معرفة الله وإثبات وجوده
| الكتاب | معرفة الله وإثبات وجوده |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | يناير 2023م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 26434 / 2022م |
| الترقيم الدولي | 978-977-86437-1-8 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
معرفة الله وإثبات وجوده
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
يواصل "مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث" إصدار الكتب التي
- الأول: عن معرفة الله.
- الثاني: عن الإلحاد وإنكار وجود الله.
- الثالث: يضم مجموعة من الأسئلة عن كلا الموضوعين.
إننا نجد سؤالًا يتردد دائمًا في أذهاننا ألا وهو:
هل حقًّا نعرف الله، وما الدليل على معرفتنا به؟
وكيف نعرف الله، وإلى أي عمق بلغت معرفتنا به؟
معرفتنا بالله نجدها محدودة بمحدوديتنا التي خُلِقنا عليها، وهذا لا يُشبِعنا حيث نحتاج للمزيد، لكي ندخل إلى هذه الأعماق الإلهية؛ حتى نستطيع أن نُحلّق في آفاق السماويات، ونتمتع بالحضرة الإلهية في وقت من الأوقات.. تلك المعرفة التي قال عنها داود النبي في مزموره: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!"(مز8:34)، فما أجملها هذه المعرفة حينما نتذوقها فنجدها لا مثيل لها، فهي وحدها تُشبِعنا وتروينا وتجعلنا نرجع إليها فرحين وراغبين أن نرتوي أكثر وأكثر؛ حيث إنها تُفرّح قلوبنا العطشى إلى معرفة الله، وتملأنا وتغمرنا من بركاته. كما تقي النفوس من السقوط في الإلحاد. وإن كان قداسته اهتم ليس فقط بالجانب المعرفي الذي يقي النفس من الإلحاد، ولكنه تحدث في الفصل الثاني عن الردود المنطقية التي تؤكد للملحد وجوب وجود الله.
عزيزي القارئ.. عبر سطور هذا الكتاب ومن خلال مقالات لقداسة البابا شنوده الثالث عن هذا الموضوع، تجد إجابات واضحة عن كل سؤال يجري في خاطرك عن أعماق هذه المعرفة، ويساعدك لكي يكون لك رصيد روحي عميق لتُحلّق في الآفاق العليا من معرفة الله والتمتع بها، وتشتاق للوجود في هذه الحضرة التي تجعل روحك تسمو وتترفَّع عن الماديات والمشاغل الموجودة في هذه الحياة.. فتجد لذتك في الله، ويجد الله مسرته فيك.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال لحفظ
ونشر تراث البابا شنوده الثالث
الفصل الأول معرفة الله
معرفة الله[1]
معرفة الله.. ليست سهَلة
لكي نعبد الله، لا بد أولًا أن نعرفه. ولكن للأسف الشديد كثيرون يعبدون الله وهم لا يعرفونه!!
إن سؤالي "هل تعرف الله؟" ليس موجَّهًا إلى المُلحد أو غير المؤمن، وإنما هو موجَّه هنا إلى كثيرين من الذين يرددون قانون الإيمان قائلين: بالحقيقة نؤمن بالله واحد.. ويصومون ومع ذلك تقف أمامهم عبارة المعمدان: "فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ"(يو26:1).
لقد قال: "هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ"(مت20:28)، وقال: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ"(مت20:18). ولكن على الرغم من أنه معنا، وفي وسطنا، إلاَّ أن الكثيرين منا لا يعرفونه!!
هنا وأتذكر أغسطينوس متحدثًا عن فترة شبابه يقول لله: "لقد كنت معي، ولكنني من فرط شقاوتي لم أكن معك".
وأتذكر ما قيل في إنجيل يوحنا: "كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ"(يو10:1).. نعم، إنه النور الحقيقي. وهذا النور يضيء في الظلمة والظلمة لا تدركه!!
معرفة عقلية
وتسأل الناس هؤلاء الذين يرفعون أيديهم قائلين: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ"(مت9:6).. ما الذي يعرفونه عن هذا الآب السماوي؟
فأكثرهم معرفة يجيب: إنه الله الخالق. مالئ السموات والأرض، الأزلي وحده، الذي لا يحده مكان، القادر على كل شيء، غير المحدود.. ويكرر عبارات قرأها في الكتب، دون أن يعرف صاحبها!
إنه يصف الله الذي تتحدث عنه الكتب، والمعاهد اللاهوتية، وعلم اللاهوت النظري، دون أي معرفة شخصية.
ولكنني أقول إن الكتب وحدها لا تكفي، والمحاضرات والمعلومات لا تكفي. كل ما تفعله أنها تملأ العقل أفكارًا، وقد يبقى القلب فارغًا، لا مشاعر فيه، بدون حب، ولا عاطفة ولا أحاسيس.. إنها حالة إنسان يقرأ عن الله، ولا يعرفه! وكما قال أحد الآباء: "ماذا يفيدك أن تعرف كل المعلومات عن الثالوث القدوس، إن كان الثالوث القدوس غير ثابت فيك، وأنت غير ثابت فيه؟".
إنها معرفة العقل فحسب، لا القلب...
معرفة العلماء، وليست معرفة العابدين، ولا المحبين.
وقد تتحوَّل إلى جدل في اللاهوتيات، وصراعات حول المعرفة! وقد تحول علم اللاهوت إلى فلسفة لا يصل إلى مستواها إلا صفوة من المثقفين.. وتسأل: مَن يعرف الله إذًا؟
وربما كما قال الكتاب: "الْعِلْمُ يَنْفُخُ"(1كو1:8). وكثيرون من الذين يتحدثون عن اللاهوتيات، ربما يرتفع قلبهم، ويتباهون بمعرفتهم. بينما يكون بعض البسطاء أعرف بالله منهم، وأقرب إلى قلب الله منهم. كان أبونا آدم في بساطته وبراءته يعرف الله... ولكنه لمَّا أكل من شجرة المعرفة، صار جاهلاً!
ولعل جهله قد ظهر في قوله للرب: "سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ"(تك10:3). مجرد اختبائه يدل على جهله بالله. لأنه لو كان يعرفه حقًّا، لعرف أن الاختباء خلف الأشجار لا يمكن أن يخفيه عن الله، لأن الله يراه أينما كان، بل يرى أيضًا ما هو داخل قلبه وفكره... كذلك آدم لم يعرف الله في محبته وفي مغفرته.
واستمر جهل الناس بالله، واستمر بعدهم عنه...
وهكذا نرى السيد المسيح يقول في مناجاته الطويلة للآب: "أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ، إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ، أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ"(يو25:17).
العالم لم يعرف الله، بما في ذلك اليهود الذين كانوا يعبدونه، ويقربون له الذبائح والمحرقات، ويقيمون له الأعياد، ويصلون ويصومون. ويؤمنون به إيمانًا صحيحًا. ولكنه كان إيمانًا عقليًّا فقط، يشبه تلك المعرفة العقلية. ولم توصلهم تلك المعرفة ولا ذلك الإيمان إلى محبة الله... يقول القديس يعقوب الرسول: "وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ!"(يع19:2). إنه إيمان عقلي، مبني على معرفة عقلية فقط ولا تُجدي، لأنها بغير حب. لذلك قال السيد المسيح عن تلاميذه، في نفس مناجاته للآب:
"وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ"(يو26:17).
معرفة العشرة والحب
هذه هي المعرفة الحقيقية التي تقود إلى محبة الله.. ولهذا يضع أمامنا الرب حقيقة واضحة، وهي أن كل معرفة لا تقود إلى محبة الله، هي معرفة باطلة.. لأن الدين ليس معلومات وعقائد فحسب، تكون غذاءً للذهن، إنما الدين في جوهره أن تعرف الله وتحبه.
الدين بدون الله ليس شيئًا.. فالله هو مركز الدين كله. هو هدفه ووسيلته. ولو وصلنا إلى كل البر وكل الفضيلة، ولم نصل إلى الله فلسنا شيئًا، بل لا يكون بِرُّنا بِرًّا بالحقيقة ولا فضيلتنا فضيلة، ولا تكون تلك الفضائل سوى ممارسات، أو عملًا من أعمال الناموس، أما الفضيلة الوحيدة التي تتفرَّع منها كل الفضائل، فهي معرفة الله ومحبته.
لأنك إن عرفت الله، لا بد ستحبه.. وإن أحببت الله، ستزداد معرفتك له.
نعم إن عرفت الله، وعرفت صفاته الجميلة.. إن عرفت محبته وحكمته وصلاحه، وعرفت وداعته وطيبة قلبه ومغفرته.. وإن عرفت كيف أنه "أَبْرَعُ جَمَالاً مِنْ بَنِي الْبَشَرِ"(مز2:45). حينئذ لا بد ستحبه.
وإن أحببته، سيكشف الله لك ذاته، فتعرفه أكثر وأكثر، معرفة ليست عن طريق البشر ولا الكتب.
وحينما أقول إن عرفت الله وصفاته، إنما أقصد المعرفة الاختبارية في حياتك.. أي تعرف محبته لك بالخبرة. وتعرف حكمته بما تراه في تدبير حياتك. وتعرف مغفرته بما يسكبه من سلام في قلبك حينما تتوب. وهكذا في باقي صفاته الجميلة.
إذًا هناك ثلاثة أنواع من معرفتنا لله:
المعرفة العقلية.. وقلنا إنها وحدها لا تكفي.
ب) المعرفة الاختبارية في عشرتك لله وحياتك معه.
ج) معرفة الكشف والإعلان: وهي أن الله يُظهِر ذاته لمحبيه بأنواع وطرق شتى. وقد وعد السيد الرب بهذا في قوله: "وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي"(يو21:14).
والعبارة الأخيرة: "أنا أحبه وأظهر له ذاتي"، هي بلا شك قدس أقداس، تحتاج إلى أن تخلع حذاءك من قدميك وأنت تقترب إليها.. وتسجد شاكرًا وتقول للرب: "أعطيتني علم معرفتك".
على أني أريد أن أسجل حقيقة هامة وهي أن معرفتنا لله تبدأ هنا على الأرض، ولكنها لا تنتهي، بل تستمر في الأبدية ولا تصل إلى كمالها.
معرفة الله ليست بالأمر الهين أو السهل. وكما يقول بولس الرسول: "الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ.. نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ"(1كو12:13). عجيب هذا الأمر جدًّا: بولس الرسول الذي تمتَّع بقسط كبير من "فرط الإعلانات"(2كو7:12)، والذي اختُطِف إلى السماء الثالثة، "وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا"(2كو4:12). بولس القديس العظيم هذا، يقول إنه يعرف بعض المعرفة.
بل إنه يجاهد ويسعى ويبذل كل شيء، لكي يعرف. ويقول: "لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي.. لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ"(في3: 7، 8، 10).
إذًا حتى الرسل لم يصلوا إلى المعرفة الكاملة.
كما نرى من مثال القديس بولس الذي ذكرناه، وأيضًا كما يظهر من قول السيد المسيح عنهم: "وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ"(يو26:17). ما الذي ستعرِّفهم إياه يا رب، هؤلاء الذين ائتمنتهم على تعليم المسكونة كلها؟ هل هناك معرفة أخرى ستمنحها لهم؟ كثيرًا جدًّا بلا شك. معرفة لا يمكن أن يكفي لها هذا العمر الأرضي. لذلك يقول الرب للآب: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ"(يو3:17).
معرفة في الأبدية
طالما نحن في هذا العالم، محاطون بضباب هذا الجسد المادي، فلن نصل إلى معرفة كاملة لله، إنما ننظر كما في مرآة، في لغز. ولكن حينما نخلع هذا الجسد، فأرواحنا الشفافة التي على صورة الله ستعرف أكثر. وعندما ندخل في المُلك المُعَد لنا، في ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر (1كو9:2)، حينئذ سنعرف أكثر وأكثر.. ولكن أترانا سنعرف في ذلك المجد كل شيء عن الله؟
محال. لأننا مخلوقات محدودة، والله غير محدود.
ومن المحال أن المحدود يعرف كل شيء عن غير المحدود؟
كيف لهذا العقل المحدود، أو هذا القلب المحدود، أن يعرف كل شيء عن الله غير المحدود. هنا وأتذكَّر بيت الشعر الذي قلته للرب في قصيدة "همسة حب":
لم يسعكَ الكون ما أضيقه |
| كيف للقلبِ إذًا أن يسعك؟ |
الذي سوف يحدث أن الله سيوسع قلوبنا وعقولنا لكي تتسع لمعرفة أكثر عنه، فتبهرنا تلك المعرفة العجيبة، ونقول لله: كفانا كفانا، ما عدنا نحتمل أكثر.. ونبقى وقتًا في دَهَشٍ ممَّا كشفه لنا. ونحن نفيق، ولست أدري متى؟ وحين نقضي وقتًا نتمتع فيه بما عرفناه، ونتأمله، ونستطعم ما قد ذقناه وما أطيبه.. يوسع الله قلوبنا وأفكارنا حتى تقوى أن تحتمل المزيد من المعرفة، وهي "مَرِيضَةٌ حُبًّا"(نش5:2). ومع كل ذلك تبقى هذه العقول والقلوب البشرية محدودة بطبيعتها، لا تستطيع أن تتسع لغير المحدود.
بينما الله تبارك اسمه كما هو: غير المفحوص غير المدرك.
إذًا متى سنعرف المعرفة الكاملة عن الله، لو كان ممكنًا أن نعرف؟ يجيب المعلم الصالح بنفس قوله للآب عن: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ"(يو3:17).
إن كان هذا ما سيؤول إليه حالنا في السماء، ونحن نلبس الجسد الروحاني السماوي المقام في مجد (1كو15). فماذا نقول إذًا عن معرفتنا ونحن على الأرض؟
ألا يخجلنا قول الرب لواحد من الاثني عشر رسولًا القديسين: "أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ!"(يو9:14). وإن كان هذا هو حال معرفة الرسول عن الرب في تجسده، فماذا عن الله في مجد لاهوته؟ لا أستطيع أن أقول سوى الآتي:
إن الله يمنحنا من معرفته، ما يكفي لأن نؤمن به وأن نحبه.
ويكفي هذا الآن. أما ماذا ستكون عليه معرفتنا في الأبدية، فهذا ما لا أدريه. كل ما أدريه أننا سوف ننمو في معرفة الله، بالقدر الذي تحتمله طبيعتنا البشرية، في تجليها، وفي المجد الذي يوهب لها.
لقد كشف لنا الله عن طريق الوحي أشياء كثيرة. وكشف لنا بتجسده أكثر وأكثر، حتى قال القديس يوحنا الرسول: "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ"(يو18:1). وحقًّا أعطانا الابن الكثير من المعرفة عن الآب، ولا يزال الأكثر لا نعرفه. لذلك قال: "عَرَّفْتُهُمُ.. وَسَأُعَرِّفُهُمْ".
صدقوني أن صفة واحدة من صفات الله، لا تكفي عمرنا كله لمعرفتها.
ماذا إذًا عن صفاته كلها؟
بل حتى وصاياه لم نعرفها وندخل إلى أعماقها كما ينبغي! وفي ذلك يقول داود النبي: "لِكُلِّ كَمَال رَأَيْتُ حَدًّا، أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا"(مز96:119). ومن جهة طرق الرب، يبتهل وهو النبي العظيم قائلًا: "طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي"(مز4:25).
إننا نحاول حاليًا أن نعرف ما ينتسب إلى الله، لعلنا نصل إلى معرفة بعض الشيء عن الله نفسه... نحب أن نعرف كتابه، ناموسه، وصاياه، التي تُنير العينين من بعد (مز19).
ونتأمل لعلنا نعرف ما يمكن معرفته عن ملائكته التي هي أرواح مرسلة للخدمة (عب14:1). ونار تلتهب (مز4:104). نتأمل أيضًا سماءه، وأورشليم السمائية التي هي مسكن الله مع الناس (رؤ21). وفي كل ذلك يقول الحكيم منا: "لا أعرف" وآخر ما يصل إليه يقول: "أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ"(1كو12:13).
بل فليعذرني القارئ إن قلت إننا حتى الآن لم نعرف أنفسنا.. فما الذي نعرفه مثلًا عن الروح، عن كنهها، وعن مغادرتها للجسد؟ وما الذي نعرفه عن الجسد الروحاني الذي سنقوم به؟ فإن كنا لم نعرف الإنسان نفسه، ولم نعرف أسرارًا كثيرة عن الكون الذي نعيش فيه، هل في جرأة نقول إننا نعرف الله؟
ومع ذلك نقول: إننا هنا ننمو في المعرفة.
بعشرتنا مع الله واختبارنا له تنمو معرفتنا له. تمامًا مثلما قال له أيوب الصديق: "بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي"(أي5:42).
ويشبه هذا ما قاله أهل السامرة. في بدء الأمر دعتهم المرأة السامرية لرؤية المسيح قائلة: "هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ". فلما أتوا ورأوا وآمنوا به قالوا للمرأة: "إِنَّنَا لَسْنَا بَعْدُ بِسَبَبِ كَلاَمِكِ نُؤْمِنُ"(يو4).. لقد كان ما رأوه أعمق بكثير في تأثيره العجيب عليها. يشبه هذا إلى حد ما - والقياس مع الفارق - شعور ملكة سبأ عندما رأت سليمان. إذ يقول الكتاب: "لَمْ يَبْقَ فِيهَا رُوحٌ بَعْدُ"(1مل5:10).. يبقى أن أقول لك:
الدَّهَش والزُّهد
إن عرفت الله ستقع في ذهول، أو تسكر بمحبته.
وهذا ما يسميه بعض الكُتاب حالات "الدَّهَش" لأنك حينئذ ستعرف ما لم يخطر على قلب بشر. أو ربما تعرف كلمات لا يُنطَق بها.
وهذه المعرفة تُوجِد في قلبك أحاسيس وعواطف أسمى من أن نسطرها. وبمعرفتك لله سوف تزدري كل معرفة أخرى، هذه التي قال عنها الكتاب إنها "جَهَالَةٌ عِنْدَ اللهِ"(1كو19:3). وحينئذ يسمو عقلك في تفكيره. وتنال روحك شبعًا ورَيًّا.
وإذا عرفت الله حقًّا، سوف تزهد كل ما في العالم.
ستزهد "شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ"(1يو16:2). لأنك إن أحببت أمور العالم هذه، لا تكون فيك "مَحَبَّةُ الآبِ"(1يو15:2)، ولا تكون قد عرفت الله بعد.
انظر إلى بولس الرسول كيف أنه خسر كل الأشياء وهو يحسبها نفاية من أجل فضل معرفة الرب.. إن الذي يعرف الله، لا شك سوف يكتفي به، ويقول مع داود النبي: "وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ"(مز25:73).
ويقول معه في نفس المزمور: "وأما أنا فخير لي الالتصاق بالرب".
إن وصلت إلى هذا المستوى الروحي تكون قد عرفت الله. أقصد تكون قد عرفته بعض المعرفة. إن معرفة الله هي معرفة "ذُوقُوا وَانْظُرُوا"(مز8:34).
يبقى السؤال الهام فى هذا الموضوع، وهو: كيف يمكننا أن نعرف الله، هنا؟ عفوًا، أتراني فتحت معك الآن الباب الرئيسي، الذي بلا شك ليس مجاله في هذا المقال؟ أستأذنك أيها القارئ المحبوب أني أختم حديثي معك الآن. وإلى لقاء لتكملته إن أحبَّت نعمة الرب وعشنا.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 31 ديسمبر 1993م
كيف تعرف الله؟
كيف تعرف الله؟[1]
معرفة العقل
يقول المثل السائر: "الله عرفوه بالعقل"... ولكن معرفتنا لله بالعقل، ليست معرفة كاملة.
إن العقل – إن كان سليمًا، وذا تفكير سليم – يمكنه أن يوصلك إلى شواطئ المعرفة، ولكنه لا يدخلك إلى الأعماق. لا شك أن له دورًا، ولكن ليس كل شيء. وأحيانًا إذا عرف العقل شيئًا عن الله، لا يستطيع أن يُعَبِّر عنه.
فمفردات اللغة محدودة في التعبير عن الإلهيات، فكم بالأولى عن الله غير المُدرَك. كذلك فإن معرفة العقل نظرية، تنقصها الناحية العملية والاختبارية. إنها معرفة لم تدخل فيها الروح بعد، ولا العاطفة. لذلك نود أن نحدثك عن المعرفة الأكمل والأعمق وهي:
معرفة العشرة والخبرة
المعرفة التي قيل عنها في المزمور: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ"(مز8:34). قد تقرأ عن لذَّة الطعام من الكتب. ولكن هناك فرقًا كبيرًا بين هذه القراءة، وبين أن تتذوَّق الطعام بنفسك، وتستطعمه.. هكذا مع المعرفة... وهنا نتذكر عبارة قالها أيوب الصديق بعد أن دخل في حياة الخبرة العملية مع الله.. قال: "بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي"(أي5:42). فرق كبير بين السمع والرؤيا. أو بين الخبر والاختبار. الخبر يأتيك من الخارج، والاختبار تحسه داخلك. ونحن نريدك في هذا المقال أن تنتقل من مستوى سمعت عنك، إلى مستوى رأتك عيناي. إنك لا يمكن أن تعرف الله وأنت بعيد عنه، لم تلتقِ به، لم تعاشره، لم تختلط به، لم تختبر عمله معك وعمله من أجلك... لا بد أن تعاشر الله لكي تعرفه.
