلوا في هرطقات خاصة بالسيد المسيح نفسه، فقالوا: أن السيد المسيح لم يولد من عذراء، وأنَّه وُلِد ولادةً طبيعية من مريم ويوسف. واعتبروا في الآية التي وردت في (إش7) "هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا" أنَّه كان لا بد أن تكون الترجمة "فتاة" بدلاً من "عذراء"، وهذا وضع يهودي.
ومع ذلك اعتبروا أن السيد المسيح هو "المسيَّا، المسيَّا المنتظر"، ولكن على الرغم من هذا الاعتقاد لم يعتبروه إلهًا. انكروا لاهوته، وأيضًا انكروا وجود سابق له قبل التجسد، وكأنَّ حياته بدأت بالتجسد، وهذا ضد لاهوته، فمن يُنكر لاهوته يقول هذا الكلام. هؤلاء تكلَّم عنهم يوسابيوس في تاريخه المعروف، وتكلَّم عنهم القديس يوستينوس الذي عاش في القرن الثاني، والقديس إيرينيئوس الذي عاش في القرن الثاني أيضًا وتنيَّح في أوائل القرن الثالث، وتحدَّث عنهم القديس چيروم الذي عاش في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس.
وقال عنهم القديس چيروم: "لا هم يهود ولا هم مسيحيون، ولا خلاص لهم". هم ليسوا يهود، لأنَّهم يؤمنون بالمسيح وبتعاليمه ومعجزاته وبأنَّه المسيَّا، وليسوا مسيحيون لأنَّهم لا يؤمنون بلاهوت المسيح ولا بولادته من العذراء.
غير أن المتهوِّدين كان بعضهم معتدِل وبعضهم متطرِّف، لكن كلاهما: المعتدلون والمتطرفون انكروا رسائل بولس، وانكروا لاهوت المسيح، وانكروا وجوده السابق قبل التجسد. والكنيسة بمُضي الوقت حكمت بقطعهم من الشركة الكنسية. وذكرهم أيضًا أوريجانوس في كتابه "الرد على كِلسوس". يا ليتكم تقرأونه، ولقد تُرجم إلى اللغة العربية وطُبع.
النيقولاويون
مجموعة ثانية من المبتدعين هم "النيقولاويون"، هؤلاء النيقولاويون ورد اسمهم في رسائل السيد المسيح التي سلَّمها للقديس يوحنا الرسول في الإصحاح الثاني من سفر الرؤيا في رسالته إلى ملاك كنيسة أفسس "أنك تبغض أعمال النيقولاويين التي أبغضها أنا أيضًا" (رؤ 2: 6)، وإلى ملاك كنيسة برغامس، حيث قال: "عندك أنت أيضًا قومٌ متمسكون بتعليم النيقولاويين الذي أبغضه" (رؤ 2: 15). العجيب في هؤلاء النيقولاويين أنهم كانوا ينتسبون إلى نيقولاوس أحد الشماسة السبعة، الذي قيل عنهم أنهم "مملوئين من الروح القدس وحكمة" (أع 6: 3) - لا نعرف ماذا حدث لهذا الرجل في عقله!
توجد قصتان، أقربهما إلى العقل أنه كان متزوجًا امرأة جميلة جدًا، وكان يغار عليها جدًا، فوبَّخه الرسل على هذه الغيرة الزائدة. وإحدى القصص تقول أنه أحضرها وقال: "من يريد أن يأخذها فليأخذها ويتزوجها وليس لديَّ مانع". بالطبع هذه القصة لا يقبلها عقلي، إذ كيف سيطلِّق ويزوِّج والأمر يمر هكذا! لكن قصة أخرى تقول: أنه لما بدأ العصر المسيحي الذي فيه تعاليم عن العفة ومثل هذه الأمور، قال لزوجته: لا نحيا كأزواج، ولنفترق عن الحياة الزوجية وممارستها. وفعلاً قاموا بذلك، ولكن بعد مدة لم يستطع أن يستمر، فرجع لها مرة ثانية. ولأجل أن يبرِّر موقفه أخطأ من ناحية العفة، ونادى بمعاشرة النساء حتى خارج نطاق الزوجية وعاش هو وأتباعه في حياة الفسق. لذلك اعُتبِر مبتدعًا.
