معالم الطريق الروحي جاء المسيح يحمل رسالة حب

معالم الطريق الروحي
جاء المسيح يحمل رسالة حب1
أخوتي الأحباء مسلمين ومسيحيين يسرني أن أهنئكم من عمق قلبي بعيد الميلاد المجيد. راجيًا لكم ما فيه من بركة ومن فاعلية. شاكرًا كل مشاعركم الطيبة التي أعتز بها أحب أن أقول لكم فيه:
إن السيد المسيح قد جاء إلى العالم يحمل له رسالة حب. وكانت محبته محبة عملية، قيل فيها أنه كان يجول يصنع خيرًا (أع10: 38) نعم. كان المسيح في العالم حبًا متجسدًا. كان “يطوف المدن والقرى يكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب: (مت4: 23). كان يشبع كل أحد من حبه ومن حنانه. ويوفي حاجة الكل جسدًا وعقلًا وروحًا.
كان المسيح منبع عطاء دائم. يعطي الكل. وكل من اتصل به، أخذ منه شيئًا، أخذ من محبته معرفة أو شفاء أو حلًا لمشاكله، و حلاً أو حلًا من خطاياه أو نعمة خاصة… وقيل في محبته أيضًا أنه: “كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم حتى المنتهى” (يو13: 1). وقد ركز السيد المسيح في وصاياه على المحبة وجعلها العلامة التي تميز تلاميذه عن أهل العالم… وقال في ذلك “بهذا يعلم الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضكم نحو بعض” (يو13: 35)، وقال أيضًا “وصية جديدة أنا أعطيكم. أن تحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم” (يو13: 34).
وعلمنا السيد المسيح أن المحبة هي أعظم وصية في وصايا الله: فلما سأله أحدهم: ما هي أعظم وصية في الناموس: أجابه بأنها المحبة. فالوصية الأولى هي أن تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك. والثانية مثلها وهي أن تحب قريبك. (مت32: 36- 40). والمقصود بالقريب هو كل أخ لك في البشرية ثم قال “بهذا يتعلق الناموس كله والأنبياء” أي أن كل وصايا الله التي وردت في الشريعة وفي كل أقوال الأنبياء. تتركز في المحبة.
فما هما هذان العنصران الأساسيان لهذه الوصية العظمى أي المحبة.
محبة الله لنا…
الوصية الأولى هي أن تحب الله. ونحن نحب الله، لأنه أحبنا أولًا (1يو4: 19). لقد أحبنا الله قبل أن نوجد، وبهذا الحب أوجدنا ولعل إنسانًا يسأل: كيف أحبنا الله قبل أن نوجد. وقبل أن نوجد كنا عدمًا. فهل أحب الله العدم؟
كلا. إنما نحن قبل أن نوجد ككيان حي. كنا في عقل الله فكرة. وفي قلبه مسرة. الله لا يجد عليه شيء. وكل شيء واضح أمامه المستقبل كالماضي… فصورتنا كانت أمام الله منذ الأزل قبل أن نكون. كانت في فكره وفي إرادته وفي قلبه. إلى أن أخرجها حسب مشيئته الصالحة في الوقت الذي اختاره.
لذلك كان الخلق عملًا من أعمال محبة الله ومن جوده. الله كان وحده منذ الأزل. كان هو الحب الأزلي لذلك قيل إن الله محبة (1يو4: 8) … وكان الله مكتفيًا بذاته. ما كان محتاجًا مطلقًا إلى وجودنا. ولكنه أوجدنا كرمًا منه وحبًا. وقبل أن يخلقنا خلق الملائكة، وكان الملائكة يعيشون في حب… كان الحب هو لغة الملائكة ولغة السماء… إن الملائكة لا يختلفون مطلقًا لأن الحب يربطهم. وصدق ذلك القديس الذي قال إنه لو اجتمع عشرة آلاف ملاك يكون لهم جميعهم رأي واحد. ولكن إذا اجتمع عدد قليل من البشر فقد يختلفون. ولكن الأمر منذ البدء لم يكن هكذا…
فالإنسان حينما خلقه الله عاش في حب. عاش آدم وحواء معًا في حب، بل جمعهما الحب حتى مع الوحوش، كان آدم يعيش مع الوحوش وما كان يخافهم، ما كانوا يعتدون عليه. ولا هو يعتدي عليهم. بل كان يرعاهم ويهتم بهم. ويناديهم بأسماء. وقد جمعته بهم الألفة والعيشة المشتركة وبنفس الوضع والحب، عاش أبونا نوح في الفلك…
كان يعيش مع الوحوش في حب. هو الذي أدخلهم معه إلى الفلك. وعاش معهم يهتم بهم ويرعاهم ويأنس لهم إلى أن أخرجهم إلى الأرض. فإن كان هذا قد حدث مع أبوينا آدم ونوح. فكم تكون إذن علاقة البشر بالبشر… وكلهم أولاد آدم وحواء. وكلهم أولاد نوح؟!