تنتقل من علم اللاهوت النظري إلى اللاهوت العملي.
المرأة السامرية كانت تعرف بعض المعلومات عن المسيَّا ولكنها بعد أن التقت بالمسيح، انتقلت من العقل إلى القلب. وانفعلت من الداخل، فذهبت إلى أهل بلدها تقول: "هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ"(يو29:4).
ومع ذلك عقلها لم يساعدها على التعبير عن كل انفعالاتها، فقالت: "تعالوا وانظروا، تعالوا اختبروا بأنفسكم".. فلما اختبروا رأوا ما هو أكثر من سمع الأذن.. حقًّا إن العقل قاصر أحيانًا عن التعبير بل والفهم.
افرض أنك تأثَّرت بقطعة موسيقية جميلة. أتراك تقدر أن تشرح لإنسان نوعية تأثرك؟! فالموسيقى قد هزتك من الداخل، غرست فيك مشاعر معينة لا تستطيع أن تشرحها. لا عقلك ولا لسانك يقدران.
أترى اللص اليمين استطاع أن يعبر عن مشاعره وتأثره بالوجود إلى جوار المسيح على الصليب ثلاث ساعات؟! كل ما نعرفه عن داخل قلبه، مجرد النتيجة التي وصل إليها بقوله: "اذْكُرْنِي يَارَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ"(لو42:23).. أما معرفته للرب، معرفته القلبية الداخلية، فبقيت أسرار التاريخ، قدس أقداس... قال الرب للآب: "إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ"(يو25:17).
العالم بعقله، بتراثه، بتقاليده، بمفاهيمه، لم يعرفك. لأنه لم يدخل في عشرة معك، في علاقة شخصية بك. لم يذق ولم ينظر ما أطيب الرب. ولمَّا حاول العالم بعقله أن يفهمك، حوَّل الدين إلى فلسفة، كما فعل أفلاطون، أو حوَّلوه إلى أساطير كما فعلت بعض الشعوب. "أما أنا فعرفتك".
هكذا قال الابن الكائن في حضن الآب: "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ"(يو18:1). الذي جاء يعرفنا بالآب من هو.
ليتنا نُشرِك الله معنا في حياتنا، لكي نعرفه.
لا نعمل وحدنا، إنما ندعوه في صلواتنا أن يعمل معنا، ونرى كيف يعمل، فنعرف الكثير عنه... مشكلة شاول الملك أنه استقل عن الله، وأخذ يعمل وحده، فلم يعرف الله، ورفضه الله (1صم 14، 15).
أما أخنوخ السابع من آدم (يه 14)، فقد تركَّزت حياته كلها في آية واحدة، ولكنها عميقة جدًّا وجميلة وهي: "وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ"(تك24:5) لا أعرف كيف سار معه؟ فهذا أيضًا قدس أقداس... ويلذُّ لي أن أتخيل أخنوخ وهو سائر مع الله، يجد لذة في الله، ويجد الله مسرته فيه. ثم يقول الله له: تعال معي يا أخنوخ، فوق، في مكان واحد نسير فيه معًا، بعيدًا عن هذا العالم الصاخب.
حقًّا، كم عرف أخنوخ عن الله.. الذين اختبروا الله حياتهم تغيرت.
وقال كل منهم: من يوم أن عرفتك، حياتي أصبح لها طعم... أصبح لها مفهوم جديد، ومذاقة جديدة، وهدف... تجدد الذهن فيها (رو2:12) وصار لها فكر، هو فكر المسيح (1كو16:2)، وأخذت صورتك، فعرفتك، كمن ينظر في مرآة (1كو12:13). حينما تعاشر الله، لا تركز فقط على الخير الذي يأتيك منه لتفرح به. بل افرح أيضًا بالتجارب والضيقات.
معرفة الله عن طريق التجارب
فأنت عن طريق التجارب، يمكن أن تعرف الله.
التجارب والمشاكل والضيقات فرصة جميلة نرى فيها كيف يتدخل الله، وكيف يعمل. هل تظن أن دانيال النبي كان يعرف الله قبل إلقائه في جب الأسود، مثلما عرفه وهو في الجب، إذ قال: "إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ"(دا22:6).
بل هذه التجربة عرف بها داريوس الملك أيضًا مَن هو الله (دا6: 26، 27). إن إلقاء الثلاثة فتية في أتون النار، جعلهم يعرفونه بالأكثر، حينما سار معهم في الأتون "وَمَنْظَرُ الرَّابعِ شَبِيهٌ بِابن الآلِهَةِ"(دا25:3).
بالتجربة عرفوا قوة الله، ورعايته وحفظه... معرفة لا تستطيع أن تعبر عنها الكتب، تشبهها معرفة يونان حينما ابتلعه الحوت.. وتشبهها أيضًا إلى حد ما: معرفة بطرس الرسول بالرب، حينما مشى معه على الماء، وحينما أمسك بيده لما شك وسقط وكاد يغرق (مت14: 24 – 31).
وهذه المعرفة استفادتها مريم ومرثا، لما مات أخوهما لعازر... كانتا قبل ذلك توقنان أن الرب قادر أن لا يجعله يموت (يو21:11). أما أن يقيمه بعد أن يقضي في القبر أربعة أيام ويقال إنه أنتن، فهذا شيء جديد على معرفتهما، زادهما إيمانًا.
إذًا في التجارب نعرف الله أكثر: نعرف قوته وقدرته، ونعرف حبه وحنانه. ونعرف كيف تمتد يده لتعمل وتحفظ. ونعرف أيضًا متى يعمل... قد نعرف طول أناته، وأنه قد لا يأتي إلا في الهزيع الأخير من الليل (مر48:6).
ولكنه مع ذلك لا بد أن يأتي. لذلك فإن أحباء الله يفرحون بالتجارب والضيقات التي بها يعرفون الله بالأكثر. وكما قال القديس يعقوب الرسول: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ"(يع2:1).
يلمسون يد الله في تلك الضيقات، ويأخذون خبرة جديدة عن الله ومعرفة جديدة. وتكون النتيجة هي هذه: لا يكون الله لهم مجرد عقيدة دينية، وإنما تكون حقيقة واقعية. حقيقة لمسوها في حياتهم، ودخلت في الإيمان العملي، وليس في الإيمان النظري أو الإيمان الموروث. وتكون أكثر قوة، وتعطي النفس رجاءً وثقة وفرحًا بعمل الله مهما كانت الشدائد، ويتغنون مع المرتل في المزمور: "لَوْلاَ الرَّبُّ الَّذِي كَانَ لَنَا عِنْدَ مَا قَامَ النَّاسُ عَلَيْنَا، إِذًا لاَبْتَلَعُونَا أَحْيَاءً عِنْدَ احْتِمَاءِ غَضَبِهِمْ عَلَيْنَا"(مز124: 2، 3).
"انْفَلَتَتْ أَنْفُسُنَا مِثْلَ الْعُصْفُورِ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِينَ. الْفَخُّ انْكَسَرَ، وَنَحْنُ انْفَلَتْنَا عَوْنُنَا بِاسْمِ الرَّبِّ.."(مز7:124).
فرق كبير بين أن تقرأ عن حفظ الله، وأن تلمس حفظ الله في حياتك العملية. ولا شك أن المعرفة العملية تكون أعمق وأصدق. وهذا الأمر ينقلنا إلى مصدر آخر لمعرفة الله وهو:
تتبُّع يد الله في التاريخ والأحداث...
إننا نزداد معرفة بالله، إن كنا نتذكر عمل الله باستمرار ولا ننسى.
معجزة الله في شقّ البحر الأحمر، تذكرنا بها الكنيسة كل يوم، في الهوس الأول من صلاة نصف الليل، لكي نتذكر ولا ننسى، وترسخ معرفتنا بالله.
يا ليتنا تكون لكل منا مذكرة يسجل فيها أعمال الله معه ومع أقربائه وأحبائه ومعارفه، بل يد الله أيضًا وما عملته في التاريخ وفي الأحداث العامة التي مرت بنا. ونقرأ هذه المذكرة باستمرار، حتى تتجدد في أذهاننا معرفة الله، لأنه يقول: "هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ"(هو6:4).
ألا نأخذ درسًا من ملوك مادي وفارس، كيف كانوا يسجلون الأحداث في "سِفْرِ تَذْكَارِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ" ويقرأونه بين الحين والآخر (أس1:6). كما فعل الملك أحشويروش، وبقراءة أخبار الماضي هذه، نجا مردخاي من سيف هامان، ونجا الشعب كله...
قد تعرف شيئًا جميلًا عن الله وتنساه!! وهذا ليس من صالحك روحيًّا. لهذا ينبغي أن تكون معرفتك عن الله ثابتة لا يمحوها النسيان، تُذَكِّر نفسك بها بين الحين والآخر... لأن الشعب الذي رأى معجزات الله بعينيه في البرية وفي مصر من قبل، كان قد نسيَ ذلك، حينما سجد للعجل الذهبي (خر32).
وإذا كانت معرفته بالله قد محاها النسيان!! أما أنت فلا تكن هكذا، بل ضع معرفة الله أمامك في كل حين. رددها باستمرار في ذهنك لئلا تنسى.
يمكنك أن تعرف الله أيضًا بحفظ وصاياه...
يقول القديس يوحنا الرسول في رسالته الأولى: "بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ. مَنْ قَالَ: «قَدْ عَرَفْتُهُ» وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ الْحَقُّ فِيهِ"(1يو2: 3، 4). وقال أيضًا: "مَنْ يُخْطِئُ لَمْ يُبْصِرْهُ وَلاَ عَرَفَه"(1يو6:3).. لهذا يقال عن الإنسان الشرير إنه لا يعرف وصاياه.
فما علاقة حفظ الوصايا إذًا بمعرفة الله؟
بحفظ الوصايا يدخل الإنسان في مجال الله، ويتعامل معه بمبدأ الطاعة. وبحفظ الوصايا نتقرَّب إليه... وكلما مارسنا عمل الوصايا، نجد فيها وفي حياة البر لذَّة، ونحب هذه الوصايا، وبالتالي نحب معطيها، فنصل إلى محبة الله وبهذا نعرفه، إذ نكون أهلًا لهذه المعرفة، وهو يكشف لنا ذاته.
بحفظ الوصايا، نحيا حياة الروح، فنستطيع أن نعرف الله، لأن "اَللهُ رُوحٌ"(يو24:4). وبحفظ الوصايا تتنقَّى قلوبنا، ونستحق الطوبى من الرب القائل: "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ"(مت8:5).
أما الإنسان الخاطئ، فهو إنسان بعيد عن الله، بل منفصل عنه، لأنه لا "شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ"(2كو14:6). وما دام بعيدًا عنه، كيف يعرفه؟!
على أن حفظ الوصايا ينبغي ألا يكون بطريقة فريسية. فالفريسيون كانوا يهتمون بحرفية الوصية، وليس بروحها. وكانوا على الرغم من التدقيق على الوصايا بعيدين عن الله وعن مقاصده، لا عرفوه ولا عرفوا طرقه؛ فحفظ الوصايا مرتبط بمحبة الله، كما قال الرب: "إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي"(يو10:15). "اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي"(يو21:14). ولعل هذا ينقلنا إلى نقطة أخرى وهي:
تعرف الله إن أحببته
وفي هذا يقول الرسول: "وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ. وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ"(1يو4: 7، 8).
حقًّا إن البعيد عن المحبة، بعيد عن الله، ولا يعرفه.
إن أحبه يعرفه.. وإن عرفه يزداد محبة له... الله فيه جميع الكمالات، وجميع الصفات الجميلة التي يمكن أن تحبها. فإن أحببت هذه الصفات، لا بدَّ ستحب صاحبها.. فإن كنت محبًّا للخير وللبر، لا بدَّ ستحب الله، وبالتالي تعرفه، لأنه مصدر كل خير.
إن عرفت المحبة، ستعرف الله، لأن الله محبة، وإن عرفت الحق، ستعرف الله، لأنه الحق؛ "قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي"(يو6:14).
وإن سلكت في النور، ستعرفه، لأنه هو "النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ"(يو9:1)... الله نور، ومن يسلك في الظلمة، ليس فيه النور ولا يحبه. فالأشرار أحبوا الظلمة أكثر من النور. الذي يعرف الله ويحبه، "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَم"ِ(1يو15:2)، لأن محبة العالم عداوة لله (يع4:4).
أما الذي يحب العالم، فإنه لم يعرف الله بعد.
لأنه لو عرف الله، حتمًا ما كان يفضل العالم عليه! أما الرسول القديس الذي أراد معرفة المسيح، فقد قال: "لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أيضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي"(في3: 7، 8).
وقال أيضًا: "غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ"(2كو18:4).
الذي يتعلَّق بالمادة، تجذبه المادة إلى أسفل. ولا يستطيع أن يرتفع إلى أعلى، فيعرف الله.
أما الروحيون الذين يعرفون الله، فإنهم يستعملون العالم كأنهم لا يستعملونه (1كو31:7). يعيشون فيه، دون أن يعيش العالم فيهم. يستريح روح الله فيهم. وبقداستهم يعرفونه. لأنه بدون القداسة لا يعرف أحد الرب.
وبحياة الروح تكون لهم العيون التي تبصر.
مثل عيني إليشع النبي، الذي كان يبصر ما لا يبصره تلميذه جيحزي (2مل6: 16، 17).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 13يوليو2008م
أحقًّا تعرف الله؟
أحقًّا تعرف الله؟[1]
كثيرون معرفتهم لله معرفة خاطئة. وينبغي أن تتعدَّل مفاهيمهم لكي يعرفوه.
فهم يجعلون الله سببًا لكل مشاكلهم.. إن رسب طالب في امتحان، ينسب ذلك إلى قلة رحمة الله! وإن تخرَّج ولم يجد وظيفة، إذًا الله لا يحبه! وإن صدمت إحدى السيارات إنسانًا، يكون الله هو المسؤول، وليس السائق أو المرور! وهكذا في أمثلة لا تحصى، لا يرجع فيها الشخص إلى أسبابها الواقعية.
إنما ينسب إلى الله كل متاعبه ومشاكله!!
وبدلًا من أن تقوده خبرات الحياة إلى معرفة الله بالأكثر، تقوده إلى الضَّجر والتذمر، وربما يهدد أو يجدف. فيقول مثلًا: إذا لم أحصل على مجموع في الثانوية العام المقبل، فلن أدخل الكنيسة ولن أتناول ولن أصوم ولن أصلي... أو يقول: لماذا يا رب تفعل بي هكذا؟! لماذا تعرقل طرقي؟! لماذا تضطهدني؟
ولعل مما يشبه هذا، ما فعله بعض الماركسيين...
اتهموا الله بأنه لا يهتم بما يحدث على الأرض من مظالم، ومن سوء توزيع الثروات الاقتصادية! وأنه مسؤول عن ما في العالم من آلام وضيقات! وهكذا رفضوا الله والإيمان به، ودعوا الناس إلى ذلك، ووقعوا في الإلحاد ونشروه؛ لأنهم لم يعرفوا الله معرفة حقيقية. وما يقع فيه المجتمع من أخطاء، نسبوه إلى الله، وخاصموا الله بسببه، أو أنكروا وجوده.
ويشبه ذلك أيضًا الوجوديين.
الذين اعتبروا أن وجود الله يلغي وجودهم، ومن الخير أن لا يوجد الله، لكي يتمتعوا هم بالوجود!! فالله في نظرهم يقف ضد رغباتهم وشهواتهم. وإن أطاعوا وصاياه، فلن يشعروا بوجودهم! وبدلًا من أن يلوموا أنفسهم على شهواتهم الخاطئة، أصبحوا - على العكس - يلومون الله بسبب وصاياه. والحقيقة لا يريد أن يحرمهم من الرغبات أو الوجود، إنما يريد أن يطهر رغباتهم، وأن يقدّس وجودهم وهم لا يريدون.
ويؤدي إلى نفس أسلوب الوجوديين، ولو من ناحية عكسية، أسلوب الفريسيين أيام تجسد السيد المسيح على الأرض.
كان الفريسيون يتبعون الطريقة الحرفية في فهم الوصايا الإلهية، فقدموا بهذا الأسلوب فكرة خاطئة عن الوصية، حوَّلتهم من التدقيق إلى التضييق... وكما قال القديس بولس الرسول عن نشأته الأولى قبل إيمانه بالمسيح: "حَسَبَ مَذْهَبِ عِبَادَتِنَا الأَضْيَقِ عِشْتُ فَرِّيسِيًّا"(أع5:26).
تضييق الفريسيين هذا، أتعب الكثيرين، حتى إن السيد المسيح وبخهم قائلًا: "إِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ، وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ"(مت4:23).. وهكذا وضعوا مفاهيم صعبة لينفذها الناس في حفظ السبت، وفي التطهير، وفي العشور والتقدمات، مما جعل الرب يقول لهم: "أَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ"(مت13:23).
بينما الذي يعرف الله، يجد أن "وَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً"(1يو3:5).
إن التثقيل على الناس يجعلهم ينفرون من الدين، وبالتالي يبعدون عن الله نفسه. ولهذا نجد أن آباءنا الرسل في أول مجمع لهم في أورشليم، رأوا أنه "لاَ يُثَقَّلَ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللهِ مِنَ الأُمَمِ،" وأرسلوا إليهم يقولون: "قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ، أَنْ لاَ نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلاً أَكْثَرَ، غَيْرَ هذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ"(أع15: 19، 28)... وهكذا كانوا يتدرَّجون مع الناس شيئًا فشيئًا حتى يصلوا إلى درجات الكمال.
ومما يعطي فكرة خاطئة في معرفة الله التركيز على العقوبات وغضب الله...
جاءني البعض مضطربين بعد أن سمعوا عظة عن الوصية الثالثة من الوصايا العشر "لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلاً"(خر7:20). ذلك لأن الواعظ ركز على عبارة "الرَّب لا يُبرئ" وأطال الحديث عن شدة عقوبات الله، وعن جهنم، والبحيرة المتَّقدة بالنار والكبريت، مما أثار خوف الناس وأزعجهم، وأشعرهم أنهم هالكون لا محالة، فخرجوا من العظة منزعجين.
حسنٌ أن يتحدث الوعَّاظ عن عدل الله، ولكن ليس بطريقة مزعجة، وليس منفصلًا عن رحمته.
إن صفات الله لا تنفصل عن بعضها البعض. فعدل الله مملوء رحمة "لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ"، "لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا..."(مز103: 10، 14). لذلك فإن داود النبي كما يتضرَّع إلى مراحم الله، يتضرع أيضًا إلى عدله، فيقول له في المزمور "اسْتَجِبْ لِي، بِعَدْلِكَ، وَلاَ تَدْخُلْ فِي الْمُحَاكَمَةِ مَعَ عَبْدِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ"(مز143: 1، 2). نعم، عدلك الذي يعرف ضعف طبيعتنا، ويعرف أيضًا قوة أعدائنا.
لذلك فعدل الله كما يطالبنا بالوصية، يمنحنا أيضًا النعمة، والقوة على التنفيذ.
يمنحنا روحه القدوس ليعمل فينا، ويشترك معنا في العمل. ويكرر لنا عبارة "لاَ تَخَفْ أنا مَعَكَ"... عدل الله الذي يحاسب كل إنسان بحسب مواهبه وإمكانياته، ومقدار النعمة الممنوحة له، ومقدار فهمه وإدراكه... والذي يعرف أكثر، يطالب بأكثر (لو48:12).
من الخطأ أيضًا أن بعض الآباء والأمهات يربون أولادهم على الخوف من الله. وفي كل ما ينهون أبناءهم عنه، يقولون: "أحسن ربنا يزعل"! ويستمرون في تحذير الطفل من غضب الله عليه، فترسخ في ذهنه صورة مخيفة عن الله الذي يغضب ويعاقب... وكان الأولى بالآباء والمربين والمرشدين أن يستخدموا الأسلوب الإيجابي في مكافأة الله للطفل على الخير ومحبته لله.. فهذا أفضل.
ومن أجل كثرة الأخطاء التي يقدمها المعلمون عن الله، ولو عن غير قصد، نرى أن السيد المسيح يقول للآب: "إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ، أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ"(يو25:17). ويتابع مناجاته الجميلة بقوله: "وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ"(يو26:17).
هذه هي المعرفة الحقيقية التي تقودهم إلى الحب الإلهي وتُعمِّق فيهم الإيمان بمحبة الله لهم...
"عَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ"... وما الذي عرفتهم عن اسمك؟ أول شيء أنك أنت الآب السماوي، الآب الذي يحبهم، ويعطيهم كل ما يحتاجون دون أن يطلبوا. وهذا الآب السماوي "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ"(يو16:3). وهذا الآب السماوي يرسل لهم روحه القدوس، لكي يمكث معهم ويكون فيهم (يو17:14)، يعلِّمهم كل شيء (يو26:14)، ويرشدهم إلى جميع الحق (يو13:16). ويمنحهم المواهب (1كو12).
