معرفة الله

معرفة الله[1]
معرفة الله.. ليست سهَلة
لكي نعبد الله، لا بد أولًا أن نعرفه. ولكن للأسف الشديد كثيرون يعبدون الله وهم لا يعرفونه!!
إن سؤالي “هل تعرف الله؟” ليس موجَّهًا إلى المُلحد أو غير المؤمن، وإنما هو موجَّه هنا إلى كثيرين من الذين يرددون قانون الإيمان قائلين: بالحقيقة نؤمن بالله واحد.. ويصومون ومع ذلك تقف أمامهم عبارة المعمدان: “فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ”(يو26:1).
لقد قال: “هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ”(مت20:28)، وقال: “حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ”(مت20:18). ولكن على الرغم من أنه معنا، وفي وسطنا، إلاَّ أن الكثيرين منا لا يعرفونه!!
هنا وأتذكر أوغسطينوس متحدثًا عن فترة شبابه يقول لله: “لقد كنت معي، ولكنني من فرط شقاوتي لم أكن معك”.
وأتذكر ما قيل في إنجيل يوحنا: “كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ”(يو10:1).. نعم، إنه النور الحقيقي. وهذا النور يضيء في الظلمة والظلمة لا تدركه!!
وتسأل الناس هؤلاء الذين يرفعون أيديهم قائلين: “أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ”(مت9:6).. تسألهم ما الذي يعرفونه عن هذا الآب السماوي؟
فأكثرهم معرفة يجيب: إنه الله الخالق. مالئ السموات والأرض، الأزلي وحده، الذي لا يحده مكان، القادر على كل شيء، غير المحدود.. ويكرر عبارات قرأها في الكتب، دون أن يعرف صاحبها!
إنه يصف الله الذي تتحدث عنه الكتب، والمعاهد اللاهوتية، وعلم اللاهوت النظري، دون أي معرفة شخصية.
ولكنني أقول إن الكتب وحدها لا تكفي، والمحاضرات والمعلومات لا تكفي. كل ما تفعله أنها تملأ العقل أفكارًا، وقد يبقى القلب فارغًا، لا مشاعر فيه، بدون حب، ولا عاطفة ولا أحاسيس.. إنها حالة إنسان يقرأ عن الله، ولا يعرفه! وكما قال أحد الآباء: “ماذا يفيدك أن تعرف كل المعلومات عن الثالوث القدوس، إن كان الثالوث القدوس غير ثابت فيك، وأنت غير ثابت فيه؟”.
إنها معرفة العقل فحسب، لا القلب…
معرفة العلماء، وليست معرفة العابدين، ولا المحبين.
وقد تتحوَّل إلى جدل في اللاهوتيات، وصراعات حول المعرفة! وقد تحول علم اللاهوت إلى فلسفة لا يصل إلى مستواها إلا صفوة من المثقفين.. وتسأل: مَن يعرف الله إذًا؟
وربما كما قال الكتاب: “الْعِلْمُ يَنْفُخُ”(1كو1:8). وكثيرون من الذين يتحدثون عن اللاهوتيات، ربما يرتفع قلبهم، ويتباهون بمعرفتهم. بينما يكون بعض البسطاء أعرف بالله منهم، وأقرب إلى قلب الله منهم. كان أبونا آدم في بساطته وبراءته يعرف الله… ولكنه لمَّا أكل من شجرة المعرفة، صار جاهلاً!
ولعل جهله قد ظهر في قوله للرب: “سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ”(تك10:3). مجرد اختبائه يدل على جهله بالله. لأنه لو كان يعرفه حقًّا، لعرف أن الاختباء خلف الأشجار لا يمكن أن يخفيه عن الله، لأن الله يراه أينما كان، بل يرى أيضًا ما هو داخل قلبه وفكره… كذلك آدم لم يعرف الله في محبته وفي مغفرته.
واستمر جهل الناس بالله، واستمر بعدهم عنه…
وهكذا نرى السيد المسيح يقول في مناجاته الطويلة للآب: “أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ، إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ، أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ”(يو25:17).
