من هو الراعي

من هو الراعي[1]
الراعي هو الله
هو بلا شك الراعي الحقيقي. وقد قال في الإنجيل:
“أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ” (يو11:10).
وقال: “إِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي” (يو14:10). وقال كذلك: “خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي” (يو10: 27، 28).
وتحدث السيد المسيح عن نفسه كراعي صالح، في مثل الخروف الضال (لو 15). وكيف أنه بحث عن خروفه الضال، حتى وجده، وحمله على منكبيه فرحًا. ودعا الأصدقاء والجيران أن يفرحوا معه…
وكما أن (يو10) هو إنجيل الراعي، كذلك مز22 (23) هو مزمور الراعي.
وفيه يتغنى دواد النبي برعاية الله، فيقول: “اَلرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ… عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي”. وما أكثر ما يوجد في سفر المزامير عن الله الراعي.
وسفر النشيد يقدم الله أيضًا باعتباره الراعي.
حيث تناجيه النفس البشرية: “أَخْبِرْنِي يَا مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي أَيْنَ تَرْعَى أَيْنَ تُرْبِضُ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ…” (نش7:1). وتقول أيضًا: “حَبِيبِي لِي وَأَنَا لَهُ الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ” (نش16:2). وتكرر نفس العبارة في (نش6: 3). وتقول عنه أيضًا أنه: “يَرْعَى فِي الْجَنَّاتِ” (نش6: 2).
والله نفسه- في العهد القديم – قال عن نفسه إنه الراعي.
وقال في ذلك عبارته الخالدة المؤثرة، في الإصحاح 34 من سفر حزقيال النبي، الذي يعتبر بحق إصحاح الراعي، كما في (يو10) في العهد الجديد، ومز23 من مزامير دواد. قال:
“أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ” (حز34: 15، 16).
وقال أيضًا: “هَئَنَذَا أَسْأَلُ عَنْ غَنَمِي وَأَفْتَقِدُهَا. كَمَا يَفْتَقِدُ الرَّاعِي قَطِيعَهُ… هَكَذَا أَفْتَقِدُ غَنَمِي وَأُخَلِّصُهَا مِنْ جَمِيعِ الأَمَاكِنِ الَّتِي تَشَتَّتَتْ إِلَيْهَا… أَرْعَاهَا فِي مَرْعًى جَيِّدٍ… هُنَالِكَ تَرْبُضُ فِي مَرَاحٍ حَسَنٍ، وَفِي مَرْعًى دَسِمٍ … وَأَنْتُمْ يَا غَنَمِي فَهَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هَئَنَذَا أَحْكُمُ بَيْنَ شَاةٍ وَشَاةٍ… أَحْكُمُ بَيْنَ الشَّاةِ السَّمِينَةِ وَالشَّاةِ الْمَهْزُولَةِ… فَأُخَلِّصُ غَنَمِي فَلاَ تَكُونُ مِنْ بَعْدُ غَنِيمَةً”
إني أنصح جميع رتب الكهنوت بقراءة (حز34).
وهناك سؤال: ما دام الله هو الراعي، فهل ندعو بعض البشر رعاة.
رعاة من البشر:
نعم، يوجد رعاة من البشر، فقد قال الكتاب عن الرب: “وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ” (أف 4: 11، 12).
والقديس بولس الرسول يقول لشيوخ أفسس، أساقفتها ورعاتها. “اِحْتَرِزُوا إذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ” (أع20: 28).
والقديس بطرس الرسول يقول: “أَطْلُبُ إِلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ، أَنَا الشَّيْخَ رَفِيقَهُمْ… ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ… لاَ كَمَنْ يَسُودُ عَلَى الأَنْصِبَةِ بَلْ صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ، وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى” (1بط 5: 1-4).
إذن هناك رعاة، والمسيح الراعي هو رئيس الرعاة.
والأمثلة كثيرة جدًا في الكتاب عن الرعاة من البشر…
والآن نسأل: إن كان الله هو الراعي، فكيف دعيَّ البعض رعاة حتى من الله نفسه؟
كيف دعيَّ البشر رعاة؟
دعوا رعاة لسببين أساسيين يتعلقان بالله نفسه.
1- ما دام الله هو الراعي، إذن يدعى راعيًا من هو مفوض من الله لعمل الرعاية، أعني وكيل الله. ولذلك دعيَّ الأساقفة رعاة، لأن الأسقف هو وكيل الله حسب تعليم الكتاب (تي1: 7). والسيد المسيح يقول: “يا ترى من هو الوكيل الأمين الحكيم، الذي يقيمه سيده على عبيده، ليعطيهم طعامهم في حينه” (لو12: 42).
2- ما دام الله هو الراعي لذلك يشترط فيمن يدعى راعيًا أن يسكن فيه روح الله. ولذلك حينما منح الرب تلاميذه سرَ الكهنوت، نفخ أولًا في وجوههم، وقال: “أقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” (يو20: 22، 23) وهكذا كان الامتلاء من الروح القدس شرطًا للرعاية.
وأرجو أن أتحدث عن هذا الموضوع في مناسبة أكثر إتساعًا.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: من هو الراعي؟ بمجلة الكرازة 5 أغسطس 1994.