أصعب ما في المعرفة الخاطئة عن الله، أن يشعروا كما لو كان الله ثقلًا عليهم!!
يشعرون بهذا الثقل في وصاياه، وفي معاملاته، وفي عقوباته الأرضية والأبدية!! وذلك بسبب التعليم الخاطئ والتفكير الخاطئ، وما ترسَّب في أذهانهم من الفريسية والوجودية والتربية العائلية السيئة... ونحن نريد للناس أن يتجدد فكرهم عن الله ويصلح. وأن يعرفوا الله على حقيقته، الذي هو أبرع جمالًا من بني البشر، الذي ليس له شبيه بين الآلهة، آلهة الأمم، الذي يقول له المرتل في المزمور: "مَنْ مِثْلُكَ؟!"(مز10:35).
نريدهم أن يعرفوه المعرفة التي تقودهم إلى محبته.
كل معرفة تبعد عن محبة الله، هي معرفة باطلة غير حقيقية... على أن تكون محبة ممزوجة بالمهابة، فهكذا محبة كل ابن لأبيه... محبة حقيقية بعيدة عن اللامبالاة وعن الاستهتار... تحب فيها كل صفة جميلة من صفات الله. وتحب أيضًا أن تعود لك صورة الله، بقدر ما تحتمل طبيعتك البشرية...
نقطة أخرى في الوصول إلى معرفة الله وهي:
معرفة سير القديسين الذين أحبوه...
سواء سير قديسي الكتاب، أو سير القديسين في تاريخ الكنيسة وحياة الآباء، أو الذين سمح الله أن نعاصرهم ونعاشرهم، والذين قال عنهم القديس بولس الرسول: "اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ"(عب7:13).
حقًّا، ما أجمل تلك العبارة التي وردت في سفر النشيد: "إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ"(نش8:1).
نعم، تتبَّعي أيتها النفس التي تريد أن تعرف الله، آثار خرافه الذين قال عنهم: "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي"(يو27:10)، "يَذْهَبُ أَمَامَهَا، وَالْخِرَافُ تَتْبَعُهُ، لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَهُ. وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ"(يو10: 4، 5).
هؤلاء هم القديسون الذين عرفوا الله، وصاروا صورة له على الأرض.
إن عرفناهم، نرى صورة الله التي لهم فنعرفه في حياتهم.
ترى إنسانًا وديعًا محبًّا لطيفًا جدًّا في معاملاته، فتقول: إن كان هذا الإنسان هكذا، فكم إذًا تكون وداعة الله ومحبته ولطفه؟! وبنفس الوضع إن رأيت إنسانًا حكيمًا عاقلًا، تقول: كم تكون إذًا حكمة الله وعقله؟! وبالمثل في كل صفة جميلة تراها في محبي الله السائرين في طرقه... لست فقط ترى الله في حياتهم وتعرفه... وإنما أيضًا:
تعرف الله في معاملته لقديسيه.
اقرأ الكتاب مثلًا، وتأمل معاملة الله لإبراهيم أو موسى أو داود أو إيليا، فتعرف الله: كيف كانت بينه وبين محبيه دالَّة... كيف كان يكشف مشيئته لهم، ويقول: "هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ؟!"(تك17:18).
ثم يفتح بابًا للحوار مع إبراهيم، ويستمع ويستجيب... وبنفس الأسلوب يتكلم مع موسى لما عبد الشعب العجل الذهبي (خر32).
تعرف الله في محبته، في مغفرته، في طول أناته، في عطائه، في سخائه، في باقي صفاته.
ثم تُطبِّق أمثلة من ذلك في حياتك، على قدر ما منحك الله من عِشرة معه... وكذلك في حياة معارفك من الناس... وفي كل حادث أو تعامل، تزداد معرفتك لله بالأكثر.
وبالمثل تعرف الله عن طريق تتبُّع معاملته للخطاة...
البعض الذي يصبر عليهم زمانًا، حتى يقودهم إليه، ويهديهم ويجعلهم من أحبائه، مثلما فعل مع موسى الأسود ومريم القبطية وأغسطينوس في التاريخ، ومثلما فعل في الكتاب مع شاول الطرسوسي الذي اضطهد الكنيسة، ومع مريم المجدلية التي كان فيها سبعة شياطين (مر9:16)، ومع راحاب.. أو الذين أخطأوا فعاقبهم الله على الأرض، وجذبهم إليه بمحبته ومغفرته، مثلما فعل مع داود (2صم12)... عاقبه وغفر له، وجعل له مكانة كبيرة جدًّا حتى بعد وفاته (1مل11: 12، 13)... وكان يقول: "مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي".
أو اعرف الله عن طريق الخطاة الذين أطال أناته عليهم جدًّا، ثم عاقبهم أخيرًا معاقبة شديدة جدًّا، مثلما فعل مع فرعون أيام موسى (خر4:14).
اعرف الله فيما يعلنه عن نفسه، وفيما يعلنه القديسون عنه..
أما ما يعلنه القديسون، فما أكثر ما نجده في مزامير داود، قوله: "الرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ..."، "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ"(مز103: 2، 8)، "عَظِيمٌ هُوَ الرَّبُّ وَحَمِيدٌ جِدًّا، وَلَيْسَ لِعَظَمَتِهِ اسْتِقْصَاءٌ"(مز3:145)، "اَلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. لَبِسَ الْجَلاَلَ. لَبِسَ الرَّبُّ الْقُدْرَةَ، وتمنطق بها"(مز1:93).
وفي إعلان الرب عن نفسه وعن معاملاته، اقرأ كمثال رسائله إلى الكنائس السبع التي في آسيا (رؤ3:2)، واقرأ أحاديثه إلى الأنبياء والرسل. وتأمَّل.
يمكن أن نعرف الله أيضًا عن طريق الطبيعة..
وكما يقول المرتل في المزمور: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ"(مز1:19). وكما يقول السيد المسيح: "تَأَمَّلُوا طُيُورَ السَّمَاِء، وَزَنَابِقِ الحَقْلِ"(مت6: 25 - 36).
بتأمُّلك قوانين الفلك، وتتابع الليل والنهار، وتتابع فصول السنة، تجد فكرة عجيبة عن محبة الله للنظام، بذلك القوانين الطبيعية المنظمة مدى الأجيال. وبتأملك لوظائف الأعضاء في جسم الإنسان، ووظيفة كل عضو، تدرك قدرة الله العجيبة التي تفوق الفهم، والتي يقف أمامها كل علم الإنسان عاجزًا.
الإنسان الذي وهبه الله عقلًا استطاع به أن يرسل سفنًا في الفضاء إلى القمر، ما الذي يستطيعه هذا العقل البشري العظيم أمام مخ توقفت بعض مراكزه؟! أيستطيع أن يعيدها إلى الوضع الذي خلقها به؟! محال... بل ما الذي يستطيعه هذا العقل الجبار أمام أمراض مستعصية يقف أمامها عاجزًا.
هنا تعرف شيئًا عن قدرة الله وقوته في خليقته، ويمكنك أن تعرف شيئًا عن جمال الله من تأمُّلك لون الفراشات وأنغام الطيور.
أنواع متعددة جدًّا بالمئات من الفراشات، لكل منها لون جميل، أو مجموعة متناسقة من الألوان، لا يستطيع فنان أن يرسمها بنفس الجمال، أو كما قال السيد المسيح عن الفراشة: "وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا"(مت29:6).
ونفس المنطق مع الطيور، التي لكل منها نغم خاص وصوت مميز ومن مجموعها تتكون سيمفونية عجيبة. بالإضافة إلى أنه لكل منها عاداته وتقاليده... وأخيرًا، أترانا مهما كتبنا من مقالات، نستطيع أن نشرح كيف نعرف الله!!
نكتفي بهذا الآن معترفين بعجز العقل البشري عن الاقتراب من غير المحدود.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث بعنوان "كيف تعرف الله (2)"، نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 20 يوليو 2008م
الفصل الثاني الإلحاد وإثبات وجود الله
الإلحاد والرد عليه[1]
الإلحاد هو أولى الخطايا الأمهات. وأخطرها. وما أكثر الخطايا التي تتولَّد عن الإلحاد! من الصعب أن تُحصَى.
والإلحاد نوعين: الأول ينكر وجود الله. والثاني هو الذي يرفض هذا الإله أو يتهكَّم عليه وينتقده.
والإلحاد الرافض لله: إما أن يرفضه لسبب شهواني. أو لسبب اقتصادي. فالذين يرفضونه لسبب شهواني. يرون أن الله يقف ضد شهواتهم بوصاياه التي تمنعهم عن التمتع بخطايا معينة. وهؤلاء شعارهم يقول: "من الخير أن الله لا يوجد. لكي أوجد أنا!" أي لكي أتمتع بالوجود الذي أريده. بعيدًا عن وصايا الله التي تقيدني!
هؤلاء يتهكَّمون بقولهم: أتدعون أن الله في السماء؟ ليكن في السماء. ويترك لنا الأرض لا شأن لنا به. ولا شأن له بنا..!
أما الإلحاد الرافض لسبب اقتصادي: فهو يدَّعي أن الله يسكن في برج عاجي، ولا يهتم بشؤون الأرض، ولا يقيم العدل والمساواة فيها!
ففي الأرض يوجد مَن يعيشون في فقر وعوز لا يجدون القوت الضروري. بينما يوجد أغنياء يحيون في رَغَد من العيش. ويفيض عنهم ما يزيد على احتياجهم. بينما يشتهي الفقراء الفتات الساقطة منهم. والله يرى ولا يعمل!!
وهؤلاء الملحدون هم الذين أنشأوا الاشتراكية الملحدة. زاعمين أن الكل - حسب نظامهم - يشتركون بمساواة في خيرات الأرض!! ومنعوا ملكية الأرض والعقارات. فالناس يسكنون العقارات ولا يملكونها. ويفلحون الأرض ويستفيدون من إنتاجها. دون أن يملكوها كذلك.
وكانوا في بعض أساليبهم الإلحادية. يقولون للفلاح: أتريد بقرة؟
اطلب من الله فإن لم يعطك إياها، اطلبها من ستالين أو لينين... وحينئذ ستأخذها! فما معنى الإيمان بالله إذًا؟ وما فائدته؟!
وعمليًّا لا يمكن أن يتساوى الناس في إيرادهم. لأنهم غير متساوين في العقلية ودرجة الذكاء، ولا في القدرة على الإنتاج.
فقد تبدأ مجموعة معينة بقدر واحد من المال لكل فرد منها. ولكن البعض قد يستثمر في ذكاء واجتهاد وأمانة في العمل. فيزداد المال الذي معه ويتضاعف. بينما البعض الآخر يخسر ما معه، أو ينفقه في الفساد. وينتهي الأمر بأن الذين بدأوا معًا بمساواة في المال، انتهوا على عكس ذلك تمامًا... ويكون ذلك عدلًا. لأن الله يكافئ كل إنسان بحسب عمله.. إلا لو جعلنا الناس مجرد آلات بلا فكر!!
وقد تتوزع الأرض الزراعية بالتساوي على الناس. ويتجه البعض منهم إلى الصناعة ويستثمر فيها ماله، فينبغ وتزيد ثروته على غيره.
وفي النهاية لا نجد هذه المساواة المنشودة.
إننا لا نستطيع أن نخنق أصحاب المواهب والكفاءات. لكي يتساووا مع الخاملين أو الأغنياء، بحجة الوصول إلى المساواة التي مهما بدأت لا يمكن أن تستمر.
وبنفس الوضع لا نقبل أولئك الإباحيين، الذين يرفضون الله لكي يأخذوا حريتهم في إباحتهم. فيفسدوا بدون ضابط.
فالله يريد الخير للناس، وليس الخير في الفساد. ويريد لهم الحرية، بشرط أن تكون حرية منضبطة. ولا تضرهم ولا تضرّ غيرهم بسببهم. وقد رأينا أن أولئك الذين رفضوا الله ليتمتعوا بوجودهم، لم يتمتعوا بوجود حقيقي إنما في ضياع، ووصلوا إلى الانحراف وإلى الشذوذ، وفقدوا الصورة المثالية للآدمية والإنسانية.
وحتى إن رفضوا الله بسبب وصاياه، فهل أيضًا يرفضون الدولة بسبب قوانينها. ويرفضون المجتمع بسبب أنظمته وقواعده، ويقولون إن كل ذلك يحرمهم من وجودهم!! أو يقولون: من الخير أنه لا توجد القوانين والأنظمة والأخلاقيات، لكن نوجد نحن!!
أما الذين أنكروا وجود الله فقد جرَّهم الإنكار إلى عديد من الخطايا، نذكر من بينها:
أنكروا أيضًا الحياة الأخرى. ولم يؤمنوا بالقيامة. لأنه من له القوة والقدرة على إقامة الموتى سوى الله؟ وهم لا يؤمنون بالله!
وبإنكار الحياة الأخرى؛ أنكروا الثواب والعقاب فيها، وأنكروا ما يسمى بالجنة والنار، وعاشوا بلا هدف، وبلا خوف من نتائج الخطيئة.
أنكروا عالم الأرواح جملة، فلا يؤمنون أيضًا بوجود الملائكة وكل طغماتهم، ولا يؤمنون بغير المرئيات والماديات، وبالتالي فهم أيضًا لا يؤمنون بشفاعة الأبرار، ولا بصلوات القديسين.
هم لا يؤمنون كذلك بالصلاة بصفة عامة، لأنه لمن يصلي أي شخص؟ أليست الصلاة موجهة إلى الله؟ وهم لا يؤمنون بوجود الله، وهكذا فقدوا الصلاة والترتيل والتسبيح وكل الوسائط الروحية.
وفي عدم إيمانهم بالله، أصبحوا لا يؤمنون بالوحي، ولا بالكتب المقدسة. وبالتالي لا يؤمنون بالوصايا الإلهية، ولا يلتزمون بشيء منها.
وعلينا أن نناقشهم في اعتقادهم أو في عدم اعتقادهم.
نقطة الحوار الأولى معهم هي سبب الوجود، أو مصدره أو علَّته
هناك موجودات هذا أمر لا جدال فيه، فمن الذي أوجدها؟
توجد طبيعة جامدة كالجبال والهضاب والأنهار والبحيرات والأراضي كما توجد سماء وشمس وقمر وكواكب ونجوم ومجرات وشهب... وتوجد كائنات حية كالبشر والحيوان والطيور والأسماك والحشرات. وأيضًا توجد أشجار ونباتات... إلخ. فمن الذي أوجد كل تلك الكائنات؟
لا بد من كائن كلي القدرة أوجد كل هذا. فمن هو؟
بعض الملحدين يقولون: الطبيعة؛ فما هي الطبيعة؟ وما قدرتها؟
هل الطبيعة هي الطبيعة الجامدة التي لا حياة فيها؟! وهل يمكن لغير الحي أن يوجد كائنات حية. وهذا غير معقول، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. فهل الكائنات الحية أوجدت باقي الطبيعة؟ وهذا أيضًا غير معقول. فمن الذي أوجد الكون إذًا؟ إجابتنا نحن المؤمنين: إنه الله. فإن كان عند الملحدين جواب آخر فليقولوه، ونناقشه معهم.
وإن كانت مشكلة الوجود لغزًا أمام الملحدين بلا حل... فإن مشكلة الحياة ومصدرها، هي لغز أمامهم أكثر عمقًا.
إن كل ما وصل إليه العالم من علم وذكاء واختراع. يقف جامدًا أمام مصدر الحياة: كيف أتت؟ وإذا فقدت كيف تعود إن أمكن لها أن تعود؟ ولا أقصد الحياة في سمو وجودها كما في الإنسان. بل حتى الحياة في أبسط وجود لها. كما في الخلية الحية الواحدة أو في البلازما.
إن حياة نملة تسير على الأرض تشكل لغزًا أمام الملحد: من أين أتتها الحياة؟ ووجود نحلة تسعى وراء رزقها وتصنع شهدًا من رحيق الأزهار، وتنظم أمورها.. هذه النحلة في حياتها وفي صناعتها وفي نظامها عبارة عن لغز أكثر تعقيدًا أمام الملحد: كيف أتتها الحياة؟!
وكيف أتاها هذا النشاط وهذه القدرة وهذا التدبير؟
إذا تميزت الحياة بالعقل والفكر، يكون مصدرها أمام الملحد أكثر تعقيدًا،
وبخاصة إن كان لهذه الحياة قدرة على الاختراع. كما في حياة الإنسان. ما مصدر كل هذا؟ ويبقى السؤال بلا جواب.
إن الحياة على الأرض كانت لها بداية. فكيف بدأت؟
من المعروف علميًّا أن الأرض كانت في البدء جزءًا من السَّديم. وكانت في نار ملتهبة. لا تسمح بوجود أي نوع من الحياة لا للبشر ولا للحيوان ولا للنبات. ثم بردت القشرة الأرضية، ولا يزال باطن الأرض ملتهبًا تخرج منه البراكين والنافورات الساخنة.
فمن أين أتت الحياة على سطح الأرض، حيث لم تكن هناك حياة من قبل من أي نوع؟ ويبقى السؤال أمام الملحد بلا جواب.
والبعض منهم ربما يقدم افتراضات أو تخمينات ليس لها أي أساس علمي، وتبقى الحياة حتى في أبسط صورها دليلًا على وجود الله، الذي كانت له القدرة على إيجاد الحياة.
بعض الملحدين يتباهون بقدرات الإنسان على الاختراع، وقدراته محدودة!
لا شك أنه توجد حاليًا اختراعات مبهرة. تدل على سمو العقل البشري. والعقل البشري هو أيضًا هبة من الله. كما أن كل ما اخترعه البشر يعتمد على المادة، فهو يدخل في نطاق الصناعة وليس الخلق، لأن الخلق هو من قدرة الله وحده. والمادة من خلق الله، والملحدون لا يؤمنون بالخلق... فهل المادة أزلية لا بداية لها، أم أن لها بداية، وحينئذ تكون مخلوقة. وتكون بدايتها لغزًا أمام الملحدين، كيف وجدت؟ ومن أوجدها؟ ولا يمكن أن تكون أزلية؛ لأن المادة ضعيفة والإنسان يتصرف فيها بأنواع وطرق شتى، والضعف لا يتفق مع الأزلية.
وإن كان عقل الإنسان أظهر براعة من جهة التصرف في المادة بالاختراع. فإن الله قد سمح أن توجد أمام العقل البشري معضلات لم يقدر على حلها، مثل بعض الأمراض المستعصية التي يقف أمامها العقل البشري عاجزًا.
النقطة التالية في إثبات وجود الله، هي النظام العجيب الموجود في الكون. مما يثبت أن هناك مَن نظمه، ومن يكون إلا الله.
لهذا فإن أحد فلاسفة اليونان، كان يلقب الله بـ "المهندس الأعظم"...
إنك إن رأيت كومة من الحجارة ملقاة في موضع. ربما تقول إن الصدفة أوجدتها هناك، أما إن ارتفع حجر إلى جوار حجر، وفوقهما حجر ثالث، وتكوَّن مبنى من عدة طوابق، له أبواب ونوافذ وشرفات.. فلا بد أن يكون هناك مهندس قد قام بهذا العمل.. وهكذا الكون!
ألا ترى النظام العجيب الموجود بين أجرام السماء وعلاقتها بالأرض؟
فالأرض تدور على نفسها مرة كل يوم ينتج عنها الليل والنهار، وتدور حول الشمس دورة ينتج عنها تتابع الفصول الأربعة. ولها علاقة بالقمر كل شهر من نتائجها أوجه القمر المتعددة... كل ذلك بنظام دقيق لا يختل. مما جعل الكليات اللاهوتية في القديم تدرس علم الفلك لأنه يثبت وجود الله.
انظر أيضًا إلى العلاقة العجيبة بين الرياح، والحرارة، وضغط الهواء.
وكيف يتحكم كل هذا في اتجاه الرياح.. وفي مواسم الأمطار والجفاف، مع علاقتها بالمرور على البحار والبحيرات، وعلاقة كل هذا بالزراعة ونمو النبات.
حتى يمكن أن تثبت مواعيد للأمطار وللزراعة. ولمواسم الحر والبرد.
وينظم الإنسان حياته تبعًا لذلك. وتتنوع في ذلك بلاد عن بلاد أخرى.
فهل كل هذا النظام جاء عبثًا بدون مُنظِّم؟! أم لا بد من قوة عليا حكيمة قد وضعت نظامًا لكل ما يسير في الكون... وهذا ما نؤمن به.
أما عن النظام في جسم الإنسان. فهو عجب في عجب، حتى إن التأمل في علم وظائف الأعضاء يثبت وجود الله. وكذلك تركيب كل عضو بشري. انظر إلى المخ وتركيبه وعمله، وما فيه من مراكز للنظر والسمع والنطق والحركة، بالإضافة إلى عمله في الفهم والذاكرة والاستنتاج... العالم كله يقف مبهورًا غاية الانبهار أمام أي مركز من مراكز المخ. وإن اختل لا يستطيع كل علماء الكون أن يعيدوه إلى وضعه الطبيعي.