الرأي الأخف من ذلك ما قاله القديس إكليمنضس الإسكندري: أن أتباع نيقولاوس هم الذين ساروا في هذا الخطأ، ونيقولاوس نفسه لم يعاشر امرأة غير زوجته وكان أولاده عفيفين، وبناته بتوليات، ولكن أنصاره هم الذين كانوا سيئين. يحاول القديس إكليمنضس الإسكندري أن يبرِّر هذا الأمر بأن على لسان السيد المسيح لم يُذكر نيقولاوس وإنما النيقولاويين، وذلك في كلامه إلى ملاك كنيسة أفسس: "عندك هذا أنك تُبغض أعمال النيقولاويين التي أبغضها أنا أيضًا"، وكذلك في كلامه إلى ملاك كنيسة برغامس: "عندك أنت أيضًا قوم متمسكون بتعاليم النيقولاويين الذي أبغضه" (رؤ 2: 6، 15). وبهذا فإن أنصاره هم الذين ساروا خطأ بهذا الشكل وهو لم يفعل ذلك. ولكن سواءً كان هو بمفرده أو أنصاره بمفردهم، فتعاليم النيقولاويين كانت تعاليم خاطئة من جهة العفة، وأيضًا من جهة أنهم أباحوا أكل ما ذُبح للأوثان. وذكرهم القديس أبيفانيوس، والقديس إيريناوس، والقديس چيروم.
أبوليناريوس
ومن المبتدعيين الأوائل أيضًا "أبوليناريوس" الذي عاش في القرن الرابع وكان أسقفًا لـلاوديكية، في النصف الثاني من القرن الرابع وعاصر قديسين كبار مثل القديس أثناسيوس الرسولي الذي تنيَّح سنة 373م، ومثل القديس غريغوريوس النزينزي الناطق بالإلهيات، وكلاهما كتب ضده. مات سنة 392م، وكان قد حُكِم عليه في مجمع القسطنطينية سنة 381م، وفي الإسكندرية سنة 362م بواسطة أثناسيوس، وحُكم عليه في روما سنة 371م في حياة أثناسيوس أيضًا. وقد كان من المدافعين عن الإيمان السليم ضد الآريوسية، وفيما يهاجم الآريوسية وقع هو نفسه في بدعة. يُذِّكرنا هذا بأوطاخي الذي فيما كان يدافع عن الإيمان السليم ضد النسطورية وقع في البدعة الأوطاخية.
من هذا نتعلَّم أنه لا يصِّح لأي أحد أن يتعرَّض للإيمان إلاَّ من الواثقين بالفكر السليم وبالإيمان السليم، لئلا فيما هو يدافع عن أو ضد بدعة ما يقع هو الآخر في بدعة، مثل "أبوليناريوس" هذا.
أوطاخي كيف بدأ وكيف انتهى؟![2]
كان أوطاخي رئيس رهبنة في مدينة القسطنطينية. وكان راهبًا فاضلاً معروفًا بالنسك والحياة الروحية..
عندما بدأ التحدُّث في الأمور اللاهوتية، التي لا يُتقِن الحديث فيها، سقط في بدعة، ولم تشفع له حياته الفاضلة. وحرمه القديس ديسقورس بابا الإسكندرية. وأضاع أوطاخي كلَّ أتعاب نُسكه..
ثم عاد وأظهر توبته للقديس، فعفا عنه.. وبعد العفو تمسَّك ببدعته، فحرمته الكنيسة مرةً أخرى، وما يزال محرومًا. هكذا بدأ فاضلاً، وهكذا انتهى.
أوريجانوس[3]
لا شك أن أخطاء أوريجانوس كانت امتحانًا شديدًا للكنيسة. مثل هذا المعلِّم الذي كان مديرًا للمدرسة اللاهوتية الإسكندرية، وكانت له سلطة جبَّارة في التعليم، وله مدرسة مشهورة في التفسير، وقد تتلمذ عليه عددٌ كبيرٌ من الأساقفة، وكانت له مؤلفات عديدة جدًا، حتى قيل أنَّه لم يوجد العقل البشري الذي يستطيع أن يعي كل ما كتبه أوريجانوس.. أوريجانوس هذا الذي لم يوجد أحد في أيامه قد درس الكتاب المقدس مثلما درسه هو، والذي وضع كتابه المشهور "الهكسابلا" Hexapla من 6 أعمدة، وجمع على مدى 28 سنة أشهَر نُسخ الكتاب وترجماته، وقارنَها وعلَّق عليها.
