مشتركين في احتياجات القديسين، عاكفين على إضافة الغرباء.

مشتركين في احتياجات القديسين، عاكفين على إضافة الغرباء[1]
“مُشْتَرِكِينَ فِي احْتِيَاجَاتِ الْقِدِّيسِينَ عَاكِفِينَ عَلَى إِضَافَةِ الْغُرَبَاءِ” (رو12: 13)
من الأشياء الجميلة في الكتاب أن يُسمَى الفقراء بالقديسين.
فلم يقل “مشتركين في احتياجات الفقراء”، بل قال “فِي احْتِيَاجَاتِ الْقِدِّيسِينَ”. وهكذا في حديثه عن المرأة الفاضلة التي تُقبَل كأرملة في الكنيسة، قال إنها تكون قد: “اضَافَتِ الْغُرَبَاءَ، غَسَّلَتْ ارْجُلَ الْقِدِّيسِينَ، سَاعَدَتِ الْمُتَضَايِقِينَ” (1تي5: 10). على الأقل على اعتبار أن كل هؤلاء من المؤمنين المدعوين قديسين (رو1: 7).
وهناك عبارة كانت مشهورة في العصر الرسولي وعصور الشهداء وهي: “إذا لم يكن لك ما تعطيه لهؤلاء القديسين، فصُم وقدم لهم طعامك”.
والسيد المسيح حينما تكلم عن احتياجات هؤلاء، اعتبرهم كشخصه تمامًا، فقال: “لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ” (مت25: 35، 36). وفسر ذلك بقوله:
“بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ” (مت25: 40).
وهكذا دعاهم إخوته. ولذلك نقول عن الفقراء أنهم “إخوة الرب”. فأنت حينما تشترك في إعانة هؤلاء الفقراء في احتياجاتهم، تكون كمن يخدم السيد المسيح نفسه، وما تعطيه لهم، إنما تعطيه للمسيح تمامًا.
وبهذا ينبغي أن نعطي الفقراء في احترام لهم، وليس في ازدراء:
وعطاؤنا لهم، ينبغي أن يكون نتيجة لمحبتنا لهم. فأنت تحب هؤلاء، لذلك تشترك في احتياجاتهم. فالعطاء ليس فضيلة مستقلة قائمة بذاتها، إنما هي صادرة عن الحب. والعطاء بغير حب، ليس هو العطاء الروحي كما تعلمنا المسيحية.
لاحظوا التعبير الرقيق في قوله “مُشْتَرِكِينَ فِي احْتِيَاجَاتِ الْقِدِّيسِينَ”.
فلم يسمه صدقة ولا إحسانًا، وإنما هي شركة…!
فالفقير له شركة شرعية في مالك، على الأقل له العشور.
فحينما تعطيه، إنما تعطيه من حقه الشرعي الذي له، كشريك… وحينما تعطيه، إنما تعطيه باعتبار كما – أنت وهو – شريكين في جسد واحد، هو جسد المسيح، وأنتما معًا عضوان فيه. إنها شركة البنوة لله، وشركة العضوية في الكنيسة الواحدة.
ومن الجائز أن عبارة “مُشْتَرِكِينَ فِي احْتِيَاجَاتِ الْقِدِّيسِينَ”، تؤخذ بمعنى آخر:
“مُشْتَرِكِينَ فِي احْتِيَاجَاتِ الْقِدِّيسِينَ“، يمكن أن تطلق على الرهبان مثلًا.
فالرهبان قديسون. وهم فقراء قد نذروا الفقر. فأي شيء يقدم لهم أو للأديرة، هو اشتراك في احتياجات القديسين، وبخاصة الأديرة الفقيرة، أو الأديرة التي تحتاج إلى إنفاق، أو التي مصروفاتها أكثر من إيراداتها…
وقديمًا لم تكن للأديرة أوقاف. وكان الرهبان يعيشون من محبة إخوتهم الذين في العالم، أو من عمل أيديهم. وكنا نسمع عن أراخنة كانوا يعمرون أماكن في الأديرة… يشتركون في بناء قلال أو سور، أو أنهم يرسلون أطعمة للرهبان – ولعل من الأديرة التي ليست لها أوقاف أو أملاك حاليًا: أديرة الراهبات…
عبارة “مُشْتَرِكِينَ فِي احْتِيَاجَاتِ الْقِدِّيسِينَ” يمكن أن تشمل أيضًا كل العاملين في كرم الرب، من الإكليروس وسائر الخدام.