ماذا نقول أيضًا عن باقي أجهزة الجسم وعملها الدقيق:
كالقلب مثلًا أو الكبد، أو الجهاز العصبي أو الدوري أو الهضمي، وعن تكوين الجنين في الجسد وغذائه ونموه، حتى يكتمل ويخرج.
وما نقول ما يشبه عن جسم الإنسان وأعضائه.
نقول ما يشبهه عن أجسام الحيوان والطيور... بل نرى عجبًا آخر في تركيب أجساد الحشرات. أليس كل هذا دليلًا على وجود خالق كلي العلم والحكمة!!
نضيف إلى كل ما سبق الإجماع العام في الاعتقاد بوجود الله.
حتى أن الطفل يولد - وبالفطرة - فيه هذا الإيمان.
وقد تختلف أسماء الله في شتى الديانات، لكن الإيمان بالله أمر ثابت.
أما الإلحاد فله أسباب خاصة نعتبرها دخيلة على العقل البشري. ولبعضها ظروف اجتماعية أو نفسية أو هي حروب من الشيطان.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في جريدة الجمهورية، بتاريخ 8 يونيو 2004م
إثبات وجود الله نظريًّا
إثبات وجود الله نظريًّا[1]
كيف تُعامل الشخص الملحد؟
بالطبع الشخص الملحد لا نناقشه بآيات من الكتاب لأنه لا يؤمن بالكتاب، وإنما نناقشه من الناحية النظرية، فعلى الأقل من الناحيةِ النظرية أقول لكم ثلاث نقاط.
أولاً: وجود الحياة
لغز وجود الحياة، كيف وُجِدَت الحياة على الأرض؟
المعروف تمامًا من الناحية العلمية أنه مَرَّ وقت لم تكن فيه حياة على الأرض، إذ كانت الأرض قطعةً ملتهبة من المجموعة الشمسية متَّقدة بالنار. النار التي فيها لا تسمح بحياة بشرية ولا بحياة حيوانات ولا بحياة نبات، أي لا يمكن وجود أي شيء عضوي بها، وهذا أمر علمي وليس دينًا، كانت الأرض جزءًا من السَّديم أو جزءًا من المجموعة الشمسية ملتهبة بالنار فلم تكن فيها حياة، إذًا الحياة حَدَثٌ على الأرض، أي جديدة على الأرض فكيف وُجِدَت الحياة؟
ويبقى سؤال "كيف وُجِدَت الحياة على الأرض؟" بلا جواب!
أطفالُ الأنابيب ليس اختراع حياة، إنما حيوان منوي حي مع بويضة حية يتم اتحادهما في أنبوبة. فالحياة موجودة من قبل، والأنبوبة معناها مسكن يسكن فيه هذا الجنين. إيجاد محيط أو مكان، لكن لم توجِد حياة.. مثلًا لا تستطيع أن تضع ترابًا في الأنبوبة فتنتج جنينًا. لكن هذه حياة موجودة قبل أن توضع في الأنبوبة.
وجود الحياة إحدى المستحيلات. العالم الذي استطاع أن يصل للقمر، وأن يجعل الحديد طائرات وصواريخ تطير في الهواء، واستطاع أن يتحكم في الجاذبية الأرضية، لا يستطيع أن يَوجِد خلية حية، الجهاد من أجل تكوين أحماض أمينية وليس خلية حية، فماذا نقول عن مكوّن بني آدم مثلكم! لو استطاع أحد أن يوجِد بعض أحماض أمينية أحدثت مثل هذا الارتباك، فماذا عن ربنا الذي استطاع أن يكوّن آدميين بهذا الشكل! قادرين على التفكير والاختراع وغيره.
ثانيًا: وجود المادة وهذه أصعب.
لو فُرض أن استطاع أحد تحويل المادة إلى حياة (وهذا مستحيل طبعًا كما ذكرنا) نقول من أين أتت المادة؟ ويبقى السؤال بلا جواب أيضًا. من أين أتت المادة؟
إيماننا ليس مبنيًّا على أساس ضعيف، إنما على قواعد قوية، كيف وُجِدَت الحياة؟ هذا أول إشكال ولا يستطيع أي عالِم في الدنيا أن يوجِد حياة، مجرد وجود حشرة على الأرض إثبات لوجود الله؛ لأن الحشرة عبارة عن أجهزة كثيرة تتحرك وتعمل وليس فقط بلازما أو خلية إنما أجهزة تتعاون معًا. مجرد أن حشرة تضع بيضًا. مثلاً ذبابة تضع بيضًا ثم تتحول إلى شرنقة وفراشة وتطير. من أين أتت هذه الحياة؟
إذا كان وصول عالِم لحامض أميني اعتُبِر اختراعًا جبارًا، فكم بالأولى مَن يخلق خلايا وأجهزة وحياة وحركة وتوالُد وصفات متعددة، مجرد رؤية نحلة تثبت وجود الله، نحلة تصنع عسل النحل بعد أن تمتص الرحيق من الأزهار وتحوله إلى عسل، وكيف تبني الخلايا بهذا الشكل الهندسي الدقيق الذي يصعب تنفيذه، ويستلزم وقتًا طويلًا. وكيف تتكون مملكة النحل، والملكات وغذاء الملكات. غذاء في منتهى العجب. وما هي الأمراض العديدة التي يمكن أن يعالجها عسل النحل وغذاء الملكات، على رأي أحمد شوقي عندما عمل قصيدة على النحلة قال فيها:
ممـلـــــكةٌ مُدبــَّـرة |
| بامرأة مؤمرة |
قصيدة طويلة ولطيفة جدًّا، مجرد رؤية نحلة يثبت لك وجود الله، من مجرد نحلة، وليس إنسانًا بكل ذكائه وإمكانياته. وأيضًا مجرد النمل وكيف يبني بيوته وكيف يجمع أغذيته وكيف يسير بنشاط، وكيف يمكن لـــثلاث أو أربع نملات أن يشقوا ثعبانًا ويقطعوه إلى أجزاء.
لغز الحياة على الأرض لغز عجيب جدًّا لا يمكن أن يُحَلَّ إلا بوجود إله أوجد الحياة، وأصعب منه لغز المادة كيف وُجِدَت المادة.
ثالثًا: وجود النظام
في الفلك
هذا النظام العجيب الموجود في الفلك مثلًا، كيف تدور الأرض حول نفسها بنظام عجيب دقيق لم يتغير على مدى عمر الكون كله، ونتيجة لدورانها حول نفسها ودورانها في نفس الوقت حول الشمس من الغرب إلى الشرق، يتكوَّن من دورانها حول نفسها الليل والنهار، ومن دورانها حول الشمس الفصول الأربعة: الربيع والخريف والصيف والشتاء بنظام دقيق لم يختل على مدى آلاف السنين.
كيف تنتظم العلاقة بين الأرض والقمر في دورات، تكوِّن أوجه القمر: الهلال، التربيع الأول، الربيع، التربيع الثاني، المحاق الأول، المحاق الثاني، إلخ... بدورة عجيبة لا يمكن أن تختل، ما هو النظام العجيب الموجود في الضغط والرياح والحرارة والأمطار، ما هو النظام العجيب الموجود في الكون؟!
جسم الإنسان
ما هو النظام العجيب الموجود في جسم الإنسان؟! تصوروا عندما يأكل الإنسان قطعة "جاتوه" مثلًا، توجد فيها مواد سكرية ونشوية ودهنية وكربوهيدراتية إلخ...
وتعمل جميع أجهزة الجسم على إفراز إفرازات لتُحلل كل مادة منها، وتأخذ ما يفيد تحوله إلى جلوكوز، وتحوله إلى دم من نفس فصيلة دم الإنسان وتلقي الباقي.
مهاجمة الميكروبات والڤيروسات
لو إنسان دخله ميكروب أو ڤيروس تبدأ المعركة الضخمة بين الكرات الدموية الحمراء والكرات الدموية البيضاء وأجهزة تعمل وإنذارات عديدة؛ جهاز رفع الضغط، وجهاز لرفع درجة الحرارة، وجهاز لإعطاء إنذارات، ويبدأ الجسم في معركة لكي ينتصر على هذا الميكروب أو الڤيروس، ما هذا النظام العجيب؟! النظام الموجود في الجهاز الهضمي، والنظام الموجود في الجهاز الدوري والجهاز التنفسي والدم عمومًا.
اللسان
كيف يعمل اللسان، هذا العالم كله الذي وصل للقمر هل يستطيع عمل لسان! مستحيل، لو حدثت خدشة في لسان أحد أصبح يثأثئ أو ألدغ أو الـــ (ر) ينطقها (ل)، أو الـــ (س) ينطقها (ث)، ولا يستطيع العالم كله أن يصلح هذه اللدغة، هذا الإنسان الذي ليس له قطع غيار على الإطلاق، مستحيل أحد خارج ربنا أن يعمل قطع غيار، مستحيل.
العين
العين كعدسة دقيقة مهما عملت من نظارات لا يمكن أن تحل مكان العين، لو فقد أحد بصره انتهى الأمر ولا يمكن خلق قطع غيار، أجهزة عجيبة في منتهى الدقة..
النباتات
نظام دقيق في الطبيعة، نظام دقيق في الإنسان، نظام دقيق في النبات، لو سقطت حبة من اللب في الأرض وتمد جذرًا في الأرض من أسفل، وتزهر ساقًا إلى فوق، ثم تجدها طرحت بطيخ، كل بطيخة من نفس نوع اللب هو نفسه، كيف تم ذلك؟
نظام عجيب موجود في الكون هذا النظام لا بد له من مُنظِّم، لو وجدت بعض الحجارة ملقاة في الأرض يمكن أن أعتبرها صدفة، لكن عندما أجد حجرًا فوق وبجوار حجر وكونوا حجرة وشبابيك وسقفًا وأبوابًا ومن يسكن بها، لا بد أن هناك منظمًا عجيبًا أوجد كل هذه، ولا تكون صدفة.
لو بعض تروس وعقارب ساعة ملقاة على الأرض، ممكن تكون صدفة، لكن عندما تجدها في حركة منتظمة، وفي تناسق وعمل مشترك وأماكن محددة تتحرك كل 60 دقيقة، وتكون ثوانٍ ودقائق وساعات بنظام دقيق، وتناسق عجيب لا يتغير، لا بد أن هناك مُنظِّمًا قام بعملها.
فهذا النظام الذي في الكون وراءه مُنظم، غير الميثان والهيدروجين، من يستطيع أن ينظم ويكوِّن مثل هذه الأنظمة، مستحيل! عندنا نظام دقيق موجود في الكون على رأي أرسطو وأفلاطون عندما كانوا يطلقون على الله "المهندس الأعظم" لأن العالم منظَّم بطريقة فائقة.
كل الأجهزة الموجودة في الجسم تعمل بنظام عجيب، لا يمكن أن يكون اتحاد كربون بميثان وهيدروجين فأنتجوا لسانًا وعينين وقلبًا ينبض وجهازًا تنفسيًّا يعمل بنظام عجيب، ودمًا له صفات معينة.
بصمة الأصابع
هناك مثال صغير بسيط: الأصابع، هل يستطيع أحد أن يصنع بصمة إصبع، في القطر المصري ملايين ولا تجد بصمة إنسان تماثل بصمة آخر، ولذلك علماء البصمات الذين يعملون في مجال إثبات الشخصية، يكفي أن يجدوا بصمة على شباك أو على خزينة أو مكتب، ويلتقطوها فيستطيعوا أن يتعرفوا عليه ويحضروه. لأن هذه الملايين لا توجد فيها بصمة تماثل أخرى، ويولد الطفل من أب قد تكون له فصيلة دم أبيه لكن ليست له بصمة أبيه! ولذلك لو حدثت جريمة يتم التعرف على مرتكبها من البصمات الموجودة.
قوة عجيبة عظيمة كلها ذكاء وقدرة نسميها "ربنا".
فكيف يمكن أن يوجِد هذا العجب الذي لا يمكن أن يفسره إنسان؟
لا بد أن نعرف أن هناك قوة عجيبة عظيمة كلها ذكاء وقدرة وعَجَب كوَّنت هذا الكون، هذه القوة نسميها ربنا، نسميها إلهًا، نسميها يهوه، الهندي يسميها (براهما)، الصيني يسميها (بوذا) هذه مسألة اختلاف في مسميات لكن لا بدَّ من قوة عجيبة في قدرتها وفي ذكائها وفي تنظيمها، وفي ضبطها للكون كله وفي القوانين التي وضعتها للطبيعة والناس، دقة لا يمكن أن يسعها العقل البشري.
الإنسان مكتشف وليس مخترعًا
عندما أضع كربون على أكسجين على نحاس بنسب معينة، يكوِّن كبريتات النحاس الزرقاء، لأن هناك خواصًّا في الكربون والأكسجين والنحاس تجعلهم يتحدون معًا لتكوين كبريتات النحاس، مَن الذي وضع هذه الخواص في الكربون وفي الأكسجين وفي النحاس، من أين أتت هذه الخواص؟
الكربون باتحاده مع الأكسجين ممكن وبدرجات ونسب، ينتج أول أكسيد الكربون أو ثاني أكسيد الكربون بخواصّ معينة، هذه الخواص من أين أتت؟ ما الذي أعطى الكربون هذه الخواص؟ وما الذي أعطى الأكسجين خاصية الاتحاد مع الكربون لتكوين ثاني أكسيد الكربون؟ ما الذي أعطاه هذه الخواص، ما الذي وضع في المغناطيس خاصية الانجذاب للحديد، من أين أتت هذه الخاصية؟
لا بد أن يوجِد قوة حينما أوجدت هذه العناصر، أعطتها هذه الخواص، ولذلك لا يوجد عالِم مخترِع. فكلمة مخترِع العقل لا يقبلها، نحن نسميه "مكتشفًا وليس مخترعًا" لأن هذا العالِم اكتشف هذه الخواص الموجودة فاستطاع أن يتعامل معها، صيدلي مثلًا لا يخترع دواءً، لكنه يكتشف أن هذه المادة لها خواص معينة، يكتشف أن مادة بذر الخلة تؤثر على البول مثلًا وتؤثر على الكلى وتدر البول، فيستخلص المادة منها ويصنع منها حُقنًا.
لو اكتشف إنسان أن الحنة تداوي (الدوسِنتاريا)، فاستخلص المادة الموجودة فيها وصنع منها حقنًا للدوسِنتاريا، كلها اكتشافات. أما الذي أعطى هذه المواد خواصها فهو الله الذي خلق هذه المواد وأعطى كل مادة خاصية معينة.
اكتشفوا أن أساس الكربون والماس واحد، واكتشفوا أنه لو وضعت المادة الفلانية للمدة الفلانية تحت ضغط كذا وحرارة كذا تصل لكذا، هو اكتشفها فيما يصنع.. اكتشف هذه الخواص.
كل إلحاد في الدنيا خلفه أسباب نفسية، فالإلحاد المعاصر تقريبًا ممكن أن نوزعه على الوجودية والماركسية.
كيف نشأ هذا الإلحاد؟
مشكلة الإلحاد الوجودي أنه ليس إنكارًا لوجود الله إنما هو مشكلة الحرية، إنسان يريد أن يتصرف بحرية كما يريد ويتمتع بكل شهواته، ويفعل ما لا يرضي الله، فيشعر أن وجود الله يحد حريته، والوصايا تقلل من حريته، يقول له: لا تزني ولا تسرق ولا تشتهي ولا تقتل وهو يريد عكسها، فيغتاظ وينكر وجود الله ليتنعم بحرية زائفة وهي في الحقيقة استعباد الشهوات والرغبات له.
لذلك قال چان بول سارتر مؤسس المذهب الوجودي الإلحادي: "إن وجود الله يعطل وجودي أنا، فالأفضل ألا يوجد الله لأبقى أنا موجودًا"، هو لا ينكر وجود الله لكن عنده عداوة نحو الله وشاعر أن الله خصم له لوجود تلف في نياته، لو ترك شهواته والتفت إلى أبديته لن تحاربه هذه الأفكار، لو عنده مبادئ لا يطلب هذا الاتجاه. فيقول المهم أن أوجد أنا.
وأنتم متدينون وتحبون الله! سنتركه لكم، تقولون: أبانا الذي في السموات، فليظل في السموات ويترك لنا الأرض! هذا هو ملخص الفلسفة الوجودية؛ هي ليست إنكارًا لله، وإنما هي عداوة لله أو رفض لله أو عدم فهم لله أو فهم خاطئ للحرية، وفهم خاطئ للوجود لأن الإنسان الذي يزني يفقد نقاوته وطهارته ولا يتمتع إنما يضيّع نفسه، ولو أصبح الزنا مبدءًا لا يمكن أن يطمئن أحد على زوجته وأخواته وأمه وتُفقَد الثقة تمامًا، حتى أن مَن يريد أن يتمتع بالوجود بهذه الطريقة لا يقبل أن تُعامَل خواصه (قريباته) هكذا.
لكي نصنع نظامًا عامًّا لا بد أن تكون هناك سلوكيات ومُثل، ولو لم توجد سلوكيات ومُثل، يأكل الناس بعضهم بعضًا ويفسدون بعضهم بعضًا،
لا بدَّ من مُثل وأخلاقيات لتصون المجتمع، حتى لو افترضنا عدم وجود الله، فالفلسفة الوجودية كراهية لله.
الفرق بين (Atheism) و(Anti-theism)
من أجل هذا يفرق العلماء بين كلمتين (Atheism) و(Antitheism)، (Atheism) هي إنكار الله و(Antitheism) يعني ضد الله يعني (Contradieum) ضد ربنا (Antitheism)، فإنسان لا ينكر وجود الله لكنه يرفض وجوده، لا يريد تكوين علاقة معه لأنه يعتقد أن الله ضده.
الفلسفة الماركسية في إلحادها لا تنكر وجود الله، لكن تقول إن الله غير مهتم بالكون، يترك الظلم والفقر ولا توجد عدالة اجتماعية، وتوزيع الثروات ليس بعدل، ويقيمون أنفسهم لتنظيم المجتمع بدلًا من الله، وللأسف أن مَن سار في هذا الأسلوب لم يصلح الكون.
وأفقر البلاد؛ هي البلاد التي دخلت فيها الثورة الماركسية ولم يستطيعوا أن يوزعوا الثروات، وعندما أنشأوا اشتراكيات أشركوا الناس في الفقر وليس الغنى، فأصبحت اشتراكية في الفقر، الكل مشترك في الفقر.
لو نفرض أننا جعلنا جميع أهل العالم في مستوى مالي واحد، ثم نتصور بعد عشر سنوات سوف تتغير جميع هذه المستويات، لأن الناس يختلفون في طباعهم وذكائهم وأمزجتهم واتجاهاتهم، هناك مَن هو مُسرف سيضيع ما أخذه، ومن هو مقتّر سيخزن ويزداد، ومَن هو ذكي يستطيع أن ينمي ما أخذه، ومن هو شهواني سيضيع الكل على شهواته، ومن هو معتدل سيعمل بعقل، وبعد عشر سنوات تجد الثروات رجعت مثلما كانت، مختلفة أيضًا، ماذا سيفعل ماركس ونظامه؟
الإلحاد خلفه أسباب نفسية لكن لا يوجد إلحاد حقيقي أبدًا، عامل نفساني موجود في الداخل.
مَن يشعر أن مبادئ ربنا فوق احتماله ولا يستطيع أن يحتملها، فيرفض وجود الله وليس مسألة إلحاد حقيقي. لأن الإلحاد الحقيقي لا يقبله العلم ولا الفكر ولا المنطق، وكثيرين ألحدوا وعند ساعة الموت رجعوا للإيمان لأنها لحظة جادة تحدد المصير الأبدي.
على رأي أحد المؤمنين تقابل مع كافر؛ فقال الملحد للمؤمن: يا أخي أنت أتعبت نفسك في صلاة وصوم وطاعة الله، لو فرضًا في السماء لم تجد جنة ولا نارًا فلماذا كل هذا التعب كله؟! فرد عليه المؤمن: أنا لم أخسر شيئًا، لكن لو فرض أنت وجدت سماءً ونارًا فماذا تعمل!! على الأقل بالنسبة لي لم أخسر شيئًا، لكن بالنسبة لك ضيعت روحك، فيجب أن يختار الإنسان الطريق المضمون.
مثلًا رائد الفضاء جاجارين عندما صعد إلى القمر، قال: ذهبت إلى السماء ورأيت القمر ولم أجد الله هناك، وكانت النتيجة أنه مات على الأرض في طائرة بسيطة جدًا مقارنة برحلة الفضاء، بعكس الأمريكيين الذين ذهبوا للقمر واحتفلوا هناك بالكريسماس وقرأوا الإصحاح الأول من سفر التكوين "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ"(تك1:1)، واحتفلوا احتفالًا دينيًّا على القمر.