أوريجانوس هذا كان في صغره يستأجِر المكتبات، ويبيت فيها طوال الليل يقرأ، وفي مؤلفاته كان يستطيع أن يُملي على عددٍ من النُسَّاخ في وقتٍ واحد.. وكان منشغلاً بالعلم.. بالقراءةِ والإملاء، حتى أثناء تناوله الطعام..
أوريجانوس هذا تتلمذ عليه القديس غريغوريوس صانع العجائب والمعجزات، وتتلمذ على كتبه القديس باسيليوس والقديس غريغوريوس اللاهوتي، ودافع عنه فيما بعد يوحنا ذهبي الفم.
أوريجانوس لم يكن فقط عالمًا كبيرًا فحسب، وإنَّما كان من أسرة متديِّنة، استشهد أبوه، ونُهِبت أمواله لأجل المسيح، وهو نفسه يُعتبر من(المعترفين) إلى جوار فضائله الكثيرة.
كان كثير المواهب، وكان مشهورًا بالاتِّضاع وبالصبر والاحتمال، وبالعفة. وكان معلِّمًا للفضيلة كما كان معلِّمًا للاهوت. وقد مدحه القديس غريغوريوس أسقف قيسارية الجديدة، ومدح فضائله أيضًا العلامة چيروم في كتاباته الأولى، كما مدحه القديس كيرلس رئيس أساقفة أورشليم.
أوريجانوس الذي طاف في أماكن عديدة للتعليم. وكلما كانوا يطردونه من مكان، كان يذهب إلى غيره، فيحاربه غير المؤمنين، حتى خشى أصحاب المباني من تأجير قاعاتهم له. وهو يحتمل كل هذا من أجل الكرازة، وقد كتب كتابًا يحث فيه الناس على الاستشهاد..
أوريجانوس الذي فاق كل عصره، فلم يوجد مثله في العبقرية، ولا في المعرفة وسِعة الاطلاع، ولا في القدرة على التأليف، ولا في العمق والتأمل. ولم يوجد مثله في الفلسفة وفي الجدل العقلي واللاهوتي..
أوريجانوس الذي أتقن اليونانية والعبرية. وكان في أسلوبه في غاية البلاغة والتأثير.. وقال عنه "ڤنسان دي لورين" أن الشهد هو الذي كان يخرج من فمه وليس الكلام.
أوريجانوس الذي كان يتناول أصعب الموضوعات، فتصير سهلة في يديه، وواضحة في تعبيره.. الذي لم يوجد معلِّم استخدم آيات الكتاب أكثر مما استخدمها هو..
أوريجانوس الذي تخرَّج في مدرسته معلِّمون وكهنة ومعترفون وشهداء، بلا عدد، وكان موضع إعجاب الكل.. الذي كان يسعى إليه أساتذة اللاهوت وعلماء عصره من أقصاء المسكونة ليتذوَّقوا العلم على يديه، وكان موضع ثقة العالم المسيحي كله..
كان يقابَل بكلِّ توقيرٍ من الجميع، كمعلِّم، وكفيلسوف، وينظرون إليه كما لو كان نبيًا، ولم يحترمه عامة الشعب فحسب بل في القصر الإمبراطوري أيضًا، كانت أم الإمبراطور ألكسندر تعجب بالحكمة التي فيه. وكان من المعجبين به أيضًا الإمبراطور فيليبس (أول أمير روماني صار مسيحيًا).
بل حتى فلاسفة الوثنيين كانوا يُعجبون أيضًا بعلمِه وذكائِه ومعرفته، حتى قال عنه "بروفيرى" أنَّه وصل إلى قمةِ المعرفة الإنسانية.. وهكذا كان مشهودًا له من الجميع.. ويعوزنا الوقت إن أحصينا كل امتيازات هذا المعلم الكبير..
مثل هذه العظمة، كانت بلا شك امتحانًا للناس في أيامه.. من يستطيع أن يترك هذا المعلِّم الذي فاق الكل، مهما نُسِبت إليه من أخطاء..
