مصادر القانون الكنسى

القوانين الكنسية
مصادر القانون الكنسى
أول مصدر للقوانين الكنسية هو الكتاب المقدس.. ثم بعد ذلك مجموعات القوانين التي وضعها الآباء الرسل، والمجامع المقدسة.. ومعلمو الكنيسة الكبار.. ثم أيضاً ما وصل إلينا عن طريق التقليد.. وما ورد ضمناً في طقوس الكنيسة.
وسنحاول أن نتناول كلأ من هذه المصادر بالتفصيل..
الكتاب المقدس:
هناك أمور هامة وضع فيها الكتاب المقدس قواعد معينة صريحة.. وهذه لا يمكن للكنيسة أن تغيرها أو أن تضع أية قوانين تتعارض معها. فسلطان الحل والربط الممنوح للكنيسة، هو سلطان داخل تعاليم الكتاب المقدس.. ولذلك يقول القديس بولس الرسول “إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم به فليكن أناثيما” ]أى محروماً[ (غل8:1).
1- وكمثال لتشريع الكتاب المقدس ما ورد بخصوص الزواج والطلاق.. فالزواج هو رابطة إلهية، كما هو مفهوم من قول الرب في الكتاب “ما جمعه الله لا يفرقه إنسان” (مت 6:19)، والله يجمع طرفي الزواج عن طريق الكنيسة، عن طريق خدامه “وكلاء سرائر الله” (1كو1:4).
وهكذا لا تعترف الكنيسة بالزواج المدني مثلاً، لأن السلطات المدنية هي التي ربطته وليس الله.
وقد جعل الكتاب هذه الرابطة المقدسة، رابطة الزواج، مدى الحياة، فقال “المرأة التي تحت رجل، هي مرتبطة بالناموس بالرجل الحي. ولكن إن مات الرجل، فقد تحررت من ناموس الرجل. فإذن مادام الرجل حياً تدعى زانية إن صارت لرجل اخر” (رو3،2:7). ورابطة الزواج التي هي مدى الحياة، أمر الرب في كتابه المقدس أنها لا تنحل إلا بسبب الزنى.
وهناك أربعة شواهد في الإنجيل المقدس تثبت هذا التشريع وهي (مت32:5)، (مت9:19)، (مر11:10)، (لو18:16). ولنضرب مثلاً لذلك بما ورد في إنجيل متى “من طلق إمراتة إلا بسبب الزنى، وتزوج بأخرى يزني” (مت9:19).
وهذه الآية تدل دلالة صريحة على عدم السماح بتعدد الزوجات. لأنه لو كان تعدد الزوجات مسموحاً به في المسيحية، لاعتبرت الزيجة الثانية شرعية وليست زنى، مهما كان سبب الطلاق شرعياً أو غير شرعي. ولكن لأن المسيحية لا تسمح بأن يجمع الرجل بين زوجتين، لذلك قيل أيضاً في إنجيل مرقس في نفس المعنى “من طلق إمراته وتزوج بأخرى يزني عليها” (مر11:10).
وكل الآيات التي وردت في الإنجيل عن الزوجة كانت بالمفرد.. فيقول الرب “من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بإمراته، ويكون الاثنان جسدا واحدا” (مر8،7:10 ). والزوجة الثانية هي جسد ثالث يدخل بين هذين الإثنين ليفرقهما ليكون وحدة مع أحدهما. أنظر مبدأ الجسد الواحد في كتابنا شريعة الزوجة الواحدة في المسيحية.
ونلاحظ فى (مت29:19) أن ما يقبل الجمع ذكره الكتاب بالجمع، وما لا يمكن أن يكون إلا مفرداً ذكره الكتاب بالمفرد، كالأب والأم والزوجة وفى ذلك يقول الرب “كل من ترك بيوتاً أو أخوة أو أباً أو أماً أو إمرأة أو أولادا أو حقولاً من أجل أسمى.. يرث الحياة الأبدية” (مت29:19)، ونفس المعنى في (لو26:14).
والكتاب المقدس صرح أيضاً بإمكانية تفريق الزوجين في حالة اختلاف الدين:
إن قيل “ولكن إن فارق غير المؤمن فليفارق. ليس الأخ أو الأخت مستعبداً في مثل هذه الأحوال” (1كو15:7).
وفى الكتاب المقدس حالات لموانع الزواج بسبب القرابة..
