من روحيات الكاهن “التواضع”

من روحيات الكاهن “التواضع”[1]
ولعل هذه الصفحة تكون في مقدمة الصفات، إذ قال السيد المسيح لرسله: “تَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ” (مت11: 29). فجعل التواضع والوداعة أهم ما يتعلمونه منه.
الكاهن لا بد أن يعرف أن وظيفته مسئولية وليست سلطة:
وأنه أُقيم أبًا للناس، وليس مجرد رئيس للناس.
صحيح أن له رئاسة، لكن الرئاسة في الكهنوت ليست مثل الرئاسة عند أهل العالم، ولا هي أداة للتسلط.
إنما الرئاسة هي لمجرد التمكين من أداء المسئولية:
تساعده على القيام بواجبه، وليس لإعلاء الذات…!
وهكذا فإن الكاهن في تواضعه، لا يتعالَى على الناس، ولا يعامل أحد بكبرياء، حتى الصغار، حتى الخدم. ولا يتعامل بتعالٍ مع الفقراء والمحتاجين. بل بتواضع مع الكل، ولا يطلب كرامة لنفسه.
أذكر أنني في سنة 1959 قلت لأحد الآباء الكهنة الجدد:
كن ابنًا وسط إخوتك، وأخًا وسط أولادك:
أي أنه يتعامل مع أخوته الكهنة كابن لهم، ولا يقول في نفسه “قد تساوت الرؤوس”. أما مع أبنائه من العلمانيين، فيتعامل كأخ لهم. ويتذكر أن السيد المسيح كثيرًا ما كان يدعو تلاميذه إخوة (عب2: 11، 12). وقد قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: “لاَ تَزْجُرْ شَيْخًا بَلْ عِظْهُ كَأَبٍ، وَالأَحْدَاثَ كَإِخْوَةٍ، وَالْعَجَائِزَ كَأُمَّهَاتٍ، وَالْحَدَثَاتِ كَأَخَوَاتٍ، بِكُلِّ طَهَارَةٍ” (1تي5: 1، 2).
فلا يجوز لكاهن قد سيم حديثًا، وهو بعد في سن الشباب، أن يقول لعلماني شيخ: “يا ابني” ولا لعجوز “يا ابنتي”. تذكروا بولس الرسول يقول في رسالته إلى رومية: “سَلِّمُوا عَلَى رُوفُسَ الْمُخْتَارِ فِي الرَّبِّ وَعَلَى أُمِّهِ أُمِّي” (رو16: 13). يمكن أن تقول للشيخ “العم فلان”، وللعجوز “العمة فلانه” بكل أدب واحترام.
هل الكهنوت يمنع احترام الناس؟! كلا بلا شك، بل يوجبه.
والكاهن يعطي الناس فكرة عن أدب الحديث مع الغير:
وذلك بأسلوبه العملي – في أدبٍ جَمْ – في حديثه مع غيره من الناس، فيقلده الآخرون في ذلك. وبخاصة إذا استخدم هذا اللون من التواضع مع الصغار ومع مساعديه والعاملين معه.
قد ينتظر الكاهن احترامًا من الناس. هذا حقه، دون أن يطلب.
ولكن ما المانع أن يكون أسلوب التعامل هو احترام متبادل؟ هم يحترمونه لكهنوته وأبوته وشخصه. وهو يعاملهم باحترام، لأن هذا هو الأسلوب الاجتماعي الحضاري. فكم بالأكثر يكون الأسلوب الروحي الذي يتبادله معهم كأبناء الله.
احترام الكاهن لا يُنقِص من قَدرِهِ، بل يزيده في نظرهم:
أمر خطير أن يكبُر الكاهن في عينيّ نفسه.
وبالتالي يريد أن يكبر في أعين الناس.
أعرف أن كل رتبة تعطَى لك، إنما لكي تزيدك اتضاعًا إذا ما شعرت في نفسك بعدم الاستحقاق.
كان القديس أوغسطينوس في بعض صلواته يقول: “أطلب إليك يا رب من أجل سادتي، “عبيدك”، “أنا أمامهم راعٍ لهم. ولكنني أمامك واحد معهم من قطيعك. ارعني معهم”، “أنا أمامهم معلم لهم. ولكنني أمامك تلميذ معهم. علمني وعلمهم”.