ثم وقع أوريجانوس في أخطاء، وحرمه البابا ديمتريوس الكرَّام (البطريرك12)، وحرَّم كتبه، أو على الأقل كتاب (المبادئ). ودافع البعض عنه، وقالوا إن الخطأ الموجود في الكتب هو خطأ من النُسَّاخ وليس من أوريجانوس.
وكان حرم أوريجانوس امتحانًا للكنيسة: هل تثبت على محبة الله، أم تثبت في محبة هذا الإنسان العبقري؟.. فثبتت في الله..
وبقى أوريجانوس محرومًا من القرن الثالث إلى يومنا هذا، ولا يجرؤ أحد أن يسميه قديسًا على الرغم من تعبه لأجل الكنيسة. ولما دافع عنه بعض الآباء في القرن الرابع، جدَّد البابا ثاوفيلس البابا (23) حَرمه. وكتب ضده القديس چيروم، وقاد الحركة ضده القديس أبيفانيوس أسقف قبرص، كشخص أخطأ في الإيمان..
وانتصرت الكنيسة في الامتحان.. وفضَّلت العقيدة لا المعلِّم. وأروع ما قيل فيه عبارة: أيها البرج العالي: كيف سقطت؟!
ترتليانوس[4]
مشكلة ترتليانوس تشابه مشكلة أوريجانوس ويقول "ڤنسان دي لورين" أنَّه كما كان أوريجانوس يحتل المكان الأوَّل بين علماء الكنيسة الذين كتبوا باليونانية، كان ترتليانوس يحتل المكان الأوَّل بين علماء الكنيسة الذين كتبوا باللاتينية.
مَن مِن العلماء كان في نفس مستواه ودراسته وعلمه؟! لقد تفهَّم كلَّ علوم الفلسفة ببراعةٍ فائقة، وكان له إلمام بكلِّ مدارسها وتواريخها وفلاسفتها.. وكان عجيبًا في قوَّته على الاقناع.
واستطاع أيضًا أن يُفحم كثيرًا من المبتدعين من الغنوسيين والوثنيين واليهود وأتباع ماركيون وهيرموجونيوس وغيرهم.. وقد وضع كثيرًا من الكتب ومن المؤلفات.
وكان ترتليانوس رجلاً ناسكًا جدًا، وزاهدًا في أمور الدنيا، وبخاصة ما اشتهر عنه من العفة ومن الصوم. وقد كتب في ذلك عدة كتب أشهرها كتابه إلى زوجته:
(To my wife) Ad uxorem ثم كتب كتابًا عن البتولية، وكتابه "حث على العفة".
وبدأ ترتليانوس ينحرف ويتأثر بأفكار المانيين، ويقوده تشدُّده إلى أن يُحرِّم الزواج بعد الترمُّل، وأحيانًا يُحرِّم الزواج كليةً.
ومن فرطِ تشدُّده نادى بعدم المغفرة للخطية بعد المعمودية.
وصار زعيمًا لبدعة الدوناتيين Donatists الذين هاجمهم القديس أغسطينوس فيما بعد. وعلى الرغم من علمه ونسكه وقع في البدعة.
قال عنه القديس چيروم "ترتليانوس الذي ليس هو من الكنيسة". وتحدث القديس إيلاري أسقف بواتييه بكلِّ أسى، عن أخطاء هذا العالِم وكيف حطَّت من قيمته العلمية.
وسقط ترتليانوس أعظم عالِم كنسي كتب باللاتينية في جيله. وكان سقوطه امتحانًا للكنيسة.. ونجحت الكنيسة في الامتحان، وحرَمت ترتليانوس، وفقد سُمعته كعالِم كنسي، وأصبح معدودًا بين الهراطقة والمبتدعين.. حقًا إنَّ البدعة كالكبرياء، كلُّ قتلاها أقوياء.
أريوس
ما أكثر ما يمكن أن يقال عن أريوس كاهن الإسكندرية، الذي كان من أفصح أهل عصره، ومن أقوى الوعَّاظ في زمانه. وكان كثيرون يلتفّون حوله، ويُعجبون بعظاتِه، وكان له تأثيرٌ عجيب على الناس حتى تبعه الآلاف، بل من عظمته في أيامه تبعه كثيرٌ من الأساقفة في تعليمه. بل كان له تأثير على الإمبراطور نفسه حتى أنَّه دافع عنه وطلب أن يُسمح له بالصلاة بعد حرمه.
