مذكرات كاهن – الجزء الرابع
| الكتاب | مذكرات كاهن – الجزء الرابع |
| المؤلف | القمص بطرس جيد روفائيل |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، أبريل 2020م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 15507 / 2019 |
| الترقيم الدولي | 978-977-85504-2-9 |
هذا الكتاب
مقدمة الجزء الرابع
يسعدنا أيها القارئ العزيز أن نقدم الجزء الرابع من كتاب "مذكرات كاهن"؛ وكما قال قداسة
وهذه المذكرات التي بين يديك إنما هي تُعبر جزء من خدمة أبونا بطرس، فستقرأ بين سطورها كيف كان يخدم أثناء عمله كمدرس فيقول: "إن المدرس إذا أحبه الطالب، أحب المادة التي يُدَرّسها أيضًا.. وأحب الدنيا كلها! وما أسرع أن يتخلق بخلقه، ويتحلى ويتغنى بفضائله" فكان أثناء عمله يهذب ويرشد أولاده كأب وخادم أمين.
أما خدمته الرعوية ككاهن فتكشف لنا هذه المذكرات عن فضائل أبونا بطرس. فعلى سبيل المثال فضيلة كالاحتمال، تراها ظاهرة بوضوح خصوصًا في صبره واحتماله للأشخاص المتعِبين.
ولأنه كان خادمًا روحيًا يشعر أن أولاده أمانة في عنقه، وإنه سيعطي عنهم حسابًا أمام الله في يوم الدين.. فكان يصبر على كل أحد، يرحب بالجميع، وينتظر ويفتح أبوابه للضالين. فيتحقق قول الكتاب: "إن كَهَنَتُكَ يَلْبَسُونَ الْبِرَّ، وَأَتْقِيَاؤُكَ يَهْتِفُونَ" (مز 132: 9).
نضع بين أيديكم مجموعة أخرى من مقالات القمص بطرس جيد، من مذكرات كاهن، والمكتوبة بلغة عربية بديعة سلسة الفهم مملوءة بالحِكَم والمواعظ والمعجزات، تعتبر منهج في الرعاية وحب الرعية. دبّجه يراع أبونا المتنيح وتم نشرها في مجلة الكرازة خلال الفترة من ديسمبر1977حتى يونيو1978م.
نتمنى لكم ساعات مقدسة وخدمة مباركة بشفاعة والدة الإله السيدة العذراء مريم.
القمص بطرس بطرس جيد
كنيسة السيدة العذراء بالزيتون
القمص بطرس جيد في سطور
القمص بطرس جيد في سطور
† من مواليد أسيوط 13أغسطس1918م. تأثر في بداية حياته بالاستماع لعظات نيافة الأنبا
† كان عظيمًا في حبه للرب، وكان قويًا في إيمانه، وكانت خدمته التي امتدت لحوالي 60 عامًا حافلة بالإنجازات في شتى المجالات.
† نذر الذهاب ماشيًا من بنها إلى الكلية الإكليريكية بمهمشة بالقاهرة للبدء في دراسته بها، ولكن لاقته السيدة العذراء في الطريق في صورة سيدة جميلة تستقل سيارة، وافهمته أنها ستتحمل نذره عنه وأوصلته إلى الكلية واختفت عن ناظره بعدها.
† كان من أوائل دفعة الكلية الإكليريكية 1940م. كما حصل على ليسانس آداب قسم فلسفة، وماجيستر تربية علم نفس.
† بدء خدمته بخدمة القرية؛ بقرى الصعيد بعد سنة 1940م، واهتم بإنشاء مدارس أولية قبطية تعلم القراءة والكتابة والألحان واللغة القبطية كتعليم إلزامي في ذلك الوقت. كما اهتم بحالة المدرسين والطلبة الفقراء في تلك المدارس، ورعاهم روحيًا وماديًا، وكتب مذكراته عن الخدمة والرعاية الروحية والاجتماعية والتعليمية في كتاب نشره في الخمسينات باسم "مذكرات مفتش".
† اهتم بالفن القبطي وتدريب أول مجموعة من الأطفال، طاف بهم المرحوم حبيب بك جورجي ربوع أوروبا ناشرًا فنّهم القبطي كأبناء للفراعنة.
† عمل بالتدريس لفترة وكان يهتم بنفسية الطلبة، فكان ينشئ عيادات نفسية لهم يستمع إلى مشاكلهم، فانتظم الطلبة بالدراسة وقلت المشاجرات بينهم واختفت الكلمات البذيئة التي كانت تكتب على الجدران سرًا. كما كان يهتم بالعمل الفردي للطلبة ليبعد بهم عن الإلحاد أو الغواية، إلى معرفة الله.
† سيم كاهنًا في 12 يوليو 1972م، على مذبح السيدة العذراء بالزيتون حسب طلب القمص قسطنطين موسى الذي كان يعرفه منذ أن كان طالبًا بالكلية الإكليريكية وذلك في وقت خدمة القمص قسطنطين موسى كمسئول عن طلبة الكلية الإكليريكية.
† اهتم بالتعليم وتسليم الإيمان واعتبر من وعّاظ الكنيسة القديرين، في وقت ندر فيه الوعاظ الدارسين، وكانت عظاته تشد الكثيرين من كل الفئات والمستويات وتدخل إلى القلوب وتنخس الضمائر وتدعو إلى التوبة، كما كانت تتسم بالسلاسة والسهولة مع العمق الروحي. كان يفسر أصعب الآيات بأسهل العبارات. وكانت له اجتماعات أسبوعية منتظمة بالكنيسة. دعيَ لكثير من الإيبارشيات لإلقاء عظاته إلى جانب الاشتراك في النهضات الروحية، وكان أحيانًا يلقي عظتين في كنيستين متنوعتين في نفس اليوم لامتلاء جدول مواعيده بالعظات.
† رقّيَ للقمصية 14 نوفمبر 1975م، للاشتراك في المجلس الإكليريكي للكهنة وللأحوال الشخصية.
† هو أول من أنشأ لجنة البر لرعاية الفقراء الذين أحبهم جدًا، ورعاهم على مبدأ التنمية الموازي للخدمة الاجتماعية، وساعد الفقراء في عمل مشاريع تنموية لرفع مستوى معيشتهم كما أسس بالكنيسة فكرة المشروعات التي تعمل تحت مظلة الكنيسة وتضم عدد من أبناء الكنيسة كفرصة للعمل وكمصدر للتدريب على مهن مفيدة مثل مشغل التفصيل، التريكو، أنوال لعمل السجاد اليدوي، مصنع الشمع، والعديد من المشروعات.
† اهتم بالتربية الكنسية وكان يعلّم بنفسه في فصول إعداد الخدمة، واهتم بتدريس الطلبة بنفسه لرفع مستواهم التعليمي.
† كُلّف من قبل قداسة البابا شنوده الثالث بتسليم طقس الكنيسة القبطية للأساقفة الفرنسيين – الأنبا مرقس(نيح الله نفسه) والأنبا أثناسيوس – واستمر في متابعتهم لسنوات طويلة وساعده في ذلك الوقت المتنيح القس أنجيلوس ميخائيل كمدرس للغة الفرنسية.
† دَرّس بالكلية الإلكيريكية كأستاذ لعلم الوعظ والدين المقارن والكتاب المقدس واللغة العربية، اشترك بالتدريس في معهد الكتاب المقدس ومعهد الدراسات القبطية. وكان يستخدم في تدريسه أسلوبًا تربويًا شيقًا ويهتم بالتدريب العملي تحت إشرافه.
† قام بكتابة مؤلف بعنوان مذكرات كاهن نشر بمجلة الكرازة؛ وضع فيه خبراته الرعوية لكي تكون فائدة للأجيال من الخدام.
† انتُخب عضوًا في المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس لعدة دورات. كما مَثّل الكنيسة القبطية في أحد المؤتمرات المسيحية بقبرص.
† اهتم بخدمة تكريس الشباب والشابات بكنيسة السيدة العذراء بالزيتون، رسموا كهنة أو مكرسات للخدمة.
† كان أبًا حنونًا لأبناء الجمعيات الخيرية من الأيتام وكان يهتم بالاحتفال بذكرى رسامته كل عام بين هؤلاء الأطفال ويدعو الشعب إلى تدعيم الأنشطة التي بها هذه الجمعيات. وكانت أعظم أوقاته هي التي يقضيها مع الفقراء. قام برعاية الجمعيات الخيرية بالزيتون وكان يدبر أمر اجتماع شهري لهم لحل مشاكلهم.
† اهتم بالتعمير في الكنيسة وكان أبرزها كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون التي تعتبر إحدى المزارات الدينية العالمية. وأيضًا إنشاء دور للمسنين والمسنات، والمغتربين والمغتربات، لخدمة الشعب، ومستشفى العذراء الخيري لعلاج المرضى بأسعار رمزية ومجانًا للفقراء وغير القادرين، كما بنى العديد من مباني الخدمة بالكنيسة. ووضع مع بعض من الاستشاريين تخطيط كافة مباني الخدمة الموجودة حاليًا بالكنيسة التي تم بنائها بعد نياحته بالرسومات التي وضعها قبلها بعدة سنوات.
† كانت له علاقات طيبة برجال الدين من كافة الطوائف وأيضًا من رجال الدين الإسلامي ورجال السياسة والمجتمع المدني.
† تميز بالحكمة التي ساعدته في حل الكثير من المشاكل الأسرية والاجتماعية، كما تميز باللطف الشديد والمحبة الفائقة لكل من يقابله، وأحبّه الجميع حتى الذي كان يلقاه لأول مرة. ونظرًا لما كان يتمتع به من أبوة حانية، كان أب اعتراف لعدد كبير من أبناء الشعب ولبعض الآباء الكهنة.
† كان دائم الافتقاد للشعب، عطوفًا على الذين سقطوا ممسكًا بأيديهم حتى يقوموا من سقطتهم.
† اهتم بالافتقاد داخل منطقة الكنيسة وفي أي حي من أحياء القاهرة، كان يلبي الدعوة لزيارة أبنائه حتى في فترة مرضه في أيامه الأخيرة.
† اهتم بخدمة الأسر المستورة التي كان يرعاها بنفسه والتي أخرجت العديد من الأطباء والمهندسين والمهنيين الممتازين في مهنتهم.
† وكان مثالاً في فهمه لرسالة الكهنوت فكان يرفض أخذ أي مقابل لأية خدمة روحية.
† كان مثالاً في وداعته وتواضعه وزهده في الحياة. وكان القريب منه لا يلاحظ أي مظهر من مظاهر تعظم المعيشة، ولم يُعرف عنه أبدًا أنه حاول استغلال قرابته لقداسة البابا شنوده الثالث لتحقيق أي مكاسب خاصة حتى في مجال الخدمة.
† رقد في الرب في 20 يوليو 1996م، حضر مراسم الصلاة البابا شنوده الثالث مع العديد من الأساقفة والكهنة وكبار الشخصيات الرسمية المسيحية والإسلامية، والآلاف من أفراد الشعب المسيحي الذين بكوه تأثرًا عند دفن جثمانه، بمزار أسفل كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون.
بركة صلاته فلتكن معنا آمين.
العدل الإلهي
العدل الإلهي[1]
العدل الإلهي ميزان دقيق، يعطي كل ذي حق حقه. ويرده كاملًا غير منقوص! "ها أنا آتي سريعًا وأجرتي معي لأجازي كل واحد كما يكون عمله عمله"(رؤ 22: 12).
†ويجرى العدل الإلهي حسب قوانين ثابتة لا يحيد عنها.. وقد تقتضي عدالة الله أن يجازي فاعل الشر بشر: قتل قايين أخاه فقُتل.
† وعدالة الله تقتضي أن يجازي عن الخير بخير، ويقول الكتاب: "ارم خبزك على المياه تجده بعد أيام كثيرة" (جا 1:11).
† والعدل الإلهي لن يفلت منه كائن من كان! ومن ذا الذي يفلت من قبضة يد الله؟! أو يهرب من وجهه.
† ولكن عدل الله المطلق لا يلغي رحمته المطلقة.. نجد هذا الموقف في التينة غير المثمرة التي تستحق القطع، وصوت الرحمة يعلو ويقول: "اتركها هذه السنة أيضًا"(لو 13: 8).
† ويستوفي العدل الإلهي حقه في الآخرة.. حيث نقف أمام كرسي الديان العادل. لكي ينال كل إنسان جزاءه خيرًا كان أم شرًا.
† والقاعدة التي يرتكز عليها العدل الإلهي هي (الحق المطلق). والحق من صفات الله وهو تبارك اسمه الحق ذاته: "أنا هو الطريق والحق والحياة!"(يو 6:14).
† ومفهوم العدالة الإلهية: أن الله يمُهِل ولايهمل.. يتأنى ويرفق.. ثم يأخذ العدل الإلهي مجراه.. لا يقدم ولا يؤخر.. ويأخذ حق المظلوم من الظالم.
† والعدل الإلهي قوامه النيات. والإنسان وما انتوى. وما ثاب(رجع) وما ارعوى. (ارعوى عَنِ الآثَامِ : كَفَّ عَنْهَا ، اِمْتَنَعَ) فإذا أخلص النية، حقق المبتغى، ونال الجزاء الأوفى.
† والآداب المسيحية تقول: اترك حقك.. يرده الله لك.. ولتكن معاملاتك مع الله مباشرة "وإن جاع عدوك فاطعمه، وإن عطش فاسقه"(رو 20:12).
وإليك أيها القارئ العزيز قصصًا تدور حول عدالة الله..
عُبّاد المال
ظل طول حياته يجري وراء المال ويكتنز، ويحوله إلى عقار ثابت. ووسع الله له في الرزق، فابتنى العمارة تلو العمارة، وتكاثرت فصار يملك منها سبع عمارات. في غمرة ثرائه، نسى إلهه!
وشيئًا فشيئًا استحوذ المال على كل تفكيره.. وكانت آخر عمارة ابتناها، ملاصقة لإحدى الكنائس وتعتبر امتدادًا لها.. وتوجه إليه الغيورون، وأولو الخير.. وألحوا عليه أن يوقف العمارة للكنيسة فتخصص لأنشطة الكنيسة ومشروعاتها الخيرية.. ويكون لليتيم والأرملة نصيب في ماله.. قبل أن يعرضها للإيجار، فيصعب التصرف فيها بعد ذلك بأي حال.
† وجلس الثري وأخذ يحسب إيراد العمارة في الشهر وفي السنة، واستكثر أن يقدم لله عمارة، ويقتطع من ثروته كل هذا المبلغ.. وأحس وكأن شيئًا يقتطع من لحمه. ونسى في غمرة حساباته، أن يحسب أيضًا نعم الله عليه! وأن الثراء والخير كله بركة من عند الله.. ونسى أيضًا أن يحسب ما وهبه له الله من صحة وعمر.
† والعجيب أن الثري نقل إلى العمارة الجديدة خزانته، وبها كثير من اللآلئ والجواهر واعتبر هذه العمارة سكنًا ومكتبًا، وقام بتأجير الباقي منها.. واغتبط بما تدره عليه من ربح.. وتمر أعوام قليلة ويقع حادث لم يكن في الحسبان!
لقد اهتزت العمارة وأصابها شرخ كبير.. فلاذ السكان بالفرار.. وسمع الثري بالخبر. وكان في زيارة هو وزوجته وابنته، فأسرع إلى العمارة ولحقته زوجته وابنته، وحذره الكثيرون من الدخول حرصًا على حياته.. ولكن حياته رخصت أمام الخزانة.. وهنا نتذكر قول الرب يسوع: "لأنه حيثما يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضًا"(مت6: 21).
وصل الثري إلى الخزانة وفتحها في لهفة، فسطع سناء الجواهر فكان له بريق خاطف وأخذ يغترف من الخزانة.. وينقل أمواله إلى (صرة) أعدتها زوجته.. وكانت التحذيرات تتعالى في الشارع وتناديه أن يسرع بالنزول. ولكنه أصمّ أذنيه ولم يسمع غير نداء المال.. وفعلًا جمع الثري أمواله وأخذ يهبط درجات السلم في سرعة وخلفه عائلته وكان يشعر بالظفر.. حتى وصل إلى الباب الخارجي، وهم ليخطوا إلى الشارع وينجو..
وفي هذه اللحظة الخاطفة إنهار المنزل فجأة! ودفُن الثري تحت الأنقاض. وجرّ معه زوجته وابنته إلى نفس المصير وبينه وبين النجاة خطوة واحدة!
† والعجيب عندما أخرجت الجثة، وجد الثري يحتضن (الصرة)! لقد أصر أن يحمل الصرة فماذا حملت له؟! البكاء (وصرير) الأسنان.
† والآن أيها القارئ العزيز احذر أن تكون لك صرة تدخر فيها المال.. لقد تدخل العدل الإلهي، وحرم هذا الثري من ماله ومعبوده، لأنه حرم منه الفقير والأرملة والمسكين.. وعز عليه أن يتبرع للكنيسة ببعض ماله.. فضاع وضاعت معه حياته!
الجريمة.. والعدالة
† لا توجد جريمة كاملة كما يدعي البعض.. ومهما احتاط المجرم لا بد أن ينسى شيئًا أو يغفل شيئًا ينم عليه.. والنقص طابع لكل عمل بشري.. لا بد أن يتدخل العدل الإلهي ويكشف الحقيقة.
† قرأت عن (جريمة كاملة) قام بها عالم كيميائي شاب.. في إحدى الدول الأجنبية. وكان هذا الشاب يحب فتاة وأغرم بها.. وعقد العزم على الزواج منها.. ولكنها نكثت بوعدها في آخر لحظة، وفضّلت عليه غيره.
فتعقد الشاب، وأخذ ينتقم من كل فتاة لها أوصافها حتى قتل عشر فتيات.. ولم يترك أي أثر. وهاج الرأي العام، وانبثت المخابرات، وأصبحت كل فتاة تحمل هذه الأوصاف، يتبعها عدد من المخبرين.
وأخيرًا دخلت فتاة شقراء تحمل ذات الأوصاف بيت شاب.. ولم تخرج منه. فأقتحم رجال الأمن منزل الشاب. وفتشوا ولم يجدوا أي أثر، بينما يؤكد ثلاثة مخبرين أنهم شاهدوا الفتاة تدخل ذات الشقة ولا تخرج منها أبدًا.. رغم مرور يومين.
† وقبضَ على الشاب العالم وتعذر إثبات الجريمة، حيث لا يوجد جسم الجريمة أو الجثة. لا يوجد الدليل القاطع، والقانون قاصر. إنه يقول إن كل متهم بريء إلى أن تثبت إدانته. كان من المؤكد أن الشاب هو القاتل. لأنه في مدة حجزه في السجن احتياطيًا توقفت جرائم اختفاء الفتيات!
† وهنا لا بد أن يأخذ العدل الإلهي مجراه! لقد حددت جلسة لمحاكمة الشاب الذي هو أحد علماء الكيمياء النابهين، وتزاحم عليه القوم لحضور المحاكمة. واقتصر الحضور على تصريح خاص من وزارة الداخلية، وبدأت المحاكمة وكان الشاب هادئًا، أنكر التهمة إنكارًا قاطعًا. ويشاء الله أن يكون القاضي أيضًا عالمًا من علماء النفس.. وأرشده الله إلى إقامة الدليل.. حيث لا يوجد أي دليل.
† قال القاضي: أيها السادة هذا الشاب المتهم بريء من هذه التهمة النكراء التي ألصقت به إلصاقًا دون أي سند من الحقيقة والواقع. ودون أي دليل مادي. ومما يثبت براءة المتهم بشكل قاطع أن الفتاة (س) المتهم بقتلها. ها هي واقفة في نهاية المحكمة. وأشار بيده إليها. فاشرأبت الأعناق وامتدت تلتفت إلى الفتاة. ولم يبق واحد من الحاضرين إلا واتجه إلى الفتاة. وكان القاضي يوجه بصره إلى الشاب الذي ظل في مكانه مبتسمًا. وهنا أصدر القاضي حكمة على الشاب.. حيث أنك لم تلتفت إطلاقًا إلى مكان الفتاة.. هذا هو الدليل القاطع أنك قتلتها فعلاً.. فلم تكن هناك الفتاة بل كانت خدعة من القاضي! وقال القاضي: وإنني اكتفي بهذا الدليل.
وسيق المجرم إلى كرسي الإعدام.. وقبل إعدامه باح بسره.. واعترف أنه قتل إحدى عشرة فتاة للثأر من خطيبته التي غدرت به، وأنه كان يصادق الفتاة.. وبعد أن يعتدي عليها، يقطعها إربًا ويذيبها في حامض الكبريتيك، ويبخرها في فرن كيميائي خاص! ورغم أنه لم يترك أثرًا فلقد لحقته يد العدالة. ولا أحد يفلت من يد الله.. لأنه لا توجد يد فوقه!
كيف ضُبط؟!
استغل الخادم فرصة وجود مخدومته عند طبيب الأسنان.. ونهب كل ما في البيت وأخذ ما خف حمله وزادت قيمته.. وكان يعرف أين توجد جواهر السيدة.. وأين يحتفظ رب الأسرة بما يدخره من مال.. وهو رجل متدين يخرج العشور. وعادت السيدة إلى البيت، لتجد البيت مكنوسًا مزينًا.. نظيفًا..! وتلجأ الأسرة إلى المخدم الذي كان الوساطة في تشغيل هذا الخادم.. فيقول: أنه يجهل عنوانه.. وتلجأ الأسرة إلى الله. فهو الملاذ الوحيد، عندما تسد في وجه الإنسان كل الأبواب، يبقى باب رحمته مفتوحًا دائمًا.