من يقول: لم أرَ الله، يدل كلامه على عدم ذكاء لأنه لو كان الله مادة محسوسة، كنت تراه بالحواس، لكن الله روح لا يمكن رؤيته بالحواس فكيف يقول لم أرَ الله؟ هناك أيضًا ملائكة موجودون لا يمكن رؤيتهم! أيضًا في الجو مواد كثيرة لا تُرى بالعين المجردة! لو أُتيح لك أن ترى كل شيء لن تستطيع العيش، عندما تنظر شعاع الشمس وترى الذرات الموجودة في الجو كلها، سوف ترى أشياءً كثيرة جدًّا.
لو رأيت ما هو موجود فوق رغيف من الخبز فلن تأكله، ولو رأيت الذرات الموجودة في الجو حول كوب من المياه فلن تشربها، إنه من نعم الله عليك أنه لا يدعك ترى كل هذه، افرض أن الله أعطاك عينًا ميكروسكوبية ورأيت قدر الميكروبات والجراثيم الموجودة في الجو، فلن تستطيع أن تحيا يومًا واحدًا.. مستحيل.
كثير من الأشياء موجودة لكننا لا نراها ومع ذلك متأكدين بوجودها، هذا في الأشياء التي تدخل في نطاق نظرنا المادي، فكم بالأولى الله الذي هو روح. يقول: لم أرَ الله! ولن تراه على الإطلاق، بهذه العين المجردة لا يمكن، لكن نشعر ونؤمن بوجوده.
من أكبر الأدلة على أن الإيمان موجود في طبيعة الإنسان أن الطفل يقبل ما نكلمه به عن الله، لأن الله أوجد في طبيعته في الداخل الإيمان الذي يقبله به، في صميم طبيعته.
فالإلحاد دخيل على العالم وليس من طبيعة الإنسان.
الملحدون خرَّبوا العالم وملأوا الدنيا بالشكوك وهم أنفسهم يحيون في تعب، أحد الفلاسفة رأى فلاحًا بسيطًا مملوءًا بالإيمان يصلي فقال: أنا مستعد أن أتنازل عن عقلي كله وحكمتي كلها – فقط - لكي أحصل على هذه البساطة الموجودة عند هذا الرجل الفلاح، الذي يقف ويصلي دون أن يرى الله.
والذين يدخلون في الإلحاد يدخلون في الشقاء!
والإلحاد لا يسعدهم، الإيمان يعطيك السعادة، إذا فقدت الإيمان تفقد السعادة سواء في الأرض أو في السماء وتعيش في منتهى الشقاء.
[1] عظة لقداسة البابا شنوده الثالث "الإلحاد ووجود الله"، لقداسة البابا شنوده الثالث ألقاها في اجتماع الأسر الجامعية، بالأنبا رويس بتاريخ 12 يوليو 1978م
الله علَّة الوجود
الله علَّة الوجود[1]
الله هو العلَّة الأولى
إثبات وجود الله يؤخَذ غالبًا من ناحية أن الله هو العلَّة الأولى، يعني السبب الأول أو التعليل الذي نُعلِّل به وجود الكون؛ يعني كيف وُجِد الكون؟ أمامنا كون به جمادات وأحياء فكيف وُجِد كل هذا؟
على الأقل توجد مادة فكيف وُجِدَت هذه المادة؟ لا نستطيع القول: إن المادة أوجدت نفسها لأن التعبير غير منطقي؛ كيف توجِد نفسها وهي غير موجودة؟! وكيف تكون لها قدرة على الإيجاد وهي لم توجد بعد؟ إذًا مستحيل أن تكون المادة قد أوجدت نفسها. لا بد أن غيرها أوجدها، ولا يمكن أن نقول إنها وُجِدَت بالصدفة؛ لأن الصدفة لا تخلق كائنات.
الطبيعة
ولا نقول إن الطبيعة أزلية أي لا بداية لها لأن الطبيعة فيها نقائص كثيرة، والأزلية صفة للاهوت، فلا يمكن أن ترشحها نقائص الطبيعة للأزلية أو دليل على أزليتها. كما أنها طبيعة مُركَّبة والتركيب لا يدل على الأزلية؛ لأن التركيب يعني اتحاد أكثر من مادة لتكوين مادة أخرى.
فإذًا المُركَّب لا بدَّ أن تسبقه حالة من وجود عناصر منفردة قبل أن تتركَّب مع بعضها البعض، كذلك الطبيعة متغيرة، والتغيُّر لا يدل على قوة لاهوت.
إذًا لا بد من علَّة أساسية أو مصدر استطاع أن يوجِد هذه الطبيعة.
ولا يصح أن يقال أوجدتها الطبيعة وإلا ما معنى الطبيعة؟ هل هي اسم من أسماء الله وتكون اختلافًا في التسميات؟ أو تكون الطبيعة هي العالم الجامد من جبال وتلال وهل هذه لها قدرة على الخلق؟ فكل الذين يقولون إن الطبيعة أوجِدَت لا يقدمون تفسيرًا سليمًا لكلمة الطبيعة يصلح أن يكون مادة للحوار.
الصدفة
وأيضًا عبارة (الصدفة) لا تدل على معنى عقلي قابل للحوار. فما معنى الصدفة؟ وبالرغم من ذلك، فإنه مع وجود المادة ومشكلة وجود المادة هناك أمر أخطر الذي هو وجود الحياة فكيف وُجِدَت الحياة في هذا الكون؟
طبعًا معروف عند العلماء أن الأرض كانت قطعة ملتهبة من النار حينما انفصلت عن المجموعة الشمسية، وهذه النار ما كانت تصلح إطلاقًا لإيجاد أي نوع من الحياة، لا حياة إنسان ولا حيوان ولا نبات وسط هذا اللهيب المتَّقِد، حتى عندما بردت القشرة الأرضية وما يزال باطن الأرض ملتهبًا بالبراكين، إلخ.. إذًا الحياة حديثة التكوين على الأرض وليست من طبيعة الأرض بل حاجة مُحدثة، فكيف وُجدت الحياة بعد أن بردت الأرض؟
لا بد من خالق أوجد الحياة، لأن المادة لا توجِد حياة. المادة الجامدة التي هي الجبال والأنهار والأرض والضباب، هذه لا توجِد حياة لأنها هي نفسها غير حية، ومعروف أن الكائن الحي لا بد أن يأتي من كائنٍ حي، وفاقد الحياة لا يكوِّن حياة.
مجرد وجود حياة على الأرض ولو حياة نملة تدب على الأرض أو حشرة أو طائر، حتى مجرد وجود خلية حية لا يمكن أبدًا إيجادها إلا بوجود قوة أوجدتها، وهنا نصل بالتدرُّج إلى وجود الله كمصدر للحياة.
الإنسان
ثم بعد ذلك وجود الإنسان، الإنسان كائن له عقل ومشيئة وإرادة وضمير والطبيعة الموجودة بلا عقل بلا حياة بلا ضمير، بلا إرادة بلا مشيئة، كل الطبيعة جامدة فكيف أمكن وجود كائن له عقل من طبيعة ليس لها عقل؟ كيف أمكن وجود كائن له ضمير من طبيعة ليس لها ضمير؟ أو كيف أمكن وجود كائن له مشاعر وعواطف وله روح؟ وله صفات أدبية وحب للقداسة والحق والعدل من طبيعة لا تملك شيئًا من كل هذا؟ كيف وُجِدَت هذه الصفات الإنسانية من هذه الطبيعة الجامدة؟
لا يمكننا إلا القول بأن هناك كائنًا أسمى من كل هذا، كلي العقل كلي المشيئة كلي الحكمة كلي القدرة أمكن أن يوجد كل هذا.
نظام الكون
النقطة التالية نظام الكون ويشمل كل شيء.
نظام في الفلك مثلًا وقوانينه.
العلاقة بين الشمس والكواكب، العلاقة بين الأرض والقمر العلاقة بين هذه الأجرام السماوية كلها، الحركة المنتظمة التي تلفُّ بها الكواكب وتدور من الغرب للشرق أمام الشمس بطريقة منتظمة تنتج عنها الفصول بطريقة منظمة، وينتج عنها الليل والنهار بطريقة منظَّمة وتؤثر على الرياح، وعلى ضغط الهواء وعلى الحرارة، وعلى الرطوبة وعلى الأمطار بطريقة منظَّمة، كيف يمكن أن يوجد هذا النظام في الكون إلا من خلال وجود كائن قوي هو الله أوجد هذا النظام. لذلك بعض الفلاسفة كانوا يسمونه "المهندس الأعظم".
وبالنسبة للخليقة المتحركة كانوا يسمونه "المحرك الأول لهذا الكون"، كيف أمكن وجود كل هذا النظام الموجود؟
نظام جسم الإنسان
بل حتى الإنسان كل جهاز من جسمه عبارة عن معجزة من المعجزات في النظام الدقيق الذي يوجد في كل عضو، النظام الموجود في المخ وما فيه من مراكز، إذا وقف مركز منها تعطلت طاقة كبيرة في الإنسان، مركز للحركة، مركز للنظر، مركز للصوت، إلخ.
العمل الذي يقوم به القلب، والأعمال التي تقوم بها أجهزة الجسم كلها، الجهاز العصبي الجهاز الهضمي، تركيب العين تركيب الأذن تركيب اللسان، لو فقد إنسان قدرته على الكلام لا يقدر أحد أن يخلق له لسانًا، أو لو وصل فقط إلى درجة من اللعثمة أو الثأثأة لا يقدر أحد أن يعيده إلى وضعه الطبيعي، ما هذه القوة العجيبة الموجودة في هذه الأجهزة!
حتى الأسنان وتركيب السِّن بما فيها من حيوية، لا يستطيع أحد عمل سنٍّ مثل السِّنِّ الطبيعية إطلاقًا، حتى في تركيب سنٍّ غير طبيعي يأخذون اسطمبة (قالبًا) خاصة على الطبيعة لتماثلها لكن أيضًا بدون حياة بها، ولا يكون فيها الحياة ولا الأعصاب الموجودة في السِّنِّ الطبيعي.
لذلك كانوا في كليات اللاهوت – قديمًا - يدرِّسون الفلك لأن دراسة الفلك تساعد على الإيمان بوجود الله "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ"(مز1:19)، وكانوا يدرِّسون الطب في الكليات اللاهوتية لأن الذي يدرس وظائف الأعضاء لا بدَّ أن يؤمن بوجود الله من عظمة الخالق في خليقته.
إذًا نظام الكون يدل على وجود مُنظِّم كبير.
تكوين الحيوانات، وتكوين الكائنات الأخرى
كما أن الحيوانات أيضًا، تجد تكوين الحيوانات البرية غير تكوين الكائنات الحية التي تطير في الهواء، غير تركيب الكائنات الحية التي تسبح في الماء أو تعيش تحت الماء غير الكائنات الحية البرمائية، أجهزة تساعد على نوع الحياة التي تحياها، تركيب أجهزة السمك والحيتان غير تركيب الطائر الذي يطير في الهواء، غير الحشرات التي تدب على الأرض، غير الحيوانات المتسلقة أو الزاحفة، كل له تركيب خاص.
بل من العجب أيضًا الألوان.
ألوان الفراشات، وكل فراشة لها لون عجيب وشكل عجيب، أحيانًا بعض الكتب تصور هذه الأشكال، تجد قوة الخالق عجب في عجب، الذي أوجد هذه الألوان، أو السمك الملون مثلًا، جمال عجيب نجد في الخليقة، لا يستطيع إنسان أن يحاكيه.
لو نظرت إلى زهرة معينة وألوانها، والطيور وأصواتها وموسيقاها، مخلوقات عجيبة دقيقة بشكل يفوق العقول، أيضًا عندما تدرس النحلة في طبائعها، في قيادتها، في تركيبها للخلايا، في تركيبها للعسل، في تركيبها لغذاء الملكات، الذي يأخذونه لعمل "رويال چيلي" أي غذاء الملكات، نظام عجيب جدًّا جدًّا في الخليقة، يوحي بأنه لا بد من خالق كلي القدرة كلي الحكمة، له قدرة ومشيئة وعقل جبار، استطاع أن يوجِد كل هذا.
الطبيعة الجامدة
عجبٌ في تكوين الإنسان وفي تكوين الحيوان وفي تكوين الطيور، بل عجبٌ آخر في أن الطبيعة الجامدة تهيئ للطبائع الحية جوًّا وبيئة تعيش فيها؛ كائن يعيش على الأرض يوجد الهواء والأكسجين الذي يتنفسه، في الكواكب التي في الفضاء لا يوجد هواء وأكسجين؛ من أجل هذا من يذهب في سفن الفضاء لا بدَّ أن يأخذ معه كمية من الأكسجين داخل سفينة الفضاء، لكن الأرض مُصمَّمة بطريقة يعيش فيها الإنسان.
فيها الهواء الذي يصلح له، وفيها الماء العذب الذي لا تضر درجة ملوحته الإنسان، فيه الماء الذي يصلح للنبات وللحيوان ويصلح للإنسان بل حتى يصلح للخرسانة وأعمال البناء، لأنه إذا زادت كمية الملح لا يصلح لأي شيء. فيها الماء والهواء والنور والحرارة وأيضًا الظلام؛ لأن الضوء لو ظل مستمرًّا لتعب الإنسان، لأنه يحتاج للظلام ليستكين فيه ويهدأ وينام.
تكوين الطبيعة بطريقة تعيش فيها الكائنات الحية، لا يمكن أن ينظر أحد إلى نظام الكون إلا ويقول: لا بد من هناك من مُنظِّم عجيب.
الولادة والوراثة
كذلك نظام الولادة والوراثة ما يوجد في الإنسان من كروموزومات وچينات وهرمونات يمكن أن تكوّن الجنين وتستنتج إذا كان الجنين ذكرًا أو أنثى، وكيف يحيا الجنين في بطن أمه وكيف يتنفس ويتغذَّى، وعندما يولد يكون ثديا أمه قد امتلآ باللبن وكبرا لكي ترضعه.
حتى في الحيوانات هذه الظاهرة موجودة أيضًا.
وكيف يكوِّن للطفل الرضيع الجنين أعضاءً سوف يستخدمها بعد سنوات طويلة لكن موجودة فيه حتى وهو في بطن أمه استعدادًا للمستقبل، عجب في عجب! وجود هذا النظام كله يدل على وجود خالق، كذلك الأعضاء الموجودة في جسم الإنسان وكيف تتعاون معًا، كفريق متلاحم متعاون عجيب يعملون معًا.
عندما تأكل قطعة من الجاتوه مثلًا تجد فيها مواد سكرية ودهنية ونشوية وكربوهيدراتية، تجد إفرازات في الجسم لهضم كل مادة منها، تعمل الأسنان بطريقة والجهاز الهضمي بطريقة أخرى؛ والأمعاء بطريقة ثالثة؛ كل ذلك حتى يتم تحويل الأكل إلى دم يمتصه الجسم، والعجيب أن هذا الدم يكون من نوع دم الإنسان وفصيلته.
كل هذا يدل على وجود خالق، كما نقول: كلي الحكمة والعقل، وفي نفس الوقت كلي القدرة، له مشيئة في العمل، وقادر على العمل وبحكمة عجيبة.
فكرة الألوهية
نقطة أخرى في وجود الله وهي الاعتقاد العام، فكرة الألوهية موجودة عند كل شعوب الأرض حتى الوثنيين يؤمنون بوجود إله حتى ولو تعددت الآلهة، لأن فكرة الألوهية موجودة لكن بدون فهم مَن هو أو ما هي صفاته أو كينونته؟ لكن فكرة الألوهية موجودة، حتى مَن يعبد النار يؤمن بوجود إله ويعتقد أنه النار، ومَن يعبد الشمس يؤمن بوجود إله ويعتقد أنه الشمس، أو البعض مثل اليونان والرومان الذين تصوروا كل صفة من صفات الله على أنه إله خاص بها، ففكرة الألوهية موجودة عندهم بدون فهم للتفاصيل.
حتى الوثنيين لا نستطيع أن نقول إنهم لا يؤمنون بوجود الله، هم يؤمنون بدون فهم مَن هو هذا الإله، ويصلون ويسجدون ويقدمون الذبائح، ومن يؤمن بتعدد الآلهة، يؤمن لكن بدلًا من أن نقول: إله له كل الصفات.. هو يقول: إله لكل صفة من صفات الله ويصور لها إلهًا.
الطفل يولد وفي فطرته وجود ربنا، تحذر الولد من عمل الخطأ لئلا يغضب ربنا فيقبل منك بدون مناقشة، وتقول له: هيا نصلي، ونقف ونقول: يا رب فيقف بدون اعتراض، دون أن يعرف من هو لكن في فطرته يوجد هذا الإيمان.
نظرية النشوء والارتقاء
هناك نظرية النشوء والارتقاء، التي تبحث في أصل الإنسان وتطور الخليقة وحيوانات ظلت تتطور وتتدرج حتى أصبحت إنسانًا، وحتى لو وُجد مثل هذا التطور لا يمنع من وجود إله، ولو أن هذه النظريات ينقصها الإثبات العلمي، وهناك آراء بعض علماء ضدها وليس رجال الدين، وهم أنفسهم لم يتكامل الفكر عندهم ويقولوا إن هناك حلقة مفقودة، إذًا هي ما تزال في حدود نظرية وليست حقيقة علمية.
مجرد فكر وعلماء يقفون ضده، ولم ترقَ إلى أن تصبح حقيقة علمية.
[1] محاضرات لقداسة البابا شنوده الثالث بعنوان (إثبات وجود الله وصفات الله جـ1، 2، 3) بتاريخ 20 أكتوبر1992م و27 أكتوبر 1992م، 3 نوفمبر1992م، في الكلية الإكليريكية.
صفات الله
صفات الله
صفات الله نوعان
هذا الإله الذي نتحدث عنه له صفات كثيرة، بعضها صفات خاصة بالله وحده، وبعضها صفات تشترك فيها بعض المخلوقات بدرجة محدودة.
الصفات التي تشترك فيها بعض المخلوقات بدرجة محدودة منها مثلًا؛
الله عادل، يوجد بشر عادلون أيضًا، لكن عدل البشر محدود وعدل الله غير محدود.
الله حكيم، يوجد بشر حكماء، لكن حكمة الله غير محدودة وحكمة الإنسان محدودة.
الله رحيم، يوجد إنسان رحيم، لكن رحمة الإنسان محدودة ورحمة الله غير محدودة.
فتكون صفات موجودة في الله بطريقة مطلقة وموجودة في الخليقة بطريقة محدودة، لأن الإنسان محدود والله غير محدود.
أما الصفات الخاصة بالله وحده...
الأزلية
الله أزلي أي لا بداية له، لا يوجد إنسان أزلي، لأن كل مخلوق له بداية، لا نقدر أن نقول على أي مخلوق، لا إنسان ولا حيوان ولا عالم ولا كوكب إنه أزلي، لأنه لو كان لا بداية له يكون غير مخلوق، لكن بقية العالم كلها من المخلوقات. فعندما نتكلم عن الأزلية تكون صفة من صفات الله وحده.
لذلك عندما نقرأ في الجرائد أن علاقتنا بالبلد الفلاني علاقة أزلية، نقول هذا الكلام ليس لاهوتيًّا، الأصح أن نقول: "علاقة قديمة جدًّا أو علاقة من أقدم عصور التاريخ"، لأن أزلية تعني لا بداية لها، وهذا غير معقول ولا منطقي. الله أزلي وأبدي، والأزلية والأبدية في اللغة العربية يسمونها "السرمدية"، إله سرمدي تعني أزلي أبدي.
الله أبدي بطبيعته لكنه يمنح الأبدية لمخلوقاته، ولذلك خلق الإنسان بروحٍ خالدة تعيشُ في الأبد، ووعدنا بالحياة الأبدية، الله من ضمن صفاته العجيبة أنه غير محدود، في جميع صفاته: غير محدود من جهة المكان، موجود في كل مكان ولا يسعه مكان، مالئ الكل وهذه لا تتفق مع أي أحد من خليقته.
غير محدود من جهة القدرة فهو قادر على كل شيء، لا يوجد إنسان في الدنيا يقدر على كل شيء أو حتى كلّي القدرة في شيء واحد، ولكن الله كلي القدرة، وهذه صفة خاصة به وحده، ولذلك من هاتين الصفتين أنه غير محدود من جهة المكان وغير محدود من جهة القدرة.
لذلك نحن نؤمن بإلهٍ واحد؛ لأن لو وُجد إلهان أو أكثر سنسأل أنفسنا من منهم كلي القدرة، إذا كان أحدهم كلي القدرة يكون قادرًا على باقي الآلهة، فإذا كان يقدر على باقي الآلهة، يكون هو الإله الوحيد والآلهة الأخرى المقدور عليها ليست آلهة!
ولو كان يقدر على الكل ما عدا هذا الإله الآخر الذي معه، يكون هو محدود في قدرته والآخر محدود في قدرته فلا يكونا آلهة، ولذلك الإيمان بإلهٍ واحد يقتضي أن هذا الإله يكون كلي القدرة ولا يكون إلى جواره من ينافسه في قدرته.
بعض الوثنيين أخطأوا وظنوا وآمنوا بوجود إلهين؛ إله للخير وإله للشر.. لا يمكن أن يكون إلا إله واحد، وإذا كانت هناك قوى شريرة تكون هذه القوة تقاوم هذا الإله الواحد وأيضًا تكون قوى مخلوقة.