أيُّ امتحانٍ للكنيسة كان سقوط أريوس في الهرطقة..
كان ولا شك امتحانًا قاسيًا جدًا من أشد الامتحانات ضراوة، وسقط كثيرون في هذا الامتحان، واستطاع أريوس أن يدوِّخ الكنيسة زمانًا. ولما مات ميتة دخلت فيها يد الله، أصرَّ أتباعه على العناد والمقاومة، واتعبوا القديس أثناسيوس تعبًا شديدًا استمر مدة.
أريوس هذا، على الرغم من صلابته وعناده وقوته، سقط سقوطًا عظيمًا، وحرَمه المجمع المسكوني الأوَّل، وما يزال محرومًا وملعونًا من الكنيسة.
لكن بدعة أريوس لم تضُر الكنيسة بل نفعتها وثبَّتت إيمانها:
قام قديسون كثيرون بالرد عليها، مثل القديس أثناسيوس الرسولي، والقديس إيلاري أسقف بواتييه والقديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس أسقف نيصص، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات. وكلُّ هؤلاء أثروا الفكر المسيحي بتعمُّقهم في لاهوت المسيح.
إن الكنيسة لم تجامِل البدع والهرطقات ولم تخَف منها، بل واجهتها بكلِّ قوة، بالجدَل وبالتعليم وبالحرمان أخيرًا، وبتثبيت الشعب في الفكر اللاهوتي السليم.
نسطور
كان نسطور أيضًا أحد هؤلاء الأقوياء الذين قتلتهم البدعة. كان رئيسًا لكنيسة القسطنطينية، وكان صاحب عِلم ومعرفة، ورجلاً له مركزه ومكانته. ولم يصل إلى هذا المركز إلا لتفوّقه الكبير.
ومع ذلك سقط نسطور في لاهوتياته عن طبيعة المسيح، ولم تجامله الكنيسة، وحرَمه المجمع المسكوني المنعقِد في أفسس برئاسة البابا الإسكندري القديس كيرلس عمود الدين. إنَّ الكنيسة تقِف حارسة للإيمان المسلَّم لنا من القدِّيسين. وفي أمورِ الإيمان لا تراعي الوجوه، بل تتصرَّف بحزمٍ وقوة.
[1] أجزاء من محاضرة "تاريخ البدع والهرطقات التي قامت في العصور الأولى، لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 27 مارس2000م
[2] مقال "البدعة كالبرياء: كل قتلاها أقوياء"، لقداسة البابا شنوده الثالث، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 3 يونيو1978م
[3] مقال "البدعة كالكبرياء كل قتلاها أقوياء"، لقداسة البابا شنوده نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 26 مايو 1978م
[4] مقال "أوطاخي كيف بدأ وكيف انتهى؟"، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 3 يونيو 1978م
البدعةُ كالكبرياء: كل قتلاها أقوياء!!
البدعةُ كالكبرياء: كل قتلاها أقوياء!! [1]
إنه سؤال عرضه "ڤنسان دي لورين"، أحد مشاهير الكُتَّاب في القرن الخامس الميلادي، عن قيام الهرطقات وقوِّتها:
لماذا يسمح الرب بقيام الهرطقات، ولماذا يسمح أن يكون أصحاب الهرطقات شخصيات لها تأثيرها في الجماهير ولها مواهبها؟
وفي إجابته عن هذا السؤال استعرض شخصيات هرطوقية ضخمة مثل نسطور، وأوريجانوس، وأبوليناريوس، وغيرهم. واستشهد بآية جميلة في سفر التثنية، حيث شبَّه الوحي الإلهي هؤلاء الهراطقة بالأنبياء، وشبَّه تعالميهم بآلهةٍ أخرى، فقال:
"إذا قام في وسطِك نبيٌ أو حالم حلمًا، وأعطاكَ أية أو أعجوبة، ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلَّمك عنها قائلاً: لنذهب وراءَ آلهة أخرى لم تعرفها ونعبدها، فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم، لأن الرب إلهكم يمتحنكم، لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كلِّ قلوبِكم ومن كل أنفسكم" (تث 13: 1-3).
