مذكرات كاهن الجزء الخامس
| الكتاب | مذكرات كاهن الجزء الخامس |
| المؤلف | القمص بطرس جيد روفائيل |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، 2021م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 16315 / 2021 |
| الترقيم الدولي | 978-977-85702-9-8 |
مقدمة الجزء الخامس
مقدمة الجزء الخامس
يحتوي هذا الكتاب "مذكرات كاهن جـ5" على بعض من مقالات القمص بطرس جيد روفائيل – نيح الله نفسه – المنشورة في مجلة الكرازة.
وتتنوع هذه المقالات من ذكريات في الخدمة أو من معارف أبانا بطرس جيد، تحوي داخلها مواعظ وحكم وأمثال.
وقد تكون مقالات مباشرة عن تدابير الخدمة وعمل الله فيها، ونصائح للكهنة والخدمة. كما يظهر اهتمامه بنفسية الإنسان واحتياجاته والأمور المؤثرة عليه.
وبالطبع كل من يقرأ هذه المقالات يشعر بمحبة أبونا بطرس للعذراء وشفاعتها هي وقديسي الكنيسة. كما يتعلم محبة المذبح ويثق في قوته.
نتمى لك عزيزي القارئ أوقاتًا طبية، بشفاعة السيدة العذراء والمتنيح أبونا بطرس. وصلوات قداسة البابا تواضروس الثاني.
القمص بطرس بطرس جيد
كاهن كنيسة السيدة العذراء بالزيتون
القمص بطرس جيد في سطور
القمص بطرس جيد في سطور
† من مواليد أسيوط 13أغسطس 1918م. تأثَّر في بداية حياته بالاستماع لعظات نيافة الأنبا
† كان عظيمًا في حبه للرَّبِّ، وكان قويًا في إيمانه، وكانت خدمته التي امتدت لحوالي 60 عامًا حافلة بالإنجازات في شتَّى المجالات.
† نَذر الذهاب ماشيًا من بنها إلى الكلية الإكليريكية بمهمشة بالقاهرة للبدء في دراسته بها، ولكن لاقته السيدة العذراء في الطريق في صورة سيدة جميلة تستقل سيارة، وأفهمته أنها ستتحمَّل نذره عنه وأوصلته إلى الكلية واختفت عن ناظره بعدها.
† كان من أوائل دفعة الكلية الإكليريكية 1940م. كما حصل على ليسانس آداب قسم فلسفة، وماچستير تربية علم نفس.
† بدأ خدمته بخدمة القرية؛ بقُرى الصعيد بعد عام 1940م، واهتم بإنشاء مدارس أولية قبطية تُعلِّم القراءة، والكتابة، والألحان، واللغة القبطية كتعليم إلزامي في ذلك الوقت.
كما اهتم بحالة المدرسين والطلبة الفقراء في تلك المدارس، ورعاهم روحيًا وماديًا، وكتب مذكراته عن الخدمة والرعاية الروحية والاجتماعية والتعليمية في كتاب نشره في الخمسينات باسم "مذكرات مفتش".
† اهتم بالفن القبطي وتدريب أول مجموعة من الأطفال، طاف بهم المرحوم حبيب بك جورجي ربوع أوروبا ناشرًا فنّهم القبطي كأبناء للفراعنة.
† عمل بالتدريس لفترة وكان يهتم بنفسية الطُلاب، فكان ينشئ عيادات نفسية لهم يستمع إلى مشاكلهم، فانتظم الطلاب بالدراسة وقلَّت المشاجرات بينهم واختفت الكلمات البذيئة التي كانت تُكتب على الجدران سرًا. كما كان يهتم بالعمل الفردي للطلبة ليبعد بهم عن الإلحاد أو الغواية، إلى معرفة الله.
† سيِمَ كاهنًا في 12يوليو 1972م، على مذبح السيدة العذراء بالزيتون حسب طلب القمص قسطنطين موسى الذي كان يعرفه منذ أن كان طالبًا بالكلية الإكليريكية، وذلك في وقت خدمة القمص قسطنطين موسى كمسئول عن طلبة الكلية الإكليريكية.
† اهتم بالتعليم وتسليم الإيمان واُعتبِر من وعّاظ الكنيسة القديرين، في وقت ندرَ فيه الوعاظ الدارسين، وكانت عظاته تشدُّ الكثيرين من كل الفئات والمستويات، وتدخل إلى القلوب وتنخس الضمائر وتدعو إلى التوبة، كما كانت تتسم بالسلاسة والسهولة مع العمق الروحي.
كان يفسِّر أصعب الآيات بأسهل العبارات. وكانت له اجتماعات أسبوعية منتظمة بالكنيسة. دُعيَّ لكثير من الإيبارشيات لإلقاء عظاته إلى جانب الاشتراك في النهضات الروحية، وكان أحيانًا يُلقي عظتيْن في كنيستيْن متنوعتيْن في نفس اليوم لامتلاء جدول مواعيده بالعظات.
† رُقِّيَ للقمصية في 14 نوفمبر1975م، للاشتراك في المجلس الإكليريكي للكهنة وللأحوال الشخصية.
† هو أول من أنشأ لجنة البر لرعاية الفقراء الذين أحبهم جدًا، ورعاهم على مبدأ التنمية الموازي للخدمة الاجتماعية، وساعد الفقراء في عمل مشاريع تنموية لرفع مستوى معيشتهم.
كما أسَّس بالكنيسة فكرة المشروعات التي تعمل تحت مظلة الكنيسة، وتضُمّ عدد من أبناء الكنيسة كفرصة للعمل وكمصدر للتدريب على مهن مفيدة مثل مشغل التفصيل، التريكو، أنوال لعمل السجاد اليدوي، مصنع الشمع، والعديد من المشروعات.
† اهتم بالتربية الكنسية وكان يُعلِّم بنفسه في فصول إعداد الخدمة، واهتم بتدريس الطلبة بنفسه لرفع مستواهم التعليمي.
† كُلِّف من قِبل قداسة البابا شنوده الثالث بتسليم طقس الكنيسة القبطية للأساقفة الفرنسيين –الأنبا مرقس (نيح الله نفسه)- والأنبا أثناسيوس – واستمر في متابعتهم لسنوات طويلة وساعده في ذلك الوقت المتنيح القس أنجيلوس ميخائيل كمدرس للغة الفرنسية.
† دَرَّس بالكلية الإكليريكية كأستاذ لعلم الوعظ والدين المقارن والكتاب المقدس واللغة العربية، واشترك بالتدريس في معهد الكتاب المقدس ومعهد الدراسات القبطية. وكان يستخدم في تدريسه أسلوبًا تربويًا شيقًا ويهتم بالتدريب العملي تحت إشرافه.
† قام بكتابة مؤَلَفًا بعنوان "مذكرات كاهن" نُشِرَ بمجلةِ الكرازة؛ وضع فيه خبراته الرعوية لكي تكون فائدة للأجيال من الخدام.
† انتُخب عضوًا في المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس لعدة دورات. كما مَثَّل الكنيسة القبطية في أحد المؤتمرات المسيحية بقبرص.
† اهتم بخدمة تكريس الشباب والشابات بكنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ورسموا كهنة أو مكرسات للخدمة.
† كان أبًا حنونًا لأبناء الجمعيات الخيرية من الأيتام وكان يهتم بالاحتفال بذكرى رسامته كل عام بين هؤلاء الأطفال، ويدعو الشعب إلى تدعيم الأنشطة التي بها هذه الجمعيات. وكانت أعظم أوقاته هي التي يقضيها مع الفقراء. قام برعاية الجمعيات الخيرية بالزيتون وكان يدبِّر أمر اجتماع شهري لهم لحل مشاكلهم.
† اهتم بالتعمير في الكنيسة وكان أبرزها كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون، التي تُعتبر إحدى المزارات الدينية العالمية. وأيضًا إنشاء دُور للمسنين والمسنات، والمغتربين والمغتربات، لخدمة الشعب، ومستشفى العذراء الخيري لعلاج المرضى بأسعار رمزية ومجانًا للفقراء وغير القادرين، كما بنى العديد من مباني الخدمة بالكنيسة.
ووضع مع بعض من الاستشاريين تخطيط لكافة مباني الخدمة الموجودة حاليًا بالكنيسة التي تم بناؤها بعد نياحته بالرسومات التي وضعها قبلها بعدة سنوات.
† كانت له علاقات طيبة برجال الدين من كافة الطوائف، وأيضًا من رجال الدين الإسلامي، ورجال السياسة، والمجتمع المدني.
† تميَّز بالحكمة التي ساعدته في حلِ الكثيرِ من المشاكل الأُسرية والاجتماعية، كما تميَّز باللطف الشديد والمحبة الفائقة لكل من يقابله، وأحبّه الجميع حتى الذي كان يلقاه لأول مرة. ونظرًا لما كان يتمتع به من أبوة حانية، كان أب اعتراف لعدد كبير من أبناء الشعب، ولبعض الآباء الكهنة.
† كان دائم الافتقاد للشعب، عطوفًا على الذين سقطوا ممسكًا بأيديهم حتى يقوموا من سقطتهم.
† اهتمَّ بالافتقاد داخل منطقة الكنيسة وفي أي حي من أحياء القاهرة، كان يلبّي الدعوة لزيارة أبنائه حتى في فترة مرضه في أيامه الأخيرة.
† اهتمَّ بخدمة الأُسر المستورة التي كان يرعاها بنفسه والتي أخرجت العديد من الأطباء والمهندسين، والمهنيين الممتازين في مهنتهم.
† وكان مثالاً في فهمه لرسالة الكهنوت فكان يرفض أخذ أي مقابل لأية خدمة روحية.
† كان مثالاً في وداعته وتواضعه وزهده في الحياة. وكان القريب منه لا يلاحظ أي مظهر من مظاهر تعظُّم المعيشة، ولم يُعرَف عنه أبدًا أنه حاول استغلال قرابته لقداسة البابا شنوده الثالث لتحقيق أي مكاسب خاصة، حتى في مجال الخدمة.
† رقدَ في الرَّبِّ في 20/7/1996م، حضر مراسم الصلاة البابا شنوده الثالث مع العديد من الأساقفة والكهنة، وكبار الشخصيات الرسمية المسيحية والإسلامية، والآلاف من أفراد الشعب المسيحي الذين بكوه تأثُّرًا عند دفن جثمانه بمزار أسفل كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون.
بركة صلاته فلتكن معنا آمين.
في عيد صعود جسد العذراء
في عيد صعود جسد العذراء[1]
ينتهي صوم السيدة العذراء بذكرى صعود جسدها الطاهر، وتعود بنا الذكرى أيضًا إلى تجلي السيدة العذراء على قباب كنيستها بالزيتون 2 أبريل 1968م وما له من دلالات ورسالة؟!
+ فرح الكنيسة منذ القديم، حيث تحظى بظهور القديسين ونوال بركتهم.
+ ظهور عام لا يختص به شخص دون آخر؛ ظهرت العذراء أمام الجميع لتعطي البركة للكل.
+ انحناء العذراء في خشوع أمام الصليب، إعلان بضرورة قبول الصليب كطريق وحيد للخلاص.
+ التجلي داخل القبة الشرقية وفوق المذبح تمامًا، دعوة للعبادة، وأن نرتبط بالرب خلال المذبح.
+ كثيرون بعد التجلي قدموا اشتياقات، وأعطوا حياتهم للرب، فالظهور رسالة لكل من تراخت نفوسهم.
+ تثبيت الإيمان، في وقت شاع فيه الإلحاد، والانحلال، وطغت فيه المبادئ الهدامة وضغوط العصر... هل يستطيع العلماء الذين يقتصرون على البحث العلمي والاستقصاء أن يحضروا آلاتهم، ويقدموا لنا تفسيرًا علميًا شافيًا؟! إن آلاتهم تعجز عن ملاحقة هذا الظهور العجيب!
+ الزيتون رمز السلام، أول إشارة للسلام، الحمامة التي عادت إلى فلك نوح وفي فمها غصن زيتون، مبشرة بانحسار ماء الطوفان.
+ الزيتون هي المنطقة التي مرت بها العائلة المقدسة في رحلتها المقدسة، وهذا المكان الذي تجلت فيه العذراء، استراحت فيه وابنها المبارك.
+ التجلي تعويض مؤقت عن ضياع القدس، فأصبحت الزيتون مزارًا، لا تنقطع منه قدم ليلًا ونهارًا.
+ الأمومة، فالأم تبحث دائمًا عن أبنائها، فهل تسرع وتطلب شفاعة العذراء الأم؟!
+ مجد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التي حفظت لنا الإيمان، فظهرت العذراء الأم على قباب الكنيسة الأم، اعترافًا بفضلها ونقاء تعاليمها.
+ الخلود فلا تفنى الروح بفناء الجسد، وهكذا جاءت العذراء من وراء حجب الأبدية، لتثبت لنا قول الرب يسوع: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو 14: 6)، "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو 11: 25)، وإليك بهذه المناسبة فيضًا من معجزات العذراء بالزيتون.
العاقر ولدت سبعة
كانت حنّة أم النبي صموئيل عاقرًا، محرومة من البنين، وعندما استجاب الرب لدعائها ترنمت بهذه الأنشودة، "لاَ تُكَثِّرُوا الْكَلاَمَ الْعَالِيَ الْمُسْتَعْلِيَ.. الشَّبَاعَى آجَرُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْخُبْزِ، وَالْجِيَاعُ كَفُّوا. حَتَّى أَنَّ الْعَاقِرَ وَلَدَتْ سَبْعَةً" (1صم 2: 3، 5).
وتأتي إلى كنيسة السيدة العذراء سيدة عاقر، لم تنجب منذ عشر سنوات، وتتشفع بالأم الحنون، السيدة العذراء، وعلى مدى عام، أراها تذرف دموعًا كالسيل. حتى كادت دموعها تحفر خطوطًا غائرة على صفحة وجهها! كانت مُرة النفس، وكانت تطلب نسلًا، ولجأت إلى الأطباء. ولم تستفد شيئًا... انعقدت آمالها على الرب، وشفاعة أم النور مريم.
وتعيش مع هذه السيدة أم زوجها.. وهي سيدة على درجة كبيرة من البساطة وطيبة القلب، وهي طاعنة في السن، وابنها وحيدها، وأبوه كان وحيدًا لأبيه! وتتمنى أن تجلي البصر برؤية حفيدها قبل أن ترحل من هذا العالم.
ومر عام كله دموع، ثم انقطعت هذه الدموع، استجاب الرب لدموعها وأخذت تستقبل أشهر الحمل، ثم فوجئت بدموع السيدة تنسال على وجهها من جديد، وفسرت السيدة الأمر بأنها دموع الفرح، فعجبتُ للإنسان... يبكي في فرح وأحزان، وتذكرت قول القائل:
هجم السرور عليَّ حتى أنه | من فرط ما قد سرني أبكاني |
وقد فرحت كثيرًا، لأنها لم تنجب ولدًا واحدًا، لكن أنجبت ولدين، توأمين!! فتذكرت قول حنة: "الْعَاقِرَ وَلَدَتْ سَبْعَةً" (1صم2: 5)؛ رمز البركة والكثرة.
مشكلة أخرى
رجل لا يطيق رؤية وجه زوجته.. ويصر على الانفصال عنها.. ويشترك كثيرون في حلِّ المشكلة فتذهب جهودهم أدراج الرياح.. ثم يتبين وجه الخلاف بين الزوجين، وإذا به أمر في منتهى الغرابة.. زوجته لم تنجب منذ عشرين عامًا.. والزوج يقول يائسًا: لقد صبرت كثيرًا، ويبدو أن الله أغلق رحمها، وأنا أريد نسلًا، يبهج قلبي ويحمل اسمي، ويخلد ذكري.
وأقدم لهما بصيصًا من الأمل.. يصطلحان، ويطلبان شفاعة العذراء.. وفي الهيكل الجانبي للمذبح وقف الاثنان يضرعان وتمر هذه الأحداث، يأخذ بعضها برقاب بعض، ولا أعود أذكر شيئًا عن هذا الموضوع.
ويمر عام، وتقف سيدة في الخورس الجانبي.. تردد الشكر والابتهال، وتطلب موعدًا لعماد طفل.. وتقول إنه جاء بشفاعة أم النور بعد 21 عامًا. وليس شيء غير مستطاع لدى الرب.. ومَنَّ الله على الزوجين، وفرح قلبهما، وملأ بالسعادة بيتهما.. وولدت العاقر!
تتعارك مع العذراء
بقى من عمرها 40 يومًا.. هكذا أجمع الأطباء. وعندما جاءت في اليوم التالي إلى مذبح العذراء، قالت السيدة بقى من عمري يا أبانا 39 يومًا.. ثم انخرطت في البكاء، كانت تبكي ويهتز كل جسدها، في نشيج مرتفع، وكاد اليأس يقضي عليها، لولا ما تبقى لها من إيمان في شفاعة العذراء.
وأشارت السيدة إلى ورم خبيث ضرب أطنابه في رقبتها.. وامتد إلى الرئة.. وقالت: جئت إلى الأم الحنون... بعد أن فقدت الأمل في كل الناس... بقى لي رجاء في قدرة الله.. إن معي ثلاثة أطفال صغار والعذراء أم... أرجو أن تتحنن عليَّ.. وتطلب لأجلي.
قلت لها الأمر بسيط؛ عندما تعودين إلى بيتك هذه الليلة، أطيلي الصلاة، و(تعاركي) مع السيدة العذراء! لا تتركيها حتى تستجيب لك، ودهنتها بزيت العذراء وانصرفت..
ونفذت السيدة الوصية بحذافيرها، وقام الزوج في منتصف الليل مذعورًا، وهو يسمع في جوف الله عتابًا، وعراكًا.. ويفتح عينيه على زوجته، ويجدها على هذه الحالة. ويسألها: مع مَن تتعاركين؟ تقول: مع العذراء.. هذا ليس شأنك.. هذا شأني وشأنها.. ويتركها الزوج وهو يخشى على عقلها.
وتستمر السيدة في الصلاة، وفي معاناة، وتنام راكعة بجوار سريرها وتأتي السيدة العذراء، وتمد يدها إلى رقبة السيدة، وتنزع "السرطان" من رقبتها وتضعه على "كوميدينو" بجوارها، وتبتسم في وجه السيدة وتباركها.
وتعرض السيدة نفسها على الأطباء، ويبشرونها بزوال المرض كلية.. وتحمل السرطان وتأتي به إلى الكنيسة في العشية، وترفع يدها وتقص على الشعب قصتها.. وتحدث بكم صنع الرب بها.. ورحمها.
وتباركتِ يا أم النور، يا شفيعة الجنس البشري، اشفعي فينا أمام الرب إلهنا، ليرحمنا كعظيم رحمته.
العذراء وطفل تحت القطار
بعد أن تراءت لها العذراء، وتشفعت لابنها الوحيد، فشفاه الرب من مرض عضال، نذرت أن تصحب ابنها وتزور العذراء في الزيتون، فأخذت القطار من الإسكندرية، قاصدة القاهرة، وعلى مسافة 5 كيلومترات أخذ القطار يهدئ من سرعته، فتجمع المسافرون وتأهبوا للنزول في نهاية العربات. ثم قام القطار فجأة، وتدافع الناس.
وقذف الناس السيدة فسقطت خارج الشريط، أما ابنها فسقط تحت القطار، وصرخت السيدة صرخة مدوية وهي تقول: يا عذراء! ثم أغمى عليها.. وعندما أفاقت وجدت ابنها يقف بجوارها وهو يناديها: أمي..!
قالت السيدة موجهة الحديث إلى ابنها وهي لا تكاد تصدق عينيها: ألم تسقط يا بني تحت القطار.. أما زلت حيًا، ألم تمت؟!
قال الغلام: لا لقد حدث لي حادث عجيب!! واستطرد الغلام.
عندما سقطت تحت القطار.. وجدت بجواري سيدة تتشح بثوب أبيض، ووجهها يضيء.. وضعت يدها فوق رأسي.. ومرت فوقنا ست عربات وقالت لي: السيدة لا تخف... أنا أمك العذراء.