الشيطان مثلًا من خليقة الله، لكن الله لم يخلق شيطانًا على الإطلاق، الله خلق ملاكًا والملاك بإرادته الرديئة حول نفسه إلى شيطان..
في بدئه لم يخلقه شيطانًا بل خلقه ملاكًا وهو حوَّل نفسه إلى شيطان، ويكون أيضًا تابعًا لله وتابعًا لقدرته وليس إلهًا، ولذلك نقرأ في الكتاب المقدس: "وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ"(رؤ10:20)، كل قوى الشر الموجودة تُلقى في بحيرة النار والكبريت، فلا تكون آلهة، بل مخلوقات خاضعة لسلطان الله.
غير المرئي وغير المُدرَك
من ضمن صفات الله أيضًا أنه غير مرئي وغير مُدرَك؛ غير مُدرَك لأن عقل الإنسان المحدود لا يستطيع أن يدرك كل شيء عن الله فنقول غير مُدرَك، وغير مرئي لأنه روح، غير مرئي ممكن تنطبق على أرواح أخرى فمن الممكن أن نقول بوجود أشياء كثيرة غير مرئية، لكن غير مُدرَك تنطبق على الله وحده.
واجب الوجود
من ضمن الصفات التي تنطبق على الله وحده أنه واجب الوجود وسبب لكل موجود. أي كائن واجب الوجود ممكن أن يكون العالم عالمًا بدونه، إنما أي نوع من أنواع الموجودات غير واجب الوجود، لو ألغِيَ نوع من النباتات أو الحيوانات أو البشر أو الطبيعة كلها يظل العالم بدونه قائمًا، فهي غير واجبة الوجود، لأنه مرّ وقت في الأزلية كان الله وحده بدون أي طبيعة إلى جواره فهي ليست واجبة الوجود.
لكن الله واجب الوجود لأن هو التفسير الوحيد لوجود العالم، يعني لا نستطيع أن نُفسِّر وجود كل الكائنات إلا بأنه يجب وجود كائن هو الذي خلق كل هذه الكائنات.
إذا قلت: أنا موجود... مَن الذي أوجدني؟ تظل تتتبع حتى تصل إلى أن كائنًا واجب الوجود هو الذي أوجدك، ولأنه واجب الوجود لذلك أزلي لأن الذي له بداية يكون غير واجب الوجود، قبل هذه البداية لم يكن موجودًا. الله روح حي عاقل ناطق، هذا هو التثليث.
الله روح واجب الوجود، من الصفات التي يختص بها الله وحده، روح واجب الوجود أزلي، سرمدي أي أزلي أبدي.
خالق لأنه ليس خالقًا إلا ربنا.
الله غير محدود قادر على كل شيء، موجود في كل مكان عالم بكل شيء، غير مرئي غير متغير، بسيط غير مركَّب.
وصفة بسيط غير مركَّب، لأن المركَّب من شيئين أو ثلاثة تكون هذه الأشياء موجودة قبله فلا يكون أزليًّا، لأن المركَّب ليس أزلي، فالله روح بسيط غير مركَّب.
موجود في كل مكان
الله موجود في كل مكان لذلك الله لا تنطبق عليه الحركة لأن الذي يتحرك من مكان إلى آخر، كان موجودًا في مكان وانتقل إلى غيره، ولم يكن موجودًا به قبل ذلك، لكن الموجود هنا وهناك لا ينتقل لوجوده في كليهما، وبالتالي لا يصعد ولا يهبط ولا يذهب ولا يجيء، عندما صعد السيد المسيح إلى السموات نقول في القداس: "وعند صعودك إلى السموات جسديًّا" أي صعد بالجسد، فالجسد الذي أخذه هو الذي صعد، لكن من ناحية اللاهوت الله لا يصعد ولا ينزل.
وعندما يقول المسيح: "لَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ"(يو13:3) يقول: الصعود على حالته كونه ابن الإنسان، لكن من ناحية اللاهوت لا يصعد ولا ينزل لأنه موجود في كل مكان، كيف يصعد من تحت إلى فوق وهو موجود تحت وموجود فوق وما بينهما، فلا صعود ولا نزول ولا حركة.
أما عندما نقول مثلًا إن الله نزل على الجبل ليكلم موسى، كلمة نزل معناها ظهر على الجبل ولكنه تعبير نفهمه، لأنه موجود على الجبل قبل كلمة نزل، لكن كلمة نزل تعني صار مرئيًّا للناس فوق الجبل، وهو كان موجودًا فوقه قبل ذلك لأنه لا يخلو منه مكان، فظهور الله لا يعني حركة ولا نزولًا من السماء؛ إنما يعني ظهورًا للناس.
الله موجود في كل مكان، لكن أحيانًا نقول إنه موجود في الكنيسة وموجود على المذبح، وموجود في قلب الإنسان الروحي. كل هذه لا تلغي الوجود العام في كل مكان، إنما تعني وجودًا خاصًّا بعمل الله أو بمجد الله أو ما شابه ذلك، لأنه موجود في كل مكان لكن في هذا الوقت موجود بقوة معيَّنة في قلب المؤمن أو بمجد معين في قلب المؤمن، أو موجود ممجد في قلب المؤمن، إلخ... لكن هذا لا يمنع أنه موجود في كل مكان.
حتى الأماكن التي يوجد فيها الأشرار، لأنه لو لم يوجد بها لما رآهم وعرف ماذا يفعلون وضبطهم في ذات الفعل، موجود لكن غير ممجَّد في هذه الأماكن، لكنه موجود ولا يخلو منه مكان، لأنه لو خلا منه مكان يكون هذا نقصًا في الذات الإلهية.. وهذه تشجع الأشرار أن يقولوا نعمل ما بدا لنا دون أن يرانا أحد، هو موجود في نفس المكان لكن غير ممجَّد في هذا المكان.
ولذلك يقول الكتاب: "أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ"(مز139: 7 - 10).
أنت موجود في كل مكان، لهذا كل إنسان لا بد أن يشعر في كل مكان أن الله يراه لأنه موجود في كل مكان، يراقب ويرى ويسجل وأحيانًا يوجد ليعين ويحفظ ويساعد، على حسب ظروف هذا المكان.
يقول الكتاب إنه "يملأ الكل" بل إننا نقول: موجود في كل مكان ولا يسعه مكان، أي أن كل مكان لا يحد الله.
وهذه ذُكِرَت في صلاة سليمان الحكيم أثناء تدشين الهيكل: "لأَنَّهُ هَلْ يَسْكُنُ اللهُ حَقًّا عَلَى الأَرْضِ؟ هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ، فَكَمْ بِالأَقَلِّ هذَا الْبَيْتُ الَّذِي بَنَيْتُ؟"(1مل27:8)، عندما يحل الله في البيت ليس معناه أنه تحيَّز. كلمة (تحيَّز) في اللغة العربية تعني أخذ حيّزًا من الأرض، أي مكانًا محددًا أو لم يصبح في كل مكان.
فهم البعض الخاطئ للتجسد الإلهي.
أحيانًا يفهم البعض التجسد الإلهي خطأ، وهم مَن يعارضون التجسد. فيقولون: هل الله تحيَّز بالتجسد؟ أي صار موجودًا في حيز معين؟
فنقول لهم: إطلاقًا، لأنه موجود في كل مكان، لكن في هذا المكان موجود بالجسد، انتقل من أورشليم إلى الناصرة. معناها أنه موجود في كل مكان، لكنه بعد أن كان ظاهرًا في أورشليم أصبح ظاهرًا في الناصرة، فهو موجود في كل مكان بلاهوته ولا يخلو منه مكان ولا يسعه مكان.
غير متغير
الله غير متغير، يقول الكتاب: "لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ"(يع17:1)، فالله لا يتغير "هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ"(عب8:13)، لأن ما يتغير قد يتغير إلى حالة أفضل أو أسوأ، فإن تغير إلى حالة أفضل تعني أنه كان في حالة أسوأ وهذا مستحيل بالنسبة لله، وإن تغير إلى حالة أسوأ فهذا أيضًا مستحيل، الله لا يمكن أن يتغير.
وهنا يحضرنا سؤال مثلًا بالنسبة لأهل نينوى، مرة حُكِمَ عليهم ثم عفا الله عنهم؟
التغيُّر في حالة أهل نينوى كان من جهتهم، عندما تابوا تغيروا لكن الله هو هو، يقول لهم: الخطية معها عقوبة والتوبة معها رحمة، هذه مبادئ إلهية ثابتة. وهو لم يغير هذه المبادئ إطلاقًا، عندما كانوا في حالة الخطية فإنهم استحقوا العقوبة، وعندما كانوا في حالة التوبة استحقوا المغفرة والرحمة، فيكون المبدأ لم يتغير وطُبِّق عليهم تمامًا في الحالتين.
الله لا يتغير في جوهره ولا يتغير في صفاته.
كل صفة من صفات الله لا تتغير، مثلًا الله من صفاته أنه حكيم، هو حكيم ولا يمكن أن تتغير حكمته، الله رحيم هو رحيم باستمرار، الله عادل هو عادل باستمرار، الله لا يتغير.
أحيانًا يعتقد البعض أن الله في العهد القديم كان إلهًا شديدًا وقاسيًا، لكنه في العهد الجديد إله رحمة ونعمة، كما لو كان هناك إلهان أحدهما للعهد القديم والآخر للعهد الجديد، إطلاقًا، الله هو هو أمس واليوم وإلى الأبد في العهد القديم مثل العهد الجديد، لكن البشر كانوا في العهد القديم أكثر خطية وبدائية، وحتى في عهد النعمة عندما يخطئ أحد نجد العقوبات موجودة كما هي في العهد القديم.
المسيح في العهد الجديد يقول على المدن التي لم تقبله وترفض تلاميذه: "يَكُونُ لِسَدُومَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ"(لو12:10)، العقوبة موجودة والله يعاقب في العهد القديم والعهد الجديد، ويحب ويرحم في العهد القديم والعهد الجديد، ولهذا أمثلة كثيرة في الكتاب المقدس.
فالله لا يتغير لأن التغير نوع من النقص والله لا ينقص، فنسأل هل التغير إلى أفضل نوع من النقص؟ نعم. لأن التغير إلى أفضل يدل على نقص في الحالة الأولى، حقًّا أصبح في حالة أفضل، لكنه عندما تحسَّن معناها أنه قبل ذلك كان في حالة أقل، فالتغير يدل على نقص سواء في الماضي أو في المستقبل على حسب الحالة.
الكمال المطلق
لأن الله لا يتغير، الله لا يزيد ولا ينقص، لأنه كامل كمالًا مطلقًا، وأيضًا هذه صفة إلهية: الكمال المطلق لله وحده، الكامل لا ينقص عن كماله ولا يزيد لأنه لا يوجد أكثر من الكمال، فالله في كماله مطلق، والله لا يتغير في مقاصده، ولا في علمه، ولا في صفاته، ولا يتغير في جوهره.. الله هو هو أمس واليوم وإلى الأبد، لا يوجد في داخله ما يجعله يتغير ولا يوجد تأثير خارجي يجعله يتغير.
سؤال:
هل أفكار الله لها تتابع؟
الجواب:
لا، لأن من يتتابع من شيء لآخر ينتقل من حالة لأخرى، لكن أفكار الله هي هي ثابتة.
معرفة الله
معرفة الله
معرفة الله معرفة غير محدودة.
المعرفة من الصفات النسبية التي يمكن أن يشترك فيها البشر بنسبة، وهذه غير الصفات الخاصة بالله وحده مثل الأزلية والخلق وغير المحدودية، وأنه واجب الوجود، لكن ما هو الفرق بين المعرفتين؟
طبعًا معرفة الله غير محدودة إنما معرفة البشر محدودة ونسبية ومتغيرة.
الإنسان يمكن أن يعرف شيئًا عن أشياء كثيرة، وليس من السهل أن يعرف كل شيء عن شيء، وأن يعرف شيئًا عن كل شيء أيضًا ليس سهلًا، الإنسان يعرف بعض أشياء عن بعض أشياء مهما كان علمه، قد يكون عالمًا في التاريخ ولكن لا يفهم في الرياضة أو فهمه فيها محدودًا، وقد يكون عالمًا في الطبيعة ولكن علمه في الطب محدود، إنه بالجهد يعرف الإنسان بعض الأشياء عن بعض الأشياء.
بل في عالم التخصصات الحالية معرفة الإنسان محدودة في تخصص محدود، يعني مثلًا تقول: هذا طبيب لا يعرف كل ما في الطب إنما متخصص مثلًا في القلب، يعرف كل شيء عن القلب، ويوجد متخصصون في جراحة القلب، ومتخصصون في نوع معين من الجراحة، في عالم التخصصات كل إنسان يعرف شيئًا محدودًا.
أما معرفة الله فتتميز بأنه يعرف كل شيء عن كل شيء.
هذه لا يمكن أن تقال عن أي إنسان، الإنسان يعرف عن طريق وسائط، عن طريق البحوث والكتب والتجارب والمقاييس والمخترعات، الطبيب يعرف ضغط الدم مثلاً عن طريق جهاز لقياس الضغط. يعرف عن طريق كشف أشعة أو تحليل أو أي أجهزة، لكن الله يعرف بدون واسطة.
الإنسان يعرف بطريق تدريجي يعني خطوة تقوده إلى خطوة أخرى، لكن الله لا يحتاج إلى هذا التدرُّج، يعرف كل شيء عن كل شيء دفعة واحدة بلا تدرُّج.
الإنسان معرفته أحيانًا تكون يقينية وأحيانًا غير يقينية، لكن معرفة الله هي كاملة اليقين لا شك فيها.
الإنسان يعرف الظاهرات فقط، لكن الله يعرف الظاهرات والخفيات سواء خفيات بالنسبة للطبيعة أو خفيات بالنسبة للإنسان، فيعرف ما يَخفى في القلوب وما يَخفى في الأفكار والنيات، الإنسان لا يملك هذه المعرفة، لذلك الله يعرف الغيب والمستقبل، الإنسان لا يمكن أن يعرف المستقبل، يمكن بالفراسة أو العلم أن يستنتج بعض أشياء وقد تتم وقد لا تتم، لكن معرفة الله معرفة يقينية بالنسبة للغيب والمستقبل.
علم الإنسان ومعرفته علم مُكتَسَب عن طريق القراءة والدراسة والاختبار، لكن بالنسبة لله المعرفة عنده معرفة ذاتية وليست اكتسابية، المعرفة موجودة في ذاته ولا يأخذها عن طريق آخر.
إن الله يعرف كل شيء في ذات الوقت.
الإنسان يمكن أن يعرف الماضي والحاضر وبعد وقت يعرف المستقبل، لكن الماضي والحاضر والمستقبل أمام الله في نفس الوقت منذ الأزل.. منذ الأزل والله يرى كل شيء "دقيقة"، بالنسبة لنا هناك ماضٍ وحاضر ومستقبل، لكن بالنسبة لله الصورة واضحة للكون كله بماضيه وحاضره وبمستقبله بتتابع الأحداث التي فيه ونتائجها، يعرفها كلها دفعة واحدة، لأن الله لا يجِدّ عليه شيء ولا يدخل في معرفته شيء جديد فكله معروف، القديم والحاضر والمستقبل.
قبل أن يخلق الإنسان يعرفه ومجرى حياته كلها وتصرفاته إلى أبد الآبدين، كان يعرف قبل أن يخلقنا أننا سنخطئ، وكان يعرف أننا حينما نخطئ سيفدينا، إذًا فكرة الخلاص موجودة أزلية عند الله قبل أن يخلق الكون وقبل أن يخطئ الإنسان.
الله لا يزيد على علمه شيء، ما نسميه علم الله السابق.
يعرف المستقبل قبل حدوثه، ويمكن أن يجعل الإنسان يعرف المستقبل عن طريق النبوءة وهذه من عند الله، معرفة الله السابقة يوحي بها إلى الإنسان، فإذا قال عنها الأنبياء تكون كلماتهم من علم الله، أي ينقلوا علم الله للناس في أحداث معينة محددة تحدث في وقت معين.
توجد أشياء يعرفها الإنسان بالدراسة، أما بالنسبة لله فهو لا يعرفها فقط، بل هو صاحب الأمر فيها.
مثلًا: إنسان بالدراسة أو الاختبار يتوقع وجود بترول في هذه البقعة من الأرض، إنما الله يعرف هذا بدون دراسة أو اختبار، لأنه هو الذي وضع البترول في هذا المكان.
أو مثلًا يكتشف الإنسان بالخبرة أن نباتًا بعينه مفيد لعلاج هذا المرض، إنما الله يعرف أن هذا النبات يصلح لعلاج ذلك المرض، لأنه هو الذي أعطى هذا النبات هذه الخاصية للشفاء، هو الذي وضع هذه الطبيعة فيه عندما خلقه، معرفة الله لا تُحد.
طبعًا هناك أشياء أخرى غير مسائل المعرفة والوجود في كل مكان وعدم التغيير.
الخالق
إن الله خالق وهذه صفة من صفات الله وحده، وكلمة خالق تعني أنه يكوّن شيئًا من العدم. أي إنسان مهما بلغ من العلم فهو مكتشف أو صانع وليس خالقًا، تقول إن الإنسان يصنع سُفنًا تصعد للفضاء، هذه صناعة واكتشاف وليست خلقًا؛ لأن كل هذه المصنوعات ما هي إلا مصنوعة من مواد خلقها الله قبل ذلك، وحتى هذا العقل الذي يفكر هو أيضًا من خلق الله، والمعرفة التي فيه هي التي وضعها الله فيه.
فالله خلق الإنسان بهذا العلم وهذه المعرفة والقدرة على الاكتشاف والاختراع، والصناعة، حتى المخلوقات التي تنمو بالولادة هي خليقة لله من الأصل.
ولذلك إذا وجدنا معجزة من معجزات المسيح تدل على أي صفة من هذه الصفات فهي تدل على لاهوته، في معجزة تحويل الماء إلى خمر خلق مادة جديدة لم تكن في طبيعة الماء وهي من مركبات الخمر، فتكوين المياه أكسجين وهيدروجين لكن الخمر فيها مركبات أخرى كثيرة، فيكون قد خلق مادة جديدة لم تكن موجودة وهذا دليل على لاهوته.
في معجزة الخمس خبزات والسمكتين خلق مادة لم تكن موجودة وهذا دليل على لاهوته، إن كان من الطين أوجد للمولود أعمى عينين كأنه خلق له بصرًا لم يكن موجودًا، فهذا أيضًا دليل على لاهوته.
لو طُبِّقَت هذه الصفات كلها على المسيح، فإنها تؤخذ كأدلة على لاهوته.
الله موجود في كل مكان عندما يقول: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ"(مت20:18)، تعني أنه موجود مع أي اثنين موجودين في أي قارة من قارات الأرض وأي جزء من هذه الأجزاء فيكون موجودًا في كل مكان، فهو موجود مع كل إنسان على الأرض. ويقول للص اليمين: "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ"(لو43:23).
ويقول: "إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً"(يو23:14)، حتى الخطاة: "هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي"(رؤ20:3)، فهو موجود يقرع على باب الخطاة، موجود في قلوب المؤمنين، موجود حيثما وُجد اثنان أو ثلاثة يجتمعون باسمه، موجود في الفردوس ومعه اللص اليمين، موجود عن يمين الآب، موجود في السماء وعلى الأرض فكل هذه تدل على لاهوته، نحن نأخذ هذه الصفات الخاصة بالله وحده ونطبقها في كل ناحية من نواحيها على المسيح فنثبت لاهوته.
كلي القوة والقدرة
هناك صفات خاصة بالله وحده وهذه تكلمنا عنها، وتوجد صفات يشترك فيها الله مع البشر أو مع بعض الملائكة ولكن موجودة عند الله بطريقة غير محدودة.
القوة مثلًا: من ضمن صفات الله أنه قوي وقادر، لكن الفرق بينه وبين خليقته أنه قادر على كل شيء Might تعني قوة، Mightyتعني أنه قدير أو قوي Almighty تعني كلي القدرة من (Al-might)، فالله كلي القدرة تعني أنه قادر على كل شيء، والكتاب يقول: "غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ"(لو27:18).. شهود يهوه يعتقدون أن المسيح إله قدير، ولكنهم لا يعتقدون أنه كلي القدرة على اعتبار أن كلي القدرة صفة من صفات الله وحده.
واهب الحياة ومصدرها
من ضمن الأشياء التي تدل على إن الله كلي القدرة الخلق، لأن عملية الخلق من العدم قدرة لا يستطيع أحد أن يفعلها، بل هي خاصة بالله وحده، كل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان الذي وصل إلى القمر وصنع الكمبيوتر وأشياء كثيرة هو الصنع أو الاستنتاج، إن الإنسان صانع وليس خالقًا، أو إن الإنسان مكتشف وليس خالقًا؛ أي يكتشف القدرة الموجودة في المادة ويصنع منها أدوية مثلًا، فيكون اكتشافًا وصنعًا وليس خلقًا، لا يستطيع أن يخلق دواءً، كل ما يصنعه الإنسان بكل قدرته أن يستخدم فيه المادة مثلًا لكنه لم يخلق المادة، إنما يكتشف القدرات الموجودة وهذه القدرات من صنع الله وحده.