إنَّه يتكلَّم عن نوعٍ من المعلمين الذين لهم امتياز خاص.. ينظر سامعوه إلى تعليمه، كأنَّه فائقٌ للوضعِ البشري. كأنَّه آيةً أو أعجوبة. ينظرون إلى ذلك الشخص كأنَّه نبي..
حتى إن وُجِد هذا الشخص، وقدَّم للناس آية أو أعجوبة، بتعليمه لهم تعليمًا منحرفًا.. هل يتبعونه أم يتبعون الله؟ هنا الامتحان "لأَّن الرب إلهكم يمتحنكم، لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كلِّ قلوبكم ومن كلِّ أنفسكم".. هل تفضِّلون الله، أم تفضِّلون هذا الإنسان؟ هل العقيدة والإيمان هما الأساس عندكم، أم الأساس هو الشخص. هل يُبهركم الرجل، أم محبة الله هي التي تقودكم؟ هل تضحّون بالله، أم بهذا النبي أو صاحب الأعجوبة؟
إنَّه امتحان: حيث يكون الله في كفة، والإنسان في كفةٍ أخرى، بكلِّ مواهبه - إن وُجِدت - أيهما تختارون؟
ويتابع الكتاب المقدَّس نفس الامتحان، فيقدِّمه بصورةٍ أخرى، وهي إن صدر هذا الإغواء من شخص حبيب إليك جدًا، فيقول: "وإذا أغواك سرًا أخوك ابن أمك، أو ابنك، أو ابنتك، أو امرأة حِضنك، أو صاحبك الذي مثل نفسك قائلاً: نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك" (تث 13: 6)..
فما هو موقفك في هذا الامتحان؟ بين الإيمان والإنسان؟
يقول الوحي الإلهي "فلا ترضَ منه، ولا تسمع له ولا تشفق عينك عليه، ولا ترِق له، ولا تستره.. يدك تكون عليه.. لأنه التمس أن يطوِّحك عن الرب إلهك.." (تث 13: 8-10). هكذا كانت عقوبة العهد القديم على مثل هذا المبتدع الذي يُزيغ النفس عن إيمانهم، هي القتل..
أمَّا في العهد الجديد فيحكُم عليه الكتاب بالحُرم "ليكن أناثيما"، أو على الأقل يُحكَم بعزله عن شركة الإخوة لكي لا يزيغهم. فيقول يوحنا الرسول: "إن كان أحد يأتيكم، ولا يجيء بهذا التعليم، فلا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلام. لأن من يسلِّم عليه، يشترك في أعماله الشريرة" (2 يو 10، 11).
الناس قد يفعلون هذا بالنسبة إلى الغرباء، بالنسبة إلى الطوائف الأجنبية، إلى غير المعتمدين من الكنيسة.. ولكن ماذا يحدث إن كان هذا الشخص من الآباء؟ إنَّه نفس الامتحان، ونفس الحكم، إذ يقول الرب في ذلك: "من أحب أبًا أو أمًا، أكثر مِنِّي، فلا يستحقَّني" (مت 10: 37).
وفي تاريخ البدع كان هناك آباء، وآباء مشهورون، لهم مكانتهم، ولهم قدرتهم في الوعظ، مثل أريوس، وأبوليناريوس، ونسطور، ومقدونيوس، ومثل معلِّم ضخم كبير هو أوريجانوس..
فهل خجلت الكنيسة من هؤلاء أو جاملتهم؟! كلَّا، بل كانت هرطقاتهم امتحانًا للكنيسة: هل تحب الله أم تحبهم.. لو اتَّضع هؤلاء الأقوياء، واعترفوا بأخطائهم، ما قامت لهم بدعة، ولكنَّهم بسببِ كبريائهم وعنادهم وإصرارهم على أخطائهم، حاولوا أن ينشروا البدعة.
هكذا كانت البدعة ابنة للكبرياء.. وكانت مثلها "كل قتلاها أقوياء" (أم 7: 26).
[1] مقال "البدعة كالبرياء: كل قتلاها أقوياء"، لقداسة البابا شنوده الثالث، نشرت في مجلة الكرازة 19 مايو 1978م
الهرطقة والهراطقة
الهرطقة والهراطقة
الحوار اللاهوتي [1]
البعض يظن أن المناقشة في العقيدة، معناها أن يجرح الطرف الآخر، ويتحوَّل من الموضوعية في الحوار إلى النواحي الشخصية..!