ثم عاد الغلام يكمل حديثه.. فقال: عندما مرت آخر عربة، رأيت طيف العذراء يختفي مع آخر عربة.. وهي تمد يديها تباركني.. وتبتسم في وجهي.
والعجيب في هذه القصة، إن فلنكات القطار انطبعت على ظهر الغلام وأخذنا تسجيلًا للمعجزة في كنيسة العذراء، وعند دخولك إلى كنيسة العذراء بالزيتون، تأمل في لوحة لصورة الغلام، وعلى ظهره خطان. وتباركتِ يا أمنا العذراء، تلبين النداء.. وتشملين أبناءك بالحب والرعاية، الآباء منهم والأبناء.
اعتذار
تعودت أن أقص معجزات العذراء في الكنائس في أيام صوم العذراء في النهضات الروحية، وقد اعتذرت هذا العام عن 17 عظة كنت سألقيها على مدى 15 يومًا... حيث قضيت أيامًا بالدير للراحة بعد الإجهاد... ولعلني أكون قد وفيت بوعدي على صفحات الكرازة الغراء.. حيث لم يسعفني الوقت أن أذكرها في الكنائس، عن طريق الإلقاء.. وبركة أم النور أولًا وأخيرًا، ومعذرة للكنائس!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 1 سبتمبر 1978م
الغالي.. والطيب.. والمحب
الغالي.. والطيب.. والمحب[1]
قد يكون لأسماء الأعلام دلالات معينة، فاسم أبينا إبراهيم كان معناه (أبو جمهور)، فهو أب للمؤمنين. أما إسحاق الذي ضحكت سارة في قلبها عندما بُشرت به، فمعنى اسمه (ضحك).
+ ويحمل كل اسم من أسماء التلاميذ معنى؛ فاسم سمعان يحمل معنى (الاستماع). وهو الذي استمع لدعوة الرَّب فترك القاربَ والشباكَ! وتبعه.. وتغير اسمه إلى بطرس أي (صخر).
+ يوحنا الحبيب معنى اسمه (الله يتحنن).
+ شاول دعيَّ باسم بولس ومعناه (الصغير) ويحمل اللقب كل معاني التواضع، وهو الذي يقول: "أَنَا مَا أَنَا"... "الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا"!
+ أما تيموثاوس الذي أرسل إليه بولس رسالتين فمعناه: (المكرم من الله). بينما اسم ثاؤفيلس الذي ذكره لوقا البشير في مقدمة إنجيل لوقا، وسفر الأعمال معناه (محب الله). واسم شنوده معناه (ابن الله)!
+ والمكان الذي صُلب فيه الرب – جلجثة – معناها (جمجمة) ويذهب بعض المفسرين إلى القول إن في هذا المكان جمجمة أبينا آدم، أو أنه على شكل جمجمة.
+ ومن عجائب الألقاب أن زكا رئيس العشارين الذي عفَ عن المال وقال: "هَا أَنَا يَا رَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ" (لو 19: 8)، اسمه معناه (العفيف). بينما برنابا الذي رافق بولس في الوعظ والكرازة اسمه (ابن الوعظ)!!
وحديثي إليك اليوم عن ثلاثة ألقاب: (الغالي.. والطيب.. والمحب)!
1- الغالي
في إحدى قرى وجه قبلي يعيش رجل بسيط، أوقف حياته على فعل الخير؛ له أولاد كثيرون، يحبهم من الأعماق، ويخدمهم بيديه، هؤلاء الأولاد يضمهم (ملجأ).
جاهد كثيرًا، وتعب أكثر.. حتى حقق الله مسعاه، وأساس هذا الملجأ بيت ورثه.. عن آبائه.. فأراد أن يجمع حوله كل من نكبهم الدهر. وهذا هو المفهوم الحقيقي للسعادة، أن يفيض الإنسان بسعادته على الآخرين..! واسأل: فيقال لي إن هذا الملجأ تخرج منه كثيرون من الأطباء والمهندسين والمثقفين.
وكان (الغالي) وهذا هو اللقب الذي أطلقه عليه أهل القرية، يعد الطعام بيديه، ويخدم أبناءه بنفسه.. ويعوض هؤلاء اليتامى بحنانه عن فقد الوالدين.. والغريب أن رزق هؤلاء الأطفال كان يأتيهم يومًا بيوم.. وإذا بدر نقص في الطعام، يجمع الأولاد ويقول لهم: نصلي! وقبل أن يفرغوا من الصلاة.. كان الباب يقرع، ويحمل لهم القادمون الخيرات.. ما يفيض عن حاجتهم ويزيد.
وكان (الغالي) كثيرًا ما يبدو ساهمًا مفكرًا.. كانت سعادته يشوبها بعض الأسى، والقلق.. كان يتمنى بعد أن فرغ من الملجأ أن يبني كنيسة.
وحدث، أن صاحب المنزل الملاصق للملجأ عرض منزله للبيع، فأخذ يتوسل إلى السيد المسيح، ويتشفع بالسيدة العذراء أن يرسل له الرب ثمن هذا البيت.. ومرة رأى السيدة العذراء في حلم، تبشره بشراء المنزل، ورأى في الحلم مَن يقرع الباب ويسلمه ثمن المنزل.
وما أن ينبلج نور الصباح حتى أسرع (الغالي) يفاوض صاحب الدار، وصاحب الدار يقول له: إن ثمن المنزل كبير، ومن أين لك بالمال اللازم؟! و(الغالي) يقول له: أعطني فقط كلمة والرب يدبر.
وذلك حدث تمامًا، في اليوم التالي، أن (الغالي) سمع قرعًا متواليًا على باب الملجأ قرب الفجر، فقام متثاقلًا يفتح الباب وهو يفرك عينيه.. إذا شخص غير معروف له، يسلمه مبلغًا هو ضعف ثمن المنزل، وينفلت ذاهبًا دون أن يتحقق الغالي من شخصيته..!
واسأل: كيف بُنيت الكنيسة..؟!
قيل لي أن المهندس الذي قام بالبناء هو أحد أبناء الملجأ، واشترك في البناء كل أهالي القرية، وأبناء الملجأ.. وانهالت التبرعات، وفي شهور قلائل، ارتفعت منارة الكنيسة شامخة إلى عنان السماء... واشتركت النساء لأول مرة في البناء، ودار همس في القرية بأسرها يقول: هلم نساعد (الغالي) في البناء..! ونرفع عنه العناء!
ويقال لي أنه بنيت في القرية كنيستان أكثر رونقًا وبهاء، ولكن كنيسة العذراء التي شيدها الغالي، هي الكنيسة المزدحمة دائمًا حتى عتبة الباب.
وتجمعني جلسة مع كاهن وقور، صلى قداسًا بهذه الكنيسة، ولبى دعوة الغالي.
وإذا بالغالي يفاجئه بعد القداس بقوله: (الست) أعدت لنا الغذاء، وأرسلت لنا سمكة كبيرة ضخمة..!
فتعجب الكاهن.. إن عهده به أنه غير متزوج، وليست في حياته سيدة.. ويزول عجب الكاهن، عندما يبتسم (الغالي) ويقول (الست) العذراء مريم، عرفت بقدومك، فجاء إلينا رجل يحمل سمكة كبيرة، لنعد لك الطعام.
ويسرع الغالي في إعداد الطعام.. ويستطرد الكاهن الوقور حديثه معي.. يقول: كانت هذه أشهى أكلة، أكلتها في حياتي!!
ويسألني الكثيرون من أبنائي... ماذا جاء في الإنجيل عن القيامة.. ما هي العلامات؟! فأجيب، العلامات وردت في الإنجيل.. ولن تقوم القيامة، حتى يكتمل عدد الطيبين في العالم.. الذين يعملون الخير.. وسوف ينعمون مع الله في السماء، بما لم تره عين ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر (1كو2: 9)!!
2- الطيب
تعرفت به عندما كنت ألقي عظة: في إحدى مدن وجه بحري.. قال لي أنه أصيب بمرض عضال عام 1968م في الوقت الذي ظهرت فيه السيدة العذراء، فكان يكثر من التغيب عن عمله، ويسهر طول الليل في رحاب العذراء، ليجلي البصر بتجلي أم النور العذراء مريم. وأعدَّ له رئيسه في العمل تحقيقًا وأنذره بفصله عن العمل.. لكثرة تغيبه.
قال لي: أحسست بدافع قوي، أقوى من إرادتي، فأخذت القطار.. وتوجهت إلى كنيسة الزيتون وأقمت ثلاث ليالي، وفي آخر ليلة تجلت العذراء واستمرت الرؤية ساعتين كاملتين، وعندما نهضت واقفًا، أدركت لأول وهلة، وأكد لي الأطباء فيما بعد، أني شُفيت شفاءً تامًا.
وكان عليَّ أن أواجه العاصفة.. وأقابل رئيسي في العمل.. الذي وجه لي هذا السؤال؟ لماذا انقطعت ثلاثة أيام عن العمل؟
أجبت: كنت في رحاب العذراء، وشفيت تمامًا. وإذا برئيسي يستطرد قائلًا: وهل ذكرتني عند سيدتنا مريم؟ أجبت: نعم. قال لي رئيسي: ألم تكن مريضًا؟! لقد حسبتها لك إجازة مرضية..!
أما ما فعله هذا الرجل الطيب. فقد باع كل ما يقتنيه، وباع ذهب زوجته، وأرضًا يملكها. وكان يملك منزلًا من طابق واحد، فبنى الطابق الثاني ليكون دارًا للتربية الكنسية وآخر للاجتماعات الدينية.
ويقول كاهن المدينة الوقور: لقد أخذنا إذنًا من سيدنا الأسقف، لنقيم قداسًا بهذا الطابق على مذبح متنقل.. وكانت هذه أقصى أماني الرجل الطيب ما أسعدني بلقائه ولقاء أسرته! لقد التقيت بأناس طيبين، وبملائكة أرضيين.. عوضه يا رب، أنت لا تنسى تعب المحبة (عب6: 10).
3- المحب
كنا نستعرض حديثًا عن الوفاء... والإخلاص. فتقدم كاهن شيخ وقور، يذكر لنا حادثة عاصرها في الثلاثينات فأخذ يقول: أعرف رجلًا طيبًا مُحسنًا، لم يترك عملًا من أعمال البر إلاَّ وساهم فيه، أنشأ أولاده على حب الكنيسة منذ نعومة أظفارهم.. وترك قبل موته ولدًا وبنتًا، وترك لهما 500 فدانًا.
ويسأل الابن: ما هو نظام الشريعة المسيحية في الميراث؟! قيل له الولد مثل البنت تمامًا، هما على قدم المساواة عند التوريث.. فأصر الأخ أن يأخذ 250 فدانًا، ويعطي أخته المتزوجة 250 فدانًا.
ولما قيل له: أنه يستطيع أن يرث الثلثين وأخته الثلث.. قال: لا أظلم أختي.. ولا أقبل ما لا حق لي فيه.
ويبتسم الكاهن الوقور، ويقول: ولكن المفاجأة أن الأخ الشقيق أعطى أخته 250 فدانًا من الأرض الخصبة وأخذ هو 250 فدانًا من الأرض البور، وعلل هذا بقوله: ليست لدى أختي خبرة بزراعة الأرض.. أما أنا فسأفلحها بنفسي. ولعل المفاجأة تكمل فصولها عندما يقول الكاهن الوقور، لقد أصلح الشقيق أرضه وأصبح يملك 1250 فدانًا توزعت على أولاده، وحلت البركة... ولا شيء يفوق المحبة.. "اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا" (1كو 13: 8).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 20 يونيو 1978م
في ملابس أرثوذكسية
في ملابس أرثوذكسية[1]
ما أسرع أن ينكشف الغطاء، عما تحته من خفاء، فيظهر الحقّ في وضوح وجلاء وما من الشيطان يذهب، وما من الله يبقى..!
+ أراد يعقوب أن يلبس شخصية أخيه عيسو..! فاكتسى جلد خروف.. ودخل على أبيه، واستغل ضعف بصره.. وخدعه.
وكان عقاب يعقوب الذي غش أباه، أن غشَه خاله، ولا غرابة، فالجزاء من جنس العمل.. فزوجه خاله ليئة بدلًا من راحيل.. وغشه أبناؤه عندما قدموا قميص يوسف يقطر دمًا.. وظل يعقوب يبكي حتى كف بصره. هل كان يعقوب يعلم ما سوف يجنيه من غشه لأبيه، وما سوف يلاحقه من كوارث طول عمره؟!
+ ويحيك جيحزي قصة كلها غش وكذب، ويحصل من الوزير نعمان السرياني على وزنتي فضة.. وحتى ثياب، يخفيهما عن عيني أليشع النبي.. فيكون عقابه "فَبَرَصُ نُعْمَانَ يَلْصَقُ بِكَ وَبِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ.." (2مل 5: 27).
+ ويصف الكتاب الغاش بأنه: "وَوَلَدَ إِثْمًا، وَبَطْنُهُ أَنْشَأَ غِشًّا" (أي 15: 35)، "فَمُهُ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَغِشًّا وَظُلْمًا. تَحْتَ لِسَانِهِ مَشَقَّةٌ وَإِثْمٌ" (مز10: 7).
+ ويطلب النبي في صلاته ملجأ.. "وَمِنْ إِنْسَانِ غِشٍّ وَظُلْمٍ نَجِّنِي" (مز 43: 1).
+ ويقارن الكتاب بين الحب الحقيقي والحب الممزوج بالغش فيقول: "أَمِينَةٌ هِيَ جُرُوحُ الْمُحِبِّ، وَغَاشَّةٌ هِيَ قُبْلاَتُ الْعَدُوِّ.." (أم 27: 6).
+ إن الغش طلاء واه.. والطلاء سرعان ما يذهب بعيدًا.. والكتاب يقول: "لأَنَّهُ لَيْسَ خَفِيٌّ لاَ يُظْهَرُ" (لو 8: 17)... وأسوق إليك أحداثًا جدت في الثلاثينات.
الشيء بالشيء يذكر
جمعتنا الإكليريكية في رحابها في الثلاثينات، كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، وعندما تخرجنا، أخذ الرب يُعد كل واحد منا في مجال.
ونفترق ونجتمع، وإذا بخريجي هذه السنوات، هم مجندون جميعًا في خدمة الكنيسة في المراكز الثقافية والقيادية والخدمة العامة... ونجتمع يومًا ونتدارس أيامًا خلت.. وعبارة قالها قداسة البابا شنوده الثالث: "إن البروتستانتية اليوم تحاول أن تلبس ملابس أرثوذكسية".
دار الحديث طليًا، وكان يضم المجلس بعض الآباء الأساقفة والكهنة.. وعادت بنا الذاكرة 40 عامًا. ومن العجيب أن تحتفظ الذاكرة بالأحداث والصور، فتعود الأحداث في قوة وجدة، وكأنها تحدث لأول مرة، وتمر متلاحقة في نسق عجيب.. لا يذهب منها شيء حتى التفاصيل.
القصة الأولى
كان يحمل دبلومًا في اللاهوت من إحدى الطوائف، وهو أحد ثلاثة، دخلوا الإكليريكية في عام واحد، وكان يطمع أن يرتدي ملابس الكهنوت. واشتغل واعظًا في قرية من قرى الصعيد تضم عدة آلاف من المسيحيين.
قال لي مرة: إن صدق حدسي، فسأنال خدمة الكهنوت بعد 10 سنوات. ثم أردف، وكم سنة تُقدر أنت لنفسك؟
قلت: لا أظن أنني أقدر أبدًا، إنني عاجز عن حمل ذنوبي، فكيف أحمل ذنوب شعب؟!
ثم دعاني لإلقاء عظة بالقرية، وفوجئت باثنين يلقيان العظات معي، وتحولت الكنيسة إلى مهرجان.. ولم يكن المتكلمان من أبناء الكنيسة! وبلغ الأمر مسامع نيافة المطران.. وكان ما كان... ولم تطل مدة إقامتي بهذه الإيبارشية، لأنني انتقلت إلى خدمة واسعة بالقاهرة، وانقطعت صلتي بهذا الصديق مدة 9 سنوات!
وبعد 9 سنوات تمامًا، فوجئت بخبر أزعجني، انتقلت زوجة الصديق إلى السماء فجأة، وهي أكثر ما تكون نضارة وشبابًا، تاركة خلفها عددًا من الأطفال الأيتام.. فتألمت لما يعانيه الصديق من أعباء.
ثم يمر عام، وأسمع أن الصديق تزوج للمرة الثانية، كان في حاجة ملحة إلى زوجة تربي الأطفال، وفي غمرة الأحداث، أضم السنة إلى تسع السنوات، فيكون المجموع عشر سنوات..! نفس السنوات التي قدرها الصديق.
قلت في نفسي.. مسكين هذا الصديق لن ينال نعمة الكهنوت أبدًا، لأن قانون الكنيسة يمنع من يتزوج مرة ثانية.. أن يتقدم للكهنوت. إنه قانون الزوجة الواحدة..! وقلت في نفسي، ليس للإنسان أن يقدر لنفسه شيئًا.. بل يترك نفسه لله، يختار له، وليس لمن اختار. ولمن يشاء.. بل الرب الذي يختار ويشاء.
والكهنوت للْمَدْعُوُّ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا (عب5: 4)! وهنا تنتهي قصة الأول لتبدأ قصة الثاني!
قصة الثاني
أما الثاني، فسمعت أنه انخرط في سلك الكهنوت فعلًا.. وتزوج فتاة من أسرة كهنوتية، أحد أفرادها أسقف.. وآخر كاهن.. لست أدرى ما دهاني.. كان شعوري دائمًا متجهًا إلى هذا الصديق الكاهن، وكنت أذكره دائمًا، وابتهل إلى الله أن يعينه ويصونه!
ولكنني عدت وجزعت للمرة الثانية، تولاني أسى شديد.. عندما سمعت النبأ المفجع، استقر في ذهني، أن زوجة الصديق الثاني قد ماتت أيضًا. ولكن ذهني تبلد تمامًا، ولم يصدق أن الذي انتقل هو الكاهن الصديق.
سقط بعد القداس في الهيكل. ولم يخرج من الكنيسة، بل خرج من الحياة!
لقد انتقل هكذا سريعًا، وهو أكثر ما يكون نضارة وشبابًا.. وتذكرته شابًا وسيمًا أنيقًا، وفي كهنوته كاهنًا نشيطًا.. ولكنها الأحداث تمر عجلى..! والعمر أوهى من خيط العنكبوت. فسبحان الله الحي الذي لا يموت.
قصة الثالث
أما الصديق الثالث، فقد اشتغل بالتدريس، والتأليف، والوعظ، فكان مدرسًا وواعظًا.. وأراني مرة جدول الحصص فوجدته عامرًا، يضم جدولين، واحدًا للبنين. وآخر للبنات.
كنت أراه متورد الوجه، ممشوق القامة، يكاد يتفجر صحة وقوة، فدعوت له – بالتوفيق -!
كان يعمل بالصعيد وانتقل إلى القاهرة، وكنت ألتقي به كثيرًا على غير موعد، وكنت أعجب كثيرًا من نشاطه، ودعاني لزيارته، ولم أوفق وأخيرًا حددت له موعدًا.. وفعلًا توجهت إلى بيته، ولم أكن وحدي. كان المنزل غاصًا بمئات المعزين.. وسمعت ما أذهلني، وما اعتصر قلبي. كنت أعزه فعلًا وأحبه.. وقيل لي بين ما قيل.. سقط في الفصل، وهو يدرس، ومات بالسكتة القلبية، لقد خسرنا ثلاثة أصدقاء.
حقيقة أنهم صرحاء، قالوا أنهم حصلوا على مؤهل لاهوت من طائفة غير أرثوذكسية وقالوا إنهم أحبوا الكنيسة، وانخرطوا تحت لوائها: يريدون خدمتها... ولكن الأعمار في يد الله... والأمر كله مرجعه رحمة الله.. ولعلي وأنا أذكرهم الآن أسكب دمعة وفاء على ثلاثة أصدقاء..!
آخر المطاف
أما الرابع، فقد استطاع أن يهضم أي شيء، ولكن شيئًا واحدًا لم يستطع أن يهضمه، هو الطقوس وتعليم اللغة القبطية، في المدرسة الخاصة التابعة رأسًا للمطرانية، والتي كان ناظرًا عليها...