إقامة الأموات
أيضًا من الأشياء التي تدل على إن الله كلي القدرة إقامة الأموات. ليس فقط إقامة الأموات الذين لهم أجساد أو ماتوا حديثًا، إنما الأموات الذين تحولوا إلى تراب وربما امتصَّتهم الأرض أيضًا، امتصَّت هذا التراب وعناصره. قدرة الله على إقامة الموتى تدل على أنه كلي القدرة، لأنه لا يستطيع مخلوق أيًّا كان أن يقيم الموتى، يندرج أيضًا إلى جوارها صفة أنه مُعطي الحياة أو واهب الحياة أو مصدر الحياة، هذه صفة من صفاته وحده، فهو الذي وهب الحياة الأولى عندما نفخ نسمة حياة في التراب فصار آدم نفسًا حية، وهو الذي يهب الحياة للموتى فيعودون إليها مرة أخرى. كل هذه من صفات الله كلي القدرة التي لا يستطيع أي إنسان أو ملاك أن يفعلها.
لقد أعطى الله في بعض أوقات الملائكة سلطانًا أن يُميتوا مثل ضربة الأبكار في مصر، وضربة أورشليم أيام داود لكن لم يعطِ ملاكًا على الإطلاق سلطة إحياء ميت، والذين أقاموا أمواتًا أقاموهم بقدرة الله وليس بقدرتهم، مثل إيليا عندما صلّى لإقامة ابن أرملة صرفة صيدا، فمنح الحياة وإقامة الموتى جزء من قدرة الله الفائقة للطبيعة.
صنع المعجزات
نقطة أخرى تدل على قدرة الله الكلية وهي صنع المعجزات والعجائب وهذه أيضًا ليست من قدرة بشر، والبشر الذين صنعوا معجزات صنعوها بقدرة الله فيهم وليس بقدرتهم الشخصية، فالله قادر على كل شيء بينما قدرة الإنسان محدودة، أيًا كان الإنسان قدرته محدودة.
لكن قدرة الله غير محدودة بدليل أن الإنسان – أحيانًا - يقف عاجزًا تمامًا أمام قوة الطبيعة ولا يقدر عليها، لا يستطيع أن يمنعها، ربما يعالج خسائرها لكنه لا يستطيع أن يمنعها.
لا يستطيع الإنسان أن يمنع الزلازل ولا البراكين، ولا الفيضانات التي تغرق بلادًا بأكملها.
لا يستطيع أن يمنع الكوارث التي تحدث عن ثقب الأوزون.
لا يستطيع أن يمنع الحرارة، ربما يعالج نتائجها لكن لا يقدر أن يمنعها، لا يستطيع أن يمنع البرودة، لا يستطيع أن يمنع الرياح، فهي تهب لكن يحاول أن يتفادى متاعبها.
لا يستطيع أن يمنع المطر أن ينزل لكن يحاول أن يتفادى نتائجه، فالإنسان قدرته محدودة أمام الطبيعة بكل أنواعها، هذه مجرد أمثلة.
والإنسان أيضًا ضعيف أمام الموت.
كل إنسان مهما كان قويًا، يكون ضعيفًا أمام الموت، قدرة الإنسان محدودة، هناك أمور لا يقدر عليها.
بل هناك أمراض، حتى الآن لا يعرف لها علاج، وقدرة الإنسان محدودة بالنسبة لها، ولذلك نلاحظ أن السيد المسيح في شفائه للأمراض كان يشفي الأمراض المستعصية التي لا يقدر عليها بشر، ابتدأ بأمراض بسيطة مثل شفاء حماة سمعان من الحُمَّى، "جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ"(لو40:4).
لكن الأمراض المستعصية مثل المولود أعمى أو صاحب اليد يابسة أو الأعرج أو أمراض فشل فيها الأطباء، مثل المجنون.
قدرة الله أيضًا على كل شيء، أو قدرة كلية على كل شيء، قدرة على الطبيعة والموت والأمراض والشياطين والملائكة.
قدرة الله ومشيئته
غير أن قدرة الله لا بدَّ أن تتفق مع مشيئته وقداسته..
أي لا يقدر أن يفعل خطية - هذا التعبير صدر من طفل له ذكاء - لكنه ليس حقيقيًّا لأن عمل الخطية ليس قدرة وإنما ضعف، معنى كلمة (يقدر أن يفعل خطية) أي (يكون ضعيفًا) يوجد تناقض بينهما، قدرة الله تتفق مع قداسته ومع مشيئته أيضًا.
يعني مثلًا الله قادر أن يفني الشيطان لكن ليس في مشيئته أن يفنيه الآن. الله قادر على إنهاء العالم لكن ليس في مشيئته أن ينهيه الآن: "لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ"(أع7:1).
كان الله قادرًا - عندما طردته مدينة السامرة - أن يُنزل نارًا من السماء فتحرق المدينة لكن لم يكن هذا الأمر يتفق مع مشيئته، قال لهم: "ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ"(لو56:9).
كان الله قادرًا أن يحول الحجارة خبزًا لكن لم تكن في مشيئته أن يحولها إلى خبز، الله قادر أن يصنع المعجزات إذا كان في مشيئته أن يفعل ذلك، لا بد أن تكون قدرة الله حسب مشيئته وأيضًا حسب قداسته.
في مسألة المشيئة مثلاً الله قادر أن يسيّر الإنسان نحو الخير لكنه لا يشاء هذا؛ لأنه منحه حرية الإرادة ويريد أن يسير الإنسان في الخير بحرية إرادته، الله يستطيع وقادر أن يمنع الشر كله من العالم ويجعل العالم بلا خطية لكن ليس في مشيئته أن يفعل هذا لأنه يريد أن يسلك العالم في البرّ بإرادته الحرة.
عدل الله
نقطة أخرى وهي عدل الله، حتى عندما أمر بحرق سدوم وعَمورة قال له أبو الآباء إبراهيم: "أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟"(تك25:18)، هو ديَّان الأرض كلها "سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ"(رو6:2)، ومجازاة كل واحد حسب أعماله نوع من عدل الله.
الله لا يجازي فقط كل واحد حسب أعماله؛ وإنما يجازي كل واحد أيضًا حسب إمكانياته وقدراته.
حسب ما لديه من قوة وفهم وذكاء وإرادة، يعني الإنسان فاقد الإرادة لا يحاسبه الله على عمله، مع أننا نطلب المغفرة على أعمالنا غير الإرادية (خطايانا غير الإرادية) على اعتبار أنها غير إرادية تحتاج إلى مغفرة، لكن الله يغفرها لأنها بدون إرادة.
وأيضًا العمل الذي يُعمَل بلا عقل الله لا يُحاسب عليه، فالإنسان فاقد العقل لا يُحاسَب، بل أيضًا يقول الكتاب في عدل الله: "كُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ، وَمَنْ يُودِعُونَهُ كَثِيرًا يُطَالِبُونَهُ بِأَكْثَرَ"(لو48:12)، فالله يحاسب الإنسان أيضًا على قدر ما عنده من معرفة وفهم، وعندما يحاسب الإنسان يفرق بين خطية الجهل وخطية الخيانة وخطية الخوف؛ فخطية بطرس في إنكار المسيح عن خوف ليست مثل خطية يهوذا التي كانت عن خيانة.
الله في عدله، يتفق عدله مع قداسته... لأن قداسة الله ضد الخطية فعدله يقف ضد الخطية، ومن عدل الله أن العقاب يكون على الأرض أو في السماء، أو في كليهما.
ليس معنى أن الله غفور أن يكون غير عادل، لأن عقيدة الفداء مرتبطة بعدل الله وقداسته، والله في عدله وفي مغفرته وفي معاقبته لا يستثني حتى الأنبياء؛ فقد عاقب موسى النبي وهو حبيبه، وقد عاقب داود النبي وهو حبيبه أيضًا وقد عاقب كثيرين من رجاله، فربنا في عدله يُطبِّق القانون على الكل ولا يستثني أحدًا، وقد يعاقب أحدًا على الأرض فقط إن كانت له توبة تعفيه من معاقبة السماء.
وتطبيق نظام التوبة على الكل.
فلو تاب الملحد يغفر له.
ولو تاب المجدّف يغفر له.
ولو تاب الخاطئ يغفر له.
عندما تابت نينوى غفر لها تمامًا مثل أي قديس أخطأ وتاب فغفر له، تطبيق المغفرة والعقاب بعدل الله على الجميع.. والذي لا يتوب لا يُغفر له مهما كان بدون مجاملة.
قد يقف البعض في مهاجمة عدل الله على اعتبار وجود تفاوت على الأرض.
فيوجد الغني والفقير والذكي والغبي، وهناك صاحب المواهب ومن ليست له مواهب، فيقول البعض: هل هذا يتفق مع عدل الله؟ هو يتفق مع العدل لأنه يحاسب كل واحد حسب مواهبه، من عنده مواهب يحاسب أكثر ممن ليس له.
الله يهمه بالأكثر أبدية الإنسان أكثر من حياته على الأرض، ليكن التفاوت موجودًا لكن المهم أن كل إنسان يؤدي دوره في الحياة بما يناسب الإمكانيات المعطاة له، مثل رواية بها ملك وساعٍ ووزير وطبيب وبواب، لكن من يُعتَبَر بطل الرواية هو الذي يتقن دوره حتى لو كان من الخدم في الرواية، المهم أن يتقن دوره.
كذلك الله يريد أن يتقن كل إنسان منا دوره في الحياة، ولا يهم وضعه أو مواهبه أو مركزه، إنما المهم هو إتقان الدور.
فمثلاً اسطفانوس الشماس هل ستكون مرتبته في الأبدية أقل من أي قس أو أسقف؟! هو أتقن دوره كشماس فأصبح قديسًا كبيرًا، يطلب شفاعته القسوس والأساقفة والبطاركة والباباوات، والجميع يطلبون شفاعته مع أنه شماس.
الله يحاسب كل واحد على حسب الإمكانيات المعطاة له.
من جهة عدل الله؛ في مثل الغني ولعازر كان يوجد تفاوت على الأرض بين غني وفقير، لكن عولج هذا الأمر في السماء، فالغني قيل له: "اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا. وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ"(لو25:16).
إذًا عدل الله يوازن بين نصيب الإنسان على الأرض وفي السماء..
فيكوّنان حصيلة واحدة متعادلة معًا، فالذي لم ينل شيئًا على الأرض سيتم تعويضه في السماء، ومَن ظُلِم على الأرض سيعوضه عدل الله في السماء.
ومن يعترض مثلًا على موقف أصحاب العاهات، كان أحد أعمى على الأرض هل سيبصر في السماء؟ وقد يكون أعمى على الأرض ويهبه الله مواهب أكثر من المبصرين مثل القديس ديديموس الضرير، لقد كان أعمى على الأرض لكن كانت له مواهب أكثر من المبصرين.
فالمقياس الذي على الأرض ليس هو فقط المقياس لأنه سيعوض بعدل الله في السماء وهذه يدخل فيها أصحاب العاهات والمعوقين وما إليهم.
نجاح الأشرار..!
من ناحية اللاهوت النظري تقف أمامنا المشكلة التي أثارها إرميا النبي حيث قال لله:
"أَبَرُّ أَنْتَ يَا رَبُّ مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ. لكِنْ أُكَلِّمُكَ مِنْ جِهَةِ أَحْكَامِكَ: لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟ اِطْمَأَنَّ كُلُّ الْغَادِرِينَ غَدْرًا" (إر1:12).
صحيح ينجحون على الأرض لكن لن ينجحوا في السماء، وحتى نجاحهم على الأرض نجاح مؤقت وممكن يعقبه جزاء على الأرض، وإن لم يأخذوا جزاءً على الأرض سيكون أبديًا فمحصلتهم على الأرض والسماء واحدة، وكما قال القديس أغسطينوس: "مثل النار والدخان، النار تظل في الأسفل والدخان يرتفع إلى فوق، لكن في ارتفاعه يتبدد أما النار فهي تظل في قوتها في المستوى الأسفل".
وكما قال الكتاب: "لاَ تَغَرْ مِنَ الأَشْرَارِ" (مز1:37 وأم19:24) لا تغر من الأشرار لأن لهم يوم سوف يحاسبون فيه، فالله أرسل لهم الوحي والرسل وأوجد التوبة وعمل الروح القدس وعمل النعمة وذلك بالنسبة لجميع الناس.
الفصل الثالث أسئلة عن الإلحاد والمعرفة
لا أحد يعرف الآب إلا الابن[1]
سؤال
قال السيد المسيح في (مت27:11): "لاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ.."، فهل نحن جميعًا نجهل الآب، وما رأيكم في كثيرين من آباء العهد القديم الذين رأوه في شكل رؤيا... وأيضًا قول إشعياء النبي: "رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَال وَمُرْتَفِعٍ.."(إش1:6)؟
الجواب
أولاً: هو لم يكمل الآية فالسيد المسيح قال: "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ"(مت27:11). ثم أن عبارة "رأيت الرب" في (إش1:6) لا تعني "رأيت السيد"، بل تعني "الرب الإله".
إن معرفة الابن للآب هي معرفة كاملة شاملة لا يمكن أن تتاح لأحد من البشر.. أما معرفتنا للآب هي معرفة على قدر طاقة الطبيعة البشرية في الاحتمال. ومع ذلك السيد المسيح يُعرّفنا بالآب، آخر آية في حديث الابن مع الآب يقول: "عَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ"(يو26:17).. والتي تعني: أنني عرَّفتهم شيئًا، وسأعرِّفهم أكثر... "وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ"، أي ليست المعرفة النظرية فقط؛ إنما المعرفة التي تقودنا إلى الحب الإلهي، وأيضًا تقودنا إلى الخشوع من ناحية الله.
ثم يقول في بداية إصحاح (يو17): "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ"(يو3:17). ما معنى هذا الكلام؟
أي: أنتَ وأنا وجميع البشر كلنا لنا عقلية محدودة لا يمكن أن تسع الله غير المحدود، نعرف بعض المعرفة لذلك بولس الرسول الرجل العظيم الذي صعد إلى السماء الثالثة، قال: "أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ.."(1كو12:13).
فإذًا لا نقل: "هل نحن جميعًا نجهل الآب؟"، لأن دائمًا السؤال الذي يُطرح بالطريقة المطلقة يكون عُرضة للخطأ، وأيضًا سيُفسر بهذا المعنى (إما نعرف الآب مثل المسيح، إما نجهله تمامًا؟)، وهذا نتيجة للطريقة المطلقة.
نحن نعرف الآب ولكننا نعرفه بعض المعرفة، وما نجهلهُ عن الآب أكثر مما نعرفه عنه، وأحيانًا تكون معرفتنا نظرية لا تدخل في نطاق الحب الإلهي، وفي نطاق السلوك الروحي. فهل تُسمَّى هذه معرفة؟
لقد فكرت أن أصدر لكم كتابًا عن "معرفة الله"، وأصوله موجودة عندي.. لكن ما زال أمامنا الكثير للوصول إلى هذه المعرفة.
أما الآباء الذين رأوا الرب في العهد القديم.
لقد رأوه في ظهورات معينة وليس في جوهره؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يرى الله في جوهرهِ ويعيش، والكتاب يقول: "لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ؟"(خر20:33)، وهذه الظهورات التي تستطيع الطبيعة البشرية أن تحتملها، لكن رؤية الرب في جوهره مستحيلة؟ وكتعليق على هذا الكلام وردت الآية في (قض13: 20 - 23) حينما ظهر ملاك الرب لمنوح والد شمشون وامرأته: "فَكَانَ عِنْدَ صُعُودِ اللَّهِيبِ عَنِ الْمَذْبَحِ نَحْوَ السَّمَاءِ، أَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ صَعِدَ فِي لَهِيبِ الْمَذْبَحِ، وَمَنُوحُ وَامْرَأَتُهُ يَنْظُرَانِ. فَسَقَطَا عَلَى وَجْهَيْهِمَا إِلَى الأَرْضِ. وَلَمْ يَعُدْ مَلاَكُ الرَّبِّ يَتَرَاءَى لِمَنُوحَ وَامْرَأَتِهِ. حِينَئِذٍ عَرَفَ مَنُوحُ أَنَّهُ مَلاَكُ الرَّبِّ"؛ أي أن الرب ظهر في هيئة هذا الملاك.
"فَقَالَ مَنُوحُ لامْرَأَتِهِ: نَمُوتُ مَوْتًا لأَنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا اللهَ"؛ مع أنهم لم يروه في جوهره إنما رأوه في صورة ملاك لكنه قال: نموت موتًا..! فامرأته هدَّأته وطيَّبت خاطره وقالت له: "لَوْ أَرَادَ الرَّبُّ أَنْ يُمِيتَنَا، لَمَا أَخَذَ مِنْ يَدِنَا مُحْرَقَة"، كانت أوسع قلبًا من منوح.. فهو قال: "نَمُوتُ مَوْتًا لأَنَّنَا رَأَيْنَا اللهَ"، بينما لم يرَ الله في جوهره.. إذًا معرفة الله في جوهره ليست سهلة.
في الأبدية يوسِّع الله من قلوبنا، ويوسع الله من عقولنا لنعرف عنه الأكثر، كلما نعرف أكثر تلتهب قلوبنا حبًّا وخشوعًا، وتمتلئ عقولنا معرفة ولا نستطيع أن نحتمل، نقول له: "يا رب كفانا كفانا غير قادرين أن نحتمل أكثر"، فيصبر الله علينا فترة حتى نهضم ما رأيناه من معرفة ونمتصها داخلنا، ثم يُفسِح لنا مجالًا أوسع من المعرفة حتى تحتمل طبيعتنا، صحيح أن طبيعتنا في الأبدية أكثر قدرة لكنها محدودة أيضًا، وكلما يمر علينا الوقت نعرف الله أكثر لكننا نظل محدودين..
إذًا متى نعرف الله كل المعرفة؟
هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك.
هذه الحياة الأبدية تعني: ما لا نهاية.. لن يحدث أننا سنعرف كل المعرفة. الله يعطي من معرفته على قدر ما تحتمل، وعلى قدر ما يلزم لك في روحياتك.. صدقوني، عندما نصلي ونقول: "خبزنا الذي للغد أعطنا اليوم"، أي أعطنا الخبز اللازم لأبديتنا وحتى لو قال: "خبزنا كفافنا"؛ أي "أعطنا يا رب على قدر ما نستطيع، لأنه لا نقدر أن نحتمل أكثر".
[1] سؤال من عظة السيدة العذراء ودوام بتوليتها جـ2، بتاريخ 29 مارس 1994م
مناقشة ملحد
مناقشة ملحد
السؤال
أحيانًا عند مناقشة أحد الملحدين يقول: إن كان هناك إله فلنطلب منه جنيهًا أو أي شيء فيعطيه لنا، فبماذا نجيبه؟[1]
الجواب
لو كان هذا السؤال فيه ذكاء كان يستحق الرد عليه.
وهل هذا الإله الموجود.. يتسلَّى معك لتطلب منه جنيهًا فيعطيه لك؟!
هل تقود أنت هذا الإله حسب إرادتك أم هو الذي يقودك؟! وربما تقول له: لن أومن بك إلا بعشرة جنيهات.
الإله هو القوة التي تدير الكون ولا يوجد كائن آخر يديره، والله أيضًا لا يتصرف إلا بحكمة... وإذا وجد الله أنك تحتاج إلى جنيه يعطيك عشرة جنيهات، بحكمة لاحتياجك لا للتسلية!
ولذلك السيد المسيح عندما طلب منه اليهود معجزة لأجل المشاهدة كان يقول: "جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ يَلْتَمِسُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ"(مت4:16)، الله لا يتصرف إلا بحكمة، وهو ليس أُلعوبة في يد البشر يصرِّفونه مثلما أرادوا، ويكفي أن الله أعطانا الهواء والنبات والشمس والمطر وكل ما في الطبيعة.
الله أعطانا الكثير، وبالإيمان نحن نأخذ منه كل هذه الهبات لكن ليس بأسلوب المساومة، لأن المساومة لا تتفق مع مشاعر البنوة ولا مع إيمان الشخص المؤمن بالله.
[1] سؤال من عظة "الإلحاد ووجود الله"، لقداسة البابا شنوده الثالث ألقاها في اجتماع الأسر الجامعية، بالأنبا رويس بتاريخ 12يوليو 1978م
الصلاة على الملحدين والمنتحرين
الصلاة على الملحدين والمنتحرين
السؤال
سمعت في عظة لقداستكم أنكم لا تصلُّون على الملحدين ولا المنتحرين، وأنا منذ حوالي عامين تحاربني أفكار إلحادية وشكوك، ولعدم خبرتي بالحروب الروحية في الطريق الروحي سقطت، وامتلأ عقلي بالشكوك وصار في فراغ بسبب الشك الذي أطاح بإيماني، وصرت عاجزًا عن الخروج من الشك ولم أجد مَن ينقذني ويُعرّفني الصواب والخطأ، وأب اعترافي قال: إني أؤمن بما في الكتاب المقدس ولم يرد على الشكوك باليقين، كيف تحل المشكلة؟
الجواب
الشكوك التي حاربتك في الإلحاد هي حروب خارجية وليست داخلية في إيمانك من الداخل، أما إذا كنت فعلًا لا تؤمن بوجود الله من كل قلبك؛ فمن الممكن أن تأتي لجلسة خاصة نناقش أفكارك ونصلح الشكوك التي دخلت إليك.
