مفهوم الراحة والتعب

يتأمل قداسة البابا شنوده الثالث في هذه العظة في مفهوم الراحة والتعب من منظور روحي وإنساني. ويوضح أن الراحة ليست الكسل، كما أن التعب ليس دائمًا شرًا. فالله نفسه استراح في اليوم السابع بعد أن أتم عمل الخلق، وهذه الراحة كانت ثمرة الإنجاز، وليست بطالة أو توقفًا عن العمل. وهكذا الإنسان يجد راحته الحقيقية عندما يُكمِل ما بدأه بأمانة.
أولًا: أنواع الراحة
-
راحة الله في الخلق والفداء:
الله استراح بعد الخلق، واستراح أيضًا بعد الفداء في القيامة، إذ أكمل عمل الخلاص. وهناك راحة أخرى أبدية ينتظرها الجميع، حيث “لا يكون تعب ولا وجع ولا مرض.” -
الراحة الجسدية:
الجسد يحتاج إلى راحة منتظمة — وهذا ليس خطأ بل وصية إلهية: “اذكر يوم الرب لتقدسه.” فالإنسان الذي لا يمنح جسده الراحة الكافية يتعب ويفقد توازنه.
ومع ذلك، الراحة لا تعني الخمول؛ بل العمل بعقل وهدوء دون إرهاق. حتى أثناء النوم، القلب والمخ والرئتان يعملون في نظام هادئ دون توقف. -
الفرق بين الراحة والكسل:
الكسل هو أن يملك الإنسان القدرة على العمل ولا يريد أن يعمل. أما الراحة فهي توقف منظم لاستعادة القوة. الكسل يؤدي إلى الترهل والضعف والمرض، بينما الراحة تجدد الجسد والعقل. -
التعب المفيد:
في بعض الأحيان، التعب يكون وسيلة للراحة، مثل التمارين الرياضية التي تُتعب الجسد لتريحه صحيًا. لذلك، العمل النشيط والمعتدل يضمن صحة الجسد وسلامه.
ثانيًا: راحة النفس والضمير
-
تعب الجسد لراحة الضمير:
هناك من يتعب جسده ليحيا ضميره في سلام، مثل يوحنا المعمدان الذي نادى بالحق ودفع ثمنه جسديًا، أو يوسف الصديق الذي رفض الخطيئة فدخل السجن. هؤلاء تعبوا جسديًا لكن أرواحهم وضمائرهم كانت مستريحة. -
التعب من أجل الآخرين:
الخادم الحقيقي يتعب ليُريح غيره. لذلك قال البابا:“أمامنا طريقان: إما أن نتعب ليستريح الناس، أو نستريح ليتعب الناس. وقد دُعينا للتعب.”
بولس الرسول قال: “كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه.” فالتعب في الخدمة فضيلة، لأنه تعب المحبة والبذل.
-
الراحة المزيفة:
أحيانًا يسعى الإنسان إلى راحة نفسية على حساب راحته الروحية — كمن يكذب ليتجنب مشكلة، أو يجامل في الخطأ، أو يخدع المريض ليريحه نفسيًا بينما يهمله روحيًا. هذه راحة وقتية تؤدي إلى تعب أبدي. -
راحة الروح بالتوبة:
الراحة الحقيقية للنفس تأتي حين تتوب وتبكي على خطاياها، فبكاء التوبة يُريح القلب والضمير. أما من يبرر نفسه، فيسعى إلى راحة نفسية باطلة تُبعده عن الخلاص.
ثالثًا: التعب المبارك والتعب الباطل
-
التعب المبارك:
هو التعب من أجل الله والناس — في الخدمة، الجهاد الروحي، الصلاة، والسهر من أجل الآخرين. هذا التعب يحمل بركة وسلامًا داخليًا.
“الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج.” -
التعب الباطل:
هو التعب من أجل الخطية واللذة أو الأنانية. مثل من يتعب جسده في اللهو أو يرهق فكره بالغضب والقلق، فيفقد سلامه دون فائدة. حتى الشيطان “يتعب باطلًا” في محاربة أولاد الله دون نتيجة. -
التعب الداخلي:
بعض الناس يتعبون من داخلهم بسبب القلق أو الخوف أو التشاؤم، وليس بسبب الظروف. النفس غير المستريحة ترى كل شيء مظلمًا، بينما النفس المطمئنة تبقى في سلام رغم المتاعب.
الخلاصة الروحية:
الراحة الحقيقية ليست في النوم أو الخمول، بل في سلام القلب وراحة الضمير واتحاد الروح بالله.
والتعب المقدس هو التعب الذي يقود إلى النمو، والبذل، والمحبة.
أما الراحة الكاذبة فهي التي تُبعد الإنسان عن الله وتخدّر ضميره مؤقتًا.
🌿 اقتباس ذهبي:
“إذا كانت النفوس كبارًا، تعبت في مرادها الأجساد.”