مر الكاهن بالمدرسة، حسب توصية نيافة المطران، وألقى درس الدين بالمدرسة، واجتمع بالمدرسين، ولقنهم مبادئ القراءة في اللغة القبطية فحضر الناظر غاضبًا وأمر الأساتذة أن ينصرفوا دون أن يكملوا الدرس.
وقال هذا الناظر هنا مدرسة، ليست بطريرك خانه..! موجهًا الحديث للكاهن.. واعتبر الكاهن نفسه غير مرغوب فيه، فلم يدخل المدرسة أبدًا بعد هذا اللقاء!
ويقوم الناظر مع الأساتذة ومعلم الكنيسة برحلة للترفيه ويستقل سيارة خاصة وتنحرف السيارة وتسقط في النيل.
ويخرج الجميع من السيارة حتى المعلم الكفيف، الضخم الجسم.. ولكن واحدًا فقط لم يخرج من السيارة هو الناظر، لقد خرج من الحياة.. ويبكيه الجميع!
إنهم الأقباط الأمجاد وإنها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فيها سر يحار الكثيرون في فهمه، ومفتاح هذا السر هو قول الكتاب: "كُلُّ آلَةٍ صُوِّرَتْ ضِدَّكِ لاَ تَنْجَحُ، وَكُلُّ لِسَانٍ يَقُومُ عَلَيْكِ فِي الْقَضَاءِ تَحْكُمِينَ عَلَيْهِ" (إش 54: 17).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 7 يوليو 1978م
شذرات.. ومتناثرات
شذرات.. ومتناثرات[1]
تختلف طباع الناس وتتفاوت من شخص إلى آخر.. والطبع والطبيعة من مشتق واحد لغويًا، ولهذا ذهب البعض فقالوا إن الطباع يصعب تغييرها، وقد يكون في طباع بعض الناس غلظة وعنف، كما يكون في طباع البعض الآخر رقة ولطف، ويلتقي الكاهن بالناس على اختلاف طباعهم ومشاربهم.
+ وتبدو طباع الناس واضحة عند عرض مشاكلهم...
ومهمة الأب الكاهن أيضًا أن يؤلف بين الطباع المتنافرة، ويكون نسيجًا من طباع متآلفة..! وهكذا تتجاذب النفوس بعد نفور، وتتقارب بعد التباعد والتنائي..!
وهذه الدنيا تجمع المتناقضات... وأراد أحد الحكماء أن يلقن ابنه درسًا عن الدنيا فأخذه إلى شاطئ بحر عجاج... هنا صيادون يكافحون في سبيل لقمة العيش، بينما يجلس على الشاطئ آخرون، يستروحون الهواء العليل والنسيم البليل... وعلى امتداد الشاطئ أناس يغدون، ويروحون... وتجار يبتعون ويشترون... بينما استقل آخرون قاربًا وأخذوا يمرحون ويجدفون.
ولكن من خطل القول الاعتقاد أن الطباع لا يمكن تغييرها، فالنعمة الإلهية كفيلة أن تعمل داخل الإنسان، إذا أراد، فتعيد تشكيله، فيصير الإنسان.. غير ما كان.. وأعتقد أنه لا توجد مشكلة تُطرح أمام عرش النعمة بالصلاة، إلا ويكون لها عند الله حل.
ومن خضم الحياة، ومن بحرها المتلاطم، ومن أحداثها المتشابكة.. اخترت لك أيها القارئ العزيز، بعض الشذرات، والمتناثرات.. وكلها من صميم وواقع الحياة.
جهنم!!
قرأت عن رجل صالح صلى لكي يريه الله جهنم..! فجاء إليه ملاك أثناء النوم، وأخذ بيده ليريه جهنم.. واقتاده الملاك إلى ميدان حرب، حيث انقلب الناس وحوشًا ضارية... وقد اشتعلت النيران، ودوى صوت القذائف وانطلقت الحمم، وتناثرت الأشلاء، وأخذ الناس يفتكون ببعضهم، في أبشع صورة، تنأى عنها الوحوش...
وقال الملاك للرجل الصالح: أتريد أن ترى جهنم..؟ هذه صورة ضئيلة جدًا من جهنم على الأرض..!
وهنا تعود بي الذاكرة، فأرجع إلى الوراء بضع سنوات. حيث كنت أقوم بخدمة في إحدى مدن وجه بحري، أثناء حرب اليمن وأخذت سيارة أجرة، وجاء جلوسي بجوار شاب مثقف أخذ يتجاذب معي أطراف الحديث.
قال محدثي: لقد عدت توًا من حرب اليمن. ثم مال محدثي نحوي وقال: إن عندي مشكلة تحيرني، أسردها عليك لعلني أجد عندك حلًا.
فأملت بسمعي إليه... وأخذ محدثي يتحدث في بطء وأناة. وهو يزن كل كلمة، وكأنه يزيح عن قلبه حملًا وثقلًا.. قال: عملت ضابطًا في حرب اليمن، والتقيت بابن عمي، وكانت المعركة على أشدها، وأخذت الطائرات تمطر حممًا وصواعق، ونشط القناصة... وأخذ القتلى يتساقطون، وكان ابن عمي يركب عربة محملة بالبنزين في طريقه إلى المعركة... وأخذ الرصاص يتساقط.. فأخذت مكمنًا بين الصخور في الجبل وأخذت أطلق النار.. وفي ذات اللحظة أصيبت عربة البنزين بطلقة مباشرة، واشتعلت مرة واحدة... ورأيت ابن عمي يحترق كالشمعة، وأنا عاجز عن أن أفعل شيئًا.. حتى أتت النار عليه والتهمته... وبعد أن هدأت المعركة هرعت إليه فوجدته عظامًا متفحمة..! ويصمت محدثي.. واحترم صمته.
ثم يقول هذه هي المشكلة: ابن عمى له زوجة وابنة لا تكف عن السؤال عنه، وتردد عبارة تكررها كل يوم: متى يعود بابا؟ هل أصارح الاثنين بالحقيقة المفجعة؟
قلت له: لا تفجعهما بالكارثة.. فقد تقضي عليهما.. دعهما يفقدان الأمل بالتدريج فتكون الصدمة أخف وقعًا.
ثم يعود ويقول: أما المشكلة التالية فهي منظر ابن عمي يحترق لا يفارق مخيلتي.
قلت له: إن الأيام كفيلة أن تضمد الجراح.. وكم للحرب من ويلات. حقًا إن الحرب.. جهنم على الأرض فليتدارك الرب الكل برحمته.
وفاء..!
قال: انتقلت أمي، وكانت تملأ البيت بكل أسباب السعادة.. فتركت فراغًا. كما تركت في كل قلب جرحًا غائرًا. وانطفأت بموتها إشراقة الأمل، وبهجة الحياة، وخيّم على البيت الهّم.. والكآبة. قال: كنا نلتف حولها.. ونجد السعادة في قربها!
وكان لدينا كلب يجلس دائمًا تحت قدمي أمي، وكان الكلب يهز ذيله، معبرًا عن فرحه وسعادته. ولم يغير الكلب مكانه.
قلت له: يلزم ألا نفقد الأمل، وأحباؤنا الذين انتقلوا، ما زالوا في السماء ينعمون بسعادة لا يشوبها كدر، وهم يحسون أيضًا بنا، ويصلون من أجلنا... كل ما هنالك، أنهم سبقونا، ونحن سوف نلحق بهم.
قال: ولكن هناك حادثة غريبة تركتنا جميعًا في دهشة بالغة... وحيرة شديدة.
قال: بعد انتقال والدتي إلى السماء... لم يطق الكلب البقاء في البيت، فهام على وجهه. وفتشنا عنه جاهدين، فلم نقف له على أثر! وبعد بضعة أيام عادت أختي من الخارج، وأصرت على زيارة قبر أمي.. وفوجئنا جميعًا بالكلب منكفئًا على وجهه.. يقبع عند القبر لا يفارقه... وأغلب الظن أنه لم يذق في تلك الأيام، طعامًا ولا شرابًا!
قال أخذناه معنا عند عودتنا، وفي اليوم التالي، افتقدناه، فلم نجده، لم يعد إلى البيت أبدًا.
خرجت الأم من البيت، فلم يطق الكلب أن يعيش من غيرها... ماذا تسمى هذا يا أبانا؟!
قلت له: يا بني.. إنه الوفاء. ومما يؤسف حقًا، أن بعض الحيوانات العجماء قد تحمل بعض الإحساسات والمشاعر.. التي يتجرد منها بعض البشر.. ولا عجب فالكتاب يقول: "اَلثَّوْرُ يَعْرِفُ قَانِيَهُ وَالْحِمَارُ مِعْلَفَ صَاحِبِهِ" (إش 1: 3).
ولا شيء يزين الأحياء: أكثر من العرفان بالجميل والوفاء.
الأبراج
جاء يستشيرني.. وهو يبدو حائرًا.. مشتت الفكر.
قال: خطبت فتاة من عائلة كريمة، والفتاة جميلة الخلّق والخُلق.. مثقفة، متدينة وفوق هذا وذاك هي خادمة بالتربية الكنسية.. تواظب على الاعتراف، والتناول من الأسرار، وتقوم بنشاط ديني.
قلت له: لا شك أن الفتاة التي تخدم أسرتها وكنيستها... تكون مهيأة أيضًا لخدمة بيتها وزوجها وأولادها.
قال: كل الصفات اجتمعت فيها، ولكن ما يعكر صفو حياتي، ويبلبل أفكاري، ما قرأته في (برج العقرب) من تنبؤات النجوم. يوم خطوبتي.. وجدت أمام حظي نبوءة تحذرني من الإقدام على هذا المشروع!! وهنا أخذ الشك يساورني.. والهم يملأ نفسي.
قلت له: يا بني، في مصر اليوم 40 مليونًا من السكان.. ويخص كل برج بين ثلاثة، وأربعة ملايين.. فهل يقبل عقلك أن يتفقوا جميعًا في حظ واحد؟! وبينهم الطفل الرضيع والشيخ الهرم.. وإلا فما هو المشروع الذي سيقوم به الطفل الرضيع؟!
إن الغيب يا بني، لا يعلمه، ولا يحيط به إلا الله وحده.
وهنا برزت إلى ذهني قصة قرأتها..
مَرّ مُنَجم ذائع الصيت بمنزل أحد الأمراء، فاستضافه الأمير، وأجزل له العطاء. وبالغ في إكرامه، فأراد المنجم أن يرد بعض الجميل، وفي ذات الوقت يظهر علمه.. وكان المجلس يضم عُلية القوم.. وهنا مر ابن الأمير فأسرع المنجم يحدق في عينيه، وأسرع يفتح كتبه.. ويحسب نجم الطفل.. ولقد كشفت النجوم عن طالع الطفل.. عن مستقبل باسم، قال المنجم، هذا الطفل سيكون قائدًا مغوارًا وحاكمًا مقتدرًا.. تنحني له الجباة، يتزوج ابنة ملك عظيم.. وينتصر في جميع المعارك ولا يخسر غير معركة واحدة.
وهنا انفجر الجميع ضاحكين، عندما قاطعه الأمير بقوله: إن نبوءاتك أيها المنجم، لن تتحقق أبدًا.. لسبب بسيط.. هذا الطفل الذي توهمته ولدًا.. هو في الحقيقة بنت.. فأسرع المنجم يجمع كتبه، ويغادر الدار.. وقد غطاه.. العار.. والتفت الأمير إلى مجلسه يقول: كذب المنجمون.. ولو صدقوا.
وهنا قلت للابن الذي جاء ينشد المشورة.. لا تدع الشيطان يحاربك... وينتصر عليك.. واطلب المشورة من الله.. ومن أب اعترافك... ولا تركن بعد اليوم إلى التطير، والنجوم، والخرافات.
من فمك أدينك
قرأ كثيرًا عن كتب الملاحدة.. والماديين.. ومذهب وحدة الوجود، ولم يتلق تعليمًا دينيًا، فاهتز إيمانه بالله ونشأ ملحدًا مستهترًا... رغم أنه كان يحتل مركزًا كبيرًا.
وحدث أن دخلت زوجته مستشفى (دار الشفاء) لتضع مولودها الأول.. وكانت حجرات المستشفى جميعًا تزينها صور السيدة العذراء تحمل ابنها الحبيب!
وهنا هاج صاحبنا واستدعى الراهبة وطلب منها أن ترفع صورة العذراء من فوق الحائط.
قالت الراهبة في هدوء: أنا لا أرفع الصورة أبدًا.. أرفعها أنت إذا استطعت.. نحن سنبذل قصارى الجهد في رعاية زوجتك.. والفرصة أمامك تنقلها إلى مستشفى آخر إذا كان وجود صورة العذراء في المستشفى يضايقك.
قال: كيف أسمح بهذا.. أن يفتح ابني عينيه.. على هذه الخرافات؟!
وتقول القصة: إن زوجته ولدت طفلًا جميلًا لكنه (أعمى).
ألم يقل أنه لا يريد ابنه أن يرى.. فولد.. لا يرى!!
وهنا أفاق الرجل وأخذ يبكي ويتوسل.. قيل له إن الأمر في يد الله.. سيعيد الله بصره.. إذا آمنت أنت به وطلبت منه؟! أمامك الاختيار أن تؤمن به... أو تنكر وجوده، والثمن هو بصر ابنك.
(الله موجود) حقيقة يراها المؤمن ويعمى عنها الملحد... ولم يكن الطفل وحده الأعمى... كان أبوه أيضًا أعمى... الأول أعمى البصر.. والثاني أعمى البصيرة!
لقد بلغني أن الله وضع نهاية سعيدة لهذه القصة! فترك الرجل إلحاده... وابتهل إلى الله.. وهكذا أبصر الابن.. وأبصر الأب!! وهكذا صارت المعجزة معجزتين.
وما أجمل أن تردد: "اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟" (مز 27: 1). "إِلَيْكَ رَفَعْتُ عَيْنَيَّ يَا سَاكِنًا فِي السَّمَاوَاتِ.. هُوَذَا كَمَا أَنَّ عُيُونَ الْعَبِيدِ نَحْوَ أَيْدِي سَادَتِهِمْ، كَمَا أَنَّ عَيْنَيِ الْجَارِيَةِ نَحْوَ يَدِ سَيِّدَتِهَا، هكَذَا عُيُونُنَا نَحْوَ الرَّبِّ إِلهِنَا حَتَّى يَتَرَأَّفَ عَلَيْنَا" (مز 127: 1، 2).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 17 يوليو 1978م
يد الله في مشروع
يد الله في مشروع[1]
قد يصاب البعض بالعمى الروحي، فلا يبصرون الله..! ويكون الله قريبًا منهم، معهم، وبجوارهم وهم لا يرونه.
فعندما احتاطت المركبات الحربية شعب الله قديمًا، وهم خارجون من مصر.. وقد بلغوا مشارف البحر الأحمر.. نظروا أمامهم فرأوا الخلاء على إتساعه، ونظروا وراءهم فرأوا العدو.. وأصابهم العمى فلم ينظروا إلى فوق.. ولهذا صاح فيهم موسى مطمئنًا، وهو يشير إلى فوق.. إلى الله، ويقول: "الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر 14: 14)!!
+ ووقع التلاميذ في خطر، عندما كانوا في السفينة، وقد لفهم ظلام دامس، وهاج البحر وارتفعت الأمواج، وزارت الرياح، وتراقصت السفينة على صفحة الماء.. وأشرفوا على الهلاك... ومن العجب، جاءهم الرب يسوع ماشيًا على الماء.. فظنوه خيالًا! حتى سمعوا صوته الحبيب: "أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا" (مر6: 50)! ولم تدرك عيونهم الحقيقة إلا بعد أن دخل السفينة.. وأمر الطبيعة الصاخبة أن تهدأ فهدأت.. وأمر البحر أن يخرس.. فسكت!
+ وقد ذكر الرب عميان القلوب.. عندما فتح عيني المولود أعمى، وظل اليهود على إنكارهم. فقال: "جئت حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ" (يو 9: 39)!
+ والذين يصابون بالعمى الروحي. لا يدركون بوضوح الحقائق الروحية الثابتة وأخص بالذكر هنا يد الله!! فلا يدركون الحقيقة البسيطة التالية.. "إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟!" (رو 8: 31).
ولكي أقدم لك هذه الحقيقة أكثر جلاءً ووضوحًا.. أقدم لك أيها القارئ العزيز.. يد الله خلال مشروع.. هو مشروع الأنوال. الذي بدأناه حديثًا في كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ليكون تجربة رائدة.. يسهل تعميمه في بقية الكنائس.
وعد لم يتحقق..!
رجل شيخ طيب. أشرف على التسعين بل تخطاها، انطبق عليه قول الشاعر:
إن الثمانين وبلغتها | أحوجت سمعي إلى ترجمان |
هذا الرجل الطيب، وعدنا بشقة فاخرة من سبع حجرات، بل وعدنا أن يسلم العمارة كلها للرب.. ويسجلها للكنيسة، حيث أنه ليس له وريث، وكتب لنا أحد المحامين من خدّام الكنيسة صيغة مناسبة تجنبنا المتاعب. واجتمع أعضاء لجنة البر، يشكرون الشيخ الطيب، ويباركون هذه الخطوة المباركة.
ولكن الشيخ الطيب كان كثير التردد، كثير الوسواس. فأخذ يقول اليوم، غير ما قاله بالأمس!! وعندما أخذت رأي قداسة البابا شنوده الثالث.. قال قداسته: الكنيسة لا تقبل وقفًا من متردد. ولا تقبل وقفًا عليه منازعات ومشاحنات! وهكذا صرفنا النظر عن الرجل الشيخ المتردد.
وقد تفشل كثير من المشروعات الخيرية. إذا كانت معلقة بوعد، أو تركز على شخص واحد ثري. فالكنائس قد بنتها قروش الفقراء، ولم تبن بثروات الأغنياء.. وقد بارك الرب يسوع فلسي الأرملة.. وهكذا صار الفلسان، أو تقدمات الفقراء، بركة لكل المشروعات الناجحة!
وقد اتجهنا إلى أرض الجراج الفضاء.. وإلى مكان مجاور لمشغل العذراء...
واستخدمنا أذرع الشباب الفتية، لنرفع أكوامًا من الأتربة، ونقيم على أنقاضها بناءً متسعًا، رحبًا، لمشروع الأنوال... ولم نضيع وقتًا في الندم على شقة الثري وسبع الحجرات. والناس فريقان؛ أناس يجلسون يندبون على ضياع فرصة، وأناس لا يضعيون الوقت ويعملون، وينتهزون الفرصة التالية.
ومنذ سنوات طويلة كنت أقوم بتدريس فتاة، ابنة الثري المعروف، الذي أنشأ أول مصنع للمطاط في مصر وساهم فيه بسبعة ملايين... وأثناء حريق القاهرة، الذي سبق قيام الثورة المباركة، التهم الحريق ما قيمته مليون جنيه.. خسرها الثري، سألت الفتاة: ما هو شعور والدك..؟
قالت لي الفتاة بالإنجليزية: أبي يبحث الآن عن الخطوة القادمة؟!
وعندما رفعنا الأنقاض جاء دور البناء.
دور البناء
في جميع المشروعات التي تقوم بها لجنة البر، تلتزم بخيط معين، لا تلجأ إلى أموال الكنيسة، بل تلجأ إلى الشعب...
في عشية الأحد مساءً، والإثنين مساءً، بعد إلقاء العظة، شرحت المشروع للشعب.. وطلبت أربعة أمور. مهندسًا متطوعًا لعملية لبناء، الطوب، الأسمنت. ومر أسبوع. وسمعت أنه دخل أرض الجراج أربع عربات طوب، وكنت قد طلبت اثنين ثلاثة أطنان أسمنت!
وجاءتني سيدة تسألني: يا أبي أريد أن أقدم نذر للرب، إذا خلصني من مشكلة معينة، وسمعتك تنبه على الأسمنت... فهل يجوز أن يكون النذر أسمنتًا.. قلت: نعم يجوز.. ما دام الأسمنت سيستخدم في الكنيسة.