لأن كلمة قديس – لغويًا – تعني الشخص المفرز أو المخصص للرب. فالإكليروس والخدام قد أفرزوا لخدمة الرب (أع13: 2).. والكتاب يقول: “أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الأَشْيَاءِ الْمُقَدَّسَةِ مِنَ الْهَيْكَلِ يَأْكُلُونَ؟ الَّذِينَ يُلاَزِمُونَ الْمَذْبَحَ يُشَارِكُونَ الْمَذْبَحَ. هَكَذَا أَيْضًا أَمَرَ الرَّبُّ: أَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُونَ” (1كو9: 13، 14).
والرسل خدام الكلمة، أرسلهم الرب “بِلاَ كِيسٍ وَلاَ مِزْوَدٍ” (لو22: 35)، “لأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ طَعَامَهُ” (مت10: 10). فكان المؤمنون يشتركون في احتياجات هؤلاء القديسين.
يدخل أيضًا “في احتياجات القديسين”: خدمة القرى كمثال:
فالخدام الذين يخدمون القرى، ويسافرون في افتقاد اخوتهم، وينفقون على السفر وعلى احتياجات الخدمة من جهة وسائل الايضاح والصور والهدايا وما إلى ذلك… يحتاجون بلا شك إلى مصروفات، تدخل في “احْتِيَاجَاتِ الْقِدِّيسِينَ”… يكفي أن الله منحهم موهبة خدمة الكلمة… فالذين لا يخدمون الكلمة، عليهم أن يقوموا بالصرف على الذين يخدمون…
ويدخل في هذا المجال أيضًا، من يخدمون في حقول الكرازة:
مثلًا الخدمة في أواسط أفريقيا وجنوبها، أولئك الذين خرجوا للكرازة بلا كيس ولا مزود، لكي يؤسسوا كنائس في كينيا وزامبيا وزيمبابوي، وأوغندا وتنزانيا والكنغو وناميبيا وجنوب أفريقيا… أليس من الواجب أن نشترك جميعًا في احتياجات هؤلاء القديسين، لتستمر الخدمة وتُبنَى الكنائس، ويُنفَق عليها وعلى خدامها.
وما نقوله عن الكرازة في أفريقيا، نقوله أيضًا عن البرازيل وغيرها.
يوصيكم الرسول أن تشتركوا في “احْتِيَاجَاتِ الْقِدِّيسِينَ”، في احتياج الكرازة إلى شراء أراضٍ وعقارات، في تشييد كنائس وبناء أماكن للاجتماعات، وفي دفع مرتبات للقسوس والشمامسة وفي شراء عربة للافتقاد، وبناء مستشفى أو مستوصف لخدمة المرضى، وأيضًا ما يلزم للخدمة الاجتماعية في تلك المناطق البعيدة الفقيرة.
أنا أعرف أنكم تفرحون بامتداد الخدمة والكرازة وإنشاء الكنائس…
ولكن أسأل: ماذا قدمتم للاشتراك في احتياجات القديسين؟!
إنني أعلم تمامًا أن الله ينفق على خدمته. وما دعوتي لكم إلا لكي تشتركوا في نوال البركة، بالمساهمة في العمل الصالح… لقد كان بإمكان الله أن يبني الهيكل بغناه هو، وبأن يفتح له كوى السماء. ولكنه شاء أن يشترك الشعب في دفع النفقات قائلين للرب: “مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ!” (1أي29: 14). وفرح الشعب بما قدموه.
عبارة “مُشْتَرِكِينَ فِي احْتِيَاجَاتِ الْقِدِّيسِينَ” تشمل أيضًا الكنائس الفقيرة.