خذ درسًا من السيدة العذراء التي لما بشرها الملاك جبرائيل بذلك المجد العظيم، قالت: “هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ” (لو1: 38). فلم تقل عن نفسها أنها أم بل أَمَة أي عبدة.
ومن تواضع الكاهن أنه لا يصر باستمرار على رأيه، كما لو كان معصومًا في كل أقواله وأفكاره:
ولا يضع في ذهنه باستمرار إنه على حق في كل شيء، وأن غيره هو المخطئ. ولا يعاند مع الرأي الآخر، بل يقبله ويحاول أن يتفهمه، ويحاوره بكل وداعة. وليتذكر أن الله تحاور مع أبينا إبراهيم في موضوع سادوم وتقبَل رأيه (تك18). وهو الذي قال: “هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ…” (إش1: 18).
فلا تغضب إذا ناقشك أحد في تصرفاتك، ولا تعتبره قد أهانك:
لقد قال إرميا النبي للرب: “أَبَرُّ أَنْتَ يَا رَبُّ مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ. لَكِنْ أُكَلِّمُكَ مِنْ جِهَةِ أَحْكَامِكَ. لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟” (أر12: 1). ولم يقل له الرب: من أنت حتى تكلمني من جهة أحكامي؟!
أتذكر أنني في كتابي عن المزمور الثالث، خصصت فصلًا عن الحوار مع الله، وقولنا له: “يا رب لماذا؟”. ليتك تقرأه.
لا مانع إذن أن تعطي الناس فرصة لكي يناقشوك:
فإن لهم أيضًا عقولًا تريد أن تقتنع وتستريح..
وعلاقة التفاهم الذي يؤدي إلى الاقتناع هو أقوى بكثير جدًا من علاقة تقبل الأوامر وتنفيذها بغير اقتناع.
إن الذي يناقشك، وتشرح له فكرك ويقبله منك، سيصير ليس فقط منفذًا لفكرك، بل ينشره ويُقنِع به غيره كما اقتنع هو… ولا تظن مطلقًا أن احترام الكهنوت معناها أنه لا يُناقش!
فليس أحد معصومًا، ولا حتى في مجال التعليم:
ومعلمنا القديس يعقوب الرسول يقول: “لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ! لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا” (يع3: 1، 2).
القديس أوغسطينوس أحد معلمي الكنيسة الكبار، أخذ يراجع بعضًا من أفكاره وتعاليمه السابقة. وذلك في كتابه Retractions.
نقطة أخرى أحب أن أقولها. وهي أنه يوجد في الكنيسة بعض من كبار السن، ومن ذوي الخبرة، ومن أصحاب تخصصات معينة.
ينبغي أن تحترم رأيهم في تلك الخبرات والتخصصات:
ولا تفرض رأيك في كل تخصص مهما كان بعيدًا عن دراستك، واعرف أنك كلما تسمع، وتحترم رأي ذوي الخبرة، ستجمع حولك الكثير من الناس ذوي العقول الناضجة. وإن تصرفت بالعكس، سيفر هؤلاء منك. ولا يكون هذا في صالحك، ولا من صالح الكنيسة.
لأنه ليس من المعقول أننا لا نجعل للعلمانيين كرامة، لكي تكون لنا نحن كرامة!!
هذا غير مقبول، وغير عملي، وغير واقعي.
أولًا: لأنه ليس هدف رجال الكهنوت أن يبحثوا لأنفسهم عن كرامة، بل هدفهم هو خلاص أنفس الناس وصالح الكنيسة.
وثانيًا: لأن الجري وراء الكرامة، لا يوصل إلى الكرامة. كما قال مار إسحق: “من سعَى وراء الكرامة، هربت منه. ومن هرب منها بمعرفة، سعت وراءه وأرشدت الناس إليه”.
ثالثًا: في إعطائنا كرامة للعلمانيين وباقي الخدام، إنما نجعلهم يلتصقون بالكنيسة بالأكثر، ويساهمون في أنشطتها، ويحبون العمل فيها، ويحبون رجال الدين والوسط الديني كله.
لذلك لا مانع أن تجذب كل هؤلاء إليك، وتستمع إليهم.
حسنٌ منك أن تقول “يهمنا أن نسمع رأي فلان” أو “نحب أن نستفيد من خبرة فلان في هذا الموضوع” أو تقول: “لك حق يا فلان فيما قلته، لقد أضاف إلينا معلومات نافعة”.