وتشفعت السيدة العذراء للسيدة.. ولم يمر أسبوع إلا وقيل لي.. أن طنًا رابعًا من الأسمنت دخل جراج الكنيسة.
اكتمل لنا الطوب والأسمنت وبقى المهندس! ولم يمر الأسبوع منذ بدأ التنبيه، حتى جاءني مهندس.. وهو من أبنائنا المحبوبين.. وحاصل على بكالوريوس لاهوت قسم مسائي وإذا به يقول: كانت عندي عملية بناء في بورسعيد وتعطلت. قلت أشغل نفسي في بناء مشروع أنوال السيدة العذراء بالزيتون.. وعندي العمال جاهزون. ورفض المهندس الهمام أن يأخذ مليمًا واحدًا.. وأعتذر بقوله: دعني أقدم شيئًا لأمي العذراء!
وقبل أن أستطرد معك أيها القارئ العزيز الحديث.. أتوقف معك قليلًا، وأقول لك:
لماذا تعطلت مهمة المهندس في بورسعيد؟!
أقول لك: لكي ترى يد الله.. أنظر إلى هذا الكون المترامي الأطراف، لا تتم فيه حركة أو سكنة دون إذن الله ولا تسقط ورقة من شجرة.. أو تهب ريشة من مكانها دون إذن الله.. ومن الممكن أن تتعطل أحداث كثيرة في الكون، لمكمن الله من قانون الخير في هذا العالم.. فتتعطل أحداث وتتراجع إلى الوراء. ويتقدم قانون الخير إلى الأمام... ومرجع هذا أمر واحد: إن الله خير كلي وكل خير صادر منه. والخير هو الغاية العظمى والقصد الإلهي.. للكون والوجود.
شراء الأنوال
جاء الأسبوع الثاني واعتزمت أن أطلب من الشعب الطلب الرابع.. قيمة الأنوال، وكنا قد وفقنا إلى سبعة أنوال.. قيمتها 600 جنيه، تنازل أصحابها للسيدة العذراء عن 100 جنيه فأصبح المطلوب 500 جنيه.
وفي معاملاتنا مع الله، هناك أشياء نطلبها ويعطيها لنا الرب حسب مشيئته الصالحة وهناك أشياء يعطيها لنا الرب قبل أن نطلبها، "لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ..!" (مت 6: 8).
وبينما أنا منشغل بأخذ الاعترافات، تقدم رجل من الهيكل الجانبي، يريد أن يدخل الهيكل الأوسط، وكنت قد نبهت على الشعب، أن الهيكل الأوسط قدس أقداس لا يجوز أن يدخله غير الكاهن والشمامسة الخدام، فأشرت على الرجل المذكور بالتراجع ريثما انتهى من أخذ اعترافات بعض السيدات ويبدو أن الرجل كان على عجلة من أمره فهّم للمرة الثانية، بدخول الهيكل الأوسط، وأشرت عليه للمرة الثانية بالتراجع.. فأخذ يشير إليَّ متوسلاً.. فتوجهت إليه.. فإذا به يمسك شيئًا في قبضة يده.. أراد أن يفرغه في يدي، شيئًا ملفوفًا في ورقة بيضاء... وقال كلمة واحدة، انفلت بعدها خارجًا ومرق كالسهم... قال: (للمشروع)!
وعندما فتحت الورقة.. وجدت بها خمسين ورقة مالية من فئة عشر الجنيهات أي 500 جنيه.. المبلغ المطلوب ثمنًا للأنوال!!
وهنا نقف وقفة ثانية في تأمل عجيب.. ونتساءل لماذا 500 جنيه بالتحديد والإجابة لأن المطلوب 500 جنيه.. وهنا تحضرني قصة الأنبا بولا.. الذي أقام متعبدًا وسط الجبال.. وكان غراب يأتيه كل يوم بنصف رغيف، وحدث أن زاره الأنبا أنطونيوس.. فقدم الغراب وفي فمه رغيف كامل؛ نصف رغيف للأنبا بولا.. ونصف رغيف للأنبا أنطونيوس.
وأنا أقول لك أيها القارئ العزيز: إن حسابات الله لا تخل أبدًا. ولو جزءًا بسيطًا من ألف من الثانية.. والانطباع الذي تتركه هذه الأحداث.. أن الله يعرف أمورنا، ويقدر ظروفنا، وليس محتاجًا أن يُعلمه أحد عن شيء!! لأنه يعلم كل شيء!!
الفصل الأخير
بقى المدرب والمتعلمين، وهذه أهم مراحل المشروع، أما المدرب فقد وفقنا الله إلى ثلاثة مدربين، اثنين متطوعين، بينهما أستاذ فنان، والثالثة سيدة متزوجة متخصصة في صناعة السجاد.
وبقى اختيار الفتيات العاملات... هؤلاء أرسلهن الله من أسرات يلزمها العمل.
ومصنع السجاد، يقدم لكل واحدة منهن وجبة غذائية، وراتبًا شهريًا طوال فترة التعليم، وتستمر فترة التعليم ثلاثة أشهر، حيث ينتج بعدها المصنع سجادًا صالحًا للاستعمال.
ونحن نطمع بتوجيهات قداسة البابا شنوده، أن نصل إلى الطراز القبطي الأصيل ونوفر لمجموعة من الأسر، الحياة الكريمة عن طريق العمل، والجهاد، والحصول على لقمة العيش عن طريق شريف.
ويبدأ اليوم وينتهي بالصلاة، وتتقدم كل فتاة إلى الأسرار المقدسة مرة في الأسبوع.
واعتبرت فتيات مصنع السجاد فصلًا أيضًا من فصول التربية الكنسية، تتعلم الفتاة التعليم الديني والمهني جنبًا لجنب.
ومن استعان بغير الله في طلب كان ناصره عجز وخذلان.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 21 يوليو 1978م
تحديات الشيطان
تحديات الشيطان[1]
نستطيع أن نقول أن الله لم يخلق شياطين بل خلق ملائكة، وخلق الملائكة في اليوم الأول من النور قال: "لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ" (تك 1: 3).. والشيطان كان رئيسًا لملائكة، وسقط هو والملائكة الذين معه، وقيل أنه سقط بسبب الكبرياء.. لهذا يقول الكتاب: "قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ" (أم 16: 18).
+ ومن صفات الشيطان أنه (لا ينام) بل يعمل دائبًا، دون كلل، وهدفه بذر بذور الشر، وإهلاك البشر.
+ والشيطان (دائم الجولان) "خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ" (1بط 5: 8).
+ وهو (منظم ومتحد) والتعاون تام بين أفراد مملكته.. لأنه لو انقسم الشيطان لخربت مملكته.
+ وسميّ (المجرب) "فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً.. تَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ" (مت 4: 2، 3).
+ والشيطان (يحفظ الكتاب المقدس) من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا.
+ وهو(أذكى) المخلوقات وأكثرها حيلة، ولكنه يستخدم ذكاءه في الشر.
والانتصار على الشيطان هين بقوة الله "قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ"!! والسيد المسيح صرح وقال: "رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ" (لو 10: 18).
+ ومن حيل الشيطان أنه يغير شكله إلى شبه ملاك نور (2كو 11: 14).
+ والشيطان يحاول جاهدًا أن يضل الناس "هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ!" (لو 22: 31).
+ وأكثر ما يضل الناس عن طريق التعاليم الكاذبة (وإفساد العقيدة) المستقيمة الرأي.. لأنه "إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ" (1تي 4: 1).
وفي النهاية سوف يقبض رئيس الملائكة ميخائيل على الشيطان.. حيث يطرح في جهنم في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت. إلى أبد الآبدين. وأذكر لك أيها القارئ العزيز في هذا المقال بعض تحديات الشيطان.
وكيل الشيطان
هذه قصة خيالية تُصَور لنا جانبًا من ألاعيب الشيطان، وتكشف لنا بعض حيله..
وتقول القصة أن الشيطان أراد أن ينتقل إلى مكان قاص على وجه الكرة الأرضية، فترك مكانه وكيله، وأخذ يوصيه، وينفث فيه سمومه، ويقول له: يا بني! لا تركن إلى الكسل. أرجو أن تخبرني عند عودتي: كم بيتًا خربت، وكم نفسًا أهلكت، وكم حربًا أشعلت، وكم عملًا أفسدت؟!
وانطلق الشيطان في طريقه، وأخذ وكيله يلهو قليلاً.. غير عابئ ولا مكترث ولكنه سرعان ما تذكر تحذير الشيطان له، ألا يبقى عاطلاً. فأخذ يجول هنا وهناك. وأخيرًا دخل قرية آمنة، فأخذ يفكر سريعًا، كيف يبدد أمنها ويعبث بسلامها..
ومر بثور هائج خارج القرية، قد شُدّ إلى وتد، فأخذ يعبث بالوتد حتى خلعه من مكانه، في ذات الوقت الذي أقبلت فيه سيدة فلاحة على وشك الوضع، تحمل الطعام إلى زوجها في الحقل، وانطلق الثور بكل قوته، ونطح السيدة فصرخت وخرج الفلاحون يستطلعون الخبر، واشتد بينهم النقاش، وتطور، وهاج كل فريق ضد الآخر، فرجعوا إلى بيوتهم وتسلحوا بالبنادق، ودارت معركة حامية، وفقدت القرية أمنها، وكلما سقط قتيل هلل وكيل الشيطان، وكلما سقط جريح قفز وكيل الشيطان من الفرح – واستمرت المعركة حتى غربت الشمس، وتدخل رجال الأمن وفضوا المعركة، وأخذ كل فريق يحصي قتلاه، ووكيل الشيطان يعد معهم.
وهنا انتهت جولة الشيطان وعاد من سفر بعيد، فاستقبله وكيله مبتسمًا، فسأله الشيطان، طمأنني ماذا فعلت؟!
قال: عشرات القتلى والجرحى، والقرية تغلي نارًا، وهناك ضغائن وأحقاد، وتصميم على الأخذ بالثأر. فربت الشيطان على كتفه وهو يقول: مرحى يا بني. إنني الآن مطمئن على مستقبلك.
أخبرني الآن ماذا فعلت؟ أجابه: كل ما فعلته.. حركت الوتد من مكانه!
قطار يخرب
كم من مرة عطل الشيطان خدمة من الخدمات، كان يتخوف منها نفعًا روحيًا، كان يعطل عربة في الطريق، فلا يصل الخادم في موعده إلى مكان الخدمة.
ومنذ سنوات بعيدة، كان أحد الآباء يقصد خدمة في إحدى المدن، في جنوب الصعيد، وركب قطارًا.. وقبل أن يصل إلى المدينة المنشودة، تعطل القطار، وقيل إن شيئًا فيه قد كسر.. ويتساءل الركاب كيف انكسر القطار؟ وأنا أقول إنه الشيطان عدو الخير.. كسر القطار، حتى تتعطل الخدمة.
وأتذكر بولس الرسول الذي انكسرت به السفينة، ويصف ما لاقاه من الشيطان من مقاومة فيقول: "ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلاً وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ، بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي.. بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ" (2كو 11: 25-26).
ضحكات الشيطان
في إحدى المرات، منذ ثلاثين سنة، كنت معتزمًا القيام بخدمة، وأعددت لها العدة، وأرسلت خطابًا أحدد موعد السفر، وكان الغرض من هذه الرحلة افتتاح مدرسة جديدة، تعلم أطفال القرية الدين. ولم تتم هذه الرحلة في موعدها، لسبب بسيط أنه كان من المستحيل السفر، وأنا طريح الفراش أُعالج من كسرٍ في قدمي.
ففي أثناء عبوري الطريق، إذا بسيارة تسير بسرعة هائلة، انحرفت عن طريقها. لتصدمني في قدمي، وأنا أقول أن هذه السيارة كان يقودها الشيطان!
وأنا طريح الفراش لعلي سمعت ضحكة خبيثة هي ضحكة للشيطان.
وبعد ثلاثة أشهر من العلاج، عندما وقفت على قدمي، وحددت موعدًا آخر للسفر، إلى ذات القرية، لافتتاح ذات المدرسة، أراد الشيطان أن يعطل الخدمة، للمرة الثانية، فنشل مني قبل يوم السفر مباشرة مبلغ كبير، كان أمانة في يدي، وهو عبارة عن مرتبات المدارس.
ولعلي سمعت ضحكة ساخرة.. هي ضحكة الشيطان في ثاني جولة.. واستمرت الجولات والتحديات؟ وبعد مضايقات كثيرة ومتاعب جمة، تم افتتاح المدرسة.. ودائمًا الانتصار على الشيطان في النهاية بعد سلسلة من المحاربات! بعون الله.
سلاح اليأس
هذا هو السلاح الذي استخدمه الشيطان مع يهوذا، فذهب وخنق نفسه.. وذهبت روحه إلى الجحيم.
ولهذا يعتبر الانتحار جريمة، لأنه فوق أنه جريمة قتل، لا يوجد بعدها أي وقت للتوبة، فالجريمة الثانية، أن الانتحار هو يأس من مراحم الله..
وقرأت قصة تصور لنا، أن الإيمان بمراحم الله فضيلة واليأس بالرحمة يفتح باب جهنم.
قرأت عن قديس صلى ليريه الله أشر رجل في المدينة في هذا اليوم.
فظهر له ملاك وأخذ بيده ثم أراه رجلاً مجرمًا عاتيًا، أشعث الشعر، زائغ البصر، قد امتلكه الشيطان.. يبدو كأنه مقدم فورًا على جريمة قتل، لدرجة أن القديس أقشعر جسده من هول منظر هذا الرجل.
عاد القديس وصلى أن يريه الله أقدس رجل في المدينة في هذا اليوم.
فتقدم الملاك وأخذ بيد القديس وأراه الرجل ذاته المجرم.. وكان الوقت قرب مغيب الشمس. فدهش القديس، كيف يكون الرجل أكبر مجرم وأكبر قديس في ذات اليوم؟
ولما استغلق الأمر على فهمه، قال له الملاك، اقترب من الرجل واسمع ما يقول.. كان الرجل المجرم يسير نحو الكنيسة الأب الكاهن وفي يده ابنه الصغير، ويسأله ابنه: أبتاه.. ما أوسع هذا الفضاء.. وما أوسع هذه الدنيا!
وأجاب الرجل وهو يقول متمهلًا، ويرفع بصره إلى السماء مستغفرًا نادمًا: الدنيا يا ابني واسعة، ولكن أوسع منها مراحم الله.. تتسع لنا إذا تبنا واعترفنا بخطايانا.
ويأتيني كثير من الشباب في حالة يأس وانهيار تام؛ ويقولون لا يوجد أمل!
ضاع العام الدراسي؛ وانهارت فتاة، وابتلعت 90 قرصًا، وأمكن إنقاذها على آخر رمق.. وأتتني نادمة في سر الاعتراف، فأخذت أنفخ من روحها المتداعية.. وأقول لها لماذا لا تؤمنين بقدرة الله؟! والبركة في القليل، وكتبت لها في أول صفحة في الأجبية هذه الآية لتتخذها شعارًا "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في 4: 13).
وكان قد بقى شهران.. وبارك الله في الشهرين.. وظهرت النتيجة وحصلت على تقدير "جيد جدًا"!!
وأخذ الشيطان ينفخ روح اليأس في شاب آخر.. وأخذ الشاب يردد: لا فائدة.. ولا فائدة! وعندما شدد عليه أبوه.. أشعل النار في ثيابه، وفي المنزل، أصابته هستيريا. فجاء به أبوه إلى الكنيسة.. فأجلسته أمام أيقونة العذراء. وقلت له: هذه أمك.. هل هناك أحن من الأم... العذراء تتشفع لك.. والرب يبارك فيما بقى من الوقت.. وابتسم الشاب لأول مرة، عندما لاح له بصيص من الأمل في مراحم الله.
وأنا أقول لك أيها القارئ: لا تيأس من مراحم الله. البحار عميقة، وأعمق منها مراحم الله، والجبال الشامخة عالية، وأعلى منها مراحم الله، والفضاء واسع، وأوسع منه مراحم الله.. "اِحْمَدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ" (مز 106: 1).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 28 يوليو 1978م
ذكريات في الخدمة.. وتوصيات
ذكريات في الخدمة.. وتوصيات[1]
قدم لنا الكتاب سجلًا ضافيًا للخدمة، فقدم لنا يعقوب أبا الآباء، الذي خدم أربع عشرة سنة ليفوز براحيل.. وكانت في عينيه كأيام قليلة (تك 29).
+ ويوسف الذي خدم فوطيفار بكل أمانة، فامتلأ بيت فوطيفار بالخير (تك 39).
+ ويذكر لنا إنجيل لوقا عن نساء كثيرات كن يتبعن الرب ويخدمنه من أموالهن (لو8: 3).
+ ويقول بولس الرسول عن القديس مرقس أنه نافع للخدمة (2تي 4: 11).
+ والتحذير الذي يقدمه الرب يسوع في مجال الخدمة: "لاَ يَقْدِرُ خَادِمٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ" (لو 16: 13).
+ وخير ما يكلّل الخدمة الاتضاع.. فيقول الخادم: "أَنَا مَا أَنَا"! وقدم لنا الرب يسوع الاتضاع في الخدمة، عندما تقدم وغسل أرجل التلاميذ، وقال لنا: كما فعلت أنا تفعلون أنتم أيضًا، وهذا هو منهج العظمة الحقة: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا" (مت 20: 26).
+ ويذكر الله لنا دائمًا الخدمة، مهما كانت صغيرة، "وَمَنْ سَقَى أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ كَأْسَ مَاءٍ بَارِدٍ فَقَطْ.. فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ" (مت 10: 42)! ويقول أيضًا: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَمَحَبَّتَكَ وَخِدْمَتَكَ.." (رؤ 2: 19).
+ أما شرف الخدمة فيعبر عنه بولس الرسول بقوله: "وَأَنَا أَشْكُرُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ رَبَّنَا الَّذِي قَوَّانِي، أَنَّهُ حَسِبَنِي أَمِينًا، إِذْ جَعَلَنِي لِلْخِدْمَةِ" (1تي 1: 12).
+ أما مصير الخادم الأمين؛ جاء في قول الرب يسوع: "حَيْثُ أَكُونُ أَنَا هُنَاكَ أَيْضًا يَكُونُ خَادِمِي" (يو 12: 26).
وانعقد مؤتمر الخدمة العام بالقاهرة، الذي باركه قداسة البابا شنوده بحضوره والتحدث فيه، وحضره خمسة آلاف خادم. وها أنا أقدم لك أيها القارئ العزيز ذكريات في الخدمة، في صورة توصيات، اجتزئ بذكر ثلاث توصيات من عشر حسبما يتسع المجال.
1- النفس الطويل
تحتاج الخدمة إلى النفس الطويل. وهذه الصفة مشتقة من صفات الله تبارك اسمه، فالرب طويل الروح... طويل الأناة.. يغفر الذنب والسيئة.. وهذه الصفة مشتقة أيضًا من صفات الراعي الصالح الذي يترك 99 خروفًا على الجبال.. وفي طول أناة، يفتش عن الخروف الضال حتى يجده.
ولا شك أن صاحب النفس الطويل.. يكمل (المشوار) ويقطع مسافة أطول، ويحقق الغاية من الخدمة.. ويكمل السعي.. وغالبًا يكون النجاح في نهاية الشوط. وتحضرني هنا قصة واقعية من محيط الخدمة.
مر المفتش ذات يوم، وفي الصباح الباكر، على مدرسة أولية قبطية، ليسجل حب التلاميذ للمدرسة، وانتظامهم في الدراسة، وتبكيرهم في الذهاب إليها.. وفي تمام الساعة الثامنة، دق الناقوس، معلنًا بدء الدراسة في هذا اليوم.. وانتظم المدرسون كل في فصله، ما عدا مدرسًا واحدًا، جاء متأخرًا عن الحصة ثلاث ساعات.. واكتشف المفتش عند دخول الفصل، أن المدرس ليس لديه دفتر تحضير.. وكراسات التلاميذ غير مصححة منذ ثلاثة أشهر.. ولم يتلق التلاميذ أية معلومات ذات بال، ورغم أن المفتش جامل المدرس أبعد مجاملة فلم يمسه بكلمة.. إلا أن المدرس انفجر غاضبًا، كبركان ثائر يرسل حممًا، وانهال شتمًا وصراخًا.. وأخذ المفتش يهدئ من ثائرة المدرس وكان يخشى على التلاميذ مما سمعوا.. وأخيرًا انسحب المفتش من الفصل تلاحقه اللعنات!