المحبة إذن هي الوضع الأصيل في العالم، وكل ما يخالفها هو شيء دخيل ما كان يعرفه العالم قبل الخطية. كل بغضة. وكل كراهية. وكل الأذى والحروب والانقسامات. كلها أمور دخيلة على العالم. إن الله لم يخلق العالم هكذا… وكما أن المحبة هي البداية، كانت أيضًا هي النهاية… فعندما ينتهي هذا العالم… ونذهب إلى السماء. إلى النعيم الأبدي. إلى ملكوت الله. سوف لا يوجد هناك سوى الحب. ولا توجد بغضة على الإطلاق في ملكوت السماء.
وهكذا إذا ساد الحب على الأرض، تتحول الأرض إلى سماء. وستكون المحبة هي مقياس الدينونة في السماء. سينظر الله إلى كل أعمالنا. ويستخرج ما فيها من حب ويكافئنا عليه. أما باقي أعمالنا فسيطرحها كسقط المتاع. وما يتنافى مع الحب لله والناس سيكون سبب دينونة.
الله اظهر محبته في عملية الخلق وتظهر محبة الله أيضًا في رعايته لهذا الكون كله.
إنه يشبع كل حي من رضاه، حتى الدودة التي تدب على الأرض أو تحت حجر. يرزقها الله قوتها. كما يعطي قوتًا لطيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن. ولكن الله بمحبته يقوتها (مت6: 36) وكذلك زنابق الحقل يلبسها الله ملابس جميلة مزخرفة. “ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها” (مت6: 29).
كم بالأولى تكون محبة الله للبشر وعنايته بهم، حتى للذين ينكرونه، إن الله يرسل رزقًا حتى للملحدين الذين ينكرون وجود الله. ويعطي حياة حتى للمجدفين على اسمه القدوس… يعطي فرصة توبة للكل… لعل محبته هو تخجل جحودهم! هذه هي محبة الله. فبأي روح قابلنا نحن محبة الله!
محبتنا لله
ولعلني في هذا أسأل كل إنسان هل أحببت الله كما أحبك؟ بل هل عرفت الله حتى تحبه؟ وهل عاشرت الله؟ وهل ذقته؟ هل ذقت حلاوة العشرة معه والثبات فيه؟
وكمثال أحب أن أقول: في صلاتك. في حديثك مع الله. هل تشعر بهذا الحب؟ أم صلاتك مجرد كلام أو مجرد تلاوات؟
أنظر إلى داود النبي يقول في مزاميره “محبوب هو اسمك يا رب فهو طول النهار تلاوتي” (مز119) ويقول أيضًا “يا الله أنت إلهي إليك أبكر. عطشت نفسي إليك. تشتاق نفسي إليك. كما تشتاق الأرض العطشانة إلى الماء” (مز63: 1).
هل لك هذا الحب في صلاتك؟
قد تكون صلاتك طويلة، لكنها بلا حب تصل إلى الله. وأقدم لك في ذلك مثال لمبة الكهرباء … ربما تكون هذه اللمبة جيدة الصنع جدًا وقوية في درجتها. ومع ذلك إذا لم تكن متصلة بالكهرباء لا تعطي نورًا ولا تفيد شيئًا. كذلك الصلاة هي مجرد صلة بالله كما يوحي اسمها… بدون صلة حب لا تحسب صلاة…إن الدين ليس هو مجرد ممارسات ولا هو مجادلات فكرية. وإنما هو حب نحو الله والناس، الدين هو رحلة إلى قلب الله، تمر في طريقها على قلوب الناس، الدين هو إحساس بمحبة الله لك. ومبادلته هذا الحب.