وللسيدة شقيقة في الصعيد، لها معرفة بزوجة وكيل النيابة.. وتقص عليها قصة السرقة وتقول: أن اسم الخادم (مرزوق) مثلًا - وهذا اسم مستعار - فإذا بالسيدة تقول: أعرف رجلاً يخدم.. أولاده في هذه الناحية، ويسميهم جميعًا رزق، رازق، مرزوق، رزق الله.. ويشاء الله أن يكون نفس الرجل..!
ويبحثون عن الرجل وإذا بالرجل (والد الخادم) يشتري بالمال المسروق بقرة وتضيع البقرة.. فيبلغ عنها، وفي اليوم الذي تم فيه العثور على البقرة.. ويأتي لمركز البوليس ليستلم بقرته.. يتم القبض عليه.. أما الذهب فيوجد في (خرج) الجمل الذي حضر به للقسم.. وتباع البقرة ويفي ثمنها ثمن المسروقات. ويعود الحق إلى نصابه.
كيف تم كل هذا؟ والخيط الذي جمع كل هذا؟ إنها العدالة.. والمال الحلال الذي أخذ الفقير نصيبه منه.. لا بد أن يعود لأهله! "والله يقضي للمسكونة بالعدل، يدين الشعوب باستقامة.. ملجأً في أزمنة الضيق" (مز 9: 8، 9).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 17 مارس 1978م
هؤلاء كتبوا وتحدثوا عن الموت
هؤلاء كتبوا وتحدثوا عن الموت[1]
† بماذا نشبه الموت؟!(بالسارق) لأنه يسرق العمر! لهذا يقول الرب: "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ"(مت 6: 19) وشبه الموت باللص.
† هل نشبهه(بالشبكة) التي طرحت في البحر.. فامتلأت وجمعت الأسماك من كل نوع وصنف؟!
† أو(بالكأس) الذي لا بد من شرابه.. قال عنه الرب لتمليذين: "أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا؟". أو(بالعدّاء) الذي يجري ويظل يجري ولا يكف عن الجري "أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنْ عَدَّاءٍ تَفِرُّ"(أي9: 25).
† إن الشاعر يصف العمر فيقول:
دقات قلب المرء قائلة له .:. إن الحياة (دقائق وثوان)
† أم نشبه الحياة (ببخار):"مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْمَحِلُّ"(يع4: 14).
† أو(بالريح) تذهب ولا تعود: "أَنَّهُمْ بَشَرٌ. رِيحٌ تَذْهَبُ وَلاَ تَعُودُ"(مز78: 39).
† الثابت عن القبر أنه (لا يشبع ولا يكتفي). "أَرْبَعَةٌ لاَ تَقُولُ كَفَا.. الْهَاوِيَةُ" (أم30: 15). والثابت عند الموت أن الأهل لا ينفعون(مز49: 6). وكذلك لا ينفع المال ولا البنون(أم11: 4).
† هل نشبه حياة الإنسان(بالظل): "يَخْرُجُ كَالزَّهْرِ ثُمَّ يَنْحَسِمُ وَيَبْرَحُ كَالظِّلِّ وَلاَ يَقِفُ"(أي14: 2).
† أم نشبه الحياة(بنفخة): "الإنسان أَشْبَهَ نَفْخَةً. أَيَّامُهُ مِثْلُ ظِلّ عَابِرٍ" (مز 144: 4).
† أم (بالسحاب)"يَضْمَحِلُّ وَيَزُولُ، هكَذَا الَّذِي يَنْزِلُ إِلَى الْهَاوِيَةِ"(أي7: 9).
† هل نشبه الموت(بنسر) "يَنْقَضُّ إِلَى قَنَصِهِ"(أي9: 26) أم نشبه العمر(بحلم)"عِنْدَ التَّيَقُّظِ"(مز73). أو بسهم انطلق، أو بصورة انمحت، أو بزهرة سقطت وذبلت. أو بسفينة نشرت قلاعها ثم توارت واختفت، أو بشمس غابت وأفلت، أم بهذه كلها مجتمعة معًا؟! وها أنا أسوق إليك أيها القارئ العزيز قصصًا عن أشخاص معاصرين تحدثوا كثيرًا. وكتبوا عن الموت. وطواهم الموت!
القس المتنيح
تعودنا ألاّ نذكر أسماء الأحياء، ولكننا نذكر أسماء الذين انتقلوا من هذا العالم تخليدًا لذكراهم، ونحن الآن بصدد كاهن ورع وعالم جليل، انتقل من هذا العالم الفاني في شرخ الشباب. ورغم قصر حياته على الأرض، قدم لمكتبة الكنيسة ذوب الفكر، وعصارة القريحة، والعجيب أنه عاش أعوامًا قليلة وبقيت كتبه تضيف عمرًا إلى عمره.
والأعجب من هذا، بعد أن كتب كثيرًا عن الموت، كانت له لقاءات كثيرة مع الموت فلقد اختطفت يد المنون والد هذا الكاهن الجليل، وهو ما زال طفلًا صغيرًا، فربته أمه فنشأ على حبها وتعلق بها تعلقًا شديدًا، وكانت فرحتها لا توصف عندما تخرّج من الإكليريكية وهو أقل من العشرين. وبلغت فرحتها القمة عندما سيم كاهنًا وسنه أقل من السادسة والعشرين. ولكن الموت عاد واختطف الأم كما اختطف الأب من قبل.
ويقولون إنه منذ رحيل الأم ظل الأب المتنيح يرتل القداس باللحن الحزين، وعاش بعد أمه سنة ونصف، وأصابته وعكة بسيطة. وإذ به يقول للذين عادوه وزاروه: سأموت الليلة؟! وهذا ما كان، وهكذا جمعه الموت بأبيه وأمه. والعجيب أنه كتب كتابين هما (طريق السماء)، (يسوع المصلوب) لا تكاد تخلو صفحة من ذكر الموت، بل لا يكاد يخلو سطر من ذكر الموت، وفناء الحياة!
ولقد قرأت عن ملك حكيم عين موظفًا براتب شهري، وكل وظيفته أن يذكر للملك عبارة واحدة، كل صباح ومساء. وهذه العبارة هي: تذكر أيها الملك أنك سوف تموت..
ولعلك أيها القارئ، فهمت من المقصود بالكاهن الجليل: إنه القس منسى يوحنا الذي سيم كاهنًا على بلدة (ملوي) في يناير عام 1925م وانطفأت شمعة حياته على الأرض عام 1930م لتضيء من جديد في السماء. ولقد كان أكثر من كتبوا وتحدثوا عن الموت، والآن لعلك أيها القارئ العزيز لن تنسى القس منسى.. وموضوع قِصَر الحياة.
وكل ما نصف به القس منسى في ذكراه، وما يجب ألا ننساه.. أنه كان كالشجرة المخصبة. وهنا نذكر كلمات الرب يسوع: والبعض أعطى ثمرًا ثلاثين، وستين، ومائة. لقد عاش القس منسى قليلًا.. ولكنه أعطى كثيرًا.. وأكمل الرب يسوع البشارة والفداء في ثلاث سنوات وبضعة أشهر، ورغم أن يوحنا المعمدان أدى رسالته خير أداء في ستة أشهر، فقد قيل عنه: "لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ"(مت11:11). لا تقل أعطنا يا رب عمرًا طويلًا.. لنعمل كثيرًا بل لنقل: "بارك لنا يا رب فيما نعمل ليكون مثمرًا".
قصة صابر
جاء من أسيوط، وقدمه لي صديق.. وعاصرته طالبًا بالإكليريكية في الثلاثينات. وبقى في الكلية سنتين.. ثم زاره الموت، وطوته الأيام والسنون.. وأنا أكتب هذه المذكرات، أراه الآن ماثلًا أمامي. فهو وإن مات يتحدث بعد:
ليس من مات فاستراح بميت | .:. | إنما الميت ميت الأحياء |
كان مشتعلًا غيرة! قال لي مرة: أنا حزين.. قلت: لماذا؟! قال لأن اليوم 24 ساعة فقط! وذات يوم عاد وقال: أنا حزين أيضًا.. وأردف: لأنني أنام ساعات كثيرة تضيع من عمري ومن الخدمة.. وكان من الممكن أن أقضيها في خدمة الكنيسة!
كان ملتهبًا حماسًا.. فعرض على أكثر من أسقف خدماته في الإجازة الصيفية في خدمة القرية دون مقابل مادي. ولما كنت أنا أيضًا أخدم في القرى، فلقد افترقنا في الإجازة الصيفية لمدة عامين. وفي نهاية الإجازة الصيفية، في السنة الثانية، وكان يقيم مع أقرباء له في القاهرة وجدته راقدًا مريضًا. عاد وقال: أنا حزين الآن.. لأنني أرقد ولا أخدم! قلت له: تذكر أن اسمك صابر.. وعليك أن تكون صابرًا.. فطلب مني كراسة وأخذ يكتب.. وفي الأيام التي زرته فيها، لم يكف عن الكتابة مطلقًا.. رغم أن الطبيب منعه من الكتابة.
قلت له: لماذا تصر على الكتابة رغم تحذير الطبيب؟! قال أريد أن أفعل شيئًا وأنا راقد.. لقد أخفى عني ما كتب. ولهذا لقد فوجئت عندما عرفت بعد ذلك، ماذا كان يكتب؟! وذات مرة أحضرت له كطلبه المتنيح القمص بطرس الجوهري.. وعمل له القنديل. وسلمني نقودًا أقدمها له ليوقد له شمعًا بكنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا.. ولكن أبانا وقتها (زغدني) في صدري ودفعني برفق. وهو يقول: أحضر له بهذه النقود فاكهة.. وأنا سأصلي من أجله.. والعجيب ما زلت أشعر بهذا (الزغد) كلما قصّرت في عمل قنديل لأحد المرضى!
وذات يوم طلب مني المرحوم صابر، أن أبعد عنه لأن مرضه مُعد. ولكني لم أبعد عنه أبدًا. وقبل موته بساعات قال لي: تصفح مجلة المحبة واقرأ لي الموضوعات وكان يتمنى أن يجد موضوعًا معينًا كان قد كتبه وقدمه للمجلة. ثم اعتدل في جلسته ورشم الصليب وقال: ماذا أنني لا أرى شيئًا حولي! وكانت آخر كلمة سمعتها منه يسوع قادم! والآن أيها القارئ العزيز، لعلك الآن تسأل: ماذا كتب في الكراسة وماذا كان يريد أن ينشر في مجلة المحبة.. موضوع واحد عنوانه (ماذا بعد الموت)؟! أما أنت يا أخي الراحل صابر لعلك الآن عرفت الإجابة على هذا السؤال! وأنت الآن ترى ما لا نراه نحن.. وتسمع ما لا نسمعه.. وهنيئًا لك بالفردوس مع الحبيب يسوع!
قصة غبـريـال
عاصرته طالبًا بالإكليريكية في الثلاثينات. كنا لا نفترق، كالإنسان وظله وعند النوم كان السريران متجاورين، سألته يومًا لماذا دخلت الإكليريكية؟ وكان شعلة من ذكاءٍ وقّاد..
قال: اقتنعت بفناء الحياة، وفكرت أن أعد شيئًا للآخرة يبقى.. ثم أنني مرتبط بحب الكنيسة منذ طفولتي.. ويبدو أن سؤالي أثاره، فعاد يوجه لي أسئلة ما زالت عالقة بذاكرتي. سألني: أتعرف ما هو أقصر شيء في هذه الدنيا؟! فصمت قليلًا: قال لي إنه العمر.. إنه يفر.. كلما أستيقظ من النوم، نكون قد ودّعنا يومًا من أعمارنا.. العمر يفر.. والسنون تكر.. والأيام تمر. ثم عاد وسألني.. أتعرف ما أكبر عدو لنا بعد الشيطان؟! ولم ينتظر حتى أجيب.. أسرع يقول: أنظر حولك ترى ملايين الأعداء. أردف: أقصد الميكروبات التي يمتلئ بها الجو.. والميكروب متناهي الصغر.. لا يُرى بالعين المجردة.. ويكفي ميكروب واحد لقتل الإنسان.. إننا نعيش بين أعداء! الحياة ليست هنا.. الحياة هناك في السماء. في السنة التالية: ترك الإكليريكية، وقال سأتمم تعليمي لأخدم الكنيسة خدمة أوسع.. وقدم على الثانوية العامة.. جاء ترتيبه السابع على الجمهورية العربية. وهكذا تخرج في كلية الطب بعد أعوام، وتزوج وأنجب طفلة في المهد، وعُين بالإسكندرية. وشعرت بلهفة أن أراه.. وفاجأني أحد الآباء الأصدقاء بقوله: لن تراه هنا.. لقد انتقل إلى السماء.. كان يقول إننا نعيش هنا بين ملايين الأعداء.. وهو الآن يعيش في السماء بين ملايين الأحباء والقديسين!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 24 مارس 1978م
مع أثقال الشعب
مع أثقال الشعب[1]
† رغم أن موسى تربى في قصر فرعون كابن لابنة فرعون، أبت نفسه أن يرفل في النعيم وأهله يشقون "وَحَدَثَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَمَّا كَبِرَ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى إِخْوَتِهِ لِيَنْظُرَ فِي أَثْقَالِهِمْ"(خر11:2).
† ولما كانت الحياة تزخر بالأعباء ويعاني الكثيرون من أثقال الحياة، فإن كان كل فرد يأتي ليطرح ثقله على كاهل الكاهن، لكن يحمل الكاهن أثقال الجميع.
† وهذه هي شكوى موسى النبي وقد ناء تحت ثقل الشعب"لاَ أَقْدِرُ أَنَا وَحْدِي أَنْ أَحْمِلَ جَمِيعَ هذَا الشَّعْبِ لأَنَّهُ ثَقِيلٌ عَلَيَّ"(عد14:11).
† وبعض الأثقال قد تبدو مستعصية على الحل.. كمرض لا برء منه.. أو مشكلة لا حل لها.
† وبعض الأثقال قد تكون في صورة تجارب منوعة.. ولا عجب "مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ، قَلِيلُ الأَيَّامِ وَشَبْعَانُ تَعَبًا"(أي1:14).
† وأعظم ثقل يبتلي به الإنسان ثقل الخطيئة: "لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي. كَحِمْل ثَقِيل أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ"(مز4:38).
† وثقل آخر لا يقل فداحة.. هو ثقل الهم، لهذا يقول الكتاب: "فَاحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ لِئَلاَّ تَثْقُلَ قُلُوبُكُمْ فِي خُمَارٍ وَسُكْرٍ وَهُمُومِ الْحَيَاةِ"(لو34:21).
† ومن أقدس المشاعر المسيحية أن يحتمل الأقوياء ضعف الضعفاء وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول لأهل غلاطية: "اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ"(غل2:6).
† وأجلى صورة للضعف البشري: حال التلاميذ في بستان جثسيماني"ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُمْ أَيْضًا نِيَامًا، إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً"(مت43:26). ولهذا نحن نردد في الصلاة: "ثقل النهار وحره لم أحتمل لضعف بشريتي". وكان منهج بولس الرسول أن يشتغل بيديه ولا يثقل على الكنيسة (2كو8:11) وأقدم لك أيها القارئ العزيز بعض أثقال الناس.
مأساة دامية
كان يشتغل بالتدريس، وكانت هي تعمل في ذات المدرسة، وجذبه إليها أدبها الجم، وخلقها الرفيع.. كانت تتحدث والرقة في كلامها، وتسير والسعد في ركّابها، والأدب في ظلالها! ويقول: إنه اكتفى بأن يراها من بعيد.. لم تكن ظروفه المالية تسمح بالزواج في هذا الوقت.. ولو أنه صلى بلجاجة وإلحاح أن تكون من نصيبه. وأخذ يعمل جاهدًا، ويقوم بأعباء إضافية، ولم يدخر في هذا السبيل وسعًا، وأخذ يقتر على نفسه، ويدخر كل قرش، حتى يفوز بقلبها، فتكتمل له أسباب السعادة. وبينما هو على هذا الحال، إذا به يفاجأ بنقله من هذه المدينة فوقع عليه الخبر وقوع الصاعقة لا لسبب إلا لأنه سيحرم من رؤياها.. وربما عطّل هذا النقل مشروع الزواج الذي هو مُقدم عليه.
وكما فوجئ بالنقل من هذه المدينة مفاجأة قاسية مريرة، فوجئ للمرة الثانية مفاجأة أذهلته. وكانت المفاجأة الثانية سارة وسعيدة، لقد نُقلت المُدرسة التي يرتبط بها قلبه إلى ذات البلدة بعد شهر ونصف. ويمر العام ويُنقل الاثنان معًا إلى بلدة ثالثة وفي ذات اليوم! فاعتبر هذا الأمر علامة من الله.. ولم يضيع وقتًا وتقدم لخطبة الفتاة، وكانت الفتاة يتيمة، واكتفى بموافقة شقيق وحيد لها.
وتمر الأيام بطيئة، زاخرة بكل صنوف السعادة وتزوج الاثنان، وأخذت السعادة ترفرف بجناحيها على بيت يفيض بالحب والوئام. وأخذ الاثنان يرتبان عش الزوجية السعيد، ويضيفان كل شهر قطعة صغيرة من الأثاث. ويمر عام يتلوه عام، وحبهما يزيد قوة على ممر الأيام!
غير أن سعادتهما تضاءلت أمام خبر رقص له قلباهما.. كان هذا يوم أن انبأت الزوجة زوجها أنها تنتظر حادثًا سعيدًا.. وكانت الزوجة تحب الأطفال الصغار حبًا يقرب إلى درجة العبادة. وكانت بحكم عملها تشرف على تربية الأولاد الصغار، ومن ثم أخذت تشغل وقتها وتخيط الثياب.. وتستعد لمقدمه السعيد.
أرسل الزوج خطابًا إليَّ يصف مأساته، فيقول: إن زوجته ولدت طفلًا جميلًا، وكانت متلهفة على رؤيته، ولكن الطبيب فاجأها وأحضر إليها الطفل ميتًا.. فأصيبت بصدمة قاتلة، وماتت على الأثر.. وماتت معها كل سعادته وآماله في الحياة. كما يقول.
ويعود الزوج ويقول في خطابه: هل قتلها الطبيب غير متعمد؟ وهل ماتت من الصدمة؟ أو هل كان من الممكن أن تعيش لو لم يضع الطبيب طفلها أمامها ميتًا. إذا أخذنا في الاعتبار تعلقها الشديد وحبها للأطفال ثم يعود الزوج ويسرد في خطابه - وأنا أرى بقعًا كثيرة من آثار الدموع - يقول: لقد حلمت قبل موتها بثلاثة أيام حلمًا غريبًا.. حلمت أنها ماتت على صدري.. ولما استيقظت أخذت أبكي.. وأخذت هي تطمئنني وتهدئ من روعي.. ويعود كاتب الرسالة ويقول: إنهما كانا يشتركان في عمل الخير.. فلماذا يحدث هذا، لماذا تموت زوجته نتيجة خطأ طبيب؟! ويعلق كاتب الرسالة على عبارة كتبتها في مقالة سابقة: "قد يجازي الله عن شر بشر لأنه عادل. وعن خير بخير لأنه عادل. وعن شر بخير لأنه صالح، ولكن يستحيل أن يجازي الله عن خير بشر لأنه ليس بظالم".
ويتساءل: لماذا تموت زوجته ويحترق قلبه! إنني أشكر الابن المبارك لأنه كتب لي.. وأفرغ همه وهو يبث شكواه فأزاح عن كاهله بعض ما ينوء به.. وأعترف للابن المبارك إنني أعدت قراءة خطابه أكثر من مرة. وتأثرت لمصابه. وأعترف له أيضًا أنني سكبت من أجله دموعًا لم أستطع أن أحبسها. ولكنني أنتهز الفرصة لأصحح بعض المفاهيم: لم تمت زوجتك أيها الابن المبارك بسبب صدمة رؤية ابنها ميتًا، وإن يكن هذا هو السبب الظاهري.. ونحن كثيرًا ما نضع أسبابًا للموت.
ولعل من بينها خطأ الأطباء، نقص الدواء.. والخطأ في التشخيص.. عدم اكتشاف المرض مبكرًا.. ونضع من بين الأسباب ما يعانيه الشخص من كوارث الحياة.. والحقيقة غير ذلك: فالإنسان يموت في عمره تمامًا، الذي يعلمه الله ويحيط به سابق علمه.. يموت الإنسان في اللحظة التي أرادها الله! وما نراه هي الأسباب الظاهرة.. وما أيسر أن يعيش مريض إذا أراد الله أن يمد في أجله. وقد أضاف الله خمس عشرة سنة لحزقيا الملك! فهذه الأسباب التي نراها تخدم غرضًا إلهيًا. والسبب الحقيقي هو انتهاء الأجل، وانقضاء العمر، بهذا السبب أو بغيره، وتعددت الأسباب والموت واحد! ونستطيع أن نقول: خطأ الطبيب إصابة الأقدار.
وبالتالي إذا تم الشفاء،
فهذا معناه أن الله وضع في الدواء الشفاء!