كان للمفتش سلطة مطلقة في هذه المدارس: هو الذي يعين، وهو الذي يرقي.. فماذا هو فاعل بهذا المدرس؟!
كان جل ما يشغل بال المفتش.. دراسة حال المدرس النفسية، والوقوف على الأسباب التي دفعته إلى الخروج عن حده.. والتهور.. والاندفاع.. بهذه الصورة.
وأخيرًا اكتشف أن المدرس، أحواله المالية في منتهى الاضطراب.. وقد ماتت ابنتاه، لعجزه عن العلاج.. والابنة الحالية ترقد عليلة منذ ثلاثة أشهر.. وهذا اليوم الذي تأخر فيه.. كان يمر على المعارف يقترض ثمن الدواء!!
وفي نفس الوقت، وجد أن المدرس له شخصية إدارية قوية فقرر ترقيته ناظرًا.. وبهذه الترقية زاد مرتبه، وصلح حاله، واستطاع أن يعالج ابنته.
كان هذا المدرس يتوقع أقصى عقاب، من المفتش وفوجئ بالترقية في الوقت الذي يتوقع فيه شر الجزاء.. وحالما ترقى، أخذ يتندر في كل مكان.. أراد المفتش بي شرًا، وخيب الله ظنه!! ولكن هل كان يدري السر في ترقيته؟ وأن المفتش جاهد كثيرًا لكي يرقيه.. ولقد رفض باقي المفتشين الترقية وعارضوها.. لا شك أنه لم يكن يصدق، حتى لو عرف!
وأعجب ما في هذه القصة التي جرت أحداثها منذ 35 عامًا... إنه لم يكن الناظر هو السعيد وحده بهذه الترقية، بل كان المفتش أسعد حالًا.. قال المفتش: الآن استراحت نفسي، إنني سعيد.. سوف تجد الابنة العليلة ثمن الدواء.
إن النفس الطويل، أنقذ طفلة من الموت.. وأسرة من الضياع.
2- عدم الاعتذار عن الخدمة
هذا هو المبدأ الثاني في الخدمة، يفسر قول بولس الرسول: "إِذِ الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ، فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ" (1كو 9: 16).
إن الاعتذار معناه التحلل من المسئولية. وعدم الاعتذار معناه الالتزام بالخدمة فيكون للخدمة الاعتبار الأول، هي الأهم، تحجب وراءها كل مهم!
أعرف شخصًا تمام المعرفة؛ وضع أمامه التزامين، وقطع عهدًا أمام الله أن يلتزم بهما: لا يأخذ أجرًا من عظة.. ولا يعتذر عن عظة.. والغريب أن المادة التي هرب منها أخذت هي تسعى إليه.
وهذه حقيقة ثابتة... تجري وراء المال، يهرب منك... تهرب منه فيجري وراءك. والحقيقة الثابتة أيضًا أن المال شر معوق للخدمة إذا اتُخذ هدفًا.. وتستطيع أن تقول دون أن نبعد عن الحقيقة: إن المال أحسن خادم، وأسوأ سيد..!
وتدعو إحدى المحافظات، هذا الخادم، لإلقاء عظة في نهضة روحية، ويعطي ميعادًا مسبقًا بشهر.
ويأتي موعد العظة ويصاب الخادم بحصوة في الكلية ونزلت إلى الحالب.. وأحدثت فيه آلامًا مبرحة، ناء الخادم تحت وطأتها، وأخذ يطلب من الله العون، وبقى على العظة ثلاثة أيام – فماذا هو فاعل؟! لقد أشار عليه طبيبه الخاص بالاعتذار، وأنه إذا سافر فلن يكون مسئولًا عن حياته.. وماذا يحدث إذا فاجأه المغص الكلوي في الطريق وأحدثت حركة السيارة نزيفًا؟!
خرج الخادم من عند الطبيب، وأراد أن يقطع على نفسه خط الرجعة.. فأرسل برقية إلى المطرانية، ينبئ عن حضوره في الموعد المحدد.. وقد صمم ألا يعتذر. ولم يصب الخادم بمغص، أو بنزيف. وكان من المستحيل أن يفاجأ بهذا.. لأن الحصوة نزلت من تلقائها في اليوم السابق للسفر مباشرة!
وليتبارك اسم الرب، الذي لا يتخلى عن أبنائه الخدام.. وليكن كل إنسان كاذبًا، وليكن الرب صادقًا.. إن الذين يعتذرون عن الخدمة هم الذين ينظرون إلى الوراء.
"لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ اللهِ".. ثم إن الكتاب يقول: "أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ" (رو 2: 1).
3- الخدمة في الأعماق
وأقصد بالأعماق هنا خدمة القرى، والمناطق النائية، المحرومة من التعليم ومن الكنائس. وأتذكر دائمًا قول الرب يسوع: إِلَى الأعماق "وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ" (لو 5: 4). وفي هذه المناطق يعيش كثيرون، محرومين من نعمة التعليم. ولسان حالهم ما قاله أهل مكدونية: "أعبر إلينا وأَعِنَّا" (أع16: 9).
وفي القرية نجد نفوسًا عطشى إلى كلمة الله، تتهددها كثير من الأخطار. نجد أناسًا يجهلون كل شيء عن كنيستهم، وتتبارى الطوائف في اختطافهم من حضن الكنيسة الأم.. وكم كان عملًا جميلًا من قداسة البابا المعظم الأنبا شنوده أن يوجه اهتمامه للقرى، ويعد لهم الخوري إبسكوبس... ويقدم الرعية للرعاة، الذين يجمعون شتاتهم، ويسدون حاجاتهم الروحية.
ومن محيط الخدمة الواسع أقدم هذه القصة الواقعية، وهي صورة لما يحدث في القرية؛ كنت في طريقي إلى الخدمة منذ سنوات طويلة.. وحدث أن انكسر القطار فجزع الراكبون جميعًا، أما أنا فقلت في نفسي.. لقد سمح الله أن ينكسر القطار عند هذه القرية، فلماذا لا أتجول فيها، قد يكون الله قد أعد خدمة.. ودخلت القرية، فاكتشفت عجبًا عجابًا.
عمدة هذه القرية، باع القرية بمن فيها من سكان وعددهم 500 نفس لإحدى الطوائف، بجنيه واحد، هو إيجار البيت الذي تخدم فيه إحدى الطوائف.
قلت للعمدة: كم تأخذ وتمنع هذه الطائفة عن القرية التي أخرجت الشعب عن عقيدته؟
قال: ادفع جنيهين.. وأنا أمنعهم من أول الشهر!!
قلت: لا، بل سأدفع ثلاث جنيهات.. سأفتح مدرسة تعلم الدين للأطفال، لأن الإصلاح يكون من الأساس، وعلينا أن نبدأ بالأطفال. وهكذا أمكن إنقاذ الأطفال و500 نفس بـ300 قرش.. فما أعجب هذا؟!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 4 أغسطس 1978م
توصيات وذكريات.. في الخدمة جـ2
توصيات وذكريات.. في الخدمة جـ2[1]
أول وصية في الوجود، كانت وصية الرب الإله لأبينا آدم: "مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ.." (تك2: 17،16).
+ وأول وصية أعطيت للبشر مقترنة بوعد: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ" (خر 20: 12).
+ ويصف الكتاب الوصية بأنها مصباح، والشريعة نور.. ويقول الكتاب: "يَا ابْنِي، احْفَظْ وَصَايَا أَبِيكَ وَلاَ تَتْرُكْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ.. اُرْبُطْهَا عَلَى قَلْبِكَ دَائِمًا" (أم 6: 20، 21).
+ ولخص سليمان الحكيم الوصايا في كلمات قليلة: "اتَّقِ اللهَ وَاحْفَظْ وَصَايَاهُ، لأَنَّ هذَا هُوَ الإِنْسَانُ كُلُّهُ" (جا 12: 13).
+ أما أعظم الوصايا فهي المحبة "فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ.. تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" لأنه لا شيء أعظم من المحبة.
+ وهذه هي وصية داود النبي لابنه سليمان: "أَنَا ذَاهِبٌ فِي طَرِيقِ الأَرْضِ كُلِّهَا، فَتَشَدَّدْ وَكُنْ رَجُلاً.. اِحْفَظْ شَعَائِرَ الرَّبِّ إِلهِكَ، إِذْ تَسِيرُ فِي طُرُقِهِ، وَتَحْفَظُ فَرَائِضَهُ، وَصَايَاهُ وَأَحْكَامَهُ" (1مل 2: 2، 3).
+ وعبّر يوسف عن حفظه الرب بقوله لامرأة فوظيفار: "فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟!" (تك 39: 9).
وكل من يبغى الخلود ويقول: ماذا أفعل لكي تكون لي الحياة الأبدية؟ يقول له الرب يسوع، كما قال للشاب الغني: "احفظ الوصايا"!
وذكرت لك أيها القارئ العزيز 3 توصيات من وحي مؤتمر الخدام العام بالقاهرة، الذي باركه قداسه البابا شنوده بالحضور، وإلقاء الكلمات، وها أنا أكمل إلى عشرة.
4- مواجهة الأخطار والمتاعب
إن مواجهة الأخطار، وتحمل المتاعب، والتذرع بالصبر؛ كلها من ضروريات الخدمة الناجحة، وقد سمح الرب أن يترك التلاميذ يواجهون العاصفة في البحيرة. وجاءهم في الهزيع الرابع ماشيًا على الماء... لتدربهم على احتمال عواصف الخدمة للنهاية.. وما أشبه العالم ببحر كبير. أنتم تحزنون والعالم يفرح. "وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو 16: 20، 22).
ومن أخطار الخدمة أذكر حادثة من أعماق الريف. حدثت منذ حوالي 40 عامًا كانت الرحلة لافتتاح مدرسة في بطن الجبل تضم أطفال أربع قرى مجاورة، وتعلمهم الدين. وكان الطريق شاقًا. وكان النيل قد فاض.. وانتشر الماء على الجانبين، وأخذ الفلاحون يشمرون ويخوضون في الماء إلى الركبتين، وفعلت مثلهم. وحذوت حذوهم. وتلفت حولي فوجدت طريقًا زراعيًا مرتفعًا، تحفه أعواد الذرة، فقصدته، وليتني ما فعلت!
سرت مسافة طويلة في خلاء مطبق لا صوت ولا حس ولا أثر لقدم، وفجأة تسمرت قدماي في الأرض، عندما برز وحش، وهجم عليَّ مزمجرًا، متحرشًا، وأخذ يقترب مني وفي اللحظة الحرجة جدًا.. ظهر بجانبي فجأة، حارس يلبس ثيابًا بيضاء مديد القامة عليه القوة والمهابة وأنقذني من هذا الوحش؛ فعاد وهو يزمجر.
وسرت وبجانبي الحارس الأمين يحدثني في دعة ولطف، ولم أنظر إلى وجهه بل كنت أنظر إلى أمامي دائمًا. وقد زال كل ما كان بي. وأذكر أنه سألني عن وجهتي، ولما حدثته عن الخدمة باركها، وهنا أردت أن ألتفت إليه. ونظرت فلم أجده، اختفى مرة واحدة كما ظهر هكذا اختفى.
وكنت قد بلغت نهاية الطريق.. حيث المراكب الشراعية تنقل الذين يعبرون النيل. وكثيرًا ما يعود إلى ذاكرتي، كلما واجهتني متاعب الخدمة، هذا الحارس الهيب المديد القامة، فاستشعر الراحة والاطمئنان، ويزول كل ما بي! وكلما ذكرت الوحش اللعين، أذكر معه الحارس الأمين، وأرفع بصري إلى فوق، وأبتهل إلى الله. ويعود إلى ذاكرتي قول الرسول، وهو يذكر متاعب الخدمة، ويردفها بقوله: "وَلكِنَّ الرَّبَّ وَقَفَ مَعِي وَقَوَّانِي" (2تي 4: 17).
وأنا أقول لكل خادم أن حلاوة الخدمة في تعبها! والورود المفتحة تحيط بها إبر الشوك. والسعادة في الخدمة محفوفة بالمتاعب، ولكن هذه المتاعب لا يمكن أن تصل إلى قلب المؤمن المغمور بالفرح الحقيقي وكلما كانت الخدمة ناجحة، كانت مقاومة الشيطان أعنف وأشد. وكلما اشتدت المتاعب، ظهرت يد الله أكثر جلاءً ووضوحًا. وفاضت النعمة أكثر تدفقًا. وهكذا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا (رو8: 37).
لا تنظر إلى العاصفة، ولكن انظر إلى الرب يسوع من وراء العاصفة، وإذا أردت يومًا أن تذكر هذه المتاعب، فاذكر أيضًا الآية التي تقول: "وَمِنْ جَمِيعِهَا يُنَجِّيهِ الرَّبُّ" (مز34: 19) لا شك إن ثقل المتاعب، ينشئ لنا ثقل مجد! ويقول الرسول: إننا لن نفشل (2كو4).
5- العناية بالطفولة
من أراد أن يبني بناء ثابتًا راسخًا، فعليه أن يضع الأساس الذي في كل خدمة ناجحة، هو إعداد الأطفال والاهتمام بخدمة الطفولة.. وهذه هي رسالة التربية الكنسية والتعليم الديني.
وعندما كنا نقوم بخدمة الوعظ في القرية، كنا نجمع الأطفال، ونعطيهم الدرس الديني، ونوزع عليهم الصور الدينية.
ولنذكر أن الذين دخلوا أرض الميعاد، من شعب الله، لم يكونوا الكبار، لقد سقطت جثثهم في البرية، إنما الذين دخلوا هم الأطفال الصغار بعد أن شبوا.
ولا شك أننا ونحن نُعد الأطفالَ إنما نُعد جيلاً قادمًا يتسلم الكنيسة. ويزدحم ذهني بكثير من الصور عن الأطفال، واستجابة الأطفال السريعة، الأمر الذي يُثبت أنهم سلالة الأقباط الأمجاد، قد ورثوا تراث الآباء.. والأجداد.
واكتفي بذكر صورتين لضيق المجال
في الأربعينات، أُسند إليَّ إنشاء مدارس لتعليم الدين، والقيام بالتفتيش، ونجح المشروع وامتد من القاهرة إلى أسوان.. وحدث أن كنت مرافقًا للسيدات العضوات وجلهن من كرائم الأسر، قمن بزيارة لإحدى المدارس يحملن الحلوى والهدايا.. فأخذت المدرسة تموج بمن فيها.. وكنت لا ترى إلا ابتسامات.. قفزات. وأخيرًا تهيأ الأطفال للانصراف.. فأخذوا ينصرفون تباعًا.. ولكن طفلًا صغيرًا لا يعدو الخامسة من عمره.. أقبل نحوي وكأن أمرًا ذا بال يشغله.. ومد يده وشد يدي: وهو يريد أن يقول شيئًا.. فملت إليه أسمع ما يقول: فإذا به يقول.. إننا لم نُصلِّ!!
لقد تعود الأطفال أن يصلوا قبل الانصراف، وقد نسى الناظر والمدرسون في زحمة هذا اليوم.. أما الطفل الصغير فلم ينس.
هذه اللمسة البريئة من طفل صغير.. أراها تعويضًا عن كل ما أنفقته السيدات لتربية الطفولة من نفقات وتضحيات... بل إن هذه اللمسة من طفل صغير بقى أثرها معي أكثر من 30 عامًا وما زال باقيًا.. وكلما انشغلت بالخدمة.. وتوانيت قليلاً عن الصلاة.. أحس بالطفل الصغير يشد يدي، ويقول: إننا لم نصلِّ!!
بل إن كل فشل في الخدمة.. وفي الحياة.. تفسره حكمة الطفل الصغير.
التي تقع بين ثلاث كلمات.. "إننا لم نصلِّ!".
أما الصورة الثانية عن الطفولة، فقد التقيت بها وأنا أقوم بالتفتيش على مدارس وجه قبلي.. وكنت قد دخلت مدرسة.. بها ثلاثة فصول، وكان ذلك في فصل الشتاء وقد أشتد زمهرير البرد.
وفي أحد الفصول التقيت بطفل يلبس ثوبًا باليًا، وهو يرتعش من البرد، قلت في نفسي: كيف يمضي هذا فصل الشتاء؟ واعتزمت في نفسي أمرًا. ولكنني سرعان ما انشغلت بالخدمة وسافرت إلى بلدة تالية، وحالما تذكرت، عدت ثانية إلى المدرسة الأولى.. اعتزمت أن أشترى ثيابًا جديدة للطفل وعندما دخلت الفصل، أبحث عن الطفل الذي يلبس أسمالًا بالية.. لم أجده فتوجست شرًا، لكن الناظر قادني إليه.. ووجدته يلبس ثوبًا جديدًا. ويبدو مغتبطًا، راضيًا عن نفسه وعن ثوبه.. وسرعان ما قادني الناظر إلى تلميذ آخر، كان يلبس ثوبين كعادة أهل الصعيد في التدفئة، فخلع الطفل الصغير أحد الثوبين، وألبس أخاه الفقير.. فامتلأت نفسي بالإعجاب والإكبار.. وقلت:
هذا الطفل الصغير نفذ وصية الرب.. من طلب ثوبك فلا تمنعه الرداء أيضًا (مت5: 40)، (لو6: 29)..
بل إن هذا الطفل يعود بنا إلى عصر الرسل.. حيث كان كل شيء بينهم مشتركًا (أع4: 32).. إن هذا الطفل يحمل إلينا تراث الآباء..! هذا الطفل هو البطل الذي التقيت به منذ 30 عامًا!
6- تأثير الكلمة
هذا هو عمل الله في الخدمة.. أنت تلقي البذار، والرب يعطي الثمار..
"لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ" (مت 10: 20). الله هو الذي يبارك، والله هو الذي يعطي التأثير.. وهو الذي يبارك، والله هو الذي يعطي التأثير.. وهو الذي يكلل الخدمة بالنجاح.. "إِذًا لَيْسَ الْغَارِسُ شَيْئًا وَلاَ السَّاقِي، بَلِ اللهُ الَّذِي يُنْمِي" (2كو 3: 7).
وإليك قصة من واقع الحياة.. جرت أحداثها في الثلاثينات. هذا العالِم الجليل. الذي يحمل أرفع الشهادات.. كان يخصص يومًا كل أسبوع ندوة في داره، وكنا نعجب كيف انضم إلى سلك الخدمة، والدين.. والعمق.
وفي إحدى الندوات وجهت إليه هذا السؤال: كيف عرفت السيد المسيح.. كيف صرت خادمًا؟!
قال: إنه كاهن يلبس عمامة (لف)!
قال كنت أحضر جنازًا بالكنيسة المرقسية بالإسكندرية.. مجاملة لبعض الأصدقاء.. وقف كاهن قروي، يلبس عمامة لف.. وثيابًا في منتهى البساطة.. وكانت معلوماته محدودة.. وأخذ يكرر الآية التالية عن السيد المسيح: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو 14: 6).. وما دام قال إنه الطريق.. يكون هو الطريق. وما دام قال إنه الحق فهو الحق والحياة. وقد أثر فيَّ هذا الكاهن القروي، الذي لم يفعل سوى أنه كرر الآية، ولكن بروح وتأثير.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 11 أغسطس 1978م
عشر وصايا.. في الخدمة
عشر وصايا.. في الخدمة[1]
عندما أعطى الله الوصايا العشر على جبل سيناء يقول لنا الكتاب: "وَارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدًّا" (خر 19: 18) وظهرت رعود وبروق وسحاب ثقيل ولهب النار صاعدة إلى كبد السماء، والحكمة في هذا، أن تقع خشية الله في قلوب شعبه، وكل هذا إنذار لمن يخالف الوصايا، لأنه "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ" (عب10: 31)!!
