مصادر القانون الكنسي

مصادر القانون الكنسي[1]
أول مصدر للقوانين الكنسية هو الكتاب المقدس. ثم بعد ذلك مجموعات القوانين التي وضعها الآباء الرسل. والمجامع المقدسة. ومعلمو الكنيسة الكبار. ثم أيضًا ما وصل إلينا عن طريق التقليد. وما ورد ضمنًا في طقوس الكنيسة. وسنحاول أن نتناول كلا من هذه المصادر بالتفصيل. وكنا قد تكلمنا قبلًا عن قوانين الرسل وقوانين المجامع المقدسة، وقوانين الآباء الكبار.
هناك أمور هامة وضع فيها الكتاب المقدس قواعد معينة صريحة. وهذه لا يمكن للكنيسة أن تغيرها أو أن تضع أية قوانين تتعارض معها. فسلطان الحل والربط الممنوح للكنيسة، هو سلطان داخل تعاليم الكتاب المقدس. ولذلك يقول القديس بولس الرسول “إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أو مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا” أي محروم (غلا8:1).
1- وكمثال لتشريع الكتاب المقدس ما ورد بخصوص الزواج والطلاق. فالزواج هو رابطة إلهيّة، كما هو مفهوم من قول الرب في الكتاب: “الَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ” (مت6:19) والله يجمع طرفي الزواج عن طريق الكنيسة، عن طريق خدامه “وُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ..” (1كو1:4)
وهكذا لا تعترف الكنيسة بالزواج المدني مثلًا، لأن السلطات المدنية هي التي ربطته وليس الله.
وقد جعل الكتاب هذه الرابطة المقدسة، رابطة الزواج مدى الحياة فقال: “الْمَرْأَةَ الَّتِي تَحْتَ رَجُل هِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ بِالرَّجُلِ الْحَيِّ. وَلكِنْ إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَقَدْ تَحَرَّرَتْ مِنْ نَامُوسِ الرَّجُلِ فَإِذًا مَا دَامَ الرَّجُلُ حَيًّا تُدْعَى زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُل آخَرَ ” (رو2:7-3).
ورابطة الزواج التي هي مدى الحياة، أمر الرب في كتابه المقدس أنها لا تنحل إلا بسبب الزنى.
وهناك أربعة شواهد في الإنجيل المقدس تثبت هذا التشريع وهي (مت32:5) (مت9:19) (مر11:10) (لو18:16) ولنضرب مثلًا لذلك بما ورد في إنجيل متى “مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي” (مت9:19).
وهذه الآية تدل دلالة صريحة على عدم السماح بتعدد الزوجات.
لأنه لو كان تعدد الزوجات مسموحًا به في المسيحية، لاعتبرت الزيجة الثانية شرعية وليست زنى، مهما كان سبب الطلاق شرعيًا أو غير شرعي. ولكن لأن المسيحية لا تسمح بأن يجمع الرجل بين زوجتين، لذلك قيل أيضًا في إنجيل مرقس في نفس المعنى “مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي عَلَيْهَا” (مر11:10).
وكل الآيات التي وردت في الإنجيل عن الزوجة كانت بالمفرد.
فيقول الرب: “مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا” (مر8،7:10)، والزوجة الثانية هي جسد ثالث يدخل بين هذين الاثنين ليفرقهما ليكوّن وحدة مع أحدهما – انظر مبدأ الجسد الواحد في كتابنا شريعة الزوجة الواحدة في المسيحية.
ونلاحظ في (مت29:19) أن ما يقبل الجمع ذكره الكتاب بالجمع. وما لا يمكن أن يكون إلا مفردًا، ذكره الكتاب بالمفرد، كالأب والأم والزوجة وفي ذلك يقول الرب: “كُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتًا أو إِخْوَةً أو أَخَوَاتٍ أو أَبًا أو أُمًّا أو امْرَأَةً أو أَوْلاَدًا أو حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي… يَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ” (مت29:19) ونفس المعنى في (لو26:14).
والكتاب المقدس صرح أيضًا بإمكانية تفريق الزوجين في حالة اختلاف الدين…
فقد قيل: “وَلكِنْ إِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيُفَارِقْ. لَيْسَ الأخ أو الأُخْتُ مُسْتَعْبَدًا فِي مِثْلِ هذِهِ الأَحْوَالِ” (1كو15:7).
