مواهب متنوعة

مواهب متنوعة[1]
قال القديس بولس الرسول: “هَكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ… وَلَكِنْ لَنَا مَوَاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ النِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَنَا: أَنُبُوَّةٌ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِيمَانِ. أَمْ خِدْمَةٌ فَفِي الْخِدْمَةِ أَمِ الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيمِ. أَمِ الْوَاعِظُ فَفِي الْوَعْظِ…” (رو12: 5- 8).
نحن أعضاء بعضنا لبعض، كالشجرة مثلًا: فيها الجذر تحت الأرض، مخفي لا يراه أحد، وفيها أيضًا أعضاء ظاهرة، كالجذع، والأغصان، والأوراق، والأزهار، والثمار. وكل منها له عمله.
الجذر يمثل العضو الذي يعمل في خفاء، يحمل الشجرة كلها، بينما المديح كله ينسب إلى غيره. أما هو فيعمل في صمت.
إننا نمتدح الأغصان التي نستظل تحت أوراقها، ونمدح جمال الأزهار، وحلاوة الثمار. ولكن يندر أن نمتدح الجذور التي تحمل كل هؤلاء، وترسل عصارة إلى الكل، فتحيا…؟ ولكن الجذور راضية بوضعها الخفي، حسبما قسم الله لكل واحد نصيبًا! دون أن تتعب، ودون أن تحسد أعضاء الشجرة الظاهرة!
ترى لو أصيبت الجذور بحب الظهور، أي ارتباك كان يحدث؟
إنه درس من الطبيعة، يقدمه لنا الله لنتعلم… نتعلم كيف تعمل أعضاء الجسم الواحد في تعاون، حتى لو كان أحدها مدفونًا طول عمره لا يظهر.
ولكنه العمل الجماعي الهادف، الذي يعمل فيه الكل بتعاون…
لعله يذكرنا بقصة الأعمى والكسيح. وأمامهما ثمرة شهية، لا يراها الأعمى، ولا يصل إليها الكسيح. فحمل الأعمى الكسيح وسار به فقطف الثمرة، وأكلاها معًا. كل منهما كان عضوًا للآخر. الأعمى كان قدمًا للكسيح. والكسيح كان عينًا للأعمى.
نفس الوضع يذكرنا أيضًا بقصة موسى وهارون.
موسى كانت له صلة بالله، ولكنه كان ثقيل الفم واللسان.
فلما اشتكى من هذا الأمر إلى الله، دفع إليه هارون أخاه، وقال له: “تُكَلِّمُهُ وَتَضَعُ الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ… وَهُوَ يُكَلِّمُ الشَّعْبَ عَنْكَ. وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلَهًا” (خر4: 15، 16). وأصبح هارون يكمل موسى، وموسى يكمل هارون، موسى هو فكر هارون، وهارون هو فم موسى.
كما يقول إنسان لآخر، أنا ذراعك اليمين، أنا عينك…
أي يصير عضوًا له، يعمل له عمل الذراع أو العين…
أو كما تقول الدسقولية إن الشماس هو عين للأسقف، أي يرى له ما هي الأسرات التي تحتاج إلى خدمة، ويخبره بها، لكي يقوم بالرعاية اللازمة لها. فصار بذلك له عينًا.
هذا هو العمل الجماعي، كل عضو فيه يكمل الآخر. ولا يقدر إنسان أن يعمل كل شيء لوحده، لا بد من باقي الأعضاء تعمل معه، حسبما قسم الله لكل واحد نصيبًا.
وكل واحد يختلف في عمله عن الآخر، فالمواهب متنوعة.
والله قد نوع المواهب، لكي يتكامل العمل الجماعي. فلو كان للكل موهبة واحدة، ما قام العمل. العمل يحتاج إلى المدير، كما يحتاج إلى الكاتب والخادم وإلى الكناس…
وبقيام كل واحد بواجبه، يتكامل العمل، كأعضاء الجسد الواحد.
الله أوجد الفنان الذي يهتم بالجمال، والفيلسوف الذي يهتم بالفكر، والكادح الذي يعمل بيده، الذي ليس من واجبه أن يفكر، وإنما يفكر له غيره. والكل لازم.