+ وفي العهد الجديد صعد الرب على الجبل، ليعطي عهد النعمة.. أما الصعود إلى الجبل فلكي تصعد وترقى أفكارنا إلى فوق! ولم يبدأ العهد الجديد بالإنذارات، ولكنه بدأ بالتطويبات.. لأن السيد المسيح جاء ليغلق باب اللعنة، ويفتح باب السعادة والرجاء.
+ والوصايا العشر تتضمن شريعة الله الأدبية، كتبها بأصبعه على لوحي الشريعة، وهي خلاصة آداب العهدين القديم والجديد، حصرها السيد المسيح بقوله في (مت 22: 37، 39) "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ.. تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ".
+ وأوصى الرب يسوع بحفظ الوصايا العشر وإتمامها "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ" (مت 5: 17).
+ وعندما ظهر الرب ليعطي الوصايا في العهد القديم، سمع صوت بوق شديد، وهو من آيات حضور الله في اليوم الأخير، حيث يعلن صوت البوق بمجيء السيد المسيح منتصرًا (1تس 4: 6) وفي سفر الرؤيا يعلن الملائكة مجيئهم أيضًا بصوت البوق "وَرَأَيْتُ السَّبْعَةَ الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ يَقِفُونَ أَمَامَ اللهِ، وَقَدْ أُعْطُوا سَبْعَةَ أَبْوَاق" (رؤ 8: 2).
+ وعندما اقترب الشعب إلى الجبل ليسمعوا، أمرهم الرب وشدد أن يغتسلوا ويتطهروا، وهذا يدلنا على أن دنس الإنسان مكرهة الرب: "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ" (مت 5: 8).
وأخرج من ذكرى الوصايا العشر، إلى حديثي عن عشر وصايا في الخدمة، القيتها في مؤتمر الخدام العام بالقاهرة الذي شرفه قداسة البابا شنوده، بحضوره والتحدث فيه.
الصلاة
كل خدمة ناجحة تسبقها الصلاة..
وطلب يد الله، تعمل فينا وبنا، إن الكنيسة كنيسة الله، والكرم كرم الله، والله لن يتخلى عن كرمه وعن شعبه، ونحن نصلي لكي يعطينا الله الحكمة والقوة، ولكي يبارك الخدمة، ويذلل من أمامنا العقبات، ونقول: "لنختفِ نحن يا رب ولتظهر أنت.. يدك قبل أيدينا.. وقوتك تعمل في ضعفنا"؟!
لماذا اختار الرب تلاميذه من بين الصيادين وجهال العالم؟! لكي يلقوا رجاءهم عليه. ولا ينتفخوا بالعلم والحكمة البشرية، بل يفتخرون بالله وعمل الروح القدس فيهم.
نحن نخطئ عندما نذهب إلى الله متأخرين.. ونقرع بابه عندما تسد في وجوهنا السبل، كان يلزم أن نطلبه أولًا.
أخذ أحد القديسين يعمل عمل يديه. فجاء الشيطان وأفسد ما عمل، فعاد للمرة الثانية يعاود العمل، فجاء الشيطان أيضًا يعاود إفساد ما عمل، واستمرت مضايقات الشيطان للمرة الثالثة والرابعة.. وهنا صرخ القديس إلى الله.. هو يقول: أيرضيك يا رب، أن يتعبني الشيطان هكذا؟!
فجاءه صوت من السماء: لو كنت طلبتني أولاً. ما تعبت؟!
هناك فرق بين خدمة فيها يد الله.. وخدمة فيها يد إنسان. لأن الثانية يعطلها الغرور واليأس والذات والفشل.. صلِّ أيها الخادم وقل: يا رب أنا لا أملك غير خمس حصوات ملساء، والشيطان جليات مارد جبار.. يحمل السيف البتار.. سأنتصر على الشيطان بقوتك أنت! وهنا تسمع أيها الخادم صوت الرب مطمئنًا ومعزيًا: "الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر 14: 14)!
ماذا كان يملك الفتية الثلاثة بإزاء أتون النار غير الصلاة؟! ولكن الله تدخل وأبطل قوة النيران، وصلى دانيال في جب الأسود فأرسل الرب ملاكه وسد أفواه الأسود.. وصلى يونان في بطن الحوت، فأخرجه الرب سالمًا. وبعد فنحن بالصلاة نطلب حضور الله ويد الله، وبركة الله والصلاة تقتدر كثيرًا في فعلها (يع5: 16) واشتدت محاربة أريوس، وأخذ يهدد إيمان الكنيسة، وكسب ود الإمبراطور فماذا فعل القديس أثناسيوس الرسولي؟ صَلى..! لما قيل له العالم كله ضدك.. قال: وأنا ضد العالم! فماذا حدث.. كيف تدخل الله؟ لقد خرجت أحشاء أريوس، ومات شر ميتة.. أماته الله، لأنه تصدى للإيمان وذهب الشر، وبقى الإيمان.
وأنا أنصحك أيها الخادم، إذا طُلب منك أسبوع خدمة، أطلب قبله أسبوع مهلة. ليكون أسبوع صلاة! هذا ما فعله الرب يسوع.. النهار كله في الخدمة، والليل كله سابقًا له في الصلاة.
التجرد
وهذا هو الشرط الأساسي لنجاح الخدمة، يتجلى في وصية الرب لتلاميذه: "لاَ تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً وَلاَ نُحَاسًا فِي مَنَاطِقِكُمْ.. مَجَّانًا أَخَذْتُمْ، مَجَّانًا أَعْطُوا" (مت 10: 8، 9). وأعرف خادمًا تمام المعرفة، قطع على نفسه عهدًا ألا يأخذ أجرًا على عظة واحترم هذا الوعد، على مدى أربعين عامًا، فبارك الرب الخدمة.
إن المادة تشغل فكر الخادم، وتجره إلى الوراء. فبدلًا من أن ينشغل بالخدمة، فينشغل بالمادة، فتكون اهتماماته بعيدة عن الروح.
إليك أيها القارئ العزيز، قصة قرأتها من واقع الحياة، تبين لنا أن المادة لا تشد الإنسان إلى الوراء فحسب، بل تشده أيضًا إلى الهلاك.
أشرفت سفينة على الغرق، فأسرعوا بإعداد قوارب النجاة، وكان النظام يقضى بأن يتم إنقاذ النساء والأطفال أولًا، ثم الرجال، فالبحارة، فقبطان السفينة، يكون آخر من يغادر السفينة.
وفي هذه الأثناء انفلت بحار، وذهب إلى خزانة السفينة، وحطم الخزانة، وسرق الأموال والجواهر وأخفاها بأن ربطها حول وسطه.. ويجيء دور البحارة في النزول إلى قارب النجاة، ويتم كل شيء في نظام وسلام وعندما جاء دور البحار، وهو يضع قدمه في القارب هبت عاصفة هوجاء أبعدت القارب عن السفينة فجأة، فسقط البحار في المحيط.
كان سباحًا ماهرًا، ولكن المال الذي شده حول وسطه، شده إلى أعماق المحيط.. كان يظن أنه سيكون سببًا لإسعاده، فصار سببًا لإهلاكه.
ولا يقتصر التجرد على التجرد من الماديات فحسب.. بل التجرد من المديح والمجد الباطل، والافتخار بالذات.. وحب الظهور، ونسبة النجاح إلى النفس، والتسلط على كل الخدمات بحيث لا يترك مجالاً لأي خادم آخر.. يعمل معه.
تأمل في الشجرة تجد الفروع والأغصان والثمار، والأوراق، والساق كلها ظاهرة للعيان، والناس يثنون على ألوان الأوراق، وعلى نضج الثمار.. ولكن الجذر الذي يحمل الشجرة كلها، ويمتص الغذاء من باطن الأرض وتمتد جذوره في الأرض، فيقاوم العواصف الهوجاء.. هذا الجذر الذي هو سبب الخير كله، لكل أعضاء الشجرة.. من العجيب أنه مختف في باطن الأرض لا يذكره أحد! كن جذرًا تعمل في خفاء، ولا تكن زهرًا أو فرعًا ظاهرًا للعيان، ممجدًا من الناس، وأعط المجد كله لله.
التعاون في الخدمة
أرسلهم الرب اثنين اثنين. والطقس في الكنيسة، أن يكون في كل كنيسة كاهنان على الأقل يتعاونان. وبالكنيسة منارتان، تشير أن إلى أن الكنيسة كانت تضيء بتعاليمها في العهدين، القديم والجديد.. والقداس اثنان للموعظين وللمؤمنين.. والأحباء اثنان اثنان: العروس والعريس، الله وأنت.
ويقول الكتاب: "اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ، لأنه إن لأَنَّهُ إِنْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا يُقِيمُهُ رَفِيقُهُ. وَوَيْلٌ لِمَنْ هُوَ وَحْدَهُ إِنْ وَقَعَ، إِذْ لَيْسَ ثَانٍ لِيُقِيمَهُ" (أم 9، 10). والخلقة اثنان؛ آدم وحواء.. "لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ" (تك 2: 18).
وتتم الخدمة وتكتمل بالتعاون بين الخدام، وتبادل المشورة والخبرات...
وقد دربت الخادمات في كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، اثنتين اثنتين أيضًا.. وفي مجال الخدمة يجب أن تتعاون القرية مع المدينة، ويلزم أن تتعاون المدرسة مع الأسرة، والكاهن مع الأراخنة والشعب فكلهم أجنحة يحلق بهم الكاهن ويطير. إن الخدمة، تحتاج إلى التعاون، يد في يد قوة، وقرش فوق قرش ثروة. ولبنة على لبنة بناء، وأعضاء الجسد بدون الرأس لا بقاء لهم ولا حياة.. ولا حياة للأعضاء إلا بالخضوع للرأس، الإنسان يموت عندما يموت مخه، وليس عندما يتوقف قلبه.
السعادة والفرح
مكافأة الرب للخادم أن يفرح، والخادم الأمين يشعر بالسعادة والفرح وهو يؤدي الخدمة.. وتمسح السعادة كل متاعب الخدمة.. ويقول لنا الكتاب عن الرب يسوع: "تَهَلَّلَ يَسُوعُ بِالرُّوحِ" (لو 10: 21).. والتهليل أقصى درجات الفرح.. والسماء تفرح، والملائكة أيضًا تفرح بخاطئ واحد يتوب.. والرب يفرح لأنه يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ (1تي2: 4). وأنت أيها الخادم سوف تفرح، وتترنم بالآية: حينئذ امتلأت قلوبنا فرحًا ولساننا تهليلاً... "حِينَئِذٍ امْتَلأَتْ أَفْوَاهُنَا ضِحْكًا، وَأَلْسِنَتُنَا تَرَنُّمًا" (مز126: 2).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 18 أغسطس 1978م
من مشاكل الطفولة... الخوف
من مشاكل الطفولة... الخوف[1]
+ صلِّ من أجل ابني يا أبانا، إنه يقوم مفزّعًا من النوم! بينما قالت سيدة ثانية: ابني يخاف من الظلام ولا يستطيع البقاء بمفرده في البيت... وقالت سيدة ثالثة: ابني يا أبانا يحلم أحلامًا مزعجة، يقصها عليَّ في الصباح!
+ هذا في مرحلة الطفولة، أما في مرحلة الشباب والنضج فالخوف يلاحق الكثيرين، ولكنه يتخذ صورًا مختلفة، فيخشى الطالب الامتحان، ويفقد الثقة في نفسه، وقد يبلغ الهلع ببعض الشباب، فيغلق الشاب الكتاب، ويقول: لا فائدة.. لا فائدة!
+ وقد يخشى الشاب المستقبل، ويراه مظلمًا قاتمًا، وتلاحقه أفكار سوداء.. وكثيرًا ما يفكر في الهجرة، ومفارقة الأهل والخلان.
+ فإذا ما أقدم على الزواج، لاحقته المخاوف، هل تراه قد وفق إلى شريكة حياته، وهل هذه الفتاة هي المختارة من الله.. وهل ستكون المعينة من الله، تسعده، أم تنغص عليه الحياة؟!
+ هذا في مرحلة الشباب، أما في مرحلة الرجولة.. فقد يتخذ الخوف صورة أخرى ممثلة في القلق، والهم، والانزعاج. فيعمل الشخص ألف حساب للغد، وهي كلها مظاهر للخوف وقال عنها الرب يسوع محذرًا: "فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ" (مت 6: 34).
+ والخوف مع هذا يخدم غرضًا إلهيًا، فنحن نحب الله، ومحبة الله لا تمنع مخافته، والمحبة تطرد الخوف بمعنى الرعب، ولا تطرد المخافة، بمعنى التوقير والمهابة، والإنسان يأخذ طريقه إلى الله بحب الله، والخوف من إغضابه أيضًا، وهذا أيضًا من الحب.
+ بل إن خوف الله هو رأس الحكمة "رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ" (مز 111: 10).
ونحن نخاف الله، ونحفظ وصاياه، لا طمعًا في نعيم، أو خوفًا من جحيم، فهذا هو خوف العبيد... بل حبًا في الله ذاته.
+ وبهذا المعنى يقول الكتاب: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في 2: 12).
وهنا أقدم لك أيها القارئ العزيز مشكلة الخوف من جذورها، متتبعًا الخوف عند الأطفال، ولعلني في هذا المجال أكون قد قدمت ردًا، وألقيت ضوءًا.
أسباب الخوف عند الأطفال
1- التقليد
يقلد الصغار الكبار في كل شيء، فإذا خاف الكبار انتقل الخوف بالتالي إلى الصغار، وقد قال فيكتور هوجو في كتابه ذكريات الطفولة: "إذا قال الكبار شيئًا رسب في عقل الصغار".
وذكرت سيدة أن ابنتها تخشى الكلاب، وإذا رأت كلبًا صرخت وهي حائرة كيف تنزع منها هذا الخوف؟ وعندما استرسلت في الحديث ذكرت أنها هي نفسها كانت تحمل طفلتها، وتعرضت لكلب في الطريق جزعت منه وصرخت عندما اعترض طريقها. وهكذا ظهر أن الخوف قد انتقل من الأم إلى الطفلة.
وهكذا فإن الأطفال لا يقلدون الكلام والأخلاق فحسب، وإنما المواقف العقلية والنفسية أيضًا التي رآها من أهله.
فالأم التي تذعر من الحيوانات والأماكن المظلمة والعواصف الهوجاء، والتي تنتفض ذعرًا من الخيال والأوهام، كثيرًا ما تنقل هذه الميول إلى أطفالها، لا عن طريق الوراثة، بل عن طريق نموذج من السلوك يقلده الطفل ويحاكيه.
ولهذا يلزم على الآباء والأمهات، هؤلاء الذين تثقلهم مخاوف الحياة، أن يطرحوها جانبًا فلا يجنون على أولادهم.
وأذكر للقارئ قصة واقعية عجيبة، قالت سيدة في مرارة وأسى: تصور يا أبي أن ابني الطفل شتمني ذات يوم شتيمة مقذعة وقعت عليَّ وقوع الصاعقة، ومن يومها وأنا لا أنام الليل أتراه يا أبي قد سمعها من الشارع؟!
قلت لها: هل لديك شغالة، تخدم في البيت؟ فأجابت: نعم.. قلت لها: تذكري، ألم توجهي هذه الشتيمة للشغالة في ساعة غضب أو انفعال. فصمتت ثم قالت: أذكر أني قلتها مرة واحدة. قلت: لقد سمعها الطفل، فنقلها إليكِ.
2- تخويف الطفل
وأحيانًا يستخدم تخويف الأطفال، أرخص وسيلة لردع الأطفال عن عمل ما، أو للحصول على سلوك حميد منه... وهي طريقة خاطئة في التربية، لأننا نهدم شخصية الطفل، حيث نظن أننا نبنيه، باعتبار أن التخويف أسرع طريقة تؤدي إلى أسرع النتائج بأقل جهد.
مثال: طفل يُحدث ضوضاء، فيقال له: إذا أحدثت هذه الضوضاء ستوضع في حجرة مظلمة، أو في حجرة الفئران؟! فيخاف الطفل الظلام والفئران؛ هؤلاء الظالمين الذين يحرمونه متع اللهو، ويبددون سعادته، ويستغلون أنهم أكبر وأقوى منه.
3- الإيحاء الدائم بالخوف
كأن يقال لا تجرِ وإلا عثرت وانكسرت قدمك... لا تتشاجر مع إخوتك، وإلا خطفك هذا الرجل الغريب، كن مهذبًا وإلا أخذك الشرطي... إذا شتّمت، فإن الله يدخلك جهنم النار.. إذا أكثرت الضوضاء ستترك ماما البيت ولا تعود!
مثل هذا التخويف الدائم، له أثر مؤقت، ولا يترك أثرًا باقيًا في السلوك الحميد وتكوين الشخصية. وبعض الأطفال سرعان ما يكتشفون سخف هذه التحذيرات فتفقد أثرها بالنسبة لهم، والبعض يتولد لديهم شعور القلق الذي يلازمهم مدى الحياة... ويحاولون التخلص من حقائق الحياة، ومواجهة المسئولية، ويتولد لديهم شعور غامض بالهلع من خطر قادم محدق.. ويؤدي في النهاية إلى التأثير في القدرة على العمل والتفكير، وفقدان الثقة في النفس.. والعجز عن مواجهة أعباء الحياة.
قرأت عن ونستون شرشل أنه في طفولته، كان يخاف من طالب ضخم أكبر منه، كان كلما خرج من المدرسة تصدى له وطرحه أرضًا.. فذهب إلى أبيه ينقل إليه مخاوفه فإذا بأبيه يقول له: اذهب إليه... لا تخف منه... ويقول تشرشل أنه ظل ثلاث سنوات يضربه هذا الولد، وهو يتدرب على الرياضة... حتى انتصر عليه، وزالت مخاوفه نهائيًا... ويقول إن هذه الحادثة كانت سر صلابته في الحرب العالمية الثانية أمام هتلر!!
4- الخوف الموضوعي والذاتي
أ- الخوف الموضوعي؛ أن يخاف الطفل من شيء مرتبط بالسمع والرؤية، كأن يخاف الحيوانات، الشرطة، الظلام، الرعود، الشخص الغريب، حادث.
ب- أما الخوف الذاتي فهو مرتبط بأشياء لا ترى وتسمع، كالخوف من الظلام، لأن ربما تحدث أشياء في الظلام لا يراها.. ومثل الأفكار المرتبطة بالموت.. والخيال.
قرأت عن طفل تملكه الخوف بعد دفن جدته، وكان شديد التعلق بها وشاهدهم يضعونها في حفرة، فظن أن أمه هي التي دفنتها، لأنه شاهدها تنزل وراءها. فأخذ يكره أمه كرهًا شديدًا لأنها حرمته من جدته... ثم عاد وتملكه خوف شديد، لئلا يوضع هو الآخر في حفرة.
ونحن من الوجهة الدينية نمنع هذا الأثر، عندما نقول للأطفال الصغار عن الموتى أنهم ذهبوا إلى السماء عند الرب يسوع!
5- التهديد بالعقاب والأذى
والغرض من التهديد بالضرب، إبعاد الطفل عن موقف معين.. هكذا يصبح الألم وحده أهم شيء يخشاه الطفل، ويحاول الهروب منه، فيعجز الطفل عن محاكاة أترابه، ويبعد كلية عن القيام بأية مسئولية ومواجهة الأخطار.. وهكذا يلتقي المعلمون والمربون والمرشدون والمرشدات بأطفال أفعمت نفوسهم استحياءً وخجلًا، يعجزون عن التكليف ومواجهة الحياة اليومية بما فيها من تعاون وتنافس وإيجابية...
والطفل الصغير يحتاج إلى العطف، أكثر مما يحتاج إلى العنف. وإن كنا لا نلقي بالحزم جانبًا، فالقسوة والتدليل كلاهما ضاران، وأذكر هنا أن مدرسًا ألقى على الأطفال قصة ذبح إسحاق، وكيف رفع أبونا إبراهيم يده بالسكين طلبة لأمر الله، يريد أن يذبح ابنه ووحيده.
وقرأت في وجه الطفل الصغير كل علامات الاستياء، والغضب.. إن عقله الصغير لا يمكن أن يهضم فكرة أن يرفع أب يده بالسكين ليذبح ابنه.. ولهذا لا يصح تدريس هذه القصة للأطفال الصغار ويمكن تدريسها للكبار حيث يدركون أن حب الله أقوى من حب الابن الوحيد "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي!!" (مت 10: 37).