قل لنفسك: إذا كانت دولة مثل روسيا رجعت للإيمان بعد سبعين سنة من الإلحاد، نستنتج أنه كان إلحادًا خارجيًّا وليس إيمانًا بالإلحاد.
أرسل اسمك وعنوانك أو تليفونك لتحديد موعد لجلسة خاصة، وأنا أصدرت نبذة عن الإلحاد يمكن أن أرسلها لك.
من السهل دخول الشك إلى قلب الإنسان ولكن من الصعب الخروج منه، إلا أنه يوجد رد لكل تساؤل، حتى لو لم تعرف الرد ليس معناه أنه لا يوجد رد.
أما عن عدم الصلاة على الملحدين، فالملحد الذي لا يؤمن بوجود الله، ماذا ينتفع من الصلاة؟! هل نقول يا رب ارحمه وهو لا يعتقد بوجود الله؟! فلا بد أن يؤمن كي يستفيد من الصلاة، هل أنت تخاف أن تموت ولا يُصلَّى عليك؟! وماذا ستستفيد من الصلاة إذا كنت لا تؤمن بالحياة الأخرى ولا تؤمن بربنا؟! نراك إن شاء الله ونصلي من أجلك بدلًا من أن نصلي عليك.
تحاربني أفكار إلحاد
تحاربني أفكار إلحاد
السؤال
في بعض الأوقات تراودني بعض الأفكار الإلحادية وتسيطر عليَّ سيطرة تامة وأنا أخشى من نتائج الأفكار؟
الجواب
هذه محاربات من الشياطين، لكن أنت إنسان مؤمن مثلما قلت في خطابك، لا تهتم بهذه الأفكار، في كثير من الأحيان تحارب الشياطين الإنسان بأفكار إلحادية، واطلب من الله أثناء هذه الأفكار أن ينجيك منها، وردد أحد المزامير: "اَلَّلهُمَّ التَفِت إِلَى مَعُونَتِي، يَا رَب أَسْرِعْ وَأَعِنّي لِيَخْزَ وَيَخْجَلْ طَالِبُو نَفْسِي"(مز70).
أشكُّ في وجود الله
أشكُّ في وجود الله
السؤال
الشك في حياتي تطور ورَسَخ، وأصبح حقيقة في داخلي؛ شكٌّ في وجود الله وشكٌّ في الحياة الأخرى، وكل ما يتعلق بالدين ومع ذلك أعيش في الكنيسة وأخدم فيها ويعود الشك يتعبني مرة أخرى؟[1]
الجواب
الشك ربما يكون فقط محاربة من الشيطان يتعبك بها، وأنت لا توافق عليه، لكن مع ذلك الشك في وجود الله محاربة من الشيطان، لكن وجود الله ثابت على الأقل من مصنوعاته، فمتى حاربك الشك قل: مَن الذي خلق هذا الكون؟ ومَن وضع قوانين الفلك؟ ومَن نظم العلاقة بين الشمس والقمر، والشمس والأرض؟ ومَن الذي جعل النجوم تدور حول نفسها وحول الشمس من الغرب إلى الشرق بحركة موسيقية لطيفة دائرية جميلة؟
مَن الذي أوجد هذا النظام العجيب في الكون؟ وأوجد الحياة في الكون؟ لا يمكن أن تكون الطبيعة أو الناس..!
[1] سؤال من عظة "الرب قدس الموت بموته"، بتاريخ 4 أبريل1990م
قصة الخلق تخالف العلم
قصة الخلق تخالف العلم
السؤال
الأرض والعصور الجيولوجية التي تصل لآلاف السنين، هل تخالف قصة سفر التكوين أن الله خلق العالم في ستة أيام واستراح الله في اليوم السابع؟[1]
الجواب
الرد على هذا بسيط. الكتاب المقدس لم يقل مطلقًا إن أيام الخليقة أيام شمسية، أيامنا الشمسية تبدأ من شروق الشمس إلى شروقها مرة أخرى، أو من غروب الشمس إلى غروبها مرة أخرى، لكن أيام الخليقة ليست أيامًا شمسية بالدلائل الآتية:
أولًا: ذكر الكتاب "أن الشمس خُلقت في اليوم الرابع"(تك1: 18، 19). إذًا الأربعة أيام الأولى لم تكن أيامًا شمسية، لأن الشمس لم تكن موجودة.
ثانيًا: إن الكتاب لم يذكر عن اليوم السابع أنه انتهى، فقال: "كان مساء وكان صباح يومًا واحدًا يومًا ثانيًا... يومًا سادسًا" وبدأ اليوم السابع ولم ينتهِ حتى الآن وما زلنا نعيش هذه الآلاف كلها في اليوم السابع.
ثالثًا: في الإصحاح الأول تكلم عن الأيام السبعة، أما في الإصحاح الثاني من سفر التكوين فقال: "هذه مبادئ السماوات والأرض يوم خلق الله السموات والأرض" فعبر عنها بيوم واحد.
رابعًا: يقول الكتاب المقدس: "يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ"(2بط8:3).
نخرج من كل هذا إلى أن أيام الخليقة هي فترات زمنية غير محددة المدة قد تكون لحظة من الزمان، وقد تكون ملايين من السنين لسنا نعلم، لكن عُبّر عن هذه الفترات بعبارة (أيام) وعن بدايتها ونهايتها بعبارة (كان مساء وكان صباح يومًا واحدًا) ولكنها ليست من الأيام العادية كالأيام الشمسية، وهذا لا يتعارض أبدًا مع العصور الجيولوجية، حتى إن قالت مئات الآلاف من السنين أو ملايين وليس فقط ألف سنة.
[1] أسئلة من عظة (الإلحاد والتثليث والتجسد) بتاريخ 26 يوليو 1978م
حول معرفة المستقبل أو معرفة الغيب
حول معرفة المستقبل أو معرفة الغيب[1]
السؤال
في التعليم اللاهوتي لا يعرف المستقبل ولا يعرف الغيب، إلا الله وحده. فماذا نقول عن أشخاص ينبئون عن أشياء تحدث في المستقبل ويصدق قولهم؟! كذلك هل يمكن للشيطان أن يخبر عن أمور تحدث في المستقبل؟ وأيضًا ماذا عن النجم الذي أنبأ المجوس عن مكان المذود حيث وُلد الطفل يسوع (أقصد دلَّهم عليه)؟
الجواب
لا يعرف الغيب أو المستقبل إلا الله وحده. ولكن البشر قد يعرفون شيئًا، بطريق الاجتهاد وليس اليقين. بواسطة الذكاء أو الفراسة أو العلم.
1- فعلماء الأرصاد قد ينبئون عن يوم مطير، أو يوم حار. ويحدث هذا فعلًا عن طريق رصدهم – بأجهزتهم - لرياح محمَّلة ببخار الماء، أو رياح قادمة من منطقة حارة جافة.
وقد يقول الطبيب المعالج لمريض في حالة خطرة، إنه لم يعد له في الحياة سوى يومين أو ثلاثة على الأكثر ثم يموت. ويحدث هذا فعلًا، عن طريق متابعته لسير المرض وعدم القدرة على إيقاف نتائجه المتوقعة. هذا علم، وليس نبوءة بالمستقبل أو معرفة الغيب.
كذلك قد يقول مدرس قبل موعد الامتحان بفترة أن تلميذًا ما سيرسب. وذلك لمعرفته بالمستوى الضعيف جدًّا لهذا التلميذ. ويرسب التلميذ فعلًا. ويكون هذا توقعًا لحالة ملموسة، لا بد أن تنتهي إلى هذه النتيجة. ولا تكون تلك نبوءة أو معرفة بالمستقبل.
2-إن النبوءة أو المعرفة بالمستقبل تختص بأمور خارجة عن نطاق الفراسة والاستنتاج والذكاء والنتائج العلمية. وتكون بوحي من الله لأحد من أنبياء الله أو من خاصته المقربين.
أما إذا قال أحد خبراء السياسة أن دولة بعينها، إن دخلت الحرب ضد دولة أخرى معينة، فسوف تنهزم.. فلا تكون هذه نبوءة، وإنما دراية سياسية.
كذلك ما يتوقعه رجال العلم من حدوث براكين أو زلازل أو سيول في مناطق معينة، ويحدث ذلك فعلًا، فلا يكون هذا لونًا من معرفة الغيب. لأنه ليس غيبًا بالنسبة إليهم، إنما هو حقيقة علمية معروفة، بناء على دراسات تؤدي إلى نفس النتيجة.
وبنفس المنطق ما يقوله بعض رجال الزراعة عن موعد الإثمار أو النضوج لأشجار أو نباتات معينة، ويتم هذا في حينه، فلا تكون هذه نبوءة، بل هو علم.
3-أما الذين يدَّعون معرفة الغيب، كضارب الرمل، أو قارئ الفنجان، أو فاحص الكف، أو عارف المستقبل عن طريق الأبراج والنجوم وما أشبه، فكل ذلك ادِّعاء وليس نبوءة.
وكثير من هؤلاء يتكلمون عن عموميات، أعني أمورًا يمكن أن تصادف أي إنسان، دون تحديد. فإن حدث شيء منها، يكون عن طريق الصدفة. كأن تقول لك (قارئة الفنجان): أمامك شخصان أحدهما طويل والآخر قصير، احترس من أحدهما فهو يريد أن يضرك..!
كذلك من جهة الأبراج يقدمون لملايين الناس من اثني عشر برجًا. أي أن عشرات أو مئات الملايين ينطبق عليها حظ واحد.
ففي مصر مثلًا أكثر من ستين مليونًا. فهل كل خمسة ملايين تقريبًا، لهم حظ واحد في نفس اليوم؟! على الرغم من اختلاف الظروف والعقليات، واختلاف العمر..!
ومن جهة النجوم صَدَق المثل القائل: كذب المنجمون ولو صدقوا.
أما عن النجم الذي قاد المجوس، فلم يكن نجمًا حقيقيًّا.
ولا كان المجوس من المنجمين..
وقد شرح القديس يوحنا ذهبي الفم هذا الأمر بوضوح في تفسيره لإنجيل متى. فقال: "إن نجم المجوس كان قوة مُرسَلَة من الله لهدايتهم، ولم يكن نجمًا طبيعيًّا"؛ ذلك لأن النجم العادي يتحرك من الغرب إلى الشرق. أما نجم المجوس فكان آتيًا من الشرق إلى الغرب، من بلاد الفرس إلى الأراضي المقدسة. كذلك كان نجم المجوس يقف حينًا ويتحرك حينًا آخر حسب سياسة معينة. فقد وقف عند دخولهم أورشليم لأخذ معلومات من هيرودس أو الكتبة والفريسيين، وتحرك لما غادروا أورشليم.
أيضًا وقف النجم حيث كان الصبي. لأنه لو بقى في علوه كسائر النجوم، لما عرفوا موضع المذود، فالكواكب والنجوم نراها فوقنا حيثما كنا دون أن تشير إلى مكان معين.
لذلك فإن الله تبارك اسمه، لما رأى طيبة قلب المجوس وحسن نيتهم، وهم علماء في الفلك، اجتذبهم بقوة من عنده على هيئة نجم عظيم في بهائه، غريب في تحركه، فجذبهم إليه حتى رأوا الرب يسوع. من أجل هذا، فإنه في رجوعهم لم يشأ إرشادهم بنجم، بل في حلم لأن مستواهم الروحي كان قد ارتفع بعد أن أخذوا بركة رؤية المخلص...
- أما عن الشيطان ومعرفته كروح فلنا على ذلك ملاحظات:
أ. هو كروح له شفافية أكثر من البشر، ومعرفة أكثر لا يعوقها ضباب من جسد كما يحدث مع الإنسان. فهو يمكن أن يستنتج من ملامح الإنسان ومن نبرات صوته ومن نظرات عينيه، ما يمكن أن يكون داخله من فكر أو نية، وذلك استنتاج فقط.
ب. كذلك يعرف ما يُدخِله هو في عقل الإنسان من أفكار، بعضها حروب أو إغراءات.. وإن كان القديس بولس الرسول قال عن الشيطان: "لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ"(2كو11:2)، فمن باب أولى هو أيضًا قد لا يجهل أفكارنا. ليس كفاحص للقلوب والأفكار! حاشا. بل هو استنتاج فحسب.
نقطة أخرى نقولها من جهة السؤال عن معرفة الشيطان للمستقبل.
ج. هناك أشياء قد يقولها الشيطان عن المستقبل. ولا تكون بالنسبة إليه في حكم المستقبل، بل في حكم الماضي.
فقد يقول لك: سيصلك خطاب في البريد بعد يومين مثلاً فيه كذا وكذا ويصدق هذا الأمر. ولكن في الحقيقة يكون هو قد رأى هذا الخطاب وقت كتابته وحسب مدة إرساله في البريد وقال إنه سيصل بعد يومين بما فيه من أخبار. وكان ذلك في حكم الماضي بالنسبة إليه..
وقد يقول لك فلان مريض بكذا، وأدخلوه مستشفى كذا، ويكون هذا صدقًا، ولكنه ليس غيبًا، إنما هو واقع رآه. والفرق بينك وبينه في هذه المعرفة، هو أنه روح خفيف (أصله ملاك، يمكن أن يتحرك في لمح البصر - حسب طبيعته - من مكان إلى مكان، ويخبر بأمور آتية، تكون بالنسبة إليه أمورًا ماضية).
وما يدركه الشيطان بهذا الأسلوب، يمكن أن يُوحَى به لبعض البشر (من أعوانه غالبًا، ومن يريد ضمهم إليه) فلا تظن كلامهم نبوة.
بهذا الأسلوب وبغيره، سوف يساعد ضد المسيح الـAnti Christ الذي سيأتي في آخر الزمان، ويؤيده "بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ، وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ، فِي الْهَالِكِينَ"(2تس2: 9، 10).. فالشيطان لا يعرف من المستقبل إلا ما يمكنه استنتاجه، أو ما يراه في الماضي القريب آتيًا، ويخبر به أنه سيأتي...
د. ومع ذلك قد لا يصح ما يقوله الشيطان وتكون (معرفته) غير يقينية.
فالخطاب الذي قال إنه سيصل قد لا يصل ويضيع في البريد، والمسافر الذي قال إنه سيأتي، قد تعوقه أسباب عن المجيء بعد أن بدأ إجراءاته.. فإما أن يخجل الشيطان، وإما أن ينبئ بأسباب التعطيل! والخاطئ الذي قال إنه سيذهب إلى الجحيم قد يتوب في آخر يوم في حياته، كاللص اليمين. أما معرفة الأنبياء، فهي بالوحي، وليست بالاستنتاج أو التخمين. كذلك هي معرفة يقينية تتم كما يقولون.
[1] سؤال وجواب لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 5 ديسمبر1997م
حَول الهندسة الوراثية
حَول الهندسة الوراثية[1]
السؤال
نرى بعض العلماء يتحكَّمون في النسل وتشكيله بما يسمونه (الهندسة الوراثية). فهل تصرفهم هذا يؤثر على الدين، وعلى إيماننا بقدرة الله كخالق؟!
الجواب
إنهم يلجأون إلى طريقة التهجين للحصول على أصناف معينة.
كما يحدث في تهجين الحيوانات للحصول على أصناف جديدة أقوى. أو ما يحدث في تطعيم أصناف من النباتات بأصناف أخرى للوصول إلى أنواع أكثر جودة. ولكن الخطورة مع هؤلاء أنهم بدأوا في تطبيق نفس النظرية العلمية على الإنسان.
إنهم يختارون حيوانات منوية من رجال بصفات خاصة، يخصِّبون بها بويضات من نساء لهن صفات خاصة، للوصول إلى نوعية من البشر بطريقة أطفال الأنابيب.. ويمكن أن يحتفظوا في متحفهم بالبويضات المخصَّبة من كل الأنواع: فيها الأبيض والأشقر والأسمر والأسود والطويل والقصير.. وفيها التي تتصف بصفات معينة كالذكاء والفن والشعر والموسيقى. أو التي تتَّصف بقوة الشخصية أو بالحكمة أو الإرادة أو الروح المرحة أو الروح الجادة.
ويتركون لمن تأتي إليهم من النساء الحرية في اختيار البويضة المخصَّبة التي تريدها لكي تزرع في رحمها. كأن تقول أريد ولدًا أبيض، طويل القامة، أشقر الشعر، عينيه خضراوين. ويكون ذكيًّا ومرحًا وإداريًّا!!
وطبعًا هذا كله ضد الدين، وضد علم الأسرة والاجتماع. ويظهر فيه كبرياء الإنسان وغروره.
1- ففي هذا الموضوع يفقد الشخص هويته وانتماءه His Identity.
فلا يعرف مَن هو أبوه الحقيقي؟ ومَن هي أمه صاحبة البويضة المخصَّبة، وإن كان يعرف الأم الحاضنة التي لا دخل لها في نسبه، والتي ربما لا تتصف بشيء من صفاته وأيضًا لا يعرف ما هو جنسه، وما هو أصله، وما هو موطنه!!
2- يدخل في رحم المرأة ما لا يحق دخوله شرعًا.
لأنه حتى لو كانت البويضة من نفس المرأة، لا يجوز من الناحية الدينية أن تخصَّب بحيوان منوي ليس من زوجها الشرعي.. فكم بالأولى لو كانت حتى البويضة ليست لها.
وهنا نسأل بأي حق تصير أمًّا. وقد قامت مشكلات في بلاد الغرب بين الأم صاحبة البويضة، والأم التي احتضنت البويضة في رحمها، وولدت وأرضعت..!
3- غرور من الإنسان أن يتدخل في تشكيل الطبيعة البشرية.
إن كان قد تدخل في الحيوان والنبات، فإن الإنسان ذا الطبيعة العاقلة الناطقة، ليس له أن يتدخل في عقليته ومواهبه وشكله وطبيعته عمومًا... وليس له أن يدعي أنه يمكنه الحصول بذلك على تكوين الإنسان المثالي الذي تشتهيه الأجيالSuper man ، وأن يُغرِق العالم بأصناف منه أو من غيره، أو جيل من الأغبياء، أو من أصحاب المواهب..!!
إن مشكلة برج بابل التي عاقب الله عليها (تك11: 1- 9) هي أخف بكثير مما يفعله أصحاب نظرية الهندسة الوراثية باسم العلم!!
4- ومع كل هذا، فما يفعله هؤلاء العلماء هو من باب الصناعة وليس الخلق.
فهم لا يستطيعون أن يخلقوا حيوانًا منويًّا واحدًا، ولا بويضة بشرية واحدة. إنما هم يتصرفون فيما خلقه الله من الحيوانات المنوية والبويضات.
كذلك هم لا يستطيعون أن يوجِدوا حيوانات منوية لها صفات خاصة من المواهب، إنما يأخذونها كما هي بما وضعه الله فيها من مواهب ثم يحاولون أن يتعاملوا معها علميًّا. وكذلك مع البويضات.
5- كذلك تتداخل في عملياتهم نواحٍ من الإجهاض.
وذلك بخصوص البويضات المخصَّبة، التي تُهمَل، أو لا يجدونها صالحة للاستعمال أو التي تباد في بعض العمليات.
6- كذلك عملياتهم ضد قدسية الزواج.
لأنهم يخصبون أي بويضة من أي حيوان منوي، بدون أي رابطة شرعية أو دينية بينهما، وحتى بدون مبدأ الإيجاب والقبول.
وكأنهم إن حصلوا على أبناء يكون جميعهم أبناء غير شرعيين.
7- وهم أيضًا يتدخلون في الطبيعة البشرية، ويتحكمون في الجينات، وفي الهرمونات والكروموسومات، ويشكلونها حسبما يريدون.
8- ونحن لا نعرف مصير ما يفعلون.
إن الأجيال المقبلة هي التي ستحكم على نتائج كل تلك العمليات. فما أسهل أن يبدو نجاح ظاهري في بعض العمليات، ويثبت المستقبل كارثة لا ندري مداها...
9- هنا ونسأل سؤالًا أخطر:
ماذا لو ازداد غرور العلماء أو حبهم للاستطلاع في إنتاج أنواع من البشر دخلت في تركيبتهم أنواع من الحيوانات؟
في الواقع، إن الأمر يحتاج من الدول أن تسن قوانين لمنع التمادي في حب الاستطلاع هذا. ولا يُترَك العلم إلى لون من التسيب يقف فيه ضد الدين، وقوانين الأسرة والمجتمع والأخلاق.
[1] من كتاب سنوات مع أسئلة الناس لقداسة البابا شنوده الثالث- "أسئلة لاهوتية وعقائدية ب".