وذلك في قائمة طويلة وردت في (لا6:18-18).
وكل هذه الأمور التي ذكرها الكتاب المقدس، لا تستطيع الكنيسة مطلقاً أن تتجاوزها أو تغيرها، مهما كان لها من سلطان الحل والربط.
2- الكتاب المقدس أيضاً قد وضع شرائع بخصوص الأساقفة والقسوس والشمامسة وخدمة الأرامل والعذارى في الكنيسة. وذلك حسبما وردت في (1تى2)، (1تى5)، (تى1) مع نصوص أخرى خاصة بالكهنوت في مواضيع متعددة.
3- كذلك وضع نصوصاً خاصة بالمعمودية وباقي أسرار الكنيسة. مثلما ورد عن المعمودية في(مر6:16)، (أع 38:2)، (غل27:3)، (يو5،3:3)، (أع 16:22)، (تى5:3)، (رو3:6-6).
وكذلك ما ورد عن سر الافخارستيا في (1كو11)، (يو6). وما ورد عن سر المسحة المقدسة في (1يو7،20). وعن سر مسحة المرضى في (يع5).
وعن سر الاعتراف في (مت 6:3)،(أع18:19). كل هذه قوانين نسير بمقتضاها، ولا نملك لها تغييراً.
4- والكتاب المقدس وضع قوانين في الحياة الروحية والاجتماعية. وفى عناصر متعددة لا تستطيع هنا أن نحصيها. ولكن يكفي أن نقول إن الكتاب المقدس، ليس هو فقط المصدر الأول للقوانين الكنسية، وإنما هو أيضا الميزان الدقيق الذي توزن به باقي مصادر القوانين.
كتب الطقوس:
كتب الطقوس هي مصدر أخر من مصادر القوانين، لأنه إن كانت مجموعات القوانين، تذكر نصوص هذه القوانين نظرياً، فإن كتب الطقوس تشرح الممارسة العملية لقوانين إما هي مذكورة في تلك المجموعات أو قوانين يمكننا أن نستنتجها من الطقوس.
ونحن ننظر الى الطقوس الثابتة كقوانين نلتزم بها. مثال ذلك الطقوس الخاصة ببناء الكنائس، والطقوس الخاصة بأسرار الكنيسة المقدسة، والطقوس الخاصة بصلوات معينة، مثل اللقان ، ومباركة البيوت الجديدة ، وتكريس العذارى والراهبات والرهبان.
بل نستطيع من كتب الطقوس أن نستخرج قوانين ربما هي غير مكتوبة في كتب القوانين.
يمكننا مثلاً أن نفهم اختصاصات كل رتبة من رتب الخدمة الكنيسة مما ورد في طقس السيامة الخاص بهذه الرتبة. ويمكننا أن نفهم فاعلية كل صلاة طقسية مما يحويه طقس هذه الصلاة. فالرتب الكهنوتية مثلاً، نفهم الكثير عنها من وضع اليد والنفخة المقدسة، والنطق، والصلوات، والوصية. بل إن الملابس الكهنوتية ذاتها، تصحب كل منها صلاة تحوي معنى معيناً قد لا يوجد في كتب القوانين.
إن غالبية الطقوس الثابتة هي قوانين كنسية وصلت إلينا بالتسليم العملي.. ولا تنقص في شيء عن القوانين التي وصلت إلينا مكتوبة. ولعلنا نقول إن الطقوس هي قوانين أقدم، مارستها الكنيسة عملياً قبل أن ترسلها مكتوبة إلى الكنائس. وكانت الطقوس والقوانين تتمشى معاً في إطار واحد. فعندما كانت الكنيسة تستخدم نظاماً معينا في العقوبات الكنسية، كان طقس بناء الكنائس يتمشى مع قوانين العقوبات، من حيث خوارس الكنيسة وأقسامها.
وكما أن الطقوس تعطى الوضع العملي للقوانين، كذلك تاريخ الكنيسة يقدم لنا الصورة العملية للقوانين.
تاريخ الكنيسة:
ولا نقصد التاريخ الحافل بالأخطاء، إنما نقصد التاريخ الخاص بالقديسين، والخاص بالكنيسة في عصورها المقدسة. هذه السوابق التاريخية الممتازة تعتبر أمثلة من القوانين منفذة.