وزوجتك أيها الابن العزيز ماتت لأن حياتها انتهت على الأرض.. لتبدأ في السماء ورؤية ابنها ميتًا هذا أمر عارض، وكان من الممكن أن تموت في ذات اللحظة بأي سبب آخر. وقد يموت الإنسان بغير سبب ظاهر، عندما يسكت القلب فجأة.
ولعزاء روحك أقول: "أنه من مراحم الله أن يموت الإنسان في أحسن ساعة له يراه الله فيها مستعدًا، وحزننا على موت أحبائنا أمر طبيعي، ولكن لا يلزم أن نفقد الرجاء، ولا نكون أنانيين فنعوق انطلاقهم إلى الراحة والخلود، ليملأ الرب قلبك بالعزاء والاطمئنان. وثق أن زوجتك والطفل في الفردوس ينعمان ويسعدان".
مأساة زوجة: أقبلت إلى (لجنة البر) تحمل ثقلًا ثقيلًا..
كانت في شبه إعياء. تخطو خطوات متثاقلة، وجاءت ومعها توصية من أحد الآباء الأجلاء من سكرتارية قداسة البابا المعظم البابا شنوده الثالث. وجلست تتحدث وتنفض عن نفسها بعض ما تعانيه، وكان يبدو عليها الحيرة والكآبة. وقالت: مات زوجي.. ثم عادت تقول مستدركة: سامحه الله!
وأخذت السيدة تقول: إن قصتي أغرب من الخيال. لقد مات زوجي وترك في عنقي أربعة أطفال وترك معاشًا. وأنا الآن حيرى أجري في المحاكم عبثًا دون أن أصل إلى بر. والمعاش موقوف صرفه، ومطلوب مني أن أعيش وأنفق على الأولاد. بينما أنا لا أعمل وإذا وجدت قوت يوم، عجزت عن تدبير قوت اليوم التالي، وكل يوم يمر يحمل لي عذابًا. فسألناها لماذا لم يصرف المعاش؟!
عادت تقول: وراء هذا السؤال قصة لقد تعوّد زوجي أن يسافر لأقصى الصعيد بدعوى السؤال عن أمه وإخوته. وكان يرفض رفضًا باتًا أن يصحبني معه. وكان يقضي كل إجازة في الصعيد. وكنت بيني وبين نفسي أحترمه لوفائه لأهله! وأعتبر هذا من مكارم الأخلاق. ولو أن الأولاد كانوا يحرمون من وجوده بينهم.. وتعودت أن أقبل هذا راضية، وأروّض نفسي على تغيبه ولكنني بعد موته، اكتشفت أنه لا يزور أمه، بل يقضي الوقت مع زوجته الثانية.. وكانت مسيحية أيضًا. لقد جمع في وقت واحد بين زوجتين.. واحدة في الوجه القبلي، والأخرى في الوجه البحري!!
قلت لها: هذا معناه أن زواجه من الثانية باطل. قالت: لقد رضيت أن أقتسم المعاش مع الزوجة الثانية، لأن له منها أولادًا.. رضينا والمحكمة لم تبت في الأمر. وما زال الأمر معلقًا. وابني الأكبر الآن في كلية التجارة السنة الثالثة.
كان قرار لجنة البر: الإنفاق على الابن الأكبر حتى يتم تخرجه، أمكن تشغيل السيدة في رعاية سيدة مريضة بمرتب شهري، وتكليف أحد المحامين بقضية المعاش.
وبعد كم يعاني المرء ويقاسي.. وكم في الحياة من النوائب والمآسي!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 31 مارس 1978م
حوادث مفجعة
حوادث مفجعة[1]
كم من أحداث مفجعة تجري في هذا العالم.. وما أكثر ما سفكت دماء، وأزهقت أرواح! وصفها سليمان الحكيم في سفر الجامعة بهذه العبارات: "ثُمَّ رَجَعْتُ وَرَأَيْتُ كُلَّ الْمَظَالِمِ الَّتِي تُجْرَى تَحْتَ الشَّمْسِ: فَهُوَذَا دُمُوعُ الْمَظْلُومِينَ وَلاَ مُعَزّ لَهُمْ، وَمِنْ يَدِ ظَالِمِيهِمْ قَهْرٌ، أَمَّا هُمْ فَلاَ مُعَزّ لَهُمْ فَغَبَطْتُ أَنَا الأَمْوَاتَ الَّذِينَ قَدْ مَاتُوا"(جا4: 2،1).
† ويعيش في الدنيا أول إنسانين أخوين.. فيكون أحدهما سفاحًا وقاتلًا.. حدث هذا عندما قام قايين على أخيه هابيل وقتله.. وظهر الرب يحاسب قايين غاضبًا: "مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ. مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ"(تك 4: 10،9).
† وتستمر الأحداث متلاحقة، ويزداد شر الناس: "وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإنسان قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ، فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإنسان". وجاء الطوفان (ومحا كل قائم كان على وجه الأرض) عدا نوح وأسرته (تك6: 5، 6).
† ويزداد الناس عتوًا وشرًا وطغيانًا. فتمطر السماء نارًا وكبريتًا، وتحرق أهل سدوم وعمورة الأشرار. وتصيرهم رمادًا تذروه الريح، لأن الشر مكرهة الرب(تك19).
† ومرة ازداد عتو الناس وغلواؤهم[2] "فإذا بالأرض تهتز تحت أقدامهم، وتبتلعهم أحياء. وتطبق الهاوية فمها عليهم. وهذه نهاية قورح، داثان، أبيرام في عهد موسى(عد16).
† وقام مرة ابن عاق ضد أبيه وفجر في جميع نسائه. وشق المملكة نصفين، ورفع عصا التمرد والعصيان. فإذا شجرة ضخمة تلتقطه من فوق جواده، وتنحشر رقبته بين فروعها، ويظل معلقًا، ويأتي قائد الجيش، ويفرغ ما في جعبته من سهام في قلب أبشالوم(2صم18).
† إنه الشر الذي يغطي وجه الأرض والأشرار لا يفلتون من قبضة يد الله "لاَ تَغَرْ مِنَ الأَشْرَارِ، وَلاَ تَحْسِدْ عُمَّالَ الإِثْمِ، فَإِنَّهُمْ مِثْلَ الْحَشِيشِ سَرِيعًا يُقْطَعُونَ، وَمِثْلَ الْعُشْبِ الأَخْضَرِ يَذْبُلُونَ"(مز37: 1، 2).
طبيب نطاسي
اشتهر طبيب، وطبقت شهرته الآفاق. وازدحم الناس حوله، ولا غرو، فالمنبع العذب كثير الزحام! وأخذ الطبيب يشتغل نهارًا وليلًا.. واجتمعت لديه في وقت قليل ثروة كبيرة.. وكان يملك أكثر من عيادة. وكان يحدث في بعض الأحيان، أن يدق جرس التليفون بعد منتصف الليل، يدعوه إلى حالة خطيرة لا تتحمل الإبطاء.. وكثيرًا ما كان يلبي النداء.
وحدث يومًا أن قرع بابه جماعة، وكانت الساعة الرابعة قبل بزوغ ضوء الفجر، وألحوا عليه في زيارة سيدة متعسرة في الولادة.. وحاول الطبيب أن يثنيهم.. ويؤجل الزيارة إلى الصباح، ولكنهم ألحوا عليه إلحاحًا.. وتوسلوا إليه كثيرًا، وقالوا: إن حياة السيدة معلقة بخيط واه.. فلم يجد الطبيب مناصًا أن ينزل على رأيهم ويقوم برفقتهم وأعد عربته وكان يبدو متثاقلًا، نصف نائم.. ويتجه الجميع إلى القرية.. وعند المزلقان.. تتعطل العربة فجأة.. ويدهمها في ذات الوقت القطار السريع.. ويجرها أمامه مسافة، لقد ذهب الجميع في رحلة إلى الموت. لقد أيقظوا الطبيب ليموت، ويموتوا معه. وأعجب ما في الأمر.. أن تلد السيدة في الصباح وتنجب ولدًا، يسمونه باسم الطبيب الذي رحل شهيد الواجب.. وظل الطفل يحمل اسمه وذكراه. وأنت تقرأ هذا وتقول: أما كان من الممكن أن يتقدم نزول الطبيب أو يتأخر دقيقة واحدة فينجو الطبيب؟ ولكن.. إذا تأخر الإنسان.. هل يتأخر الموت؟
من أخبار ابن الباشا
والآن لنقف وقفة قصيرة أمام حوادث مفجعة.. لأشخاص عاشوا بيننا ورحلوا، أننا نذكر الطبيب المشهور، ذائع الصيت(نجيب باشا محفوظ) الذي كانت كتبه تدرس في جامعات أوروبا وأمريكا.. لقد كان له ابن وحيد.. ولعل أمنيته التي كانت تملأ خياله، أن يعد ابنه ليكون طبيبًا، يأخذ مكانه، واسمه وعيادته، كانت هذه أعز أمانيه، وحرصًا على حياة ابنه، كان يرسل له العربة توصله إلى باب المدرسة، وتعود به من باب المدرسة إلى البيت.
وذات يوم وصل السائق إلى باب المدرسة، وعندما هم نجل الطبيب أن يضع رجله في العربة، انحرفت عربة وصدمته، وقتلته في الحال، وحمله السائق إلى أبيه جثة هامدة. ومهما بلغ الإنسان في الحذر، فلن يمنع أو يعطل انقضاء الأجل.. ويبكي نجيب باشا محفوظ فلذة كبده ما شاء له البكاء.
ويقول نجيب باشا محفوظ في مذكراته: إنه كان يقوم بالليل يندب ابنه. وذات مرة ظهر له ابنه في المنام، في رؤية جميلة معاتبًا، ورجاه أن يكف عن البكاء لأنه ينعم بالراحة، ولا يزعجه غير بكائه عليه.. ومنذ هذه اللحظة جفت دموع أبيه! وهذا عين ما يقوله الكتاب: "لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ"(1تس13:4). ولنسلم الأمر لله.. "وَضَعْتُ يَدِي عَلَى فَمِي لا أتكلم.. لأَنَّكَ أَنْتَ فَعَلْتَ" (أي4:40، مز9:39).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 7 أبريل 1978م
[2]الغلواء: التَّشدُّد أو الإفراط ومجاوزة الحدّ
يومًا من أيام لجنة البر
يومًا من أيام لجنة البر[1]
ليس المقصود بالبر أن تحل لفرد مشكلته، إنما البر أن ترشده إلى الحل. والأفضل أن تأخذ بيده ليشترك هو أيضًا في حل مشكلته.. وتعرّفه كيف يدخل الله في حل المشكلة!
† وهناك مشاكل يستطيع أن يحلها الإنسان بنفسه، وقد يكون هو نفسه سبب المشكلة، وقد يكون طرفًا فيها، وهناك مشاكل تحتاج إلى معونة وإرشاد.
† ليس البر، أن تقدم للفقير مالًا ينفقه، ثم يعود يطلب من جديد فيتعود التسول، وإراقة ماء الوجه، والسؤال، والاستجداء! إنما البر أن توجد له عملًا، يعيش منه عيشًا شريفًا، يغنيه عن مذلة السؤال.
† إن الله يطالبنا أن نعمل ما في مقدورنا، وما لا نقدر عليه، نتركه لقدرة الله، وعند قبر لعازر، وقبل أن يقيم الرب الميت، قال للذين حوله: "ارْفَعُوا الْحَجَرَ"(يو39:11)؛ لأن هذا في مقدورهم. وبولس الرسول كان يعمل بيديه حتى لا يثقل على الكنيسة. وآباؤنا الرهبان في الأديرة، كانوا يعيشون من صنع أيديهم.
† وعمل البر، عملية دائمة لا تتوقف. وأعتقد أن اليوم الذي يمر في حياتنا، ولا نصنع فيه خيرًا، ليس محسوبًا من عمرنا!
† وعندما نتأمل في حياتنا نجد أن كل لحظة تمر، يكون الله قد عمل معنا برًا وخيرًا. يكفي أنه أعطانا أنفاسًا وعمرًا. وفي هذا يقول صاحب المزمور: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ"(مز2:103).
† وتقديم البر لا يُعطَى جزافًا. بل يجب أن يُعطَى لمستحقيه، وليس من الضروري أن يكون مالًا يقدم. بل قد يكون نصيحة تُزجى، أو إرشادًا يُسدى، أو مشكلة تحل. أو خصامًا يُفض، أو إعوجاجًا يُقَوّم. وأقدم لك أيها القارئ العزيز يومًا من أيام لجنة البر.
زلة فتاة
تقدمت فتاة إلى لجنة البر، وبرفقتها أمها، وهي تحمل توصية من أحد الآباء الموقرين في شبرا، ويصف قداسته حالها مع التوصية. أما قصة الفتاة، فهي مأساة دامية، لقد ركبت الفتاة رأسها، ودفعها الشيطان، ونزق الشباب في لحظة شر وطيش، ونزق.. أن تبيع نفسها، وتخرج عن صوابها.. وتبيع فاديها ومخلصها، الذي مات من أجلها، مقابل نزوة طارئة، وشهوة غاشمة، وهكذا سدت أذنيها عن صوت الله، وأصغت إلى صوت الشيطان. وهنا أتخيل الشيطان يعرض عليها.. كما عرض في التجربة وقال: "أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي"(مت9:4).
وسقطت الفتاة، وبعد أن سارت في طريق الغواية.. وتزوجت، وفشلت.. ومر كل هذا سريعًا، لم يستمر زواجها غير بضعة أشهر قليلة.. عافها الزوج ونبذها! وطلقها، ثم طردها شر طردة.
وهنا فقط أفاقت الفتاة من غشيتها، وأحست بالندم يعتصر قلبها.. ومن مراحم الله أن يظل باب التوبة والرحمة مفتوحًا دائمًا! وشاء الله أن يتقدم شاب يريد أن يقبل عثارها ويقبلها كما هي ورحبت به الأسرة شاكرة.
كان هذا الشاب أشبه بمنقذ ينتشل غريقًا.. واكتفى العريس بطلب حجرة النوم ووعدته الأسرة وهي لا تملك قرشًا واحدًا. لا شيء قدامهم أو وراءهم.. وشدت الأم وابنتها الرحال إلى(لجنة البر) بالزيتون.
جاءت الأم برفقة ابنتها، وأخذت الأم تبث شكواها. ووقفت وابنتها ينتظران الرد. وكأنهما ينتظران حكمًا بالبراءة أو الإعدام! وزواج فتاة في مثل هذه الأحوال يهيئ لها طريق الاستقامة والاستقرار. وهو إنقاذ لها من براثن الهلاك والضياع. ومدت لجنة البر يدها بالمساعدة كعادتها وقدمت مبلغًا مناسبًا. وكتبت إلى كنائس المنطقة أن تشركها في عمل البر. وعلى الكنائس أن تتضافر معًا، تحقيقًا لمبدأ الرعاية، وحتى لا يلقى العبء كله على كنيسة واحدة. وحتى تلتزم كل كنيسة بأبنائها المحيطين بها، تمد لهم يد المساعدة بقدر إمكانياتها.
وهنا يكمن سؤال هام: ما الأسباب التي دفعت هذه الفتاة إلى الطيش والغواية؟ ولماذا تنكبت طريق العفة والشرف والاستقامة؟!
إنني لا أعفي الأسرة من المسئولية واللوم، لتقصيرها في القيام بواجبها، وترك الحبل للفتاة على غاربه. دون رقابة أو تقويم، وعلى كل أم أن تفتح عينيها جيدًا وتراقب سلوك أبنائها. فإنهم أمانة في يديها. سوف تعطي عنهم حسابًا. لا يكفي أن يكون لكل من الوالدين عينان. بل يلزم أن يكونوا كلهم عيونًا وآذانًا.
ويأتي في الجانب الثاني. الإهمال في تربية الأبناء تربية دينية منذ الصغر. وممارسة الواجبات الدينية والفضائل المسيحية من تناول واعتراف. والبعد عن المعاشرات الرديئة، التي قال عنها الرسول.. أنها تفسد الأخلاق الجيدة.
متاعب طالب جامعي
دخل إلى لجنة البر طالب جامعي، خرج لتوه من السجن! يقول في شرح حاله.. دفعته ظروف قاهرة أن يسلك سلوكًا ملتويًا. ولعب الفقر المدقع دوره معه، وانتهى الأمر به أن يزج في السجن. وأخذ ينحي على نفسه باللائمة. ويقول إنه يستحق العقاب جزاء وفاقًا لما فعل. ويقول إنه مر على مذبح السيدة العذراء بالزيتون ونذر أن يعيش مع الله من جديد. وتضرع إلى الله أن يقبله كما قبل الابن الضال وإنه اتعظ بما حدث له. وجاء في كلامه.. أنه سرق ليشتري كتبًا جامعية حتى لا تضيع عليه السنة.
ثم يتقدم الطالب الجامعي ويعرض على لجنة البر طلبًا عجيبًا. يقول: أنه يريد أن يقوم بمشروع يكفي إيراده للإنفاق عليه. ويشرح للجنة البر مزايا هذا المشروع. أما العجيب في المشروع أن رأس ماله مبلغ زهيد بينما ربحه كبير.
وتسرع لجنة البر بتقديم رأس مال المشروع. ويخرج الطالب الجامعي، وقد عقد العزم أن يعيش عيشة الاستقامة والأمانة وما أبخس الثمن أن تنقذ طالبًا جامعيًا ونفسًا من الموت بمبلغ بسيط!! ما أعظم الربح وما أبخس الثمن!!
بدلًا من التسول
شاب فقير.. يقف على باب الكاتدرائية. يتسول ويتصيد الداخلين إلى الكاتدرائية والخارجين منها لسماع عظة قداسة البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث. عرضت على الشاب أن يتحول من متسول وعاطل إلى ماسح أحذية. فرحب بالفكرة وجاء دوره ودخل إلى (لجنة البر) فاعتمدت له مبلغ من المال.. وأعددنا له علبة مناسبة لهذا الغرض، وكل مستلزماتها.. ووعدناه بالثياب، إذا جاهد وكافح واستجاب. والتقي به قرب الكاتدرائية، يحمل العلبة فرحان جذلان.. ولم يعد يمد يده بعد هذا اليوم إلى السؤال والامتهان.
طاقم أسنان
ثم يدخل إلى لجنة البر فراش تخطى الحلقة الخامسة. ونسأله ما به.. فإذا به يفتح فاه، ويشير بأصبعه إلى داخل حلقه.. لقد كان حلقه خاليًا تمامًا من الأسنان.. ويريد طاقمًا من الأسنان الصناعية.
كانت لجنة البر قد أعدت له نظارة طبية وهذه هي النظارة رقم 5!! وعاد الآن يطلب أسنانًا صناعية، ووعدت طبيبة متخصصة في طب الأسنان وعيادتها بمصر الجديدة وتعمل معنا عضوة بلجنة البر وهي محبة للخير، كثيرة البذل والعطاء، أن تصنع له طاقمًا يتكلف قدرًا من المال.. صنعته له مجانًا!
وأذاع الفراش الخبر.. وأدخل الكاتدرائية، وأُفاجأ بفراشين آخرين، يفتح كل واحد منهما فاه يشير إلى حلقه!! وقد خلا حلق كل منهما من الأسنان.
وتحضر العضوة إلى لجنة البر في الاجتماع التالي.. وأفاجأ بها تلح عليَّ إرسال شخصين لعمل أطقم أسنان آخرين. وتقول: قد تدفق عليَّ الخير منذ صنعت الطاقم الأول. حقًا إن الخير لا يضيع أبدًا.. والله الخير الكلي يرد الخير أضعافًا مضاعفة "مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ"(مت29:19).
محتالان من الإسكندرية
يدخل إلى لجنة البر محتالان.. محترفان. كأنهما متفقان! الواحد في أثر الآخر. يقول أحدهما - وكانت لجنة البر قد ساعدته سابقًا في مشروع في بيع "الميلامين"- يقول إنه الآن يدرس في معهد خارجي وعجز عن دفع المصروفات..
فأرسلت لأحد المعارف بالإسكندرية، وظهر أنه سدد المصروفات منذ بدء العام. وتقدم الثاني وهو كمساري يبكي. ويقول ضاعت منه العهدة، ويريد أن يسلمها على الفور وإلا فُصل من عمله. وأرسلنا إلى الإسكندرية فوجدنا أن العهدة سليمة لم تفقد منه. والذي فقد منه هو الصدق والأمانة! ويخرج المحتالان. وقد قدمنا لهما بدلًا من المال "نصائح" وهذه النصائح هي على كل حال ما يحتاجان إليه. وهي خير من المال لقد أخذا من لجنة البر شيئًا نافعًا على كل حال.
فتاة جامعية
تعيش مع أسرتها عالة على أختها الكبرى المتزوجة، تبرم بها زوج الأخت. جاءت تبكي بكاءً مُرًا وتقول إنها لا تستطيع المذاكرة والتركيز وهي بالسنة الثالثة بإحدى الجامعات – قررت (لجنة البر) إعانة عاجلة وإحالتها إلى بيت للطالبات تحت إشراف الكنيسة مع نفقات الإيواء والكتب والطعام. ويقف طابور طويل من ذوي الحاجات. وتنتهي المساحة المخصصة للمقال. فمعذرة وإلى اللقاء!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 14 أبريل 1978م
في مجال التعليم
في مجال التعليم[1]
† لا شك أن المعلم يقوم بأجل وأخطر مهمة.. لأنه يناط به تهذيب النفوس، وصقل العقول، ونقل التراث، والثقافات، والمبادئ، وتنشئة جيل.. وإعداد أمّة، ولهذا يحق لنا أن نتساءل ونقول مع الشاعر:
أرأيت أفضل أو أجل من الذي .:. يبني وينشئ أنفسًا وعقولًا؟!