والكتاب المقدس يذكر حالات لموانع الزواج بسبب القرابة.
وذلك في قائمة طويلة وردت في (لا6:18-18). وكل هذه الأمور التي ذكرها الكتاب المقدس، لا تستطيع الكنيسة مطلقًا أن تتجاوزها أو تغيّرها، مهما كان لها من سلطان الحل والربط.
2- الكتاب المقدس أيضًا قد وضع شرائع بخصوص الأساقفة والقسوس والشمامسة وخدمة الأرامل والعذارى في الكنيسة. وذلك حسبما وردت في (1تي3) (تي1) مع نصوص أخرى خاصة بالكهنوت في مواضع متعددة.
3- كذلك وضع نصوصًا خاصة بالمعمودية وباقي أسرار الكنيسة.
مثلما ورد عن المعمودية في (مر16:16) (أع38:2) (غلا27:3) (يو5،3:3) (أع16:22) (تي5:3) (رو3:6-6) وكذلك ما ورد عن سر المسحة المقدسة في (1يو2: 20) وعن سر مسحة المرضى في (يع5) وعن سر الاعتراف في (مت6:3) (أع18:19) كل هذه قوانين نسير بمقتضاها، ولا نملك لها تغييرًا.
4- والكتاب المقدس وضع قوانين في الحياة الروحية والاجتماعية.
وفي عناصر متعددة لا نستطيع هنا أن نحصيها. ولكن يكفي أن نقول إن الكتاب المقدس، ليس هو فقط المصدر الأول للقوانين الكنسية، وإنما هو أيضًا الميزان الدقيق الذي توزن به باقي مصادر القوانين.
كتب الطقوس
كتب الطقوس هي مصدر آخر من مصادر القوانين، لأنه إن كانت مجموعات القوانين، تذكر نصوص هذه القوانين نظريًا، فإن كتب الطقوس تشرح الممارسة العملية لقوانين إما هي مذكورة في تلك المجموعات أو قوانين يمكننا أن نستنتجها من الطقوس.
ونحن ننظر إلى الطقوس الثابتة كقوانين نلتزم بها.
مثال ذلك الطقوس الخاصة ببناء الكنائس، والطقوس الخاصة بأسرار الكنيسة المقدسة، والطقوس الخاصة بصلوات معينة، مثل اللقان، ومباركة البيوت الجديدة، وتكريس العذارى والراهبات والرهبان. بل نستطيع من كتب الطقس أن نستخرج قوانين ربما هي غير مكتوبة في كتب القوانين. يمكننا مثلًا أن نفهم اختصاصات كل رتبة من رتب الخدمة الكنسية مما ورد في طقس السيامة الخاص بهذه الرتبة. ويمكننا أن نفهم فاعلية كل صلاة طقسية مما يحويه طقس هذه الصلاة.
فالرتب الكهنوتية مثلًا، نفهم الكثير عنها من وضع اليد والنفخة المقدسة، والنطق، والصلوات، والوصية. بل إن الملابس الكهنوتية ذاتها، تصحب كل منها صلاة تحوي معنى معينًا قد لا يوجد في كتب القوانين.
إن غالبية الطقوس الثابتة هي قوانين كنسية وصلت إلينا بالتسليم العملي، ولا تنقص في شيء عن القوانين التي وصلت إلينا مكتوبة.
ولعلنا نقول إن الطقوس هي قوانين أقدم، مارستها الكنيسة عمليًا قبل أن ترسلها مكتوبة إلى الكنائس. وكانت الطقوس والقوانين تتمشى معًا في إطار واحد. فعندما كانت الكنيسة تستخدم نظامًا معينًا في العقوبات الكنسية، كان طقس بناء الكنائس وأقسامها يحوي ما يدل ويتوافق معها.
وكما أن الطقوس تعطي الوضع العملي للقوانين، كذلك تاريخ الكنيسة يقدم لنا الصورة العملية للقوانين.
تاريخ الكنيسة
ولا نقصد التاريخ الحافل بالأخطاء، إنما نقصد التاريخ الخاص بالقديسين، والخاص بالكنيسة في عصورها المقدسة.
هذه السوابق التاريخية الممتازة تعتبر أمثلة من القوانين منفذة.