بينما المفروض في رجال اللاهوت أن يكونوا على مستوى من الحياة الروحية، بحيث لا يُخرجهم جدلهم عن حفظ الوصية.
ليس المطلوب في الحوار اللاهوتي مجرد الانتصار في النقاش
إنَّما أيضًا كسب الطرف الآخر بقدرِ الإمكان..
أو على الأقل لا تخسره كإنسان..
[1] مقال "الهرطقة والهراطقة"، لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 8 يونيو 1990م
شكرًا للهراطقة..!
شكرًا للهراطقة..![1]
قال القديس أغسطينوس: "شكرًا للهراطقة، لأنهم بالشكوك التي قدموها، جعلونا نتعمَّق في الكتاب بالأكثر، لكي نرُد عليهم. فازددنا معرفةً ما كانت لنا بدون شكوكهم"..
كان الناس يتقبَّلون كلَّ العقائد ببساطة الإيمان، وربما تسلَّموها عن طريق التقليد، من الإيمان المسلَّم لنا من القديسين. أما الآن - وقد وضع الهراطقة شكوكهم - فينبغي أن تُضاف إلى بساطة الإيمان، كل عناصر المعرفة بكلِّ عمقها، وبكلِّ إدانتها وبراهينها..
من الآن سوف يوضع برنامج عقيدي، يوزَّع على كلِّ الكنائس وكلِّ الإيبارشيات، ليضاف إلى مناهج التربية الكنسية، وإلى برامج اجتماعات الشباب، والوعظ في الكنائس..
يلقَى الموضوع الروحي، وإلى جواره كلمة عقائدية، ولو لربع ساعة أو عشرة دقائق، ولو في إجابة على سؤال عقيدي أو سؤالين. ولكن لا يمكن إهمال العقيدة وتدريسها.
وشكرًا للهراطقة الذين سيساعدون - بدونِ قصدٍ منهم - على تعميق فهم العقائد في الناس. وسيرى هؤلاء أن كتبهم التي أرادوا بها بث الشكوك، قد أوصلت إلى نتيجة عكسية.
على أنَّنا نعجب - بالنسبة إلى الهراطقة - من أمريْن:
يتحمَّسون للكتاب، والحق الكتابي، والكنيسة الكتابية، ويبلغ حماسُهم إلى درجة التفرُّغ لانتقاد كُتب الكنيسة وعقائدها وطقوسها.. وفي نفس الوقت يمتلئ السوق بمطبوعاتٍ تتعرَّض للكتاب المقدس وتصفه بأنَّه كتابٌ محرَّف ومزوَّر ومن تأليفٍ بشري.. وهؤلاء المتحمِّسون، كأنَّهم لم يسمعوا ولم يروا. لا يدافعون عن الكتاب، ولا يشهدون للإنجيل. ولكنهم (شجعان) فقط في محاربة الكنيسة!
هل هذا هو الوقت المناسب، لحرب كنسية داخلية؟ أم هذه خيانة للكنيسة، ومحاوله لتقديم مادة فكرية تُستغَل ضد الإيمان المسيحي؟!
- الأمر الثاني أنَّهم ينتقدون الكنيسة لأنَّها لا تهتم (بالعظات الخلاصية)، وفي نفس الوقت، تكون كلُّ كتبهم عقائدية بحتة، تناقش بطريقة فكرية أمورًا لاهوتية تمامًا، لا يمكن وصفها بالعظات الخلاصية، حسب مفهومهم!!
إننا سنفعل هذه ولا نترك تلك. سنقدِّم العظات الروحية، والمعلومات اللاهوتية والعقيدية، في منهجٍ واحد متكامل..
وإن شاء الله سنجعل شعبنا، كبيرًا وصغيرًا، حتى الأطفال، يحفظون عن ظهر قلب الآيات التي يتحاشى الهراطقة ذِكرها.. بينما هي تبني العقيدة السليمة.
نشكر الهراطقة، لأنهم بدون قصد يساعدون على تثبيت العقيدة التي يحاربونها.. وسوف يشهد هذا الجيل نهضةً إيمانية.
[1] "مقال شكرًا للهراطقة"، لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 18 مايو 1979م