† ومما يشَرف كل معلم، أن لقب "معلم" كان لقب مخلصنا.. كان الرب يسوع هو المعلم الصالح، الذي جاء ليعلم البشرية شريعة الكمال: "أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ"(يو10:10).
† وبقدر ما يكون المعلم مخلصًا لمادته، متفانيًا في أداء رسالته، بقدر ما يكون أثره، وبقدر ما تنهض الأمة على يديه، وتصعد قدمًا في مدارج التقدم والرقي.
† والمعلم الناجح هو الذي ينزل إلى مستوى التلاميذ.. فيخاطبهم على قدر عقولهم، ويكون محبًا لتلاميذه، فيتخذه تلاميذه أبًا، ورفيقًا، وصديقًا!
† وتحتاج مهنة المعلم إلى صبر وجلد وإخلاص.. وهناك فضائل يزود بها المعلم تلاميذه: منها القدرة على التفكير الصحيح؛ فلا يقدم للطالب الحل، بل يتركه يحاول أن يصل إليه بمجهوده، وبالتالي يكون الطالب إيجابيًا لا سلبيًا.. وفوق هذا وذاك يزوده المعلم بالثقة في نفسه، ويفتح أمامه باب الأمل واسعًا.
† ومع هذا فالمعلم يسانده الحزم.. فهناك مواقف تحتاج إلى كلمة تشجيع، ومواقف تحتاج إلى زجر وتقريع.. ولكل مجال مقال.
† والمعروف أن المدرس إذا أحبه الطالب، أحب المادة التي يُدَرّسها أيضًا.. وأحب الدنيا كلها! وما أسرع أن يتخلق بخلقه، ويتحلى ويتغنى بفضائله..
وفي هذا المقال أقتطف بعض الذكريات حسبما يتسع المجال..!
فضيلة الصمت
في الثلاثينات.. لم تكن الحرب قد اشتعلت، ولم تكن الأسعار قد التهبت، وكان الإنسان يقضي بجنيه واحد ما يعجز عن قضائه بعشرين جنيهًا في أيامنا الحاضرة.
وكان الحاصل على الثانوية العامة، يشتغل في الحكومة بمرتب ثلاث جنيهات.. تكفي وتفيض.. وكان خريج كلية الآداب، يعمل في المدارس الخاصة بمرتب 6 جنيهات فعلًا.. 12جنيهًا اسمًا. وفي هذه الآونة من عام 1938م، قام مدرس أعرفه تمام المعرفة، بتدريس ابنَي (خواجا) وهو ثري واسع الثراء.. وابتدر الخواجا المدرس بإتفاق عجيب.. وبحكمة أعجب. أما الإتفاق أن يعطي الدرس نصف ساعة ويركز عليها، أما الحكمة في هذا "الدرس الطويل تعب للجسد"!! ومجموع ما يعطي المدرس حصتين في الأسبوع بواقع ساعتين.
وجاء يوم الحساب؛ أول الشهر، وسأل الخواجا المدرس، كم يطلب أتعابًا؟!
فأطرق المدرس صامتًا.. تراه ماذا يطلب عن ساعتين والجنيه عزيز في تلك الأيام!
قال الخواجا: هل يكفي 10 جنيهات؟! فازداد المدرس إطراقًا وصمتًا! كان المبلغ كبيرًا لم يتوقعه المدرس.. وظن الخواجا أن المدرس يصمت محرجًا.. وأنه مستاء من ضآلة المبلغ!
قال الخواجا: حسنًا! ليكن الإتفاق 15 جنيهًا. وهنا خرج المدرس عن صمته وشكر الخواجا. وفي الشهر التالي قدّم الخواجا ابنه الأصغر وسنه أقل من أربع سنوات إلى المدرس ليساعده في النطق العربي. ثم ابتدره الخواجا بهذا السؤال: كم يكون إتفاقنا الآن؟! فعاد المدرس يلوذ بالصمت!! كان المدرس يريد أن يقول أنه يفضل أن يعفي هذا الطفل من الحساب.
ولكن الخواجا أسرع وقال: حسنًا.. ليكن إتفاقنا 25 جنيهًا.. وعاد المدرس يحسب. إنه استلم من هذا الدرس وحده ما يستلمه أربعة من خريجي الجامعة، يعملون بالمدارس الخاصة في ذلك الوقت.
ويبذل المدرس قصارى الجهد، ويتفوق الأولاد تفوقًا ساحقًا في امتحانات نهاية العام، وعندما أقبل العام القادم، عرفه الخواجا بعدد من أصدقائه (الخواجات).
وبحسبة بسيطة وجد المدرس أنه يحصل على ثروة تعد بمئات من الجنيهات شهريًا، بعد أن تعرف بعدد وافر من أصحاب الملايين و"الخواجات". وأخذ المدرس على نفسه أن يلتزم بفضيلة الصمت طيلة حياته في إعطاء الدروس، فكان الغني يدفع كثيرًا والفقير يدفع قليلًا.. ويعوض هذا ما يدفعه ذاك! وقد تعرض المدرس في سبيل ذلك لكثير من المفارقات!!
تقدمت سيدة مصابة بمرض عضال عاهة، لا شفاء منها. وطلبت من هذا الأستاذ، في نهاية العام أن يدرس أبناءها إنقاذًا للعام وكان ميئوسًا منهم.. فرق المدرس لحالها رغم أن جدوله كان لا يوجد به وقت فراغ، واضطر أن يحذف بعض الحصص من بعض الدروس ليهيء فرصة. ولجأ إلى فضيلة الصمت، فإذا بها تقدم أتعابًا عن ثلاثة من الأبناء أربعة جنيهات.. وهذا المبلغ الذي دفعته السيدة الفاضلة في شهر.. كان يُدفع للمدرس عن حصة واحدة.
واقنع المدرس نفسه، بأن الأسرة والأم مريضة.. وهذا الدرس "عشور من الوقت". وفوجئ المدرس في ذات الشهر الذي طلبت فيه السيدة العليلة الدرس، أن يُطلب لتدريس "ابن باشا".
ويسألونه عن الأتعاب في أول الشهر؟ فيلوذ بالصمت.. ويقول لربة الأسرة: "ضعي الأتعاب في ظرف حسبما تقدرونها، ليست الدروس تجارة ولكنها خدمة!" وتضع السيدة الأتعاب في ظرف مغلق.. ويفتح المدرس الظرف ويجد الأتعاب خمسين جنيهًا في الشهر! والأعجب أن يستمر هذا سنوات طويلة.. والرب أرسل الفقير، وأرسل الغني.
أعتقد المدرس أن قبوله للدرس الفقير كان بركة، جلب عليه طائفة الأغنياء والباشوات. بعد أن انتهى عهد الخواجات!
طالب يحمل منكرًا
بينما كنت أشغل وظيفة مدرس أول فلسفة، بإحدى المدارس الثانوية للبنين، نزلت يومًا إلى الفناء، وكانت تربطني بأبنائي الطلبة صلة المودة، فحياني طالب بالثانوية العامة، وقد عقد يده خلف ظهره، لقد ضبطته، متلبسًا كان يدخن. قلت له: أخرج يدك من خلف ظهرك، فاعتذر بأنه يحمل سيجارة. قلت له: هذه السيجارة تفقدك أشياء كثيرة؛ تفقدك الصحة، والمال، وشيئًا آخر ثمينًا، أهم من المال والصحة؟! فتساءل الطالب: وأي شيء أهم من المال والصحة؟! قلت: الإرادة فتصير عبدًا للسيجارة، والحرية لا تقدر بمال، وعدت فقلت له: يا ابني، إن الفرصة سانحة أمامك الآن وكل يوم يمر عليك، يجعلها تتمكن منك. ثم طلبت منه أن يلقي السيجارة، ويدوس عليها!
فعاد الطالب ينظر إليَّ، وإلى السيجارة مليًا، ثم قال: معذرة يا أستاذ، إنني مستعد أن أطيعك في كل شيء ما عدا السيجارة، إنها "كيف" وأنا أعتبرك أبًا، وصديقًا. عدت أشدد عليه أن يلقي السيجارة، وينتصر على نفسه! قال: سامحني يا أستاذ "أنا ضعيف وخرمان". قلت له: إذا كنت تعتبرني أبًا فلا تدعني أحس أنك عصيتني، لا أريد أن أفشل معك إنني أثق فيك.
وهنا في انفعال سريع، ألقى الطالب السيجارة، وداسها، وأخذ يصب عليها جام غضبه، وتعهد أنه لن يعود إليها. وتمر سنوات.. وأثناء سيري في طريق عام، أحس بفرملة سيارة جيش، وينزل ضابط ويمد يده إليَّ.. ألا تعرفني يا أستاذ؟ دعني أقبل يديك أنت صاحب فضل عليَّ! ووقفت مندهشًا وإذا به يستطرد: أنا الطالب الذي ألقى السيجارة منذ سنوات، في فناء المدرسة، ولم أعد إليها منذ ذلك اليوم؟!
العيادة النفسية
أثناء اشتغالي بالتدريس، أعلنت عن إنشاء (عيادة نفسية) للطلبة، يقدم الطالب مشكلته، ويأخذ الحل في لقاء خاص في الأسبوع التالي.. وقد تركت هذه العيادة أثرًا بالغًا، ورحب بها ناظر المدرسة أيما ترحيب، واعتبرها سبقًا لغيرها من باقي المدارس وقد لاحظت أن كثيرًا من الطلبة الشواذ.. يعانون من مشاكل وعقد نفسية ولم تستمر هذه العيادة طويلًا.. لأنني انتدبت إلى مدرسة أجنبية، ألحّت في طلبي..
وهذه مشكلة من مئات المشاكل
قال لي طالب: يا أستاذ أنا أعاني مشكلة تهدد مستقبلي. انتقلنا من بورسعيد إلى القاهرة بعد العدوان الأخير ونزلنا عند عمي، عدد أفراد أسرتنا 9 وعدد أفراد أسرة عمي 11 لأنه يعول أمه وأخته المطلقة. وفي البيت 20 نفسًا موزعين على ثلاث حجرات، يخص كل حجرة 7 أفراد! كيف أستذكر؟
وضعت له جدولًا ونظامًا، يستذكر عندما ينام الأطفال وعددهم 12، وفي الصباح الباكر قبل أن يستيقظوا، ويمضي يوم الجمعة في حديقة عامة خارج المنزل.. وهكذا. ونفذ الطالب الإتفاق.. بعد أن اشتركت معه في وضع جدول كامل. وأنسى هذا الحديث، وعندما توجهت إلى المدرسة في بدء العام لقضاء مهمة، يسرع طالب ويأخذني بالأحضان! إنه الطالب المذكور حقق مجموعًا ودخل الصيدلة.
إنها فيض من الذكريات يحفل بها حياة كل معلم يشتغل في التعليم.. ونعود ونقول:
قف للمعلم وفه التبجيلا .:. كاد المعلم أن يكون رسولا
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 21 أبريل 1978م
أحكام الله!!
أحكام الله!![1]
† أحكام الله عالية، تجرى من فوقنا، ولا تدركها عقولنا.. والكتاب نفسه يؤكد هذه الحقيقة فيقول:"يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ، لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟"(رو11: 23، 34).
† وكما أن أحكام الله عالية، فهي أيضًا عادلة، والله تبارك اسمه، لا يظلم أحدًا. وفي هذا يقول الكتاب: "فِي السَّمَاءِ كُرْسِيُّهُ. عَيْنَاهُ تَنْظُرَانِ. أَجْفَانُهُ تَمْتَحِنُ بَنِي آدَمَ لأَنَّ الرَّبَّ عَادِلٌ وَيُحِبُّ الْعَدْلَ. الْمُسْتَقِيمُ يُبْصِرُ وَجْهَهُ"(مز 7،4:11).
† وأحكام الرب أيضًا في الكون ثابتة لا تتزعزع: "الصَّانِعَ أَنْوَارًا عَظِيمَةً، الشَّمْسَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، الْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ"(مز 136: 7-9).
† ويضيق عقل الإنسان عن تفهم أحكام الله، وهيهات أن يتسع العقل البشري على ضآلته، بمن لا تسعه السموات والأرض. ولهذا يحذرنا الكتاب من التسرع في الحكم: "إِذًا لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، حَتَّى يَأْتِيَ الرَّبُّ الَّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَدْحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ اللهِ"(1كو5:4). ويعود الكتاب ويحذرنا فيقول:"لاَ تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ بَلِ احْكُمُوا حُكْمًا عَادِلًا"(يو24:7).
† وعقل الإنسان كثيرًا ما يعجز عن سبر غور الحكمة الإلهية، والإنسان مثلًا لا يفهم كيف يرى صدّيقًا مبتليًا، وشريرًا عاتيًا موفّقًا، كما لا يفهم الحكمة من وراء أحداث الحياة، ومصائب الدنيا. وهي تجل عن الحصر. ومن ذا الذي يستطيع أن يغوص في لجة حكمة الله.. من ذا الذي يحيط بمن يحيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء؟!
† ومن يدرك غير المدرك: "غير المرئي، غير المُحوَى، غير المبتدئ، الأبدي، غير الزمني، الذي لا يُحَد، غير المفحوص، غير المستحيل، خالق الكل؟!" وإليك طرفًا من أحكام الله ومن واقع الحياة.. عظة وعبرة.
الناس أقدار ومراتب!
عاش الرجل مقترًا على نفسه وعلى زوجته وأولاده، يضع القرش فوق القرش ويشعر بلذة الانتصار، ونشوة الفرح، كلما ارتفع رصيده من المال وأخذ ينفق على الضروريات بشق النفس، ولاقت الزوجة عناء وعنتًا، وحاولت أن تثنيه وتلطف من طباعه فباءت بالفشل، فأخذت تروض نفسها أن تعيش معه على شظف العيش. ولكنها أحيانًا، كان الأمر يفيض بها، فتتبرم بحياتها، ومن ثم تجمع ثيابها، وتذهب غضبى إلى بيت أهلها، وتأخذ أولادها معها، وهنا يتنفس الزوج الصعداء، لأن غيابها سيوفّر له بعض المال في الإنفاق! ويتدخل أولو الخير، وتعود الزوجة إلى بيتها، ويعود الزوج إلى سابق حاله لا يغيّر شيئًا من طباعه.
ومنذ تزوج الزوج، وكل شيء في البيت باق على العهد! لم يتغير الزوج عن طباعه.. ولم يتغير الأثاث، وكان مثار الخلاف بين الزوجين، المرتبة التي ينامان عليها، لقد ركب الزوج رأسه، وأصر على عدم تنجيدها بأي حال من الأحوال.
وخيرته الزوجة، أن يختار بينها وبين المرتبة، فاختار المرتبة! ولم تخرج الزوجة من بيتها، ولكن خرجت المرتبة. وتسبب خروج المرتبة من البيت، في خروج أبراج عقل الزوج من رأسه.. برجًا برجًا.
وجلية ما حدث أن الزوج سافر في مهمة.. وكان أحد أشقاء الزوجة قد عين في شركة.. فعاهد نفسه أن يقدم لشقيقته بأول مرتب مرتبة من الإسفنج. وأخفى الأمر ليكون مفاجأة سارة لشقيقته وزوجها. ورتب الله، وكل شيء في الحياة خاضع لحكمه، أن يحضر الشقيق المرتبة في يوم سفر الزوج.. وشاء الله في ذات الوقت أن يمر بائع النفايات(الروبابكيا) فتسلمه الزوجة المرتبة، ولا تطلب فيها ثمنًا، وتشكر البائع لأنه أراحها من هذه "البلوى"!
ويرجع الزوج من سفره، سعيدًا، يستخفه الطرب، لأنه حقق أرباحًا طائلة من رحلته، وتنتهز الزوجة الفرصة، لتقدم له مفاجأة تزيد من سعادته، وتقول له: أقدم لك أعظم مفاجأة، وترفع ملاءة السرير وتريه المرتبة.. ويبلع الزوج ريقه في غصة بالغة، وقد جف حلقه، وبح صوته، ويسأل وهو زائغ البصر: وأين المرتبة القديمة؟! وتقول الزوجة بلهجة الظفر: لقد ذهبت إلى غير رجعة.. لقد أراد الله أخيرًا أن يرحمنا منها.
وهنا تحدث مفاجأة مذهلة، ويسقط الزوج من طوله.. فاقد النطق والحس.
ويُنقل إلى المستشفى في حالة يرثى لها.. ويتبين من العلاج أنه أصيب "بذبحة". والواقع أن الزوجة عندما أخبرته بضياع المرتبة، كانت قد "ذبحته" فعلًا.
ويتبين أيضًا أن الزوج أخفى ثروته.. أوراق نقد من فئة الخمسين جنيهًا، داخل المرتبة.
وهكذا شاء الله، وسمح، أن يحرم هذا البخيل من المال، الذي حرم منه الفقير والأرملة والمسكين، والذي حرم منه زوجته وأولاده. ليذهب إلى بائع "روبابكيا"، إن المال الذي لا يستخدم في فعل الخير.. وعمل المعروف.. وإغاثة الملهوف، هو أيضًا روبابكيا! ونفاية.. وليس غريبًا إذًا أن تضيع المرتبة.. وأحكام الله كلها بدقة مرتبة!!
بركة القنديل
كيف يخلص الإنسان؟! وما هي أركان الخلاص؟ لقد أفاض قداسة البابا في شرح هذا الموضوع الهام، ودعنا نقتطف بعضًا من تعاليمه.
إن الخلاص يقوم على دعائم أربعة: الدعامة الأولى الإيمان؛ وهو أساس الخلاص:"آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ"(أع31:16).
الدعامة الثانية: العماد من الماء والروح: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ"(مر16:16).
الدعامة الثالثة: الأعمال الصالحة؛ وهي ثمار الإيمان "إِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ"(يع20:2).أأأااتا
الدعامة الرابعة: النعمة؛ ونحن نأخذ النعم من سبعة أسرار والكتاب صريح، لم يترك مجالًا للريبة فيقول: "اَلْحِكْمَةُ بَنَتْ بَيْتَهَا. نَحَتَتْ أَعْمِدَتَهَا السَّبْعَةَ" (أم1:9). والحكمة أي(السيد المسيح). بَنَت بيتها(وبيت الله هو الكنيسة). ونحتت أعمدتها السبعة (أي سبعة أسرار). أي أن السيد أقام الكنيسة على سبعة أسرار.
وأقصر حديثي هنا على سر مسحة المرضى "القنديل" والنعم التي نحصل عليها، شفاء الجسد وغفران الخطايا.
وجاءني أحد أبناء الكنيسة، يستشعر ضيقًا وهَمًا.. وابتدرني يقول: أنا يا أبانا أتوقع أن أصاب بذبحة قريبًا، إن رئيس العمل، يبالغ في اضطهادي، ويتربص بي، ويحاول جاهدًا أن يلصق بي تهمة. ولقد ضاقت بي السبل، وفقدت الشهية في الطعام وأحس بأعراض المرض.
قلت له: إن علة ما تشكوه، أنك تنظر إلى المدير العام، ونسيت أن تنظر إلى الله. وهل تظن أن هناك إنسانًا، مهما بلغت سطوته، بمستطيع أن يمسّك بسوء دون إذن الله.. وسماح منه! لست مصابًا بمرض، ولكنك مصاب بضعف الإيمان.
ورحبت كثيرًا عندما عرض عليَّ أن أقوم بعمل قنديل له في البيت..
واشترطت عليه أن يحضر أيضًا كل سكان العمارة، لتكون البركة للكل. وتمر ستة أشهر وألتقي به، ويحدثني حديثًا غريبًا عن(أحكام الله). وأخذ يقول لي: أُصر أن تذهب معي اليوم لعمل قنديل آخر، قلت له: حدثني بما تم في أمرك. قال: استقلت من وظيفتي، أو بمعنى آخر، أجبرت على الاستقالة! وأصبحت ذات يوم، أجد نفسي لأول مرة عاطلًا.. وفي عنقي زوجة وأولاد. قلت له: مبروك! قال: حقًا مبروك! ولكن لماذا تقول لي هذا يا آبانا؟! قلت له: لأن الخير دائمًا، فيما يختاره الله لنا. قال: دعني أشرح لك جلية الأمر. قال: زادت مشاكسات المدير.. وتيقنت أنني إذا لم أخرج راضيًا، أُخرجت كارهًا، وربما تمكن المدير من إدخالي السجن. وصمت محدثي قليلًا ثم أردف.. في ذات اليوم الذي خرجت فيه من عملي. وأنا أشغل وظيفة مهندس في شركة كبيرة، جاءني صديق يعرض عليَّ وظيفة شاغرة في دولة عربية، قلت: كم كان مرتبك في الشركة الأولى؟ قال: الصافي رقم يعد بالجنيهات. قلت: وكم يكون مرتبك في العقد الجديد، قال: رقم يعد بالآلاف. عدت أقول له: مبروك.. والآن هلم معي لعمل القنديل. وتقديم صلاة شكر لله الذي يختار لنا دائمًا ما يوافق مشيئته الصالحة.. وأحكامه العالية.