تاريخ البابوات مثلًا، وتاريخ البطاركة القديسين في كنائس أخرى، مثل القديسين يوحنا ذهبي الفم، والقديس أمبروسيوس، والقديس باسيليوس الكبير. هذا التاريخ يعطينا فكرة واضحة عن اختصاصات البابا أو البطريرك وسلطته، بصورة عملية تفصيلية، ربما لم ترد في كتب القوانين. وإن كانت بعض أقوال الآباء اعتبرت قوانين، مثل قوانين البابا تيموثاوس الإسكندري. فإن تصرفات هؤلاء الآباء إنما هي صدى لقوانين غير مكتوبة أو شرح تفصيلي لما ورد في القوانين بطريقة مجملة.
كل هذا يعطينا فكرة عن مصادر القوانين الكنسية، وكيف أنها تتسع لكي تشمل أمورًا عديدة أكثر من مستوى النصوص، ولذلك يمكن أن تكون من مصادرها أيضًا: التقاليد.
كما أننا نقول إن تعاليم الرب لكنيسته لم تكتب كلها، ووصلت إلينا عن طريق التقليد كذلك نقول إن تعاليم الآباء الرسل القديسين لم تكتب كلها وإنما وصلت إلينا بالمثل عن طريق التقليد، أي أن جيلًا يسلم تراثه كله لجيل آخر. وذلك كما قال القديس بولس الرسول. “.. وَأَمَّا الأُمُورُ الْبَاقِيَةُ فَعِنْدَمَا أَجِيءُ أُرَتِّبُهَا” (1كو34:11) ولم يذكر الكتاب كيف رتب بولس الرسول تلك الأمور الباقية. ولكن هذا الترتيب بلا شك وصل إلينا عن طريق تقاليد الكنيسة أو طقوسها.
كذلك قال القديس يوحنا الرسول: “إِذْ كَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ، لَمْ أُرِدْ أَنْ يَكُونَ بِوَرَق وَحِبْرٍ، لأَنِّي أَرْجُو أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ وَأَتَكَلَّمَ فَمًا لِفَمٍ” (2يو12) (3يو14،13) ولم يذكر لنا الكتاب هذه الأمور التي لم يشأ هذا القديس العظيم أن يكتبها مفضلًا أن يتكلم فيها فمًا لفم. ولكن لعلها قد وصلت إلينا عن طريق التقليد أو عن طريق الطقوس.
إن قوانين الكنيسة تظهر قبل كل شيء في حياة الكنيسة.
ننظر إلى حياة الكنيسة، في عصورها السليمة، وفي طقوسها وفي تقاليدها، فنعرف ما هي قوانين الكنيسة، ولعل من الأمثلة العملية الواضحة في جيلنا: الدستور البريطاني. إنه ليس دستورًا مكتوبًا، إنما هو الحياة الدستورية التي تعيشها بريطانيا.
إذًا على دارس القانون الكنسي أن يكون مثقفًا دينيًا من نواح متعددة، ولا يكتفي بمجرد نصوص القوانين.
فكما يدرس القوانين الكنسية في مجموعاتها المعروفة، التي شرحناها في مقالنا الأول، كذلك ينبغي أن يكون دارسًا للكتاب المقدس، ولطقوس الكنيسة، وتاريخها، وتقاليدها ومن كل هذا التراث مجتمعًا يستخرج المفهوم القانوني الكنسي لأية مسألة من المسائل.
1- الملاحظة الأولى: هي فهم روح القانون. وليس مجرد الاقتصار على نصه.
وهنا يلزم الشرح إلى جوار النص. وبعض كلمات تحتاج إلى تفسير: مثل كلمة digamy وهل معناها الزيجة الثانية أم الجمع بين زوجتين، وبنفس الأسلوب أيضًا كلمة polygamy هل معناها تعدد التزوج بعد الترمل، أم تعدد الزوجات.
2- ينبغي فهم القوانين المؤقتة وتمييزها عن القوانين الثابتة.
فمثلًا عندما انتشرت بدعة ماني وبدع المونتانيين: من حيث تجريم اللحم وتحريم الخمر، صدر أحد القوانين الكنسية – لمحاربة هذه البدع – بأن يأكل المؤمنين لحمًا ويشربوا خمرًا في الأعياد، ليثبتوا أنهم ضد تلك البدع، ولما انتهى زمان تلك البدع، انتهى أيضًا العمل بذلك القانون، الذي كان مجرد قانون مؤقت لمقاومة بدعة، ولم يكن قانونًا ثابتًا دائمًا.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 12-7-1987م