العالم لم يعرف الله، بما في ذلك اليهود الذين كانوا يعبدونه، ويقربون له الذبائح والمحرقات، ويقيمون له الأعياد، ويصلون ويصومون. ويؤمنون به إيمانًا صحيحًا. ولكنه كان إيمانًا عقليًّا فقط، يشبه تلك المعرفة العقلية. ولم توصلهم تلك المعرفة ولا ذلك الإيمان إلى محبة الله… يقول القديس يعقوب الرسول: “وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ!”(يع19:2). إنه إيمان عقلي، مبني على معرفة عقلية فقط ولا تُجدي، لأنها بغير حب. لذلك قال السيد المسيح عن تلاميذه، في نفس مناجاته للآب:
“وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ”(يو26:17).
هذه هي المعرفة الحقيقية التي تقود إلى محبة الله.. ولهذا يضع أمامنا الرب حقيقة واضحة، وهي أن كل معرفة لا تقود إلى محبة الله، هي معرفة باطلة.. لأن الدين ليس معلومات وعقائد فحسب، تكون غذاءً للذهن، إنما الدين في جوهره أن تعرف الله وتحبه.
الدين بدون الله ليس شيئًا.. فالله هو مركز الدين كله. هو هدفه ووسيلته. ولو وصلنا إلى كل البر وكل الفضيلة، ولم نصل إلى الله فلسنا شيئًا، بل لا يكون بِرُّنا بِرًّا بالحقيقة ولا فضيلتنا فضيلة، ولا تكون تلك الفضائل سوى ممارسات، أو عملًا من أعمال الناموس، أما الفضيلة الوحيدة التي تتفرَّع منها كل الفضائل، فهي معرفة الله ومحبته.
لأنك إن عرفت الله، لا بد ستحبه.. وإن أحببت الله، ستزداد معرفتك له.
نعم إن عرفت الله، وعرفت صفاته الجميلة.. إن عرفت محبته وحكمته وصلاحه، وعرفت وداعته وطيبة قلبه ومغفرته.. وإن عرفت كيف أنه “أَبْرَعُ جَمَالاً مِنْ بَنِي الْبَشَرِ”(مز2:45). حينئذ لا بد ستحبه.
وإن أحببته، سيكشف الله لك ذاته، فتعرفه أكثر وأكثر، معرفة ليست عن طريق البشر ولا الكتب.
وحينما أقول إن عرفت الله وصفاته، إنما أقصد المعرفة الاختبارية في حياتك.. أي تعرف محبته لك بالخبرة. وتعرف حكمته بما تراه في تدبير حياتك. وتعرف مغفرته بما يسكبه من سلام في قلبك حينما تتوب. وهكذا في باقي صفاته الجميلة.
إذًا هناك ثلاثة أنواع من معرفتنا لله:
- المعرفة العقلية.. وقلنا إنها وحدها لا تكفي.
ب) المعرفة الاختبارية في عشرتك لله وحياتك معه.
ج) معرفة الكشف والإعلان: وهي أن الله يُظهِر ذاته لمحبيه بأنواع وطرق شتى. وقد وعد السيد الرب بهذا في قوله: “وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي”(يو21:14).
والعبارة الأخيرة: “أنا أحبه وأظهر له ذاتي”، هي بلا شك قدس أقداس، تحتاج إلى أن تخلع حذاءك من قدميك وأنت تقترب إليها.. وتسجد شاكرًا وتقول للرب: “أعطيتني علم معرفتك”.
على أني أريد أن أسجل حقيقة هامة وهي أن معرفتنا لله تبدأ هنا على الأرض، ولكنها لا تنتهي، بل تستمر في الأبدية ولا تصل إلى كمالها.
معرفة الله ليست بالأمر الهين أو السهل. وكما يقول بولس الرسول: “الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ.. نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ”(1كو12:13). عجيب هذا الأمر جدًّا: بولس الرسول الذي تمتَّع بقسط كبير من “فرط الإعلانات”(2كو7:12)، والذي اختُطِف إلى السماء الثالثة، “وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا”(2كو4:12). بولس القديس العظيم هذا، يقول إنه يعرف بعض المعرفة.
بل إنه يجاهد ويسعى ويبذل كل شيء، لكي يعرف. ويقول: “لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي.. لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ”(في3: 7، 8، 10).
إذًا حتى الرسل لم يصلوا إلى المعرفة الكاملة.
كما نرى من مثال القديس بولس الذي ذكرناه، وأيضًا كما يظهر من قول السيد المسيح عنهم: “وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ”(يو26:17). ما الذي ستعرِّفهم إياه يا رب، هؤلاء الذين ائتمنتهم على تعليم المسكونة كلها؟ هل هناك معرفة أخرى ستمنحها لهم؟ كثيرًا جدًّا بلا شك. معرفة لا يمكن أن يكفي لها هذا العمر الأرضي. لذلك يقول الرب للآب: “وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ”(يو3:17).