في الأتوبيس
قال لي: وهو يحتل مركزًا دينيًا، لقد جربت لأول مرة متاعب الأوتوبيس.. أمس كدت أختنق تمامًا وكادت ضلوعي تتمزق، انتظرت ساعة كاملة فلم أوفق إلى سيارة أجرة. ثم عاد يقول وعلى وجهه ابتسامة عريضة: حقًا ما أعجب أحكام الله! ثم استطرد: أشكر الله لأنني لم أجد سيارة خاصة طيلة ساعة كاملة، وركبت الأوتوبيس، كان هذا ترتيبًا إلهيًا! ثم عاد يشرح لي مفاجأة مذهلة؛ أنه تعرف بأحد الأبناء الواقفين، أعطاه مكانه وكان في ضيقة شديدة، أراد أن يتخلص من زوجته بتغيير دينه في هذا اليوم. قلت له وهل جذبته إلى الرب؟ فقال ليس هو وحده، بل تسعة أيضًا كانوا هناك.
رجعت ومعي عشرة.. فما أعجب أحكام الله!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 28 أبريل 1978م
ذكريات في عيد القيامة
ذكريات في عيد القيامة[1]
† العيد مشتق من الفعل(عاد، يعود) وسمّي هكذا لأنه يعود كل عام، فيحمل عاطر الذكريات! ونحن إذ نحتفل بعيد القيامة، تعود إلى أذهاننا ذكرى قيامة الرب من بين الأموات، ناقضًا أوجاع الموت.. منتصرًا على آخر عدو يبطل، وهو الموت. ونتذكر أنه قام، ليقيمنا معه في جدة الحياة.
† وبالتالي نتذكر العبارة التي درج آباؤنا على ترديدها في مثل هذه المناسبة: "المسيح قام.. حقًا قام".
† وفي عيد القيامة تطوف بنا الذكريات العذبة. كيف كان يعيش آباؤنا في الأعياد؟ وما أهم الأحداث؟ ومن هم ألمع الشخصيات في تاريخنا المعاصر والقديم. وما أجمل أن نعيش معهم بعض لحظات في أجمل الذكريات!
† وأعجب ما في (الذاكرة) أنها خالدة حتى بعد الموت.. يفنى الجسد، ولا تفنى الذاكرة، ولهذا فبعد أن ينتقل الإنسان من هذا العالم الفاني تمر الذكريات أمامه، وكأنها شريط مسجل، تقفز الواحدة في إثر الأخرى، لهذا قال أبونا إبراهيم للغني في قصة لعازر:"اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا"(لو25:16).
† ولأن الإنسان كثيرًا ما ينسى الله، يقول الكتاب: "اذْكُرْ خَالِقَكَ فِي أَيَّامِ شَبَابِكَ"(جا1:12). "اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ"(خر8:20) "اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ"! (لو32:17). وحتى نعالج النسيان يقول النبي: "عَرِّفْنِي يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ"(مز4:39).
وهنا أذكر لك أيها القارئ العزيز أحداثًا من واقع حياة القديسين. فقد تنفع الذكرى وإليك بعض الذكريات.. في المذكرات.
كاروز الديار المصرية
جاء القديس مرقس إلى الإسكندرية، التي أسسها الإسكندر الأكبر عام331 ق.م، وكانت مركز العلوم في كل أنحاء العالم، ومهبط الفلاسفة. فجال في شوارعها مأخوذًا بما فيها من علوم، حزينًا على ما فيها من مجون.. حتى انقطع سير حذائه. وقد دبرت العناية الإلهية أن يلتقي بأول (إسكافي) يُصلح له حذاءه وهو (إنيانيوس) الذي أخذ يعالج الحذاء بالمخراز.. وإذا بالمخراز، ينفذ في يده، ويصرخ متألمًا ويقول دون وعي: يا الله الواحد! ويتفل القديس مرقس على الأرض ويصنع من التفل طينًا ويطلي يد إنيانيوس بعد أن يرشمها بالصليب، ويدعو باسم السيد المسيح.. فإذا بنزيف الدم يتوقف في الحال! ويأخذه إنيانيوس إلى بيته.. ويؤمن وأهل بيته معه ويعتمدون جميعًا. ويردد مارمرقس هذه الكلمات: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو9:19).
وتكون هذه الأسرة، البذرة الأولى لأول كنيسة في مصر.. سرعان ما نمت وترعرعت. وانضم إليها المؤمنون تباعًا تباعًا، وأفواجًا أفواجًا. كانت أخلاق المسيحيين تجذب الناس إليهم.. ودرج الناس فيما بعد.. أن يقولوا إذا رأوا إنسانًا هادئًا، كاملًا: "هل قابلت اليوم مسيحيًا؟!" وهكذا تمت نبوءة إشعياء: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا"(إش19:19).
وينتقل مارمرقس يبشر الخمس مدن الغربية.. ويزداد عدد المؤمنين ويتوجس الحكام خيفة من انتشار المسيحية.
ويذهب مرقس الرسول إلى روما بدعوة من بولس الرسول حيث يشهد له بولس: "أَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ"(2تي11:4). لقد كان مرقس الرسول خادمًا نافعًا أينما ذهب! ويعود إلى مصر، حيث تبقى أول كنيسة في منطقة بوكاليا(أي دار البقر). يكتب مرقس "إنجيل مرقس" بإرشاد الروح القدس؛ وهو أول إنجيل كتب في العالم! ويؤسس أول مدرسة لاهوتية "إكليريكية" في العالم بأسره.
وفي يوم عيد القيامة 68م، ولنذكر هذا جيدًا. وكان هذا اليوم يوافق عيد "سيرابيس"، عند الوثنين، وبعد أن أتم الوثنيون شعائر دينهم، دفعهم الشيطان هائجين.. فقبضوا على الرسول. ووضعوا حبلًا حول وسطه وسحلوه، وجروه فوق الصخور وهم يصيحون: جروا الثور في دار البقر! واستمروا في غوغائهم حتى تمزق جسد الرسول، واختلط جسده بدمه، فألقوه في السجن.. وهنا أضاء السيد المسيح السجن بنور وضّاء، وقال للقديس: تشدد غدًا تكون معي!
وفي اليوم التالي أعاد الوثنيون الكرة، وربطوا الحبل في رقبته، حتى انفصلت رأسه عن جسده.. وروت دماؤه الطاهرة أرض مصر.. فنبتت شجرة وارفة الظلال، ممتدة الأغصان.. وكانت دماؤه باكورة لدماء الشهداء في عهد الرومان.. ولم تذهب دماؤه هباء، فقد استحالت نورًا وحياة ولا غرو فدماء الشهداء، بذار الإيمان.. ودفن جسد مارمرقس في (بوكاليا) حيث شيدت أول كنيسة بالإسكندرية، وسرق بعض تجار البندقية الجسد.. وحملوه إلى البندقية، ووضع في كاتدرائية تحمل اسمه، إلى أن عاد أخيرًا إلى مصر، وهو الآن يرقد هانئًا تحت الكاتدرائية المرقسية بأرض الأنبا رويس.
فهل تذكر في كل عيد قيامة، مارمرقس الرسول الشهيد، الذي سفك دمه لأجل الكنيسة في مصر.. وهل تذكر في كل عيد قيامة! إنه استشهد في عيد القيامة؟! وهل نذكر أن جسده المبارك يرقد بيننا.. يبارك جهادنا؟!!
من عظماء الأقباط
إبراهيم الجوهري، تزوج قريبة له، وأنجب ابنًا أسماه يوسف، وابنة أسماها دميانة. ولما كبر الابن وبلغ مبلغ الشباب.. خطب له فتاة، توسم فيها العفة. وأعد لابنه منزلًا خصيصًا له، جهزه بالأثاث والرياش. ولكن بدلًا من أن يُزف إلى عروسه، زُفَ للسماء.. وقد أثار انتقاله المفاجئ أشجان أبيه.. فأغلق الباب، وهدم السلم، وسمره لكي لا يدخل أحد.. وظل هكذا حتى تداركته المراحم الإلهية، فظهر ملاك الرب له ولزوجته في حلم وأخبرهما أن ابنهما نقل إلى الفردوس ليزف هناك حبًا فيه وفيهما.. فتعزت نفوسهما.
ومن الطرائف عن إبراهيم الجوهري: أنه كان حاضرًا الصلاة بكنيسة العذراء بحارة زويلة، وأطال الكاهن الصلاة، وحان موعد الديوان، فأرسل للكاهن من يقول له مستعطفًا: المعلم يرجو أن تسرع قليلًا، وأجاب الكاهن: "المعلم واحد في السماء والكنيسة لله وليست لأحد" وإذا لم يعجب المعلم هذا الكلام، فليبن كنيسة أخرى. واعتبر المعلم إبراهيم هذا الكلام توجيهًا أبويًا وأسرع ببناء كنيسة أبي سيفين!
عاد المعلم إبراهيم الجوهري بعد صلاة عيد القيامة، فرأى البيت غارقًا في الظلام، فأخذ يتلمس طريقه، واصطدم بزوجته، وبادرها بالتحية: المسيح قام. قالت: لا، كيف يكون السيد المسيح قد قام وبجوارنا سجين، وهو ملقى في السجن غدرًا؟ فتوجه إبراهيم الجوهري إلى السجن. وأخرج الرجل بالضمان الشخصي.. وعندما عاد إلى البيت، وجد البيت يتلألأ بالأنوار.. قال لزوجته: المسيح قام.. قالت: حقًا قام..!
في الصباح ذهب المعلم إبراهيم الجوهري ليعيد على البابا البطريرك، فوجد عند قداسته مفاجأة في انتظاره.. المعلم فانوس يعتب على المعلم إبراهيم الجوهري، أنه قام في نصف الليل يصنع خيرًا، ولم يشركه معه.. وحل قداسة البابا الإشكال بقوله: المعلم إبراهيم أخرج الرجل من السجن، والمعلم فانوس يوجد له عملًا!
يا لها من (خناقة) حامية على فعل الخير؟! ولكن الأروع، والأعظم، أنه عندما عرضت الوظيفة على الرجل الخارج من السجن اعتذر.. بأن هناك من هو أحق منه بالوظيفة لسوء حاله، وهكذا أمكن تدبير عملين للاثنين.. وهكذا كان آباؤنا سباقين إلى الخير.. يفضل الواحد أخاه على نفسه!
بعد انتقاله
تعود فقير أن يأخذ معونة شهرية من المعلم إبراهيم تقيم أوده، ولما جاء يطلب المعونة فوجئ بانتقال المعلم إبراهيم من هذا العالم. فأسرع إلى كنيسة مارجرجس بمصر القديمة حيث يوجد قبره وأخذ يبكي ويندب حظه.. حتى غلبه النعاس.. فتراءى له المعلم إبراهيم، وأوصاه أن يذهب إلى رجل زيات ببولاق، ويأخذ منه دينًا عليه.. وتكررت الرؤيا ثلاث مرات ولم يذهب الرجل. فقال له إبراهيم الجوهري: اذهب إلى الزيات وسوف أسبقك إليه.. وفعلًا قصد الرجل الزيات وسلم عليه.. فقام لتوه وسلمه الدين وهو يقول: جاءني المعلم إبراهيم الجوهري في الليلة السابقة.. في المنام وإليك ما في ذمتي له!!
مشكلة، والحل
تنازع اثنان من الأقباط على حقل: اشترى الأول الحقل من الثاني، وعندما هم بالحفر، اكتشف كنزًا في الحقل، فأسرع إلى الثاني يقول: هلم ارفع الكنز من الأرض لأنه يخصك. الثاني يقول: لقد بعتك الحقل وما فيه إنه من حقك.. الأول: أنا قد اشتريت الأرض، فالأرض لي، والكنز من نصيبك. ويتنازع الاثنان. ويذهب الاثنان.. إلى الكاهن، فيتحرى الأمر، ويعرف أن الأول له ابنة في سن الزواج، والثاني له ابن شاب في سن الزواج، فيقترح أن يتزوج ابن الثاني، من ابنة الأول، ويكون الكنز هدية العرس.. وهكذا ارتاحت نفوس المتنازعين! ليتنا نتذكر كل هذه الأمور الطيبة في يوم العيد، لتكون حافزًا لنا أن نقتدي بها، ويكون عيدًا مباركًا.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 5 مايو 1978م
من هنا.. وهناك
من هنا.. وهناك[1]
الناس صنفان: عاقل بنى بيته على الصخر، وجاهل بنى بيته على الرمل، أما الأول فثبت أما الثاني فسقط، وكان سقوطه عظيمًا.. كما قال مخلصنا الصالح(مت7 :24-27).
† وبقي أن نعرف من هو العاقل، ومن هو الجاهل..؟ العاقل والجاهل هما الناس جميعًا..! أما التعقل فيكمن في معرفة الله وفي مخافته.. كما يقول الحكيم: "بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ"(أم10:9).
† وكثيرًا ما يمر بالكاهن شباب.. البعض منهم قرأوا كثيرًا ولكنهم لم يتزودوا بالمعرفة الدينية الأصيلة، والبعض قد تزودوا بتعاليم خاطئة بعيدًا عن العقيدة الأرثوذكسية المستقيمة الرأي.. والبعض الآخر قرأوا علمًا ولم يتزودا دينًا. وهؤلاء وأولئك: "هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ"(مت14:15).
† وفي رأيي أن الذين يهاجمون المسيحية، هم الذين لا يفهمونها على حقيقتها.. والذين يهاجمون الأرثوذكسية، هم الغرباء عنها، الذين لم يرضعوا لبنها، ولم يدركوا أعماقها.
† وفي خدمتي الطويلة في الكنيسة، قبل الكهنوت، وبعده، التقيت بهؤلاء وأولئك، واكتشفت من أول لقاء، إما أنهم لا يفهمون العقيدة إطلاقًا، وإما أنهم يفهمون فهمًا خاطئًا.. ومرة جمعتني إحدى بناتي في الاعتراف، ببعض الأساتذة في كليتها.. فوجدت أن معلوماتهم عن المسيحية سطحية جدًا.
† وسألت مرة بعض الخدام عن السبب في استخدام المراوح باليد.. أثناء التقديس فقالوا لطرد الذباب عن الكأس.. مع أنها طقسيًا، إشارة إلى أجنحة الشاروبيم، والسارافيم، أي إشارة إلى حضور الملائكة؟! وعندي أن الذين يتمسكون بطقوس الكنيسة، هم الذين يعرفونها ويجدون فيها روعة وجمالًا.
300 سؤال
قال الشاب: إن أشد ما يحيرني.. السيد المسيح!! أحيانًا تشدني كلماته شدًا، وأحيانًا أجد نفسي لا أفهمه. إنني أحبه، ولكنه يبدو غامضًا أمامي.. كثيرًا ما أفكر فيه. ولكن معلوماتي عنه متناقضة، لكثرة ما قرأت من كتب علمية، وهناك ما يحول بيني وبينه؟! قالت زميلته في الجامعة: وما الذي يحول بينك وبينه؟
قال: 300 سؤال!! آه لو وجدت لهذه الأسئلة إجابة شافية؟ لهرعت أرتمي في أحضانه.
كان الشاب من عائلة كبيرة لها شأنها.. وكان ذواقًا للكتب، يقرأ الكثير للملاحدة وأعداء المسيحية، فازدحم عقله، ولم يتسع لكل ما يقرأ.
كان مثقفًا ثقافة علمية، ولكنه يجهل معظم المبادئ اللاهوتية والدينية، وهنا الخطورة.. أن يحاول الإنسان أن يبني على غير أساس، فيكون كمن يريد أن يبني عمارة شاهقة، لكن على رمال متحركة.. فينهار كل ما ابتناه في لحظة.
وفوجئت ذات يوم، بالطالبة زميلته، تقدمه لي.. قال الشاب: أبونا هل أجد لديك وقتًا لإجابة300 سؤال؟! قلت: في الحال: لا.. ولكن على المدى الطويل.. ممكن.
قال: إني مستعد أن أحضر إليك مع زميلتي كل أسبوع. ورحبت الفتاة بالفكرة وهنا برزت أمامي مشكلة أخرى، قد يستغل الشيطان فرصة لقائهما المستمر.. ومن يدري ربما يعد الشاب أسئلة أخرى لتطول مدة اصطحابه للفتاة.. وهي طيبة متدينة، خالية الذهن تمامًا.. قلت دون أن أجرحهما إطلاقًا، ومع افتراض حسن النية. لا، إذا كنت صادق العزم حقًا.. احضر بمفردك، لا تعطل الفتاة، وربما لا يتفق وقتك مع وقتها. وهمت الفتاة أن تقول شيئًا.. لكنني نظرت إليها بحزم!
ثم قلت: إنني الآن ذاهب لأعود مريضًا بالمستشفى القبطي، وأدهنه بالزيت.. هل لك في مصاحبتي؟ وفي الذهاب والإياب، استطعت أن أرد على 60 سؤالًا وبقي 240!! كانت الأسئلة مباشرة، يحتاج الرد عليها إلى عبارة أو كلمة.. وكان بعض الأسئلة فلسفة، والبعض لاهوتًا. والبعض أقوال ملاحدة، والبعض مفهومًا خاصًا للمسيحيين.
والتقيت به على مدى ثلاثة أشهر..
ولم أستطع التحدث إليه في الكنيسة للزحام.. وكان ينتظرني طويلًا.. من غير قلق، وكان يرافقني في العربة، كلما هممت بزيارة، وتكون الإجابة، وأنا أسوق.. ومرة سألني سؤالًا هامًا.. فالتفت إليه، ونسيت عجلة القيادة.. وأفاجأ بسيدة مسرعة تعبر الطريق. كدت أدهمها ولكن الله سلم.. وبعد أن تمالكت عاد صاحبنا يكرر السؤال!
وانقطعت صلتي به، وقرب نهاية العام، جاءني يبتسم.
قال: أبونا، أنظر.. وفوجئت به يشمّر عن ذراعه، حتى وصل إلى أعلى العضد؛ (أعلى الذراع) لقد دق صليبًا!
قال: قصدت أن أدق الصليب هنا.. لأنه قد عاد إليَّ الإيمان.. وأنا أرى أن الخلاص في المسيحية (إيمان له أعمال) فلا أستحق الآن أن أدق الصليب في رسغ يدي.. وأنا الآن مسيحي بالاسم!
ثم أردف قائلًا، ولكن عندما أسير في طريق التوبة، وأرتب لي أب اعتراف، وأقوم بالتدريبات الروحية، وأنزل عن عاداتي القديمة، وفي مقدمتها التدخين، سأدق صليبًا آخر في رسغ اليد.. أتكون راضيًا عني؟ وعدت أسأله: لقد وعدتني بقراءة الإنجيل، وأن تواظب.. فهل وفيت بالوعد؟ قال: نعم.
قلت: أذكر لي آية تناسب المجال.. قال: الآية التي قالها المولود أعمى، الذي خلق له السيد المسيح عينين "كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ"(يو25:9).
إرادتنا، وإرادة الله!
أعرفه منذ أربعين عامًا تقريبًا.. كنت قد أغلقت الكتب الدراسية، ونذرت أن أذهب إلى الإكليريكية، من بنها ماشيًا! ثم التقيت به كزميل وصديق ولم نفترق.. فوجدته شعلة من ذكاء، أما سبب دخوله الإكليريكية، فكان الأمر مختلفًا تمامًا، حصل على شهادة البكالوريا بتفوق، ووقفت في طريق دخوله الجامعة عقبة كؤود، عقبة السن؛ كان سنه أقل من 15 عامًا.
ولم تكن (وزارة المعارف) وقتها قد حددت السن في المراحل الابتدائية والثانوية، ولكنها حددت السن في دخول الجامعة.. فماذا هو فاعل، كان من الممكن أن يعود إلى قريته ويبقى بين أهله عامًا آخر، ولكن كانت تجيش في نفسه رغبات دينية، ففضل أن يدخل الإكليريكية في مهمشة، لمدة عام، في الداخلية ويتلقى تعليمًا دينيًا لمدة عام، ثم يكمل المسيرة إلى الجامعة في السنة التالية.. هكذا رتب الصديق.. ولكن الله كان يرتب شيئًا آخر..!
انتهى العام الدراسي، بالكلية الإكليريكية وكانت المنافسة بين الطلبة على أشدها كان كل طالب يسعى إلى التفوق، وكانت هناك مكافأة مجزية للأول والثاني من الخريجين.
إذا به ينجح في السنة الأولى ويكون ترتيبه الأول.. وعاد الصديق يفكر تفكيرًا ثانيًا، لماذا لا يتم الدراسة بالسنة الثانية والثالثة ويحصل على تقدير التفوق، وعلى بكالوريوس في اللاهوت ثم يدخل الجامعة في سن 18 وهو السن العادي للأغلبية الساحقة من الطلبة فيضرب عصفورين بحجر واحد؟! ويجمع بين الثقافتين الدينية والعلمية؟ وفعلًا نفذ الفكرة وكان ترتيبه الأول على الخريجين في دفعته.. ثم عاد يقول: لماذا لا أمر على المطران وأنال بركته وتهنئته وأنا في طريقي لبلدتي.