والمحبة هي الرباط المقدس الذي يربط الناس بالله. إنها جوهر الدين. والله يريد أن يعلمنا الحب، لكيما نحبه ونحب كل أحد.
محبتنا للناس
لا نستطيع أن نصل إلى محبة الله إن لم نمارس محبتنا للناس. فالكتاب يقول: إن كنت لا تحب أخاك الذي تراه، فكيف تحب الله الذي لا تراه؟! (1يو4: 20) وهكذا لابد أن نعبر على محبة الناس في طريقنا إلى اقتناء محبة الله والمحبة يتدرج فيها كل إنسان: يحب أولًا أمه التي ترضعه. ثم يحب أباه وكل أقاربه. ثم يحب جيرانه ومعارفه وأصدقائه وأقاربه. إلى أن يصل إلى محبة العشيرة الوطن. ثم يتدرج الإنسان إلى محبة البشرية كلها، ثم محبة الله ومحبة سمائه وملائكته ووصاياه وملكوته… وفي المحبة يخرج من نطاق الحرفية إلى الروح إلى الحب.
والمحبة تلد في القلب عديدًا من الفضائل. تلد الثقة. والتعاون. والعطاء. والبذل. والصداقة. والتضحية والفداء. والسلام مع الجميع. والمحبة هي الخروج من الذات إلى الغير، بحيث تنسى نفسك وتذكر غيرك. تخرج من (الأنا). ولا تعيش داخل ذاتك، إنما داخل قلوب الناس تحيا لأجل غيرك، وترى خيرة من خيرك. فتحب الخير، وتحب الغير.
وكما قال الكتاب أن “المحبة لا تطلب ما لنفسها” (1كو13: 5) إنها المحبة التي تحب الكل بلا استثناء. حتى الأعداء. كما علمنا السيد المسيح “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم” (مت5: 44) وقال في ذلك أيضًا: “إن أحببتم الذين يحبونكم، فأي أجر لكم؟ … وإن سلمتم على إخوتكم فقط، فأي فضل تصنعون؟! (مت5: 46، 47) … إن الخطاة أيضًا يفعلون هكذا. أما الإنسان الكامل، فهو الذي يحب الكل حتى الذي يبغضه. إنها محبة بلا مقابل… محبة للكل. حتى للخطاة. لأنه إن لم تحب الخطاة. فكيف يمكن أن تقودهم إلى التوبة؟ ولكن لعل البعض يسأل: كيف أحب إنسانًا لا توافقني صداقته. وعلى هذا السؤال يجيب القديس يوحنا ذهبي الفم فيقول: “من لا توافقك صداقته، لا تتخذه لك عدوًا”… والإنسان المحب يفضل غيره على نفسه. كما قال الكتاب “مقدمين بعضكم بعض في الكرامة” (رو12: 10) لذلك لا تزاحم الناس في طريق الحياة…وإن زاحمك أحد:
قل لمن يعدو ويجري سابقًا يا صديقي قف قليلًا وانتظر
نحن صنوان يعيشان معًا أنا في حضنك مل أيضًا لحضني
والذي يحب يعرف أن البشرية كلها جسد واحد –إن تألم عضو. تتألم معه باقي الأعضاء –والذي يحب يطلب بركة كل أحد. ودعاء كل أحد. وكما قال القديس الأنبا أنطونيوس “اجعل كل أحد يباركك” والذي يحب لا يخاصم أحدًا… وإن خاصمه أحد يبذل كل ما في وسعه ليصنع معه صلحًا. وفي ذلك يقول السيد المسيح: “من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فأترك له الرداء أيضًا. ومن سخرك ميلًا، فامش معه ميلين” (مت5: 40، 41) والسيد المسيح جاء من أجل هذا الصلح ليصلح ما بين الإنسان والله. والمحبة تحتاج إلى تواضع القلب، يستطيع به أن يفضل غيره على نفسه وينسى حقوقه لكي يحقق ما يطلبه الآخرون. ويفضل كرامة غيره على كرامته. أما الإنسان المرتفع القلب فإنه لا يستطيع أن يصنع حبًا مع الآخرين.