واحد أعطاه الله موهبة التدبير، وليس موهبة التعليم. هل ننتقده؟! أم “الْمُدَبِّرُ فَبِاجْتِهَادٍ، أَمِ الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيمِ” (رو12: 8، 7).. مثل ماكينة، كل قطعة فيها لها عمل خاص. ومن مجموعة أعمال القطع، تقوم الماكينة بعملها، وإن نقص مسمار لا تعمل.
حقًا إن الله خلق أفرادًا قلائل متعددي المواهب!
مثال ذلك بولس الرسول: كان معلمًا في الكنيسة، وواعظًا. وكان رسولًا وكاهنًا. وكانت له موهبة ألسن، وموهبة رؤى واستعلانات، وموهبة تدبير في “الاهتمام بجميع الكنائس”. وكانت له مواهب فكرية، وقدرات في صنعة اليد، فكان صانع خيام…
وكذلك كان داود النبي: كان ملكًا، وقائد جيش، وشاعرًا، وعازفًا على العود، ونبيًا، ورب أسرة، وراعي غنم.
والقديس باسيليوس الكبير، كان لاهوتيًا رد على الآريوسيين. وكان من مؤسسي الرهبنة وواضعي قوانينها، ومن الذين عملوا في الخدمة الاجتماعية. وكان رئيس أساقفة، ومعلمًا، ومفسرًا للكتاب..
إنها جملة مواهب. أمكن أن تتجمع في شخص واحد…
هكذا أشخاص آخرون، مثل القديسين أثناسيوس وأوغسطينوس، وذهبي الفم، وأمثالهم من القادة الذين وهبهم الله عدة مواهب.
وهذا لا يمنع من وجود قديسين كبار، بموهبة واحدة.
ولكنها موهبة استغلوها لدرجة تقترب من الكمال، واستطاعوا بها أن يصلوا إلى الله، ويتركوا لنا مثالًا. ومنهم:
القديس يوليوس الأقفهصي: لم نسمع عنه أنه كان لاهوتيًا، أو معلمًا، أو ناسكًا من الرهبان. ولكن كانت له موهبة الاهتمام بأجساد الشهداء القديسين، وحفظها، وكتابة سيرهم. وهكذا ترك لنا في الكنيسة تراثًا خالدًا، هو رفات الشهداء، وسير الشهداء.
قديس آخر مثل سمعان الدباغ. لم نسمع عنه موهبة في التدبير أو التعليم أو الرهبنة أو التكلم بلسان. ولكن كانت له موهبة الصلاة المستجابة التي تنقل الجبل، وبها خلده التاريخ.
قديسون اشتهروا بفضيلة الرحمة مثلًا. كالقديس سرابيون الكبير الذي باع إنجيله ليتصدق بثمنه، وكذلك ثوبه. ورجع إلى قلايته عاريًا. وكالقديس الذي باع كل ما يملك ليعطي للفقراء. ولما لم يجد شيئًا باع نفسه كعبد، وتصدق بثمن نفسه!
ومن هؤلاء أيضًا القديس الأنبا أبرآم أسقف الفيوم، الذي دخل التاريخ عن طريق فضيلة الرحمة. ولما رأى الله أمانته في هذه الفضيلة وهبه صنع المعجزات ليكمل عمل الرحمة.
يمكننا أن ندخل في هذا النوع أيضًا “المعلم إبراهيم الجوهري” الذي كان علمانيًا ومتزوجًا وموظفًا حكوميًا. ولكن كانت له موهبة العطاء، وبها أحسن إلى الفقراء، وعمر الكنائس والأديرة.
وبنفس الوضع تقريبًا، كانت القديسة طابيثا في يافا. التي كانت تصنع أقمصة وثيابًا وتعطي للأرامل (أع9). وقد بكت عليها الأرامل، وأقامها القديس بطرس الرسول من الموت.
كل هؤلاء لم تكن لهم مواهب متعددة، إنما موهبة واحدة أخلصوا لها، ونالوا بها ما ناله متعددو المواهب.
بل قديسون كثيرون، لم يكتب لهم التاريخ سوى عمل واحد.