وهنا عرض عليه المطران أن يعمل واعظًا في فترة الإجازة الصيفية بمرتب مناسب. ورحب الصديق بالفكرة ليستغل مواهبه في خدمة الكنيسة، والمال الذي يحصل عليه، ينفعه في التعليم الجامعي.. وقبل أن تنتهي الإجازة عرض عليه المطران أن يشتغل واعظًا بالبلدة المجاورة ويجمع بين البلدين، ويخدم خدمتين وشعبين، وفي ذات الوقت ألح عليه أهل البلدة أن يعطي أبناءهم دروسًا خصوصية إنقاذ لمستقبلهم.. في الشهادة العامة.
لم تكن المادة تهمه في قليل أو كثير.. أراد أن يخدم أهل قريته، وأن يطيع الرئيس الديني.. ويتخذ من خدمة الكنيسة، زادًا وتوفيقًا له في دراسته الجامعية وقال: أضحي بعام آخر! وانتهى العام، وأعد الصديق أوراقه، وأراد أن يأخذ القطار إلى القاهرة.
وإذا بالمطران يستدعيه على عجل.. ويقول له: يا بني، لقد اخترتك لتكون كاهنًا على قريتك ترعى شعبك بالأمانة والبر.. لا تشغل نفسك بالدروس.. من الآن تكرس حياتك لخلاص النفوس.. ماذا تقول؟! وقال الصديق: نعم! لم يكن هو الذي قالها: بل الله نطقها على لسانه "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ" (يو16:15). ولم يحصل الصديق على درجة لسانس من الجامعة، ولكنه حصل على درجة أرقى درجة التكريس الكلي لله! ولعل القارئ يتساءل: كيف يمضي كاهن مثقف40 عامًا في القرية؟
وهذا هو المفهوم الخاطئ للخدمة.. أن الله يعين لكل فرد مكانه.. والخادم لا يختار لنفسه، إنما الاختيار حسب احتياجات الخدمة وقد تكون القرية في أمس الحاجة إلى الخدام العاملين والسيد المسيح يقول: "ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ" (لو4:5). وفي عهد قداسة البابا شنوده الثالث - حفظه الرب - وألبسه ثوب الصحة لدينا كلية إكليريكية في المحرق، وأربع كليات أخرى لتمد القرى بالخدام العاملين، وتغطي حاجة القرية.
وتحية، وتقديرًا إلى أبي الكاهن الورع المثقف، الذي حولته إرادة الله لخدمة القرية. وهو الآن قد أتم40 عامًا يخدم القرية بكل همة وتفان، وإخلاص، تغمره السعادة!
مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 12 مايو 1978م [1]
ورأى الله ذلك.. أنه حسن
ورأى الله ذلك.. أنه حسن[1]
(تك 13:1)
قامت لجنة البر بافتتاح ثلاثة مشروعات جديدة في وقت واحد. مشروع سجاد على الطراز القبطي وأعدت لهذا المشروع 8 أنوال، تكلفت الكثير من المال، وتكلف إعداد المشروع مبلغ آخر، وقد اختفى الشعب بعد صلاة العشية والعظة الإثنين مساء. في صلاة التبريك بهذا المشروع في البناء الخاص به بأرض الجراج المواجه للكنيسة، والعجيب أن الفتيات المتقدمات للعمل كلهن من اليتيمات..!
والمشروع الثاني "مشروع الخزف" وعمل صلبان وأواني، وحاجات الأفراح من علب الفخار. وسيتم تنفيذ هذا المشروع في غضون شهر.. بعد الانتهاء من إعداد المكان.
والمشروع الثالث تم تنفيذه فعلًا، وهو خاص بإعداد البراويز. لدينا الآن مجموعة، رائعة، تخلب الألباب، وقد اشترى الشعب جميع المعروضات فور الانتهاء من صلاة التبريك!
هذه المشروعات، إلى جانب مشروع المشغل، ليس الهدف منها الربح مطلقًا. وكل الدخل يوزع على العاملين، لأن الكنيسة تمارس أعمال الرحمة، ولا تمارس عملًا تجاريًا من قريب أو بعيد.. وكلما ازداد الدخل، ازداد رصيد العاملين من الربح، واستطاعوا أن يعولوا أسرهم، ويشقّوا طريقهم دون انحراف.
ويفضل أن يكون سن المشتغلات في مشروع الأنوال بين 12،10 سنة، ويفضل الأيتام، والعائلات المستورة، ومن أخنى عليهم الدهر، من أخوة الرب يسوع. يتساوى إن كانوا أولادًا أو بنات.. والهدف من هذه المشروعات، تنفيذ وصية الرب.. وهذه الوصية، صيغت في كلمتين:"أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا" (لو13:9). ويشترك العاملون في قداس الأربعاء صباحًا وممارسة الأسرار، الاعتراف، التناول، وتهتم لجنة البر بحياتهم الروحية في الدرجة الأولى.
وحديثي إليك عن يوم آخر من أيام لجنة البر.. بالزيتون.
المال الحرام
وقف شاب مثقف أمام لجنة البر.. وقال إنه خريج كلية فرنسية، وذكر اسمًا مشهورًا، وأنه حصل على شهادة "فيلو" أي ثانوية عامة، ثم درس في معهد دونبسكو وأخذ شهادة أخرى.
ثم عاد وقال، أنه أخذ شهادة ثالثة.. إنه أيضًا خريج سجون..!!
قال: لأنني أجيد اللغة الفرنسية والإنجليزية جذبني العمل خارج بلادنا المصرية، فتنقلت في دول أوربا وعملت في بلغاريا، ورومانيا، وتركيا، وفرنسا.. وانتهى بي المطاف إلى لبنان.. حيث شاهدت المذابح التي تقشعر من هولها الأبدان.. وكدت أكثر من مرة أن أكون أحد الضحايا.. ثم استطرد الشاب: لقد تحطمت أعصابي تمامًا وانطبعت في مخيلتي صور أليمة، واهتزت أعصابي.. واضطربت أفكاري ومبادئي.. وصرت شخصًا آخر، وعدت لمصر ولم أجد عملًا.
سألناه: كيف كان يعيش؟ قال: اشتغلت لصًا وسرقت 18 بيتًا.. وجمعت ثروة، أنفقتها جميعًا على الملاهي، والحانات، والفساد، الملذات ثم قُبض عليَّ، وزج في السجن، وحكم عليَّ بأربع سنوات، لأنال عقابًا رادعًا.. ثم عاد يقول: في هذه الفترة.. عدت إلى نفسي.. وعاد إليَّ ضميري، وذرفت في السجن دموعًا كثيرة، كانت تبلل وجهي صباحًا ومساء، وعدت إلى الله بكل جوارحي.. ومن العجيب أنهم عفوا عني بعد ثلاث سنوات، وكان التقرير(حسن السير والسلوك)؟!
سألناه ماذا تعلمت في السجن؟ قال: تعلمت مهنة مزج الألوان والرسم بالزيت والفحم، والنسج على الأنوال.
وكنت أحصل كل شهر على مبلغ من حساب الكانتين الملحق بالسجن. وعند خروجي أخذت شهادة من جمعية رعاية المسجونين في الزمالك، وهذه الجمعية تفحص الحالات وتقوم بتشغيل خريجي السجون، وتكون الأولوية لمن حكم عليهم بالمؤبد، والأحكام الثقيلة، وعلى الباقيين أن ينتظر كل حتى يأتي دوره..
صف لنا حالك الآن: أنا الآن تحت المراقبة، وكان عليَّ أن أبيت في السجن 3 أشهر مضت والحمد لله!
وهنا قامت لجنة البر بتحويله إلى فنان يعمل معه، حيث يصب الاسبداج والغراء على(فُرَم) من الخشب، لإعداد رسومات ونقش فني.. وحدث أن استدعيت فيما بعد الفنان الذي يعمل معه.. وسألته عن إنتاج هذا الشاب.. خريج السجون! قال: ممتاز، خلقًا وعملًا.. هو ينتج في اليوم الواحد، ما يعجز عن إنجازه عدة أفراد.. قلت للشاب: ما رأيك في العمل الحر الشريف.. بعرق الجبين؟ قال: أشعر بسعادة وغبطة وأنا أطلب دائمًا بركة الكنيسة.
قلت: لعلك تستفيد يا بني مما حدث لك، وتأخذ درسًا.. إن المال الحرام لا يفيد وهناك طريقان لا ثالث لهما: طريق الخير، وطريق الشر.. طريق الخير يؤدي إلى الحياة، وطريق الشر يؤدي إلى الهلاك.. ولقد جربت طريق الشر.. فماذا استفدت؟ لا شيء. لقد خسرت على طول الخط.. ودمغت بالجريمة.. ودخلت السجن. قال أعاهدك.. ثم ابتسم وقال: وإذا سرت في طريق الخير.. ماذا تقدم لي؟؟ قلت: أقدم لك متجرًا، وأعده مهما تكلف الأمر. لتعرض فيه رسومك، وتظهر فيه مواهبك.. وتجني ثمار كدك.. وتعيش من المال الحلال. مزودًا ببركات أم النور.
معاملات الله
جاءني شماس مكرس، يخدم في أحد أحياء القاهرة، وفكرة الشماس المكرس فكرة صائبة نفذها قداسة البابا شنوده الثالث، حيث يتدرب خريج الكلية الإكليريكية، على الحياة العامة، ويكتسب خبرات تحت إشراف الأب الكاهن. قال الشماس وقعنا في ورطة شديدة، ولما ضاقت بنا السبل، جئنا نلتمس بركة العذراء وسرد قصة طويلة. سيدة أقدمت على تزويج ابنتها، رغم ضيق يدها، ولجأت إلى تاجر(موبيليا)..
ووقعت على شيكات على بياض وعاد تاجر الموبيليا يطالبها بقيمة الشيكات واحد تلو الآخر. فلما عجزت عن الدفع، رفع الأمر إلى القضاء فحكم عليها بكفالة واستأنف التاجر.. وحكم الاستئناف بعد يومين: إما الدفع وإما الحبس أمران أحدهما مُر.
قلت: أبذل مجهودًا وأجمع لها من أولي الخير، ثم قدم لي النتيجة والرب يدبر الباقي.. عاد وقال: جمعت جزء من الدين والمطلوب بعد أن باعت السيدة ماكينة خياطة هو سداد الشيك الأول. ثم عاد وقال: توجهت إلى تاجر الموبيليا، هو رجل مسيحي، طيب القلب، ولما عرفته بحال السيدة تنازل عن ربع المبلغ والمطلوب الآن الباقي فورًا.
أثنيت على الشماس لهمته في خدمة ذوي الحاجة. ثم كلفته أن يُحضر التاجر إلى الكنيسة، فحضر فعلًا.. وحدث أن تركته قليلًا لحل مشكلة عائلية، في حجرة خاصة بالكنيسة، وإذا بمشادة تحدث بين عضوات لجنة البر، بين السيدات والتاجر.. وإذا بالتاجر يغادر الكنيسة، ويقول إنه منتظر بالمتجر إلى الساعة 12 في منتصف الليل.
قررت لجنة البر أن تدفع الشيك الأول وتبحث مع التاجر أمر الشيك الثاني..!
واحتجت بعض السيدات، وقالت إحداهن: هل تظن يا أبانا أننا قد فتحنا هنا في كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، فرعًا (للبنك الأهلي)؟! قلت للسيدة المعترضة: سوف ندفع، ولن ندفع شيئًا!
وتوجهنا إلى صاحب المتجر الحادية عشرة والنصف ليلًا، برفقة بعض أعضاء لجنة البر، وفوجئ الرجل بالكاهن يدخل متجره فأسرع بإحضار ماء وقال: "صل يا أبانا ليبارك الرب المتجر".
ثم عاد وقدم لنا الشيكات المطلوبة جميعًا، وتنازل عن شيك!! وتبرع بمبلغ آخر لتجهيز الأخت الثانية، وكل ما تحملناه من مجموع الشيكات هو أقل من ربع المبلغ فقط.
وعندما توجهت إلى الكنيسة في اليوم الثاني فؤجئت بسيدة قد تركت في الكنيسة لحساب لجنة البر نفس المبلغ الذي دفعناه!
وجلست ساهمًا أجيل الطرف مفكرًا في عناية الله بنا.. ومعاملات الله معنا.. رد لنا نفس المبلغ الذي دفعناه! وأقف دائمًا على مذبح العذراء، وأكرر دعاء يتردد على فمي.. وإن كنت أهمل كثيرًا في رد الخطابات.. وأقول: عوضهم يارب عوض الفانيات بالباقيات.. عوض الزمنيات بالأبديات. بيوتهم املأها من كل الخيرات.
السيدة والطفلان
تدخل لجنة البر سيدة شابة، يتعلق على ذراعيها طفلان.. يرتسم على وجهيهما كل صور التعاسة والشقاء والبؤس.. زوجها فقد كل مقومات الأخلاق.. أراد أن يدفع زوجته في طريق الرذيلة، فأبت نفسها الحرة أن تغضب الله عليها، فانهال عليها وعلى الأولاد ضربًا مبرحًا حتى أصيب أحد الأطفال بالصرع. فاقترضت ثمن التذكرة وأخذت القطار إلى لجنة البر بالزيتون.. وهي من إحدى محافظات وجه بحري.
وسمحت لها أن تبيت الليلة بجراج الكنيسة، وقلت لها غدًا، العذراء أم النور تشفع لك.. وفي صباح اليوم التالي في قداس الأربعاء، أعلنت أمر هذه السيدة فتقدمت سيدة فاضلة، ابنة أحد باشوات مصر.. ووضعت الطفلين في ملجأ وأخذت السيدة إلى أحد البيوت الكريمة.
وحلت المشكلة بين مساء وصباح..
ونقرأ في سفر التكوين، الإصحاح الأول: "وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا"(تك5:1). وما أجمل أن نفعل الخير فهذا ما قال الكتاب عنه أيضًا: "وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ"(تك4:4)!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19 مايو 1978م
درجات الإيمان!!
درجات الإيمان!![1]
يقول الكتاب:"طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا"(يو29:20)، ويقول إنجيل يوحنا: "وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ"(يو31:20). وهذا هو تصريح الكتاب القاطع "مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ"(مر16:16) والإيمان درجات.
† درجة الصفر: أو انعدام الإيمان"الإِيمَانُ بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ"(يع26:2).
† راسب: مثل الذين لا يؤمنون باستحالة الخبز والخمر، إلى جسد الرب ودمه، الذين يقولون مع اليهود: "كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ؟!"(يو52:6).
† درجة ضعيف: بطرس يمشي على الأمواج، عندما نظر إلى يسوع، وبطرس ينظر إلى الأمواج فيخاف ويبتدئ أن يغرق. وضعيف الإيمان كل من يحول نظره عن الله، يتم فيه قول الكتاب: "رَجُلٌ ذُو رَأْيَيْنِ هُوَ مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ"(يع8:1). ويمثله إيمان زكريا الذي قال للملاك: "كَيْفَ أَعْلَمُ هذَا، لأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟"(لو18:1).
† درجة جيد: المرأة الكنعانية التي آمنت برحمة السيد المسيح، وقالت: "وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا!" (مت27:15)، فمدحها الرب بقوله لم أجد إيمانًا مثل هذا. ويمثله إيمان المولود أعمى، الذي تبع الرب بعد أن طُرد من المدينة.
† درجة ممتاز: هو إيمان أبينا إبراهيم الذي قدم ابنه ذبيحة: "فَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا" (تك6:15) وإيمان بطرس "هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ"(مت27:19، مر28:10، لو28:18)!
وأُقدم لك أيها القارئ العزيز، قصصًا من واقع الحياة، مرتبة مع بعض درجات الإيمان السابقة..
صفر وراسب
يفسر كثيرون فشلهم في الحياة، بسوء الطالع، وسوء الحظ، وقلة البخت! ويقولون أن الله قدر لهم هذا، ولن يهرب إنسان مما قدر له.. وإن سوء الحظ يلازمهم طيلة رحلة العمر.. وليس منه فكاك.
وهذا تصوير خاطئ، وفهم سقيم لله كلي الرحمة والرأفات. والذين يقولون به يغطون أخطاءهم، ويهربون من المسئولية. والواقع أن الله يعطي الجميع، فلا يعطي إنسانًا ويحرم إنسانًا.
كل ما هنالك: أن إنسانًا استفاد من الفرص التي أعطاها له الله، وإنسانا آخر، ضيع الفرص.. وفي هذا يقول الكتاب: "لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا" (يع13:1).
ويندرج تحت هؤلاء، الذين يفسرون أمورًا تقع لهم، "بعَمل"، عمل لهم وكأنهم يتصورون أن هناك قوة تفوق قوة الله.. حاشا! هؤلاء وأولئك يحملون درجة صفر في الإيمان، لأنهم يفقدون الأمل في عناية الله وحراسته، وينسون أو يتناسون قول الكتاب: "لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ.. وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ" (مز11:91، 10).
واذكر بهذه المناسبة مشكلة بين زوجين؛ كنت أقوم بحلها، وكانت المشكلة تدور حول عقم الزوجة. تأخرت ولم تنجب أولادًا.. وإذا بالزوج يهدد ويتوعد، ويقول للزوجة ثائرًا (تجيب لي ولد)، قلت له: أصبر يا بني، حتى يعطيك الله ولدًا.. يعود يقول بمرارة: "صبرت ولم يعطني" قلت له: أصبر أيضًا، وامتثل لمشيئة الله، الخير ما يختاره الله لنا.. الكتاب يقول: "قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ"(يع11:5).
والعجيب في هذه القصة، أن الزوجة أنجبت بعد 20 عشرين عامًا.. حملت ابنها وأتت به إلى الهيكل، وأخذت تقول مبتهلة: أعطاني الله هذا الولد بشفاعة أم النور مريم. وعادت السعادة إلى البيت، وعاد الزوج إلى بيته مؤمنًا بمراحم الله.
ويرسب أيضًا في الإيمان كل من يخاف الناس "لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ"(مت28:10، لو4:12).
وأذكر أنه جاء لي يومًا، موظف يرتعد فرقًا وخوفًا.. أن رئيسه يهدده بنقله إلى الصحراء الشرقية.. ذكرته بكلمات الرب يسوع: "آمِنْ فَقَطْ" (مر36:5، لو50:8). ومن العجيب، أنه لا يمر شهر.. وتلغي الشركة كل المأموريات التي لها في الصحراء الشرقية.. ويأتي الموظف يسجد شكرًا لله.. حقًا ما أحوجنا إلى الإيمان! فهو درع الأمان!
بين ضعيف وجيد
هذه قصة واقعية.. حدثت لصراف مؤمن طيب القلب، أعد النقود، ووضعها في ظرف، وأغلق الظرف، ووضعه فوق الخزانة، ريثما يغلق الخزانة، وكان مشغول البال، يفكر في ابنه المريض، وزوجته العليلة، ويعتزم إحضار الطبيب له، في عودته إلى البيت..
ويأخذ الصراف عربة أجرة (تاكسي) وينزل أمام البنك، ويعطي السائق أجرة، وينصرف السائق.
ويدخل الصراف البنك ويكشف أمرًا بالغ الخطورة، يكتشف أنه لا يحمل الظرف الذي يحتوي على آلاف الجنيهات! ويتذكر هنا فقط، أنه نسيه فوق الخزانة.
لم يعد هذا الصراف المؤمن إلى مقر عمله، ونسي الطبيب الذي يقصده لعلاج ابنه، وتذكر شيئًا واحدًا، وأخذ تاكسيًا آخر، وأتى إلى كنيسة السيدة العذراء بالزيتون.. واتجه فورًا وسجد أمام هيكل الرب.. واتجه بنظره إلى أيقونة السيدة العذراء، متشفعًا ومتوسلًا.. وقال لها: "يا أمي الحبيبة.. أنت لا تسمحين بهذا، أن أدخل السجن، وابني مريض، وزوجتي عليلة"، وبكى الرجل..
وعاد إلى مقر عمله، والذي حدث كان معجزة من معجزات الإيمان: لقد دخل فراش إلى مكتبه وهو في طريقه إلى البنك، ورأى الظرف فوق الخزانة، فأخذه وأخفاه في طية ثيابه، وبينما كان الصراف منسكبًا أمام هيكل الرب، شعر الفراش بوخز شديد في قلبه، حتى ظن أنه سيصاب بذبحة عاجلة، واعتقد أن هذا قد حدث بسبب الظرف الذي سرقه، فعاد ودخل المكتب ووضع الظرف فوق الخزانة، في ذات الوقت، الذي عاد فيه الصراف من الكنيسة، ودخل مكتبه!!
ما أعجب أن يستجيب الرب لدموعنا، وما أسرع أن يتدخل لإنقاذنا ونقرأ هذه الآية فنشعر بتعزية كبيرة: "لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ"(مز14:91). وأيضًا يقول الكتاب: "سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَاتَّكِلْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُجْرِي" (مز5:37). "أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ"(مز22:55).
الطبق في الكنيسة
الغرض من العطاء أثناء حضورنا القداس، أن تكتمل أركان العبادة الثلاثة: (صوم، صلاة، صدقة)، فالشعب يتوجه إلى صلاة القداس صائمًا. والغرض من توزيع الكاهن (لقمة البركة) في نهاية القداس، الحِل بانتهاء الصيام واشتراك المسيحيين في مائدة واحدة ولقمة واحدة كعائلة واحدة..!
ويأتي الركن الثاني: وهو الصلاة. أما الركن الثالث: فهو القرابين أو التقدمات، والكتاب يقول: "وَلاَ يَظْهَرُوا أَمَامِي فَارِغِينَ"(خر15:23، 20:34).