طالما نحن في هذا العالم، محاطون بضباب هذا الجسد المادي، فلن نصل إلى معرفة كاملة لله، إنما ننظر كما في مرآة، في لغز. ولكن حينما نخلع هذا الجسد، فأرواحنا الشفافة التي على صورة الله ستعرف أكثر. وعندما ندخل في المُلك المُعَد لنا، في ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر (1كو9:2)، حينئذ سنعرف أكثر وأكثر.. ولكن أترانا سنعرف في ذلك المجد كل شيء عن الله؟
محال. لأننا مخلوقات محدودة، والله غير محدود.
ومن المحال أن المحدود يعرف كل شيء عن غير المحدود؟
كيف لهذا العقل المحدود، أو هذا القلب المحدود، أن يعرف كل شيء عن الله غير المحدود. هنا وأتذكَّر بيت الشعر الذي قلته للرب في قصيدة “همسة حب”:
| لم يسعكَ الكون ما أضيقه | كيف للقلبِ إذًا أن يسعك؟ |
الذي سوف يحدث أن الله سيوسع قلوبنا وعقولنا لكي تتسع لمعرفة أكثر عنه، فتبهرنا تلك المعرفة العجيبة، ونقول لله: كفانا كفانا، ما عدنا نحتمل أكثر.. ونبقى وقتًا في دَهَشٍ ممَّا كشفه لنا. ونحن نفيق، ولست أدري متى؟ وحين نقضي وقتًا نتمتع فيه بما عرفناه، ونتأمله، ونستطعم ما قد ذقناه وما أطيبه.. يوسع الله قلوبنا وأفكارنا حتى تقوى أن تحتمل المزيد من المعرفة، وهي “مَرِيضَةٌ حُبًّا”(نش5:2). ومع كل ذلك تبقى هذه العقول والقلوب البشرية محدودة بطبيعتها، لا تستطيع أن تتسع لغير المحدود.
بينما الله تبارك اسمه كما هو: غير المفحوص غير المدرك.
إذًا متى سنعرف المعرفة الكاملة عن الله، لو كان ممكنًا أن نعرف؟ يجيب المعلم الصالح بنفس قوله للآب عن: “وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ”(يو3:17).
إن كان هذا ما سيؤول إليه حالنا في السماء، ونحن نلبس الجسد الروحاني السماوي المقام في مجد (1كو15). فماذا نقول إذًا عن معرفتنا ونحن على الأرض؟
ألا يخجلنا قول الرب لواحد من الاثني عشر رسولًا القديسين: “أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ!”(يو9:14). وإن كان هذا هو حال معرفة الرسول عن الرب في تجسده، فماذا عن الله في مجد لاهوته؟ لا أستطيع أن أقول سوى الآتي:
إن الله يمنحنا من معرفته، ما يكفي لأن نؤمن به وأن نحبه.
ويكفي هذا الآن. أما ماذا ستكون عليه معرفتنا في الأبدية، فهذا ما لا أدريه. كل ما أدريه أننا سوف ننمو في معرفة الله، بالقدر الذي تحتمله طبيعتنا البشرية، في تجليها، وفي المجد الذي يوهب لها.
لقد كشف لنا الله عن طريق الوحي أشياء كثيرة. وكشف لنا بتجسده أكثر وأكثر، حتى قال القديس يوحنا الرسول: “اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ”(يو18:1). وحقًّا أعطانا الابن الكثير من المعرفة عن الآب، ولا يزال الأكثر لا نعرفه. لذلك قال: “عَرَّفْتُهُمُ.. وَسَأُعَرِّفُهُمْ”.
صدقوني أن صفة واحدة من صفات الله، لا تكفي عمرنا كله لمعرفتها.
ماذا إذًا عن صفاته كلها؟
بل حتى وصاياه لم نعرفها وندخل إلى أعماقها كما ينبغي! وفي ذلك يقول داود النبي: “لِكُلِّ كَمَال رَأَيْتُ حَدًّا، أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا”(مز96:119). ومن جهة طرق الرب، يبتهل وهو النبي العظيم قائلًا: “طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي”(مز4:25).