علاج الخوف
نقنع الطفل بأن مخاوفه ليس لها أساس. فنضيء الحجرة المظلمة ليرى أنه ليس بداخلها شيء يخيف، ونداعب الكلب أمامه، وأهم من كل هذا ألا نخاف نحن أمامه لأن الخوف ينتقل منا إليه.
وبدلًا من الخوف نعلمه (الحذر والحيطة)، والحذر يدفع الإنسان إلى النجاح، حتى يتخطى نواحي الفشل فلا يتعثر.
بدلًا من الخوف، تبذر في الطفل (بذور الرجاء) والأمل، فينشأ الطفل إيجابيًا وليس سلبيًا، متعاونًا وليس منطويًا، محبًا وليس نافرًا.
الخوف من الأمراض يجعلنا نلجأ إلى تعليمه النظافة والإقلاع عن عادات ضارة والتحذير من أخطاء تجعله يلزم الفراش.
نُعلم الطفل منذ نعومة أظافره أن لنا أبًا عظيمًا في السماء، يقوم بحراستنا على الأرض، وأن لكل طفل ملاكًا حارسًا يحرسه، ويسير معه رحلة الحياة دون أن يراه. وهذا الملاك الحارس يدفع عنا الأذى، والأخطار.. وهكذا نغرس في نفسه الشعور بالأمن والاطمئنان.
نفهمه أن كل الذين حوله يحبونه؛ فالطبيب يسرع لإنقاذه من المرض، والشرطي يحرس لنا البيت ونحن نيام، والكلب صديق الأطفال.
فعلاج الخوف بالصبر والحب والعطف والحنان فالمحبة (تطرح الخوف إلى خارج). وعلينا أن نناقشه ونثبت له أن مخاوفه ليس لها أي أساس أو وجود في الواقع.
أما ترك المخاوف تعمل داخل نفسه، لعلها تذهب من نفسها، فهي فكرة خاطئة.
والخلاصة، تنقل إليه الأسلوب الإلهي الذي يخاطبنا الله به: "لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ.. لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ" وكما قال لأبينا يعقوب: "وَهَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ" (تك 28: 15).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 25 أغسطس 1978م
من مشاكل الطفولة: الغيرة
من مشاكل الطفولة: الغيرة[1]
لقد كانت أول (غيرة) في بدء الخليقة، هي غيرة الشيطان الذي حسد أبوينا الأولين.. وهما يرفلان[2] في النعيم بجوار الله، فاحتال لإسقاطهما، ودفع البشرية إلى الخطيئة؛ التمرد، العصيان.
+ ثم نقرأ عن قايين يغار من أخيه هابيل، وتأكله الغيرة يومًا بعد يوم، وتحرقه بنارها، ويحذره الرب بقوله: "إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ؟ وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ، وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا" (تك 4: 7) وتدفع الغيرة قايين إلى جريمة شنعاء. هي أول جريمة قتل في الوجود.. وما زالت البشرية تنفذ مخطط قايين، فاخترعت القنابل الذرية والهيدروجينية والنابالم والنيوترون!!
+ ويبرز موسى.. ويصير كليم الله.. ويغار ثلاثة: "قورح، داثان، أبيرام" ويمعنون في مقاومته.. أما عقاب الثلاثة فقد فتحت الأرض فاها وابتلعتهم أحياء.
+ وتأكل الغيرة قلب عيسو، لأن أخاه أخذ البركة دونه.. وهذه هي كلمات عيسو تقطر غدرًا، "قَرُبَتْ أَيَّامُ مَنَاحَةِ أَبِي، فَأَقْتُلُ يَعْقُوبَ أَخِي" (تك 27: 41)!
+ وتأكل الغيرة قلب أخوة يوسف، بسبب حب أبيه له، وبسبب أحلام يوسف.. وتمتلئ نفوسهم حقدًا ومرارة، بعد أن صنع له أبوه القميص الملون، فيبيعونه عبدًا ويتآمرون على قتله.. وينزلون بشيبة أبيهم حزنًا ومرارة.
وأقدم لك أيها القارئ العزيز مشكلة تعانيها كل أسرة، يتخطى أثرها من الصغار إلى الكبار.. الغيرة التي تنشأ في مهدها مع الأطفال.. ويمتد أثرها في كل مراحل النمو.
أسباب الغيرة
تشكل الغيرة أنماطًا مختلفة خفية من الصراع، وخطرها كبير من الناحية الاجتماعية، ويرافقها الغضب، والحقد، والشعور (بالقصور). وهي تؤثر في تفاعل الفرد مع البيئة ومن أسبابها
1- قد تنشأ الغيرة من (الإحباط) والفشل في الحصول على شيء ما.. كأن يفشل الطفل في أن يفوز بحب والديه بمعنى أن يستحوذ كل اهتمامهم، أو يفشل في امتلاك شيء.. أو تحقيق مكانة ما في المجتمع الذي يعيش فيه ويلازم الإخفاق شعور بالذلة، والمهانة، وبجرح عميق في النفس، قلما يندمل!
2- تعتبر الغيرة ابتداء من سن (1- 5) في الطفولة المبكرة انفعالًا سويًا شائعًا بين الأطفال، ويبدأ الطفل في الشعور بالإخفاق إذا لم يتلق عناية كفاية.. وأول ما يستشعره الطفل الشكوك والريبة والقصور وفقدان الثقة في النفس فيتراجع عن مواجهة الموقف، وهكذا ينشأ هيابًا خجولًا.. أو ينشأ غضوبًا ثائرًا، وتمتلئ نفسه بالهم والنفور والحقد على الذين هم مبعث غيرته.. أو السبب في إعاقته.
3- إذا أدرك الفرد ما يعتمل داخله من غيرة، فهو يتخذ موقفًا من اثنين، إما أن يكبح جماح نفسه، ويحاول كبت الغيرة وإنكار وجودها.
وإما أن يلجأ إلى تبريرها والتماس المعاذير عن طريق خداع النفس.. وإلقاء اللائمة على الآخرين.. وهو كثيرًا ما يلتحف بالكبرياء. كرد فعل لما أصاب نفسه من جراح، ويتحدث عما أثاره، مبرئًا نفسه.
4- الغيرة تدفع إلى سلوك يتسم بالشذوذ والخروج عن المألوف، والطفل الغيور تراه محطمًا لا يستقر على حال من القلق. لا يشعر بالهناء والسعادة، لا يأخذ من الحياة ويعطي.. يختزن أحزانه ويبالغ فيها، يظن الدنيا بأجمعها تعمل ضده.. يكون مصدر نكد لنفسه ولذويه.
وتأخذ الغيرة مظاهر شتى منها:
(أ) الشجار وحب الاعتداء والعدوان.
(بـ) محاولة جذب انتباه الوالدين والأهل وأن يكرسوا كل وقتهم له دون سواه.
(جـ) المظهر الثالث: الكآبة والعبوس والانطواء.
(د) يكون خجلًا هيّابًا يتراجع أمام أي مشكلة.
5- ومن عوامل الغيرة (الأنانية) وحب الذات، وحب التملك.
فالطفل في مطلع حياته تدفعه رغباته الأنانية أن يجمع كل شيء حوله، ويعتبر كل ما حوله، وما يملكه الآخرون، ملكًا خاصًا له! وهو يغار إذا وجد طفلًا يملك شيئًا لا يملكه هو.
بالإضافة، يريد أن يتمركز الانتباه حوله، فيكون محور الدائرة وموضع الاهتمام، فإذا أخفق في هذا المضمار، أكلته الغيرة.
6- الطريقة الخاطئة في التربية في محيط الأسرة، كأن يؤثر الأب ابنًا، بينما تؤثر الأم ابنًا آخر، أو ابنة دون ابنة.. كما حدث في قصة إسحاق ورفقة، أحب إسحاق عيسو، وأحبت الأم يعقوب.. وتكون الغيرة شديدة، إذا تعلق الطفل بأحد والديه فأهمله.
وقام علماء النفس بتجارب على طفلين أخوين؛ الأخ 4 سنوات والأخت 2 سنتان وكان الولد يضرب أخته بقسوة.. وظهر أن الأم تؤثرها عليه.. وأصيب الولد بالبوال، فكان يتبول على نفسه أثناء النوم، وكان يقوم بالليل صارخًا كنوع من التعويض واستجداء الرعاية والحنان.. ولما أولته الأم رعايتها.. زال كل ما به!
7- ما يثير الكثير من غيرة الأطفال، ولادة طفل جديد، خاصة عندما يدرك الطفل أن أمه تحولت فجأة عنه، واهتمت بالزائر الجديد.. الدخيل!
فتمر به فترات مليئة بالقلق والهم، وهو يرى انصراف الأهل والأقارب عنه إلى المولود الجديد. وهكذا يشعر أن الدنيا التي يعيش فيه قد اهتزت تحت قدميه.. ولم يعد لها أمان! وقد سلبته حب أقرب الناس إليه، ويلازمه اليأس، ويشعر أن مخلوقًا آخر أخذ مكانه ومكانته.. خاصة لو انتقلت الأم إلى المستشفى فتركبه الأوهام.
وعلاج هذا الموقف، مصارحة الطفل بأنه سوف يستقبل أخًا أو أختًا لطيفة، وأنهما سيلعبان ويمرحان معًا.. وسيتولى هو حراسة المولود الجديد.. وهكذا يزول أثر المفاجأة.. ويصبح الأمر مدعاة لسروره، واستفساراته.
8- بعض الآباء يحطمون أطفالهم، عندما يتخذون من هذه الغيرة مدعاة للتسلية. ويعملون على إغاظة الولد، ويتندرون بهذا أمام الضيوف، وينسون أن الأطفال يمتلكون حساسية مرهفة، وأن من الخطر أن تعبث بانفعالاتهم. وعلينا أن نشعر بالطفل بأنه ما زال عضوًا في الأسرة، له مكانته، وتضفي عليه الرعاية والاهتمام.
9- كذلك يشعر الطفل بالغيرة عندما يظهر الآباء كثيرًا من الاهتمام والحنان بالأطفال الغرباء كنوع من المجاملة، ويعددون مناقبهم أمامه.. ولا يذكرونه هو بشيء.. وكثير من الآباء يرتاحون إلى حنقه، ويستمتعون بهذا الانفعال في حضرة الزائرين؟!
10- ويغار إذا أغرقنا في إظهار عجزه، وليس أدعى إلى تدمير طفل من السخرية بقدراته، وموازنتها بقدرات طفل آخر، الأمر الذي يورثه المرارة والحقد، مع الشعور بالعجز والنقص، وقد يلازمه هذا الشعور طول الحياة!
11- قد ترجع الغيرة في الطفل إذا لم يوجد له أخوة، أو أصدقاء من أترابه فينشأ (طفلًا وحيدًا)، وفي مثل هذه الظروف يتمركز اهتمامه حول نفسه، خاصة إذا نشأ الطفل في حي مزدحم، وكان ذووه يخشون عليه من الطرقات، فينشأ حبيس داره في صحبة أمه.. فيشعر أنه سيد ولكن ميدان سيادته محدود!
وخطورة الغيرة عند المرء في صغره، أنها قد تلازمه في كبره. فلا يحكم الصلات مع الغير، ويشعر دائمًا أنه مهيض الجناح، مظلوم، وبالعكس قد ينشأ عاتيًا.. يقابل نجاح الآخرين بالسخط.. فيكون موضعًا لنفور الناس.
وعمومًا يلخص علماء النفس الغيرة، بأنها مزيد من (الحب + التملك + الشعور بالنقص).
وأذكر من أحداث الحياة، بينما كنت اشتغل بالتعليم في إحدى الكليات.. فقدت طالبة ساعة ثمينة، وبالتفتيش وجدت مع طالبة من عائلة راقية.. نشأت شديدة الغيرة فكانت تسرق الأشياء وتخفيها، ثم تظهرها لتجذب الانتباه.. وهكذا تولد لديها (مرض السرقة).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 29 سبتمبر1978م
[2] رفَل الشَّخصُ في النِّعمة: تنعَّم وعاش مُترفًا
أخطاء قاتلة
أخطاء قاتلة[1]
+ هناك ثلاثة أخطاء قاتلة، غلطة الكاهن، غلطة المعلم، غلطة الطبيب.
خطأ الطبيب قد يقتل النفس. وخطأ المعلم فقد يقتل الفكر. أما خطأ الكاهن فقد يعثر شعبًا كاملاً.. وقد يحول أشخاصًا تائبين، إلى عصاة ثائرين متمردين.
وقد حذر الكتاب من العثرات، فقال: "وَيْلٌ لِلْعَالَمِ مِنَ الْعَثَرَاتِ!"، وقال الكتاب عمن يُعثر غيره بأنه: "فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ!" (مت 18: 6، 7).
+ وهذه الوظائف الثلاثة رغم سموها، وظيفة الكاهن، والمعلم، والطبيب، قد تنحرف عن مسارها، إذا خرجت عن الغاية السامية التي خضعت لها في المجتمع، فبدلًا من أن تكون وظيفة إنسانية، تنحرف وتنقلب إلى مهمة تجارية.
وهكذا نجد أن المادة، قد تُحط من قدر أشرف الوظائف، إذا اتخذت هدفًا ومبتغى، وسلمًا ومرتقى!
+ والمرجع في كل ذلك هو أصالة الشخص، ونقاء النفس، وما يشمل عليه الإنسان من فضائل، ومدى صلة الإنسان بالله.
والغنى نوعان؛ غني بالله.. يبصر الله.. وعمى عن الدينا.
وغني المال؛ يعمى عن الله.. ويجري وراء الدنيا.. ولكن هيهات!
+ وأعرف كثيرًا من الآباء الكهنة يبذلون ذواتهم في سبيل الخدمة، وكما قال بولس الرسول: "كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ" (2كو6: 10) يسعون وراء الخاطئ حتى يتوب، ويحثون الخطى وراء الشارد حتى يعود، يرجعون إلى بيوتهم في غسق الدجى، ومع تباشير الصباح.
+ وأعرف أطباء يلبون دعوة الداعي، ويتركون فراشهم في منتصف الليل ليعودوا فقيرًا مريضًا، ويصرفون له الدواء، يقدمون ثمن الغذاء..!
+ وأعرف كثيرين من المعلمين، يبذلون قصارى الجهد في تأدية رسالتهم، لدرجة الفناء، ولا شك أن المجتمع يعدهم في عداد الشهداء.
وفي هذا المقال أذكر لك أيها القارئ العزيز حادثة فريدة في بابها وشذوذها، كمثل للانحراف، واتبعها بقصة عن حواء.
عملية جراحية ومسدس
هذه الحادثة جرت في الأربعينات، في إحدى محافظات الوجه البحري. وقد تناولتها الصحف بالتعليق ما بين مؤيد ومعارض، ثم قدمت القضية للقضاء ليقول فيها كلمته، وقد شغلت الرأي العام ردحًا من الزمان. وتعود القصة إلى ذاكرتي، وكأن أحداثها تجري بين ظهرتينا اليوم، وكإنما اسمع الحديث عنها مكررًا معادًا، وهي تتناول مشكلة اجتماعية، أخلاقية عامة.
فاجأ السيدة مغص شديد، فأخذت تتلوى من شدة الألم، فجرى الزوج يعد لزوجته وأم أولاده شرابًا باردًا فساخنًا فازدادت صراخًا، فقدم لها دواءً مسكنًا، ولكن الألم لم يسكن. واستمرت السيدة تتلوى ذات اليمين وذات اليسار، وتجمع حولها أفراد الأسرة، وهم يمنون النفس، بأن ما حدث عارضة سرعان ما تزال، وفي ساعة متأخرة من الليل، لم يجد الزوج مناصًا أن يحملها إلى الطبيب الوحيد المتخصص بالمدينة، وله شهرة ذائعة، ويملك مستشفى خاصًا، وكشف الطبيب على المريضة، شخّص العلة باِلتهاب الذائدة الدودية وقال: لديها (مصران أعور)، وتحتاج إلى عملية جراحية في الحال.. وأردف الطبيب أن الحالة خطيرة، لا تقبل أي إبطاء، وإلا أنفجر المصران، وعندئذ لا تنفع جراحة، ولا ينفع طب ولا دواء.
وهنا سأل الزوج: ألا تحتمل العملية الإبطاء حتى ضوء الصباح؟
فصاح الطبيب مزمجرًا: أنه لا يضمن حياتها إذا تأخرت ساعة واحدة! وهنا توسل الزوج إلى الطبيب أن يجري العملية على بركة الله.
فتبسم الطبيب.. وقال: حسنًا. وهل معك الأتعاب؟! فأفرغ الزوج ما في جيبه وكان معه 25 جنيهًا.
قال الطبيب: المطلوب 50 جنيهًا، لا ينقص مليم واحد!
عاد الزوج يتوسل، أمهلني يا دكتور إلى الصباح، وأنا أتدبر في المبلغ.
هز الطبيب رأسه وقال: لا تتعب نفسك، ولا تضيع وقتي.. النقود كاملة أولًا.. عملية أو لا عملية!
فأفرغ الزوج ما في يدي زوجته من ذهب، ووضعه أمام الطبيب وهو يكاد يبكي، ويقول: عفوك يا دكتور.. هذا الذهب ضمان حتى الصباح، حتى تباشير أول اليوم التالي.
هز الطبيب رأسه وقال بحزم: عليك أن تحمل زوجتك وتعود بها.. انتهى الحديث، وفتح له باب المستشفى.. وأخذ الزوج يتوسل، ولكن الطبيب صعر خده، وسد أذنيه، هز كتفيه، وكأن الأمر لا يعنيه في قليل أو كثير.
وهنا حدث تغيير مفاجئ.. انقلب الزوج وحشًا ضاريًا، وأخرج المسدس من جيبه، وسدده إلى صدر الطبيب.
قال والآن، عليك أن تجري العملية بنجاح، وسأقف بجوارك، وإذا فشلت أفرغت هذه الرصاصات في قلبك، وأطلق رصاصة أصابت سقف العيادة، انطلقت في الهواء.. عبرة ونذيرًا.. وفعلًا قام الطبيب بإجراء العملية، وتمت بنجاح.. وفي الصباح الباكر أسرع الزوج بإحضار باقي النقود، فرفض الطبيب استلامها، ورفع الأمر إلى النيابة العامة، واتهم الزوج بأنه أهدر كرامته، وعامله معاملة مهينة، واتهمه بالشروع في قتله.
وعُرض الأمر على القضاء وأخذ الناس يتندرون بهذه الحادثة، وانفلتت الألسنة: هل أصاب الزوج أم أخطأ؟ وما حكم العدالة في هذه القضية؟ وهل يسمح القانون أن يحمل الكل مسدسًا يهدد به الأطباء، إما إجراء العملية، وإما القتل، وانطلقت الفكاهات من عقّالها! وجاء حكم القضاء مفاجئًا ومذهلاً.
لقد برأ القضاء ساحة الزوج، ونفى نية القتل، بل اتهم الطبيب بذلك..
وجاء في حيثيات الحكم.. أن الطب عمل إنساني قبل كل شيء، وليس عملًا تجاريًا.. وأن الزوج لم يكن ممتنعًا عن دفع الأتعاب، بل طلب الإرجاء إلى الصباح، وما حيلته والمرض قد داهم زوجته في ساعة متأخرة من الليل.. ثم إن الزوجة ستبقى رهينة في المستشفى حتى يتم لها الشفاء.. ويستطيع الطبيب أن يحصل على أتعابه بالطرق القانونية.
ولم يكتف القضاء بهذا، بل أدان الطبيب، ومنعه من مزاولة مهنة الطب أربع سنوات!
وهنا يصوغ لنا الإنجيل هذه الحكمة: "مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ" (يع 4: 17) وهذا هو حكم الإنجيل: "أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً" (مت 9: 13)، (ارحم ترحم...) ويعود الإنجيل ويقول: "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ" (مت 5: 42) ونشكر الله كما قلت آنفًا، لدينا أطباء قمة في الأخلاق والمروءة.
ولقد رأيت بعيني رأسي.. كثيرًا من الأطباء، لا يكتفون بالكشف المجاني، بل يصرفون من جيوبهم أيضًا ثمن الدواء.