*يوسف الرامي مثلًا، كان غنيًا وعلمانيًا. وسجل له الكتاب أنه أخذ جسد الرب بعد صلبه، ووضعه في قبر له.
*وعوبديا، في أيام آخاب الملك الوثني، كان يأخذ الأنبياء المهددين بالقتل ويخفيهم ويعولهم، ولا نعرف له عملًا آخر(1مل18).
*وآخرون لا يعرفهم التاريخ، كانت موهبتهم الوحيدة هي النساخة، في وقت لم تكن فيه مطابع، فكانوا ينسخون الكتب المقدسة، وكتب الكنيسة، وعملوا بذلك عملًا عظيمًا جدًا.
*والبعض كان عملهم، أنهم وهبوا بيوتهم لتكون كنائس، مثل مريم أم مرقس، وأكيلا وبريسكيلا، وليدية بائعة الأرجوان.
إذن ليس للإنسان أن يبحث عن كثرة المواهب، أو عن المواهب الفائقة، إنما يكفي أن يخلص لما منحه الله إياه.
وعليه أن يكون أمينًا لوزنته، حسبما قسم له الله، مهما كانت قليلة، وبهذا يدخل إلى فرح سيده.
امرأة مثلًا، ولدت هكذا، ليس من صالحها أن ترتئي فوق ما ينبغي، كالنساء اللائي يسعين إلى نوال درجة الكهنوت!! إنما يكفي أن تربي أولادها حسنًا، وتهتم ببيتها وزوجها، وتكون نقية القلب، وهذه وزنتها… إن الله أرشد القديس مقاريوس الكبير إلى امرأتين متزوجتين في الإسكندرية ولهما أولاد، وقال للقديس إن هاتين المرأتين هما في نفس درجته الروحية…
لا تقل: ليست لي موهبة المعرفة أو التعليم، ولا أقدر أن أتبحر في الكتب أو أعظ أو أخدم. إن لم تستطع، يمكنك أن تعمق صلواتك، وستعمل صلاتك أكثر مما يعمله الوعاظ. فهكذا كان القديس سمعان الدباغ، وهكذا كان آباؤنا الرهبان…
أعطاك الله محبة للفقراء وعناية بهم، قل لنفسك: هذه موهبة كبيرة جدًا، فالديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه، افتقاد الأرامل والأيتام في ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس.
من العيوب الصعبة، أن الإنسان ينسى ما في يده، ويبحث عما ليس معه، ويقول ليست لي موهبة!!
أليس في هذا جحدان لمواهب الله؟! وسلوك على غير مشيئته الإلهية؟! وعدم أمانته في القليل، وعدم اكتشاف لمواهبنا!
إن الله لم يترك أحدًا بلا عطية، أو بلا موهبة، إنما هناك أنواع مواهب متعددة. والقيادة الحكيمة، في التدبير والرعاية، أو في الاعتراف، عليها أن تكتشف المواهب وتوجهها…
وليس سليمًا روحيًا، أن نفاضل ونوازن في المواهب.
فأنت لا تستطيع أن تقول عن الجسد، أيهما أفيد للإنسان، القلب أم المخ؟ كلاهما لازم. وإن فقد الجسد أحدهما، لا يمكن أن يعيش. فلا يقل القلب ليتني كنت مخًا، ولا يقل المخ ليتني كنت قلبًا، بل فليخلص كل منهما لعمله، وليتعاونا معًا. هكذا جميع أعضاء الكنيسة، كل حسب موهبته.
يحكي لنا كتاب (الأربعين خبرًا) عن قديس كان يعمل بوابًا في دير الأنبا بيشوي. وقد استطاع أن يجتذب كثيرين إلى الإيمان وإلى الرهبنة، بالمقابلة الحسنة والبشاشة والكلمة الحلوة، لدرجة أن الناس أحبوا الدير بسببه. وأصبح هذا الراهب البواب هو أهم شخصية في الدير كله، بسبب فضيلته التي أتقنها.
لا تشته إذن موهبة معينة. فربما لا تفيدك…
أو قد يستغل العدو هذه الشهوة لضررك. بل أسلك حسبما قسم الله لك نصيبًا من الإيمان ومن المواهب.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “مواهب متنوعة”، الكرازة 15 أغسطس 1980م.