لا تظن أنك إذا قلت هذا يستصغرك الناس. كلا، بل على العكس يحبونك بالأكثر، لأنك تعطيهم كرامة وتشعر بقدرهم. ولذلك يقولون عنك: “أبونا هذا رجل طيب. ونحن نستريح إلى العمل معه”.
لا تجعل الناس ييأسون من الكلام أو التفاهم معك.
لا تجعلهم يشعرون في كل أمر يناقشونه معك، أنهم أمام الواقع الذي لا يقبل تعديلًا ولا تغييرًا! ويقول البعض منهم للآخر: “لماذا أفقد سلامي في حديثي مع هذا الأب. قد نكلمه بالساعة والساعتين، وننتهي إلى نقطة البدء كأن لم نقل شيئًا! ورأيه هو هو، وكأنه “شَرِيعَةِ مَادِي وَفَارِسَ”! (دا6: 8).
وهكذا لكي يحتفظ أمثال هؤلاء بسلامهم معك، يتركون الكنيسة لك، تدبر أمورها كما تشاء، شاعرين أنه لا موضع لهم…!
أيضًا الكاهن المتواضع لا يخدش شعور أحد:
لا يجرح نفسية أحد من الناس، بل يتكلم مع كل أحد بلياقة، وبهدوء، وينتقي الألفاظ انتقاءً شديدًا في حديثه مع الناس.
وكما يحترم مشاعر الناس، يحترمون أيضًا مشاعره.
وكما يكون حريصًا جدًا في تعامله معهم، يكونون هم كذلك في التعامل معه: يوقرونه ولا يخطئون إليه في كلمة أو تصرف.
غلطة بعض الآباء الكهنة، أنهم يسيئون فهم قول الرسول: “وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ” (2تي4: 2)
وإذ يكثرون من التوبيخ، يقل احترامهم للناس. ويفقدون رقتهم وتواضعهم. ويصبح الانتهار جزءًا من طبعهم، للكبير وللصغير، وفي الأمور الخطيرة والأمور العادية. ويبحث الناس عن صفة الوداعة فيهم، فلا يجدونها.. ويعثرون.
إن القديس بولس الذي قال لتلميذه تيموثاوس الأسقف: “وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ”… قال بعدها مباشرة: “بِكُلِّ أنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ”. وأعطانا مثالًا لنفسه في هذا المجال، فقال لشيوخ أفسس: “مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلًا وَنَهَارًا لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ” (أع20: 31). قال: “بدموع” ولم يقل بتسلط.
وقال لأهل كورنثوس: “أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ بِوَدَاعَةِ الْمَسِيحِ وَحِلْمِهِ، أَنَا نَفْسِي بُولُسُ الَّذِي فِي الْحَضْرَةِ ذَلِيلٌ بَيْنَكُمْ، وَأَمَّا فِي الْغَيْبَةِ فَمُتَجَاسِرٌ عَلَيْكُمْ” (2كو10: 1).
عجيبة عبارة “ذليل بينكم” يقولها القديس العظيم بولس الرسول في توبيخه لهم، وعجيبة أيضًا “متجاسر عليكم”. نربط بين قوله هذا، وبين قوله أيضًا: “وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ”.
هذا نموذج من التوبيخ، وأيضًا لا تكن كثير التوبيخ:
لا تكن كثير الانتهار ولا تنتهر كل أحد.
يقول الكتاب: “اَلْكَثِيرُ التَّوبيخ الْمُقَسِّي عُنُقَهُ، بَغْتَةً يُكَسَّرُ وَلاَ شِفَاءَ” (أم29: 1). ويقول: “لاَ تُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا لِئَلاَّ يُبْغِضَكَ. وَبِّخْ حَكِيمًا فَيُحِبَّكَ” (أم9: 8).
إذن التوبيخ ليس لكل أحد. يستفيد منه الحكماء، ولا ينفع مع المستهزئين. ولهذا يقول الكتاب أيضًا: “اَلاِنْتِهَارُ يُؤَثِّرُ فِي الْحَكِيمِ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ جَلْدَةٍ فِي الْجَاهِلِ” (أم17: 10).
لذلك لا تستخدم التوبيخ إلا في حدوده، وباتضاع، ومع الذين يستفيدون منه.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – من روحيات الكاهن “التواضع”، بمجلة الكرازة 28/ 9 / 2001