إننا نحاول حاليًا أن نعرف ما ينتسب إلى الله، لعلنا نصل إلى معرفة بعض الشيء عن الله نفسه… نحب أن نعرف كتابه، ناموسه، وصاياه، التي تُنير العينين من بعد (مز19).
ونتأمل لعلنا نعرف ما يمكن معرفته عن ملائكته التي هي أرواح مرسلة للخدمة (عب14:1). ونار تلتهب (مز4:104). نتأمل أيضًا سماءه، وأورشليم السمائية التي هي مسكن الله مع الناس (رؤ21). وفي كل ذلك يقول الحكيم منا: “لا أعرف” وآخر ما يصل إليه يقول: “أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ”(1كو12:13).
بل فليعذرني القارئ إن قلت إننا حتى الآن لم نعرف أنفسنا.. فما الذي نعرفه مثلًا عن الروح، عن كنهها، وعن مغادرتها للجسد؟ وما الذي نعرفه عن الجسد الروحاني الذي سنقوم به؟ فإن كنا لم نعرف الإنسان نفسه، ولم نعرف أسرارًا كثيرة عن الكون الذي نعيش فيه، هل في جرأة نقول إننا نعرف الله؟
ومع ذلك نقول: إننا هنا ننمو في المعرفة.
بعشرتنا مع الله واختبارنا له تنمو معرفتنا له. تمامًا مثلما قال له أيوب الصديق: “بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي”(أي5:42).
ويشبه هذا ما قاله أهل السامرة. في بدء الأمر دعتهم المرأة السامرية لرؤية المسيح قائلة: “هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ”. فلما أتوا ورأوا وآمنوا به قالوا للمرأة: “إِنَّنَا لَسْنَا بَعْدُ بِسَبَبِ كَلاَمِكِ نُؤْمِنُ”(يو4).. لقد كان ما رأوه أعمق بكثير في تأثيره العجيب عليها. يشبه هذا إلى حد ما – والقياس مع الفارق – شعور ملكة سبأ عندما رأت سليمان. إذ يقول الكتاب: “لَمْ يَبْقَ فِيهَا رُوحٌ بَعْدُ”(1مل5:10).. يبقى أن أقول لك:
إن عرفت الله ستقع في ذهول، أو تسكر بمحبته.
وهذا ما يسميه بعض الكُتاب حالات “الدَّهَش” لأنك حينئذ ستعرف ما لم يخطر على قلب بشر. أو ربما تعرف كلمات لا يُنطَق بها.
وهذه المعرفة تُوجِد في قلبك أحاسيس وعواطف أسمى من أن نسطرها. وبمعرفتك لله سوف تزدري كل معرفة أخرى، هذه التي قال عنها الكتاب إنها “جَهَالَةٌ عِنْدَ اللهِ”(1كو19:3). وحينئذ يسمو عقلك في تفكيره. وتنال روحك شبعًا ورَيًّا.
وإذا عرفت الله حقًّا، سوف تزهد كل ما في العالم.
ستزهد “شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ”(1يو16:2). لأنك إن أحببت أمور العالم هذه، لا تكون فيك “مَحَبَّةُ الآبِ”(1يو15:2)، ولا تكون قد عرفت الله بعد.
انظر إلى بولس الرسول كيف أنه خسر كل الأشياء وهو يحسبها نفاية من أجل فضل معرفة الرب.. إن الذي يعرف الله، لا شك سوف يكتفي به، ويقول مع داود النبي: “وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ”(مز25:73).
ويقول معه في نفس المزمور: “وأما أنا فخير لي الالتصاق بالرب”.
إن وصلت إلى هذا المستوى الروحي تكون قد عرفت الله. أقصد تكون قد عرفته بعض المعرفة. إن معرفة الله هي معرفة “ذُوقُوا وَانْظُرُوا”(مز8:34).
يبقى السؤال الهام في هذا الموضوع، وهو: كيف يمكننا أن نعرف الله، هنا؟ عفوًا، أتراني فتحت معك الآن الباب الرئيسي، الذي بلا شك ليس مجاله في هذا المقال؟ أستأذنك أيها القارئ المحبوب أني أختم حديثي معك الآن. وإلى لقاء لتكملته إن أحبَّت نعمة الرب وعشنا.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الحادية والعشرون – العددان 49، 50 (31-12-1993م)