ثم أننا بالعطاء نقرن الإيمان بأعمال الرحمة "وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا" (1كو2:13) وبهذا يكتمل مثلث العبادة الحقة.
مر الطبق للعطاء وكان يرافقه ملاك. فأخرج أحد المصلين قرشًا وتلفت حوله فرأى الكل ينظرون إليه فدفع القرش مرغمًا، محرجًا.. فقال الملاك: "هذا قرش من صفيح..". من الطبق فأخرج أحد المصلين قرشًا ودفعه بسرور.. ولكنه عاد وندم.. فقال الملاك: "هذا قرش من برونز".
مر الطبق وأخرج أحد المصلين ما في جيبه وقال بسرور: "يا رب كل مالي فهو لك، ومما أعطيتني أقدم لك"، صاح الملاك: "هذا قرش من ذهب..!!". وقوي الإيمان يقول مع بولس الرسول: "خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ" (في8:3)!
إيمان ممتاز
أقبل العيد، وكان الطفل يعيش في بيت فقير، لم يكن عند والده ما يقدمه له. فقال الطفل، وكان يتلقى تعليمًا في فصل ابتدائي بالتربية الكنيسة، لماذا لا أكتب خطابًا إلى الرب يسوع؟! فأحضر ظرفًا وكتب العنوان هكذا: "إلى السماء.. إلى الرب يسوع الذي هو في السماء".. وطلب في الخطاب جنيهين ليشترى حاجة العيد.. ثم كتب عنوان منزله. ويقع الخطاب في يد رجل مسيحي، ويفتش في جيبه فيجد جنيهًا واحدًا.. فأرسله للطفل.
فتح الطفل الخطاب فوجد جنيهًا واحدًا.. فعاد يكتب خطابًا ثانيًا "إلى السماء.. إلى الرب يسوع. الذى هو في السماء"، وكتب في الخطاب أرسلت أطلب جنيهين فوصلني جنيه واحد.. أرجو ألا ترسل لي عن طريق البريد، يبدو أن أحدًا قد أخذ الجنيه الآخر!! فهل لنا في إيمان الأطفال في الاعتماد على الله؟ "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ"(مت3:18). هذا إيمان ممتاز.. فهل لك أن ترسل خطابًا للسماء؟!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 26 مايو 1978م
بنات لجنة البر..!
بنات لجنة البر..![1]
البنون والبنات بركة من عند الرب.. وكانت بركة الرب لأبينا إبراهيم: "وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ.. وَتَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ"(تك17:22، 4:26).
† ويسعى الإنسان جاهدًا في الحياة، ليوفر لأبنائه حياة هانئة، ويشقى طول عمره، ليدخر عرقه وتعبه لأولاده من بعده..!
† وكانت مكافأة الرجل أن يرى بنيه وبني البنين: "يُبَارِكُكَ الرَّبُّ.. وَتَرَى بَنِي بَنِيكَ"(مز128: 5، 6) ورأى أيوب البار: "وَرَأَى بَنِيهِ وَبَنِي بَنِيهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَجْيَال"(أي42: 16).
† ويصف الكتاب عطية الأبناء الصالحين بقوله: "امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ. بَنُوكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ"(مز128: 3). ونقرأ عن دموع حنة أم صموئيل وبكائها بمرارة لأن الرب كان قد حرمها من النسل..
† واستعير حب الآباء للبنين بحب الله لنا "كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ"(مز103: 13).
† ولأهمية البنين في نظر الرب، أنزل الله أقصى عقاب لمن يهمل في تربيتهم، وعوقب عالي الكاهن: بأنه يموت وأولاده في يوم واحد، ولا يبقى في بيته إلا عاكز على العكاز ومحتاج إلى الخبز..
† ولأن البنين أعظم العطايا، عوض الله الذين كرسوا حياتهم للرب: "إِنِّي أُعْطِيهِمْ فِي بَيْتِي وَفِي أَسْوَارِي نُصُبًا وَاسْمًا أَفْضَلَ مِنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ. أُعْطِيهِمُ اسْمًا أَبَدِيًّا لاَ يَنْقَطِعُ"(إش56: 5).
وأحدثك أيها القارئ العزيز عن (لجنة البر) الأم الولود كثيرة البنات.
1- في الزيتون
† ولادة الابنة البكر: وسبب إنشاء لجنة البر بالزيتون يرجع إلى أمر في منتهى الغرابة: تقدمت سيدة أرملة تعول أطفالًا أيتامًا، وتنكرت لها الأيام، وتجمع عليها إيجار ستة أشهر قيمته 24 جنيهًا، وقيل لها إما الدفع وإما الطرد، لم تجد آذانًا صاغية.
قيل لها أن رصيد الكنيسة للفقراء لا يسمح بالإنفاق..! وقيل لها: لا يوجد بند بدفع الإيجارات المتأخرة..! فأخذت المرأة تبكي وتولول.. فعرض كاهن الكنيسة مشكلتها على الشعب بعد إلقاء عظة العشية الأحد مساء، وجمع لها 65 جنيهًا! دفع منها الإيجار المتأخر. أما الباقي وقدره 40 جنيه فأمكن تغطيته بعمل مشروع للسيدة (شراء ماكينة خياطة)، حيث أنها كانت تملك ماكينة وباعتها لسداد إيجار متأخر سابق وجاءت السيدة تقول: إن الله بارك في الماكينة وهي تدر عليها إيرادًا صانها من السؤال، وهكذا ابتسمت لها الدنيا بعد عبوس..!
ويتقدم شاب متعطل، يطلب عملًا فتقدم له (لجنة البر) مشروع (ماسح أحذية). تكلفت علبة الأحذية 6 جنيهات فصارت تدر عليه ربحًا جنيهًا في اليوم بمعدل 30 جنيهًا في الشهر!! وأعيدت التجربة منذ شهور قليلة مع شاب يتسكع على باب الكاتدرائية، فكف الآن عن سؤال الناس، وأقبل على العمل.
وتوالت المشروعات، فقامت لجنة البر بالزيتون بإعداد مشروعين في وقت واحد: مشغل العذراء بالزيتون، قسم تعليم الحياكة والتفصيل. ويتخرج في هذا المشروع 50 فتاة كل عام، تحمل كل فتاة (دبلوم تفصيل). وتشق طريقها في الحياة..
وأمكن في هذا العام تنفيذ 3 مشروعات: مشروع أنوال، لتقديم سجاد على الطراز القبطي والفرعوني، مشروع براويز، مشروع خزف ويجرى العمل فيه.
وقد تجلت يد الله في هذه المشروعات، التي قام بها متطوعون، ومتبرعون، دون إرهاق لميزانية الكنيسة، ويشتغل فيها عدد كبير من الفتيات اللائي أخنى[2] عليهن الدهر ويعلن أسرهن.. ويكفي أن تعلم أن مجموع ما أُنفق على الفقراء في العام المنصرم بلغ 20000 من الجنيهات. بعضها إعانات وبعضها مشروعات.
2- في المعادي
أنجبت لجنة البر بنتًا في (المعادي).
وهي مولودة جديدة جميلة.. حدث هذا عندما وُجّهَت لي دعوة من الأب الموقر القمص إسحاق ومن مجلس الكنيسة، وطلب مني أن ألتقي بسيدات المعادي في مساء أحد الأيام بهدف إنشاء (لجنة بر). وما جلست إلا قليلًا، حتى تقاطرت السيدات، فحضرت خمسون سيدة من الأسر الكريمة ومن النساء الفضليات.. وجلسنا في شبه دائرة ملتفة، وحولنا أعضاء مجلس الكنيسة. وكانت السيدات متحمسات، ومستعدات لوضع كل الإمكانيات موضع التنفيذ. واستمر الحديث إلى ساعة متأخرة من الليل، ولا غرو فالحديث ذو شجون.. وأخذت أعرض على السيدات، خبرات لجنة البر في خمس سنوات..! والتهب الجو الروحي وتصاعدت الغيرة في نفوس الكثيرين، وتبرع رئيس مجلس الكنيسة بمبلغ كبير، وتبرع أحد الأثرياء بعربة جديدة للكاهن تساعده على سرعة التنقل، يا الله! ما كان حلمًا قد أصبح حقيقة واقعة. وكما قالت حنة أم النبي صموئيل: "الشَّبَاعَى آجَرُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْخُبْزِ، وَالْجِيَاعُ كَفُّوا. حَتَّى أَنَّ الْعَاقِرَ وَلَدَتْ سَبْعَةً"(1صم2: 5).
واعجبًا..! إن الطفل الصغير يبدأ رضيعًا ثم يحبو ثم يمشي، ثم يشتد عوده. ولكني رأيت في المعادي (لجنة البر) تولد وتمشي ويشتد عودها في يوم واحد.. وهنا أتذكر قول الرب: "انْظُرُوا الْحُقُولَ إِنَّهَا قَدِ ابْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ (يو35:4). "الْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ، فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ"(مت9: 36، 37).
3- في الفيوم
وجهت إليَّ دعوة من حضرة صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا أبرام، (نيح الله روحه الطاهرة) وبعض الأراخنة أذكر منهم دكتور حليم تاوضروس.. لافتتاح لجنة البر بالفيوم وقد أعدوا للمولودة الجديدة احتفالًا رائعًا.. فتكدست الهدايا.. والتف أخوة الرب جماعات.. وحضر عدد كبير من الكهنة. وقدمت اقتراحات لتنشأ المولودة الجديدة في جو صحي.. وقد بلغني أن لجنة البر بالفيوم لم يكتمل لها عام حتى شبت عن الطوق. وارتفعت إلى فوق، وأما أهم سمات لجنة البر بالفيوم:
أ- ماكينة الخياطة، تسلم لأسرة، ويسدد ثمنها على مدى عام أو عامين وبمجرد سداد الثمن، تدفع لأسرة ثانية. ويبدأ المشروع بعشر ماكينات تدور على مدار السنة، وتُحصِل لجنة البر ثمنها في النهاية.
ب- مشروع ملعقة السكر، وملعقة الدقيق، تقدم كل أسرة ما تيسر من الدقيق والسكر لعمل مشروعات ناجحة لصالح الفقراء.
جـ- الكوبون، تتسلم الأسرة كوبون لمدة شهر لمخبز معين، تسحب منه الخبز على مدى الشهر، وكوبون آخر لصيدلية معينة تسحب منها الدواء بعد اعتماد كل كوبون من لجنة البر وبهذا يتوافر للمعدمين الكساء والدواء.
د- عرضت على الأستاذ الدكتور عزيز فام زيارة الفيوم، ورافقنا أسرته حيث أن الدكتور من أهل الفيوم.. وأمكن شراء قطعة أرض وإنشاء (مشروع تدريب مهني)، تبرع له أثرياء الفيوم.
ه- يتعهد الأثرياء بتنفيذ جزء من مشروع لجنة البر.. واحد يتعهد بالكساء وآخر بالدواء، وآخر بالغذاء.. وهكذا. وقد وصلني منذ أيام خطاب من الدكتور حليم عن قفزات جديدة ومشروعات جديدة للجنة البر بالفيوم. فليبارك الرب المولودة العزيزة بالفيوم وليحطها بالرعاية وينبتها نباتًا حسنًا.
4- في السويس
توجهت بدعوة من حضرة صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا أغناطيوس أسقف السويس وسيناء.. لحضور مولد (لجنة البر بالسويس) وقد تمخضت لجنة البر بالزيتون عن مولودة جميلة. وسرعان ما قدمت لها لجنة البر الأم ماكينتين للخياطة.. كنواة لمشروع حياكة لصالح الفقراء، وقد اكتظت كنيسة الأنبا أنطونيوس بالمصلين الذين تلقفوا النبأ المفرح بولادة المولودة الجديدة.
كما بلغ الخبر كنيسة السيدة العذراء بالسويس فكانت الفرحة شاملة وغامرة، ونيافة الأنبا أغناطيوس يبذل قصارى الجهد ويعمل بهمة لا تعرف الكلل في وسط مدينة خربها العدوان. ونيافته يفيض بالحب على أبنائه، وقد أفرد للمولودة الجديدة بناءً خاصًا، وحمل المولودة الجديدة بين يديه ليرعاها بالحب والحنان.
وقد عجبت عندما دققت النظر في المولودة الجديدة.. إنها صورة طبق الأصل من أمها لجنة البر بالزيتون.. بدأت صغيرة وسرعان ما نمت.
5- في الزقازيق
في لقاء مع نيافة الأنبا ياكوبوس الذي أنعمت به العناية الإلهية على شعب الزقازيق بعد صبر طويل.. قال نيافته: نريد أن تضع لجنة البر بالزيتون مولودتها الجديدة في الزقازيق..
ولجنة البر بالزيتون الآن في حالة مخاض مستمر.. وإن شاء الله تضع مولودة جديدة جميلة في الزقازيق.. صلوا من أجلها ليكثر الرب أولادها وبناتها: "الْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ" (مز3:127).. "طُوبَى لِلَّذِي مَلأَ جَعْبَتَهُ مِنْهُمْ"(مز127: 3، 5).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 2 يونيو 1978م
[2] أهلكهن بشدائده.
هؤلاء تغيروا..!
هؤلاء تغيروا..![1]
† قال أحد الحكماء: كل شيء في العالم قابل للتغير.. حتى قولي هذا!!
† حتى السماء والأرض ستتغيران إلى أرض جديدة، وسماء جديدة يسكن فيها البر، "فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ هِيَ تَبِيدُ وَلكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ"(عب1: 10-12).
† والشيطان نفسه يستطيع أن يغير شكله إلى ملاك.. والمنافق كثيرًا ما يظهر غير ما يبطن.. ألم يسلم يهوذا الخائن سيده بقبلة؟!
† وهذا الجسد الذي نلبسه سوف نخلعه "سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا"(في3: 21). والسيد المسيح أكد لنا حقيقة التغيير وأعطانا صورة للجسد الممجد في البهاء، عندما صعد على جبل التجلي وتغيرت هيئته وصارت ثيابه بيضاء كالثلج، وجاء موسى وإيليا يتحدثان إليه!
† ويتغير الإنسان روحيًا، والتوبة ممكنة، والكنيسة تقدم لنا وسائط النعمة: من اعتراف وتناول وإرشاد روحي على يد الأب الكاهن، ونِعم الأسرار الإلهية!
† ويذكر لنا الكتاب الكثير عن أشخاص تغيروا: شاول الطرسوسي الذي اضطهد كنيسة الله تغير إلى بولس الرسول.. وهكذا صار الذئب حملًا، والمضطهد للكنيسة صار مضطَهَدًا من أجل الكنيسة.
† وسمعان الذي كان يصطاد السمك تغير إلى بطرس الرسول الذي يصطاد الناس!
† واللص اليمين، الذي مضى حياته في الإجرام، تغير "وسرق" الملكوت! بعد أن آمن، واعترف، ودافع عن الرب فوق الصليب وتواضع، لم يكن يملك غير قلبه ولسانه، فبقلبه آمن، وبلسانه اعترف.. ثم تعمد في دمه بموته مع المسيح.
† (هؤلاء تغيروا) عنوان محاضرة ألقيتها في مؤتمر الكنائس بالقاهرة، وتمس أشخاصًا من واقع الحياة، يسرني أن أقدمهم لك أيها القارئ العزيز.
مشكلة ثري!:
يعمل معنا في نشاط الكنيسة ثري، يقدم خدمات كثيرة للكنيسة، فيشترك معنا في حل المشكلات، وفض المنازعات، ويلقي عظة على أخوة المسيح أحيانًا، وكان رفيقًا لي في حل بعض الأمور المستعصية في عين الصيرة، ومصر القديمة، وبيوتات مصر الجديدة.. والعجيب، بعد أن خدم معنا عامًا كاملًا، تلقفته كنائس كثيرة، ليخدم فيها، فأصبح يعاني من ازدحام الخدمة وقلة الوقت. وهذا الثري يمثل نوعًا من الأشخاص الذين تغيروا، لعلك تعجب أيها القارئ إذا ذكرت لك أن هذا الشخص الذي يساهم معنا في حل المشاكل، جاءني منذ أعوام قليلة يشكو مشكلة. ويطلب معاونتي له في حلها! كانت أمامه مشكلة هامة (الفراغ) كيف يمضي يومه وهو لا يقوم بأي عمل؟! فاقترحت عليه أن يعمل معنا في الخدمة الاجتماعية وهكذا دبت الحركة في هذا الثري، وفي عربته أيضًا، إذ كان يركن العربة فتتعرض للتلف. والأعجب من هذا أن الحركة دبت في أفراد الأسرة جميعًا، فاشتركت الزوجة أيضًا في الخدمة، وفي هيئات نسائية، واجتماعية أخرى، ودبت الحركة في الابن فطار إلى أوربا، وأصبح البيت أشبه بخلية نحل.. ويبارك الله في التعب والجهد إذا كانا لمجد الله وخير الكنيسة.. ويقولون أن الحركة بركة.
والمفارقة أنني قلت يومًا للثري: جئتني منذ سنوات لأحل لك مشكلة الوقت لعلني الآن قد وفقت معك في حلها.
قال معذرة يا أبانا: لقد حللت مشكلة، وبقيت مشكلة أخرى تتطلب حلًا!
كانت مشكلتي وقت الفراغ.. ومشكلتي الآن أنني لا أجد وقتًا من كثرة الخدمات. قلت له: أُفضل أن تبقى مشكلتك دون حل! أُفضل أن تبقى مشغولًا دائمًا بخدمة الكنيسة، والعمل في حقل الرب!
اثنان.. من الليمان
يقولون أن المجرم مريض، يمكن إصلاحه، إذا وجد الرعاية والحب والتوجيه. وهذا حق لأن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله. فطبيعة الإنسان خيرة، أما الشر فدخيل عليه، والشر في حد ذاته ضعيف، لا يقوى على مواجهة الخير. يقول الكتاب: "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رو21:12). لهذا لم أفقد الأمل، عندما قرع بابي، اثنان.. خرجا لتوهما من الليمان، وكان لقائي بهما عند منتصف الليل، وقدما نفسيهما لي. قال أحدهما: مضيت في السجن 15عامًا، وقال الثاني: مضيت في السجن 12عامًا. قلت: وماذا تريدان.. أية خدمة أقدمها لكما؟ قالا: نريد مساعدة مالية من كنيسة العذراء بالزيتون.
قلت: الأصلح أن نتفاهم معًا في عمل مشروعين لكما.. يضمن لكما الحياة الشريفة.. على أن تمارسا حياة التوبة. تحضران غدًا صباحًا إلى الكنيسة.. واللقاء أمام هيكل الله. قال أحدهما: أنا أشتغل طول حياتي في تجارة الفاكهة. قال الثاني: أفضل كشكًا أبيع فيه بعض الحلوى والخردوات. وتمر فترة، وأرسل من يتابعهما، وبلغني أن الرزق أخذ يتدفق عليهما، وهكذا قبل الرب توبتهما.. وهو تبارك اسمه يقبل توبة التائبين، ودعاء الداعين، وقد قال: "وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا"(يو37:6).
ولكن المفاجأة الحقة، أن ألتقي بواحد منهما بعد القداس، وأراه في ثوب أنيق. ووجه حليق، وأسأله عن حاله.. فيقول: وفقني الله إلى متجر على ناصيتين، اتخذته مقهى.. ومطلوب مني أن أتنازل عنه ليكون صيدلية في مقابل 6000 ستة آلاف جنيه؟! قلت له: إن طريق العمل يباركه الرب.. طريق الأمانة والشرف.. أما الشر فيهلك صاحبه.. لقد دققت النظر في الرجل فكدت لا أعرفه، وهكذا يغير الله النفوس، التي تستجيب لرحمته، وتعمل مرضاته.
عادة التدخين
قد تطلب من كثيرين أن يكفوا عن التدخين، ويلقوا السيجارة جانبًا.. فيكون الرد: لا نستطيع، إنها الآن(كيف).. ويتعلل البعض بعلل واهية.. إنها تصرف الغضب! والإنسان يصرف غضبه وهو يرسل أنفاسًا من الدخان في الهواء. والبعض يتعلل أنه حاول أن يترك عادة التدخين فأصيب بدوخان. وبالإفراط في الطعام. وكلها علل واهية، والحقيقة أن السجائر ضارة، على طول الخط، وليست لها فائدة واحدة، فوق أنها عادة ضارة تُفقد الإنسان إرادته وسلطانه على نفسه. ولكنني هنا أسجل حادثة واقعية لشخص تغير وأبطل هذه العادة الضارة.. إنه يبلغ الآن من العمر 78 عامًا، شرب السجائر ثلاثين عامًا منذ كان عمره 18 سنة! وجمعتني معه فرصة فعرفت أنه ترك التدخين منذ ثلاثين عامًا أيضًا! أقلع عن هذه العادة ولم يعد إليها مطلقًا. قال: ذات يوم، خلوت إلى نفسي، وقلت حتى متى أظل عبدًا.. إنني أحرق السجائر، وأحرق معها صحتي وقوتي: ثم نهض واقفًا. وقال: قوني أيها الرب يسوع.. وأخرج العلبة من جيبة العلوي، وكان قد شرب منها سيجارة واحدة.. قال محدثي.. وقذفت العلبة بما فيها من ثالث دور.. وقلت: اذهبي لا أرجعك الله. ثم أردف ومنذ اللحظة لم أعد إليها أبدًا. هذا شخص طلب العون، وعقد العزم وكل شيء كما يقول الكتاب: "مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" (مر23:9).