تاريخ البابوات مثلاً، وتاريخ البطاركة القديسين في كنايس أخرى، مثل القديس يوحنا ذهبي الفم، القديس أمبروسيوس، والقديس باسيليوس الكبير..
هذا التاريخ يعطينا فكرة واضحة عن اختصاصات البابا أو البطريرك وسلطته، بصورة عملية تفصيلية، ربما لم ترد في كتب القوانين.
وإن كانت بعض اقوال الآباء اعتبرت قوانين.. مثل قوانين البابا تيموثاوس السكندري. فإن تصرفات هؤلاء الأباء إنما هي صدى لقوانين غير مكتوبة أو شرح تفصيلي لما ورد في القوانين بطريقة مجملة.
كل هذا يعطينا فكرة عن مصادر القوانين الكنسية، وكيف أنها تتسع لكى تشمل أموراً عديدة أكثر من مستوى النصوص.. ولذلك يمكن أن تكون من مصادرها أيضاً: التقاليد.
تقاليد الكنيسة:
كما أننا نقول إن تعاليم الرب لكنيسته لم تكتب كلها، ووصلت إلينا عن طريق التقليد، كذلك نقول إن تعاليم الأباء الرسل القديسين لم تكتب كلها، وإنما وصلت إلينا بالمثل عن طريق التقليد، أي أن جيلاً يسلم تراثه كله لجيل أخر، وذلك كما قال القديس بولس الرسول:
“وأما الأمور الباقية، فعندما أجي أرتبها” (1كو34:11). ولم يذكر الكتاب كيف رتب بولس الرسول تلك الامور الباقية. ولكن هذا الترتيب بلا شك وصل إلينا عن طريق تقاليد الكنيسة أو طقوسها. كذلك قال القديس يوحنا الرسول “إذا كان لي كثير لأكتب إليكم، لم أرد أن يكون بورق وحبر، لأنى أرجو أن أتى إليكم وأتكلم فمأ لفم” (2يو12)(3يو14،13)، ولم يذكر لنا الكتاب هذه الأمور التي لم يشأ هذا القديس العظيم أن يكتبها مفضلاً أن يتكلم فيها فمأ لفم . ولكن لعلها قد وصلت إلينا عن طريق التقليد أو عن طريق الطقوس.
إن قوانين الكنيسة تظهر قبل كل شيء في حياة الكنيسة.
ننظر إلى حياة الكنيسة، في عصورها السليمة، وفى طقوسها وفى تقاليدها، فنعرف ما هي قوانين الكنيسة.
ولعل من الأمثلة العلمانية الواضحة في جيلنا: الدستور البريطاني. إنه ليس دستوراً مكتوباً، إنما هو الحياة الدستورية التي تعيشها بريطانيا.
إذن على دارس القانون الكنسي أن يكون مثقفاً دينياً من نواح متعددة.. ولا يكتفى بمجرد نصوص القوانين. فكما يدرس القوانين الكنسية في مجموعاتها المعروفة، كذلك ينبغي أن يكون دارساً للكتاب المقدس، ولطقوس الكنيسة، وتاريخها، وتقاليدها.
ومن كل هذا التراث مجتمعاً يستخرج المفهوم القانوني الكنسي لأية مسألة من المسائل.
ملاحظتان:
1- الملاحظة الأولى: هي فهم روح القانون. وليس مجرد الاقتصار على نصه..
وهنا يلزم الشرح إلى جوار النص. وبعض كلمات تحتاج الى تفسير: مثل كلمة dlgamy وهل معناها الزيجة الثانية أم الجمع بين زوجتين.. وبنفس الأسلوب أيضاً كلمة polygamy هل معناها تعدد التزوج بعد الترمل، أم تعدد الزوجات.
2- ينبغي فهم القوانين المؤقتة وتمييزها عن القوانين الثابتة.
فمثلا عندما انتشرت بدعة مأني وبدع المونتانيين : من حيث تجريم اللحم وتحريم الخمر، صدر أحد القوانين الكنسية لمحاربة هذه البدع بأن يأكل المؤمنون لحماً ويشربوا خمراً في الأعياد ، ليثبتوا أنهم ضد تلك البدع، ولما انتهى زمان تلك البدع ، انتهى أيضا العمل بذلك القانون ، الذى كان مجرد قانون مؤقت لمقاومة بدعة، ولم يكن قانوناً ثابتاً دائماً.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة والثلاثون (العددان 5 ،6) 6-3-2009م