إن النخلة كلما ارتفعت إلى فوق… يبعد عنك جناها… والمحبة تحتاج إلى حكمة. وقد قال الكتاب في ذلك “رابح النفوس حكيم” (أم11: 30). والمحبة من صفاتها أن تبذل. وأن تعطي. وأعظم ما في البذل. أن يبذل الإنسان ذاته لأجل غيره. وكما قال الكتاب “ليس حب أعظم من هذا أن يبذل أحد نفسه عن أحبائه”.
المحبة التي تبذل…
انظر إلى الشجرة. إنها تبذل كل طاقاتها، لكي تصنع ثمرًا كله لك. إنها رمز لمن يحيا لأجل غيره… فعملها كله هو أن تعطيك. تعطيك ثمرها. وتعطيك ظلها. وتنقل حياتها إليك. ولا هدف لها من كل نموها سوى إسعادك. وحتى إن قطعتها ويبست. تقدم خشبها اليابس لك. لأجل منفعتك حسبما تشاء.
العجيب أننا نأكل ثمرة الشجرة، وننسى ما فيه من رمز والرمز هو العطاء الدائم، رمز لمن يتعب لكي يريح غيره. ومن يعمل ليستفيد غيره من عمله وانتاجه.
إنها رمز لمن تحيا لأجل غيره لا لأجل نفسه، ولكننا للأسف ننظر إلى الشجرة بعيون لا تبصر. لا تبصر الرمز الروحي بسبب انشغالها بالنفع المادي، كذلك النحلة لها نفس الأسلوب في ما تقدمه لك من شهد، إن كل عملها. وكل نشاطها. وكل تدبيرها الحكيم وكل انتاجها هو من أجلك أنت. هي تتعب وأنت تأتي لتأكل من ثمرة تعبها شهدًا. هي تعد لك طعامًا لكي تأخذه جاهزًا بكل سهولة تأخذ من فيها كل ما فيها.
نفس الوضع بالنسبة إلى الشمس والقمر والكواكب والنجوم، إنها أمثلة من العطاء المستمر تقدمه لنا الطبيعة التي تقدم لنا الحرارة والنور، دون أن نطلب. وبدون مقابل. وللكل. دون أن تسأل هل هذا يستحق عطاءها أم لا يستحق. وبدون جهد تبذله. بل هي تعطي، ولا تشعر أنها تعطي. فالعطاء طبيعة فيها، بدون تكليف، وبدون جهد تبذله، وحتى حينما يختفي عنك ضياؤها. إنما يكون ذلك لكي تعطيك راحة ونومًا.
هكذا يا أخوتي. فلنتعلم دروسًا من الطبيعة. هي دروس الحب، وهذا الحب أوجده الله لنا في أمثلة كثيرة: في الطبيعة التي هي أنشودة حب… وفي الأمومة والأبوة. وفي البنوة أيضًا. وفي الزواج. وفي الصداقة. وفي كل العمل الاجتماعي.
فلنعش إذن بالحب. وليكن الحب هو حياتنا، وهو شعارنا، وهو أسلوبنا في التعامل مع الكل…
وفي مناسبة هذا العيد. أحب أن أعبر باسمكم عن محبتنا لأخواتنا المسلمين. أحييهم في هذا اليوم. إنهم إخوتنا. بل هم لحمنا ودمنا وعظامنا. قلوبنا مفتوحة لهم جميعًا، يعيشون فينا ونحن فيهم. وأيدينا مبسوطة لهم جميعًا.
أهنئهم وأهنئكم ببداية هذا العام الجديد. راجيًا لكم جميعًا عامًا مباركًا سعيدًا مملوءًا بالحب والتعاون.
وأشكر الرئيس حسني مبارك الذي دبر لكم فرحة هذا اليوم…
كونوا جميعًا بخير، آمين.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 13-1-1985م