العجلة تدور
هذه قصة قرأتها عن ملك انتصر على عدوه، فأراد أن يذله، وكان العدو متكبرًا، فربطه وراء العربة التي يركبها، ليسر وراءه أينما ذهب، وذات يوم تلفت الملك، فوجد الملك العدو ينظر دائمًا إلى العجلة وهي تدور ولا يكف عن النظر.. فأحضره يومًا أمامه وسأله: لماذا تديم النظر إلى العجلة وهي تدور؟ قال الملك العدو: لأنها تمثل لي الحياة، أعلاها يكون أسفلها، وأسفلها يصير أعلاها، كنت أنا في أعلى العجلة.. وكنت قاسيًا مغرورًا، فصرت الآن في أسفلها. فتأثر الملك، وعفا عن عدوه، رغم إساءته إليه.
وقال الملك أخشى أن تدور العجلة، فأصبح في أسفلها.. حمانا الله من الكبرياء والغرور والنفخة الكاذبة. فالعجلة تدور، ولن تكف عن الدوران "مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ"(1كو12:10).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 9 يونيو 1978م
هؤلاء تغيروا أيضًا
هؤلاء تغيروا أيضًا[1]
هذا هو (أنطونيوس) يدخل الكنيسة فيسمع الآية تقول: "اذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي"(مت21:19، مر21:10، لو22:18). فيعتبر الآية موجهة له شخصيًا، ويدخل القديس الأنبا أنطونيوس، البرية الجوانية.. ويصير أب الرهبان.. وكوكب البرية!
† وتقف في دهشة بالغة أمام (قاطع طريق) تغير.. وصار قديسًا! إنه موسى العبد الشرير الذي طرده سيده لكثرة شروره، فتقلد سيفه، وأقام في مكان مهجور بالصحراء وصار رئيسًا لسبعين لصًا. عملاقًا عاتيًا جبارًا.. ومرة يناجي ربه ويقول: (يا الله الذي أجهله، أظهر لي ذاتك) ويلتقي بالأب إيسيذورس، الذي يسلمه للقديس مقاريوس الكبير، فيعلمه ويرشده في رفق ولين، فيسمو به إلى مرتبة النساك، ويتغير من قاطع طريق إلى(القديس.. موسى الأسود) ويصير رئيسًا ومرشدًا لـ 500 راهب!!
† وتقف في دهشة وحيرة أمام (الفيلسوف، العالم) أرسانيوس، مدرس أولاد الملوك الذي كان من الأشراف وقام بتربية أبناء الإمبراطور ثيؤدوسيوس(أركاديوس، هونوريوس) وكان يعيش في البلاط الإمبراطوري، يأكل من أطايب الملك، كيف تحول إلى راهب، متحليًا بالاتضاع، وإذا بهذا الفيلسوف العالم يقول: إنه لا يعرف ألفا-فيتا(ألف - باء) التي يعرفها راهب بسيط!!
† ويقف العقل في ذهول تام، وهو يتأمل في حياة القديس(باخوميوس).. وكان أبواه وثنيين، وكان جنديًا رومانيًا اشترك في حرب الملك قسطنطين ضد مكسيميانوس عام 210م، وحدث أن عسكرت الكتيبة قرب إسنا، فخرج المسيحيون يقدمون الطعام للجنود ويرحبون بهم فتأثر بالحياة المسيحية واعتنقها.. وينخرط في سلك الرهبنة ويضع نظام الشركة.. كيف تغير؟!
† التغيير ممكن، بنعمة الله، وجهاد النفس، والسير في طريق التوبة، واستخدام وسائط النعمة التي تقدمها لنا الكنيسة، والكتاب يحثنا على التغير ويقول: "تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ"(رو12: 2). ونوالي تقديم شخصيات تغيروا.
قصة عمرها 45 سنة
حدث هذا منذ أكثر من أربعين عامًا، في أيام الحداثة والشباب، وكنا نستمع إلى عظة يلقيها الخادم الأمين رئيس الشمامسة(إسكندر حنا) وكان رجلًا روحانيًا، ولعظاته تأثير كبير، وكان ينتقل من بلدة إلى بلدة كارزًا ومبشرًا، وكان يميل إلى استخدام القصة أثناء العظة، وهذه قصة سمعتها منذ سنوات طويلة، لم تشخ ولم يضعف أثرها، رغم كر الأعوام!
اتخذت فتاة طريق الغواية، وأضلها الشيطان، فهربت من أسرتها التي تعيش بصعيد مصر، وأغواها شاب، ولما جاءت إلى القاهرة، سرعان ما تخلى عنها، ولم تستطع العودة إلى أهلها، وابتلعتها المدينة بمباذلها، فهوت وانحرفت واتخذت الرذيلة طريقًا تتعيش منه.
ومرت الأعوام، العام يتلوه العام، وما أسرع أن تكر الأيام..! وكانت الفتاة عندما هربت، تركت أخًا شقيقًا طفلًا. ووالدين سرعان ما حطمتهما الأيام وماتا حزنًا وخجلًا وعارًا، لهذا قرر الشقيق أن ينتقم من أخته، وينتقم لموت أبيه وأمه، ويمسح العار عن العائلة، وكعادة أهل الصعيد. قرر أن يمحو العار بالدم ويقتل أخته شر قتلة، فأعد سكينًا أخفاه، وحضر إلى القاهرة وأخذ يبحث عن أخته في بيوت الدعارة حتى عثر عليها..! لقد عرفها، أما هي فلم تعرفه، لأنها تركته طفلًا.
وفَضل الشاب أن يتحدث إليها أولًا، فإذا وجدها مُصرة على الشر غير نادمة ذبحها.. وبدأ حديثه معها قائلًا: لي أخت محكوم عليها بالإعدام ولن ينقذها غيرك! فأبدت استعدادًا طيبًا أن تنقذ أخته من الهلاك، ولو أدى الأمر أن تضحي بنفسها. عاد الشاب يقول: أنتِ أختي المحكوم عليها من الله بالإعدام.. وأنا أخوك.. فلم تتمالك أخته أن ترتمي على قدميه، تبلهما بدموعها.. وتنذر التوبة على يديه. ثم قالت لأخيها في عجلة: قم يا أخي.. نخرج من هذا المكان الموبوء عاجلًا.. وخرج الاثنان، ونسيت في عجلتها (شالًا) لها تلتف به.
وعندما نبهها أخوها أن ترجع إلى البيت لتأخذ الشال: صاحت قائلة: "حي هو الله، لن أعود إلى بيت الخطية مرة ثانية..!" ورافق الأخ أخته فرحًا بتوبتها وقد عزمت أن تعيش للرب.
وعرجت أخته على المدينة تعترف على الكاهن وتتناول من الأسرار، وأكمل الاثنان طريقهما إلى القرية، وعندما دخلت بيتها بكت كثيرًا لفراق أبيها وأمها، واختلطت دموعها بدموع الندم، وأجهدها السفر فنامت.. وفي اليوم التالي حاول شقيقها أن يدعوها لتقوم، فلم تقم أبدًا.. كانت قد ماتت!
فوقع الشقيق في حيرة شديدة.. تُرى ما هو مصير أخته؟ وعندما أسلم عينيه للنوم، رأى أخته في رؤيا عجبية، تلبس ثيابًا بيضاء وتطير في أجواء الفرودس وسط جوقة من الملائكة، منظرًا لم يشاهد أبهى منه. فصاح يقول: يا إلهي أتقبل هذه الخاطئة في ملكوتك، وفي وسط ملائكتك أيها القدوس؟!
وإذا بصوت قاطع، يقول له: وهل أنسى أنا قولها: "حي هو الله، لن أعود إلى بيت الخطيئة مرة ثانية.. تابت، فمحيت خطاياها، وغفرت ذنوبها". "طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ"(مز1:32).
حقًا ما أعظم التغيير الذي يحدث في حياة خاطئ يتوب، ويسير في طريق التوبة، لا ينظر إلى الوراء.. لا شك أن يسمع الأنشودة الإلهية "يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ، لأَنَّ أَخَاكَ هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ"(لو32:15).
ارجعوا إليَّ.. فأرجع إليكم
لكي يحدث تغيير في حياة الإنسان، يلزم أن يحدث التقاء بين إرادتين، إرادة الله وإرادة الإنسان. فالله لا يغيرنا قسرًا، لأنه لا يلغي حريتنا. وإلا صار الإنسان آلة؛ بغير وعي أو حس أو شعور. على الأقل أن تكون لدينا الرغبة وشيء من العزيمة، وهو ينفخ في ضعفنا فيصير قوة، لهذا يقول: "ارْجِعُوا إِلَيَّ أَرْجعْ إِلَيْكُمْ، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ"(مل7:3). وفي حياة الكاهن أمثلة كثيرة لتغيرات تحدث نتيجة لعمل الله في الإنسان، وأذكر لهذا ثلاثة أمثلة من واقع الحياة، ومن محيط الخدمة الواسعة.
1- المثل الأول
زوجان متخاصمان؛ مر على خصامهما ستة أشهر، شاء الله أن يحضرا إلى الكنيسة، دون أن يحس الواحد منهما بوجود الآخر، وحدث أن أسرّ أحد الأراخنة لي بقصتهما، وفي نهاية القداس تعمدت أن ألتقي بهما في فناء الكنيسة، فأشاح كل منهما بوجهه حتى لا يبصر الآخر.. فعرضت عليهما أن أزورها في منزلهما، فأحرجا، وأسقط في أيديهما، ولم أترك لهما فرصة للكلام، كانت العربة على باب الكنيسة، حيث التفيت بهما ودفعتهما في داخلها.. وازدادا صمتًا، وإطراقًا.. ولم ينطقا بكلمة.. وعندما دخلنا المنزل، ذهبت الزوجة لعتد شرابًا، فدفعت الزوج ليذهب لمساعدتها بصوت مسموع.. وعاد الاثنان يتنازعان على حمل الصينية، وتقديم المشروب، وهما يضحكان. وصليت وانصرفت بعد أن تحدثت قليلًا، وقلت: أن البيت الذي يدخله الخصام لا يدخله السيد المسيح.
أما التغيير العجيب الذي سمعت به بعد ذلك.. أنه مرت على هذه الأحداث أربع سنوات، لم يختلفا مطلقًا.. وهما الآن يعيشان في سعادة.. وفي رأيي أن كل بيت يلزم أن يدخله الكاهن مصليًا ومباركًا. ورأيي أيضًا أن الشر عمره قصير. وخير نصيحة أقدمها لكل أسرة.. الصلاة العائلية.. وأن يحفظ كل فرد هذه الآية ويعمل بها: "لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ"(أف26:4)!
2- المثل الثاني
زيارتان خاطفتان؛ أحيانًا يستدعى الكاهن لزيارة مريض، فلا يلزم أن تقتصر الزيارة على المريض فهي فرصة لزيارة المسيحيين في كل المسكن.
وحدث بعد أن زرت مريضًا في الطابق الثاني مرت بالدور الأول فوجدت أحد المسيحيين قيل لي أنه من أبنائنا من طائفة أخرى، ولو أنه تزوج أرثوذكسيًا. فدعوته إلى الكنيسة، وقال لي: إنه لم يذهب إليها منذ خمسة عشر عامًا، وسرعان ما لبى الدعوة هو وأسرته.. وفي حفل بهيج تعمد أولاده.. وأصبحت ألتقي به في الكنيسة صباح مساء.
وأنت تسأل: في كم من الوقت استغرقت هذه الزيارة؟ إنها لم تستغرق أكثر من 10 دقائق صححت أخطاء 15 عامًا.. هذا هو عمل الله، تغيير القلوب.
3- المثل الثالث
شيخان طاعنان؛ كنت ألقي عظة الأحد مساء عن الآية: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ"(يو5:3) فانتظرني شيخان شقيقان طاعنان في السن في مركز اجتماعي مرموق.
وابتدراني: أسرع يا أبانا بتعميدنا.. إننا في خطر، وتعمد أحداهما في سن 72 سنة، والآخر في سن 74! وهما فارعان في الطول: وطلبا بعد القداس أن أزفهما حول الكنيسة للتبرك ومعي فرقة الشمامسة.
ماذا أقول؟! فليغير الله ما في قلوبنا: وينزع القلوب الحجرية، ويضع قلوبًا لحمية مملوءة بالحب والخير والسلام.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 16 يونيو 1978م
الكهنوت... شرف ومسئولية
الكهنوت... شرف ومسئولية[1]
† يكفي تشريفًا للكهنوت، أن يقوم السيد المسيح له المجد، بوظيفة كاهن (عب3: 1)، فيقدم نفسه ذبيحة على الصليب، لفداء البشر.
† والكهنوت لا يخول الكاهن النعمة فحسب، بل يخوله أيضًا السلطان "ونفخ في وجوههم" وقال لهم: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ، مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ"(يو 20: 22-23).
† والسيد المسيح أسس الكنيسة، وانشأ الأسرار، وشاءت إرادته الإلهية، أن يوزعها في كنيسته على يد رعاة أقامهم ووعدهم أن يكون معهم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر "وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ" (أف 4: 11، 12).
† وشرط التقدم للكهنوت، أن تكون الدعوة من الله "أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ" (أع 13: 2). "وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُوُّ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا"(عب 5: 4).
† والكهنوت، كما أنه شرف عظيم فهو مسئولية كبرى، فالكاهن مسئول عن شعبه وعليه يقع ألم جميعهم: "وكل نفس تخطئ ولا تنذرها، من يدك أطلب دمها". يقول الكتاب: "لأَنَّ شَفَتَيِ الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً، وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ، لأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْجُنُودِ"(ملا 2: 7).
† والكاهن مسئول مسئولية كاملة، أمام الرئاسة الدينية، لها أن تحاسبه، بما لها من سلطان!
وفي هذا المقال أقدم لك أيها القارئ شذرات متناثرة عن خدمة الكهنوت...
مع الأرشيدياكون حبيب جرجس
دعني أرجع بك أيها القارئ العزيز إلى الوراء إلى عام 1942م، حيث جمعتني جلسة مع طيب الذكر أستاذنا الجليل حبيب جرجس؛ مدير الكلية الإكليريكية في بيته. وكان قد استدعاني ليعرض عليَّ الكهنوت في إحدى كنائس القاهرة، وكنت قد قرأت الكثير عن شرف الخدمة الكهنوتية، ومسئولية الكاهن، فنالني رعب كثير، واعتزمت ألاَّ أتقدم لهذه الوظيفة الخطيرة، ما دمت غير مستحق لها. وظلت أعتذر على مدى ثلاثين عامًا!
قلت لأستاذنا حبيب جرجس معتذرًا: إن رسالتي التعليم والوعظ، أما الكهنوت فلست مستحقًا له، ولقد اعتزمت أن أهرب منه تمامًا...
فذكر لي قصتين من شرف الخدمة الكهنوتية، أذكرهما، لفائدة القارئ، ولفائدة كل من يريد أن يُقبل على الخدمة الكهنوتية، وفي ذات الوقت تخليدًا لذكرى الراحل الكريم. وهنا تعود بي الذكرى، ويخيل إليَّ أنني أستمع إلى الأب الكريم الأرشيدياكون حبيب. فقد كان حبيبًا لنا جميعًا، وأبًا كريمًا لكل أبنائه... قال لي يومها: إنك تشتغل بالتعليم والوعظ.. هذا حسن إن أقصى ما تفعله، وما تبذله من جهد، أن تطلق (رصاصة) قد تصيب هدفًا محددًا، أنت تقوم بعمل جندي في الميدان...
أما الكاهن فيقوم بعمل (قائد).. يخطط للمعركة ويقودها، ويحقق النصر، الكاهن يوجه للكل، ويقود أبناءه المعلمين والمهندسين والأراخنة والشمامسة والشباب، والتربية الكنسية... وعمل الكاهن وتأثيره لا يستطيع أن يقوم به أي فرد من الشعب، لما يملكه من سلطان.. ونعَم.. ومواهب.
ثم عاد يسألني: والآن هل تريد أن تكون جنديًا في المعركة أو قائدًا؟!
قلت سامحني يا أبي، لا أستطيع أن أقفز من جندي.. إلى قائد.. أتركني يا أبي، أجاهد، وأختبر، وأتعلم، وأستفيد.
فلم يقطع أستاذنا الرجاء، وعاد، رحمه الله، يقول:
شخص متدين، كان ملتصقًا التصاقًا كليًا بالله.. كان على درجة كبيرة من الشفافية الروحية، فكشف له الله ذات يوم، عن ملاكه الحارس، فكان يراه بجانبه. أينما سار.. كما يقول الكتاب: "لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ.. وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ" (مز 91).
وسيمَ الشخص الآنف الذكر كاهنًا، فتلفت حوله فلم يجد الملاك الحارس.. وإذا بالملاك يرد عليه من ورائه.. لأنك نلت نعمة الكهنوت لم أستطع أن أمشي أمامك، لشرف الخدمة الكهنوتية.. وها أنا وراءك دائمًا.
تحية إلى روح حبيب جرجس، الذي ظل يطلب من أجلي، بعد أن انتقل إلى السماء، فنلت نعمة الكهنوت، بعد ثلاثين عامًا من حديثه معي.
يشيح بيده
وهذه حادثة تقع في أحد أحياء القاهرة وصاحبها يواظب على الحضور إلى الكنيسة في القداس، واجتماعات الوعظ بالمساء.
والقصة عجيبة، فلقد اعتزمت الكنيسة أن تقوم برحلة، إلى أديرة البحر الأحمر، وكانت البلاد تجتاز ظروفًا سياسية وعسكرية صعبة. وكان لا بد قبل القيام بالرحلة، من أخذ إذن خاص من وزارة الداخلية، وتقديم بطاقات الركاب.. وبعد أن قامت الكنيسة بجميع الإجراءات، ووافقت الوزارة على الموعد، عادت الوزارة وأرجأت الرحلة لسلامة الركاب، وخشية على أرواحهم فوقف الكاهن يعتذر للشعب.
وبعد أن أخذت الكنيسة ميعادًا ثانيًا، تأجل بسبب تعطل الطريق، فوقف الكاهن في الكنيسة، بعد العظة يعتذر للشعب للمرة الثانية. ويستدعى الكاهن من أحد الأبناء، وهو يقطن قريبًا من الكنيسة، لعمل سر مسحة المرضى أو القنديل في بيته لأنه ملازم الفراش، ويشدد في الحضور، وإذا بالمريض يقول للكاهن: قبل كل شيء أريد أن أعتذر إليك.. لقد أخطأت في حق قدسك؟!
ويرد الكاهن متعجبًا.. لا أذكر يا بني أنك أخطأت في حقي، ومسبقًا، الله يحالك. قال: يا أبي عندما اعتذرت مرتين عن الرحلة بعد العظة، أشحت بيدي نحوك متذمرًا لائمًا.. ورجعت إلى البيت مباشرة، لأنني شعرت بتعب وأنا الآن مصاب بشلل نصفي... ثم يبكي ويقول: اغفر لي يا أبي.. إن أولادي الصغار حول سريري دائمًا، في حاجة إلى رعايتي... ويصلي الكاهن، ويدهنه بالزيت.
ويتمم له الله الشفاء... ويأتي أمام الهيكل ساجدًا شاكرًا... ويقول: هذا درس من الرب لن أنساه "تَأْدِيبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ، وَإِلَى الْمَوْتِ لَمْ يُسْلِمْنِي" (مز 118: 18).
20 جنيهًا + بركة
قال الأسقف للقرابني: هل تعرف القراءة والكتابة ؟! أجاب لا...
قال له: إن الكنيسة تريد قرابني يعرف القراءة ليقوم أيضًا بالتحصيل، خذ 20 جنيهًا اذهب وتاجر... وسأدعو لك، وإذا تعبت أرجع لي. واشترى الرجل ثوبين من القماش، وأخذ ينادي، ويجول في الشوارع.. وبارك الرب فاشترى عربة صغيرة يجرها بيده وفوقها الأقمشة.. وبارك الرب فافتتح متجرًا صغيرًا، وبارك الرب فافتتح متجرًا كبيرًا.. وبارك الرب فصار تاجرًا معروفًا، ثم تاجر جملة!
ومرة اشترى صفقة قيمتها عشرات الآلاف من الجنيهات.. وعند كتابة الشيك سألوه أن يمضي. فقال: أنا لا أعرف القراءة.. أنا أبصم بأصبعي.. قيل له: هذا شأنك وأنت لا تعرف القراءة فماذا يكون شأنك لو كنت تعرف أن تقرأ؟! قال: كنت الآن (قرابني) أتقاضى أربع جنيهات في الشهر وأقوم بالتحصيل.
سألوه: وما سبب إثرائك..؟ قال: 20 جنيهًا + بركة الأسقف!
ذكريات الأنبا أبرام
قال الرفاق الثلاثة: دعونا نضحك على الأنبا أبرام أسقف الفيوم فرقد واحد منهم وتظاهر أنه ميت، وغطاه الاثنان، وطلبا بركة من الأنبا أبرام لشراء الكفن لزميلهم..
قال الأنبا أبرام: خذا هذا المبلغ.. (وأدفنا) صديقكما.
وعاد الاثنان ليسخرا بالأسقف... ودعوا صديقهما ليقوم.. فلم يقم.. مات (ودفناه) كما قال الأنبا أبرام!!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 22 يونيو 1978م