توجد كنائس غنية، يفيض إيرادها كثيرًا عن احتياجاتها، وتنفق من الفائض في مشروعات عديدة وفي تجميل الكنيسة وديكوراتها. بينما كنائس أخرى فقيرة لا تجد ما يغطي مطالبها الضرورية. وعلى الكنائس الغنية أن تشترك في احتياجات تلك الفقيرة. أو على الأقل ترفع عنها بعض أعبائها، كأن تتولى الإنفاق على فقرائها أو تزوِدُها ببعض احتياجات الخدمة…
وما نقوله عن الكنائس، نقوله أيضًا عن الإيبارشيات. بحيث تشترك إيبارشية غنية في احتياجات إيبارشية فقيرة…
نفس الوصية نقولها عن احتياجات الأسرات المستورة، وعن الذين ليس لهم أحد يذكرهم.
هناك أسرات مستورة، إيرادها بالكاد يكفيها. ولكنها قد تقع في ضائقة مالية صعبة لا تعرف كيف تخرج منها، أو في إشكال مالي لا تعرف له حلًا، وذلك إن مرض أحد أفرادها مرضًا يحتاج إلى مال فوق طاقتها، أو تلزمه عملية جراحية بآلاف الجنيهات أو عشرات الآلاف. ولا يبقى أمامها إلا أن تقف على أبواب الأقوياء والأحباء، ويقف معها قول الرسول: “مُشْتَرِكِينَ فِي احْتِيَاجَاتِ الْقِدِّيسِينَ”. ولو عن طريق قرض غير مطلوب سداده…
وينطبق هذا أيضًا على حالات الزواج وتكاليفه الكثيرة. وعلى حالات البحث عن سكن، وحالات الكوارث المفاجئة التي لم يُعمَل لها حساب، وكذلك تنطبق هذه الوصية على بعض حالات الوفاة التي سبقها مرض خطير طويل امتص كل ما عند الأسرة من مال، بل ربما استدانت…
تنطبق الوصية أيضًا على حالات المعوّقين:
سواء ما يحتاجه المكفوفون من تعلم القراءة والكتابة بطريقة برايل، أو احتياج الطلبة منهم إلى أجهزة تسجيل Recorders يسجلون عليها المحاضرات الدراسية، أو إلى تسهيل وسائل المواصلات، وما في ذلك.
وكذلك المعوّقون في أعضاء معينة من أجسادهم بحيث يحتاجون إلى أجهزة تعويضية. أو المعوّقون عقليًا، ويحتاجون إلى رعاية وصبر…
وأيضًا الصم والبكم، واحتياجهم إلى أن يتعلموا وسائل التفاهم… كل هؤلاء يحتاجون إما إلى عناية فردية، أو عناية هيئات.
وعن عناية الهيئات، استخدمت عبارة “مشتركين”:
فعمل الرحمة الذي لا تستطيع أن تقوم به وحدك، يمكن أن تساهم فيه مشتركًا مع غيرك. ومن هنا وجدت الجمعيات الخيرية، وكل منها لها رسالة معينة تقوم بها. وكذلك لجان البر في الكنائس، والمشروعات الخيرية التي تقوم بها هيئات معينة متخصصة في خدمة تقوم بها: مثل جمعية هدفها العناية بمرضى الدرن، أو بمرضى الجذام، أو بمرضى السرطان، أو ببعض الأمراض المستعصية كالفشل الكبدي أو الفشل الكلوي، وغير ذلك…
كل هذه الأغراض الواسعة، لا يقوم بها فرد واحد، وإنما تقوم بها جماعة من محبي الخير، والغير… “مُشْتَرِكِينَ فِي احْتِيَاجَاتِ الْقِدِّيسِينَ”.
المهم أننا لا ننتظر حتى يسعى الناس إلينا عارضين احتياجاتهم، وإنما تكون لنا الحساسية التي ندرك بها احتياجات هؤلاء، لنقدمها لهم.
وقد تكون احتياجات هؤلاء احتياجات روحية أو رعوية. وكمثال لها احتياجات الذين يعيشون في الغربة، في بلاد غريبة لا يجدون فيها كنيسة ولا كاهنًا ليرعاهم، بحيث يثبتون في إيمانهم وعقيدتهم، وفي الحياة الروحية السليمة بدون انحراف.
يبقى الجزء الثاني من الوصية، وهو (إضافة الغرباء).
أرجو أن نتحدث عنه في العدد المقبل إن أحبت نعمة الرب وعشنا…
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “المقال العشرون (سلسلة رو12) – “مشتركين في احتياجات القديسين عاكفين على إضافة الغرباء”، وطني 27 سبتمبر 1998م.