هذه حادثة فردية. ذكرتها لغرابتها وشذوذها. لأثبت ما جاء في المقدمة: ثلاثة أخطاء قاتلة، غلطة الكاهن، غلطة المعلم، غلطة الطبيب!
الحية وحواء
يقول قائل، وأنا أعرفه معرفة تامة؛ سمعت ذات يوم صرخة ثاقبة من الشقة المواجهة لنا، فاندفعت إلى مصدر الصوت، وكانت تربطنا بالجيران وشائج المحبة والصداقة.. وارتفعت العلاقات بيننا إلى درجة الإخوة والقرابة.. وحالما دخلت الشقة المجاورة وجدت منظرًا عجيبًا!
ربة البيت تضغط على (ضلفة) الباب المطل على الحديقة، وهي تنظر إلى شيء أمامها، وقد تولاها رعب قاتل، وكادت ترخي يداها.
فأسرعت أمد البصر، فوجدت حية قد انحشرت في شراعة الباب، وهي تحاول جاهدة أن تتخلص كي تفتك بالسيدة.. ويعود ويقول: كانت ربة البيت بمفردها في شقتها فأخذتني النخوة.. وقلت للسيدة: استمري في الضغط على الحية وأسرعت والتقطت عصا، وهويت بها على أم رأسها وهنا حدث ما ليس في الحسبان! أخذت تحاورني، وتنقل رأسها بسرعة وتتفادى الضربة.. وتمر ربع ساعة، وأخذت تنسل قليلًا داخل الحجرة، لتحاول أن تفتك بالسيدة والمنقذ معًا.
وهنا تبرز الحكمة الدافعة في قول السيد المسيح: "فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ" (مت 10: 16) وحكمة الحية أن تخفي رأسها وتعرض جسدها.. لأن الحية لا تموت، إلا إذا ضُربت على رأسها. والحكمة المستفادة، أن يصون الإنسان قلبه عن شوائب الدنيا ويسمع قول الكتاب: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ، وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي" (أم 23: 26).
ويتحرج الموقف جدًا وفي هذه اللحظة وفي هذا الصراع المستميت، تحدث مفاجأة ثانية، يدخل الزوج رب الأسرة، وتترك السيدة لي مكانها، ويتولى الزوج ضرب الحية بالعصا.. ويتصبب الجميع عرقًا.. لقد عجز الرجلان عن الوصول إلى رأس الحية.. في ربع ساعة أخرى تالية.
وأخيرًا يشاء الله أن يضع نهاية لهذا الصراع، عندما تُصيب العصا رأس الحية لأول مرة، وتكون الضربة قاضية. وينتهي خطر، ليبدأ خطر آخر.
قيل يجب دفن الحية وحرقها في مكان بعيد عن المنزل، لأن أليفها سوف يفتقدها ويبحث عنها، وسوف ينتقم لقتلها، إذا أحس برائحة تدل عليها!
وهكذا حياتنا معلقة بخيط في يد الله.. وإنني أتخيل الآن، ماذا كان من الممكن أن يحدث لولا عناية الله، ماذا كان يمكن أن يحدث لو انفلتت الحية؟! أو دخل أليفها في ذات الوقت. ولكن عين الله أبدًا ساهرة، وعناية الله دومًا فائقة، ويد الله قادرة.. وما أجمل أن نسمع هذه الكلمات: "قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ" (خر 14: 13) والآية: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ" (مز 34: 8)!
ونعود إلى حكمة الحية، احفظ قلبك كما تحفظ الحية رأسها.. وإياك أن تفرط فيه.. لأنه كما يقول الكتاب: "..مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ" (أم 4: 23)!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 8 سبتمبر1978م
مع مواكب الشهداء
مع مواكب الشهداء[1]
في كل عيد نيروز نستقبل عامًا، ونودع عامًا، وما هي حياتنا؟ إنها عام يكر، وعام يفر.. يوم يطرد يومًا، ولحظة تودع لحظة... "مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ" (يع 4: 14).
+ ومع كل عام جديد، يلزم أن يتوقف الإنسان قليلًا، ويقدم (كشف حساب). ويذكر في هذا الكشف ما فعله من سيئات، هفوات، وينسى ما قدمه من حسنات! وفي نهاية الحساب يقول مع بولس الرسول: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟" (رو 7: 24) ومع القائل: "وا خجلتي وصحيفتي مسودة.."!
+ وفي كشف الحساب يذكر الإنسان أيضًا أفضال الله ونعماته السابقة عليه.. ويهتف من الأعماق: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ" (مز 103: 1، 2) وهنا يذكر الإنسان صفح الله عنه، فيصفح عمن أساء، ويتذكر قول الكتاب: "وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ" (مت 6: 15).
+ والإنسان وهو يتصفح كشف الحساب، عليه أن يذكر أيضًا يوم الحساب: "إنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لنقدم حسابًا"، ويذكر أيضًا قول الرب يسوع "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ" (رؤ 22: 12). وفي خضم الذكريات، أتذكر قول القديس أنطونيوس "إن ذكرنا خطايانا ينساها لنا الله، وإن نسيناها يذكرها لنا الله".
+ وفي عيد النيروز علينا أن نذكر بين ما نذكر، آباءنا وأجدادنا الأقباط الشهداء، الذين أحبوا السيد المسيح فسفكوا دماءهم، وحفظوا لنا الإيمان، لقد ارتفعت نار الاضطهاد ونار العذاب. وفاضت ينابيع المحبة، فأطفأت قوة النيران.. وتمر أمامي وأنا أكتب هذه المذكرات مواكب الشهداء تترى.. فأستمد منها ما يلهب العاطفة، وما يشبع الذكرى... وإليك أيها القارئ العزيز، ذكريات عن شهداء قديسين، وشهيدات قديسات، في مطلع عام 1694 للشهداء.
1- واسيليدس
نحن نذكر القديس واسيليدس وكان ذا مُلك وجاه عريض، أراد أن يبذل دمه من أجل السيد المسيح الذي أحبه، وكان معه أتباعه وأفراد جيشه، ولست بسبيل استطراد الأحداث بالتفصيل، ولكن بسبيل ما تحمله من أنواع العذاب.
وأذكر من رفاقه تادرس المشرقي الذي سمره الملك الكافر على شجرة.
أما واسيليدس، فلكي لا يضعف إيمانه أرسل الرب ملاكًا وأصعده بالروح إلى السماء ويالدهشته! لقد رأى المنازل الروحية، والأمجاد السماوية، فهانت عليه نفسه، ورخصت حياته، وتقدم إلى العذاب، بقدم ثابتة، مفتر الثغر، منشرح الصدر... أتدري كيف كان عذابه أيها القارئ العزيز؟!
أرجو أن تتمالك نفسك، ولا يقشعر بدنك... وأنت تقرأ أن الملك عذبه بالهنبازين وأخذ يمشط جسده بأمشاط من حديد، فتهرأ لحمه. ثم وضعه في خلقين (أي قازان) ورفعه على لولب به منشار، ثم أخذ يتفنن في أنواع أخرى من العذاب. فحماه على سرير من الحديد، والنار تشتعل من تحته. ولم يترك لونًا من ألوان العذاب إلا وعذبه به. ويتوه العقل كيف يحتمل القديس كل صنوف العذاب. لم تصدر عنه آهة من الآهات، ولا أنَّةً من الأنَّاتِ؟! حتى نفذ صبر الحاكم الذي يعذبه.. ولم ينفذ صبر القديس الذي يتعذب!!
وتقول القصة إن الحاكم بعد أن جرب العذاب صنفًا صنفًا، وجرعه إياه جرعة جرعة ضاق به الأمر فأرسل سياف يجز رقبته بحد السيف.. وكان اسم الرب يسوع على شفتيه، يطلب منه أن يأخذ روحه.. ونال واسيليدس إكليل الشهادة، وانضم إلى صفوف الأبكار في السماء.
2- واخس
ويقبض الإمبراطور مكيسميانس على الشهيد (واخس) ويبالغ في تعذيبه، وإني أعفيك إلى حين من ذكر أنواع العذاب، لتتحمل القراءة.. ثم يأمر بذبحه، وأن يثقل جسده بالحجارة ويلقى به في نهر الفرات.. وتحمله الأمواج إلى شاطئ بحر، حيث كان هناك راهبان ناسكان أخوان. يعيشان وحيدين ويظهر لهما ملاك، ويأمرهما بنقل جسد القديس.
ويأتي الأخوان الرهبان إلى حيث جسد القديس، ويبصران أسدًا وعقابًا.. يقيمان بجوار الجسد، لم يمساه بأذى مع أنهما من الجوارح، وأكلة اللحوم.. وبمجرد وصول الراهبين ينصرفان.. ما معنى هذا؟! معناه أن العناية الإلهية سخرت الوحشين.. ليكونا حارسين!
وقصدت أن أقول، أن الله يعطي كرامة لرفات القديسين، ألم يقم الميت عندما لمس عظام أليشع النبي بعد موته؟ ولهذا فنحن نتبرك بأجساد القديسين، لأنه "عَزِيزٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ مَوْتُ أَتْقِيَائِهِ" (مز 116: 15).
3- بندلائيمون الطبيب
وهل أتاك نبأ عن بندلائيمون الطبيب؟ ربما لم تسمع كثيرًا عن هذا الشهيد الذي استشهد عام 405م.
مارس مهنة الطب، وبلغ من إيمانه، أن أحضروا إليه ذات يوم أعمى، ولما كان الطب يقف عاجزًا أمام هذه العاهة، فقد رشم بندلائيمون على عيني الأعمى علامة الصليب باسم الثالوث القدوس فبرئ الأعمى وعاد إليه البصر!
ويطير الخبر إلى الملك الوثني؛ الذي سرعان ما أحضر الأعمى، وكان الأعمى وثنيًا فآمن بالمسيحية وتعمد. ويعترف الأعمى أمام الملك بإيمانه، فيقوم الملك محنقًا ويضرب عنقه.. ثم يحضر الملك بندلائيمون الطبيب، فيغلظ القول للملك.. وإذا بالملك يعذبه كل يوم عذابًا جديدًا.. تارة ضربًا، وتارة تعليقًا، رميًا في البحر، ورميًا في النيران.. وكان يرى في رؤيا شكل (القس أرمولاس) الذي عمده.. وقبل أن يضرب الملك عنقه، يسمع الجنود صوتًا من السماء.. ويؤمن الجند، ويستشهدون مع القديس بندلائيمون.
وهنا قصدت أن أظهر لك أثر القديسين فيما حولهم، والقدرة على تحويلهم!
4- لوقا البشير
أنت تسمع عن لوقا البشير، وتعرف أنه رافق بولس الرسول، وأنه كتب إنجيل لوقا، وسفر أعمال الرسل، وأنه كان طبيبًا ومصورًا.. ولكنك تحب أن تسمع كيف انتهت حياته.
لقد وشيَ به عند الإمبراطور نيرون أنه بسحره يفتن الكثيرين ويجعلهم مسيحيين!
فاستدعاه الإمبراطور وقال له ثائرًا مهتاجًا: حتى متى تضل الناس أيها الساحر، أجابه: لست ساحرًا، ولكنني رسول ربي يسوع المسيح.
فاستشاط نيرون غيظًا، وقال: اقطعوا هذه اليد التي كتبت الإنجيل! فقطعوا يد الرسول.. وقال لوقا الرسول: لكي تعرف قوة سيدي أخذ اليد وألصقها بجسده فالتصقت، وعاد ونزعها فانتزعت!! فآمن وزير الملك وزوجته ومعهم 276 نفسًا قطع نيرون رؤوسهم جميعًا مع القديس لوقا ليموتوا شهداء.. ويزفوا إلى السماء.
هؤلاء شهداء بالجملة!
5- مكسيموس ونومتيوس
ولعلك تحب أن تسمع عن القديسين مكسيموس، ونومتيوس. اللذين استشهدا في عهد الملك داقيوس الكافر. كيف ضربهما بالعصى ضربًا موحشًا حتى سقطا مثخنين بالجراح، وقد تورم جسداهما. وما أن أفاقا حتى أسرع الملك وأحرق ظهراهما بسفافيد (وهي أسياخ من الحديد يشوى عليها اللحم) أي أنه شواهما شيًا، وأحرق جسديهما حرقًا.. وما أن أفاقا حتى أمر الملك بتدليك جسديهما بخرق غمست في الخل والملح ليزداد عذابهما. ولما لم يثنيا عن عزمهما، أمر أن يلعبوا على جسديهما بالسيوف، فتقطع ما تقطع وتمزق ما تمزق. ومات الشهيدان وعلى فم كل منهما أنشودة الحب والظفر.
وكما قال الكتاب، وأنا أضع في أفواههم ترنيمة جديدة.. هذه الترنيمة مطلعها: مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟! (رو8: 35).
6- يعقوب المقطع
وربما غاب عن بالك، ونسيت في زحمة هذه الحياة سيرة الشهيد (يعقوب المقطع). الذي كان يعمل في مملكة فارس، وارتقى إلى الدرجات العليا، وصار مستشارًا خاصًا للملك وشارك الملك أولًا في كفره، إلى أن وصله خطاب من أمه وأخته وزوجته المسيحيات. فتأثر كثيرًا وبكى. وانصرف إلى الزهد والعبادة.
ولما سمع ملك الفرس بأمره، جد في طلبه حتى أحضره العسكر أمامه، فأصر القديس على إيمانه، فتوعده الملك، ولكنه لم ينثن قيد أنمله. فأمر الملك أن يقطع بالسكاكين، فأخذوا يقطعوا أصابع يديه، أصابع رجليه، ثم انتزعوا فخديه، فساعديه.
وبلغ ما قطعوه من جسده 32 قطعة.
وكان كلما قطعوا عضوًا، أعطى السبح والمجد لله.. وعندما دنت ساعة وفاته، وهو على أبواب الأبدية، طلب من الله المغفرة لمعذبيه! وأخذ يصلي ويعتذر للرب، لعدم قدرته على الوقوف أمام عزته الإلهية. بقوله: ليس لي يا رب رجلان أقف بهما أمامك.. وليس لي يدان أبسطهما قدامك! فأقبل يا ربي نفسي إليك.. وانفتحت السماء لتزف شهيدًا مات على اسم السيد المسيح!
7- أوساغينوس
هل غاب عن ذهنك، وأنت تستقبل عيد النيروز، رأس السنة القبطية للشهداء قصة الشيخ الوقور أوساغينوس؟ لقد مر ذات يوم باثنين يتخاصمان فأصلح بينهما، فوشى به عند الملك الوثني أنه مسيحي، وأنه أقام نفسه حاكمًا ومصلحًا.
فاستحضره الحاكم وسأله عن عبادته. فلما عرف أنه مسيحي أمر بصلبه، وأن توضع مشاعل من النار عند جنبيه، وظل الشيخ صابرًا رغم كبر سنه، وأخذ جنباه يحترقان وانتشرت رائحة الشواء.. فجاء السياف يجز رقبته فاستمهله حتى يتم صلاته.. أترى أيها القارئ العزيز أن قوة النيران لم تستطع أن تطفئ نار محبة المسيح في القلب
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 15 سبتمبر1978م
قديسات شهيدات
قديسات شهيدات[1]
في عيد النيروز، رأس السنة القبطية للشهداء، نستلهم كثيرًا من الدروس..
+ أول ما نذكره أن الذين ماتوا من أجل السيد المسيح شهداء.. هم أحياء في السماء، ونحن نخلد ذكراهم، بينما الذين يعيشون في هذا العالم للجسد، هم موتى بين الأحياء، لا ذكرى لهم.
وليس من مات فاستراح بميت |
| إنما الميت ميت الأحياء |
+ كل لحظة تمر من أعمارنا، خطوة تقربنا نحو القبر.. والأبدية، ونحن لا نستطيع أن نسترد الماضي.
إن أمس على قربه | يعجز أهل الأرض عن رده |
ولكننا نستطيع أن نتخذ من الماضي عبرة، نصلح بها الحاضر، فنستفيد من أخطائنا، ونستمع قول الرب يسوع: "فَلاَ تُخْطِئْ أَيْضًا، لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ" (يو5: 14).
+ الحساب الإلهي للعمر: يحسب الله من أعمارنا ما نمضيه في فعل الخير، وبالتالي فكل لحظة تمر من أعمارنا لا نعمل فيها خيرًا ضائعة.. وهكذا يحسب الله الساعة التي نمضيها في فعل الخير.. والخطوة التي نخطوها في سبيل الخير. فهل تجلس وتحسب كم هو عمرك الحقيقي في نظر الله؟!
+ هناك أشخاص خدموا فكانت حياتهم ثمينة، نافعة لهم وللآخرين، والشهداء كانوا نافعين بتقديم المثل الأعلى في حياتهم.. وكانوا نافعين في مماتهم.. فدماء الشهداء بذار الإيمان.
+ فلسفة العذاب والاستشهاد في المسيحية هي فلسفة الحب.. فالشهداء احتملوا لأنهم أحبوا السيد المسيح، أكثر من حبهم للحياة، فاستعذبوا الموت، واعتبروا الموت في سبيله حياة، وخسارة الدنيا ربح في السماء.. وأعاصير الاضطهاد لا تثني نفسًا عقدت العزم على حب الله.
+ وجاء في سيرة الشهداء أن ملكًا وثنيًا عذب شهيدًا بأن شواه على صاج محمي، حتى احترق جنبه، فقال: انقلوني على الجانب الآخر.. فتقدم الملك يسأله: ماذا فعل المسيح من أجلك؟! أجاب الشهيد: "يكفي في ما يفعله معي السيد المسيح، أنه يهبي الصبر لاحتمال عذابك!!".
ولقد حدثتك في العدد السابق عن شهداء من الرجال، وأقدم لك اليوم شهيدات من النساء.. فلم تتخلف المرأة أيضًا عن الموت وبذل الدماء.. فمتن لتبقى الكنيسة والعقيدة والإيمان.
صوفيا
قَصدت صوفيا أسقف منف، وتعمدت باسم الثالوث الأقدس، الإله الواحد. وسمع بها أقلاديوس الوالي، ولما رآها تُصر على إيمانها، عذبها، وضربها بأعصاب البقر.. ثم أخذ الملك يكوي مفاصلها بالنار. فتحملت صوفيا ما ينوء عن حمله الجبال.. وأخذت تغالب العذاب، وتصيح "أنا مسيحية".
فألقاها الملك الوثني في السجن.. ولكنه عاد وأرسل إليها زوجته تلاطفها، لعله يبلغ باللين ما لم يبلغه بالشدة، ولكنها ظلت ثابتة على الإيمان.
فأمر الملك بقطع رأسها بحد السيف. وأسرعت سيدة مؤمنة وأخذت الجسد، ولفته، ووضعته في منزلها، فظهرت آيات.. وأخذ نور يسطع من جسد القديسة، وتفوح منه روائح عطرة، ملأت الأرجاء. كيف لا؟! والكتاب يقول: "لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةِ ِللهِ" (2كو 2: 15).
ولقد نقل الملك قسطنطين جسدها الطاهر إلى الكنيسة بالقسطنطينية حيث بُنيت كنيسة باسمها (أجيا صوفيا).
رفقة وأولادها
عندما رتب علماء النفس الغرائز، اعتبروا غريزة الأمومة أقوى الغرائز في الإنسان والحيوان.. وها هي رفقة تقدم صورة أخرى للأمومة الروحية، وتقدم أولادها الخمسة للعذاب؛ أغاثو، بطرس، يوحنا، أمون، أمونا.
وكانت الأم تشجع الأبناء على تحمل العذاب.. وتعب حاكم قوص فأرسلهم إلى حاكم الإسكندرية ليتم تعذيبهم، فأمر الحاكم بنزع أظافرهم، وشعر رأسهم، ثم أمر بسلخ جلودهم وهم أحياء وصاح أصغر الأبناء: أيها الملك لا شيء يفصلنا عن محبة المسيح، فافعل ما بدا لك.. فلن نخاف عذابك! فأمر الحاكم بقطع لسانه.. ثم أخذ يقطع لحومهم.. ووضعهم في خلقين (قازان) يغلي وعصرهم بالهنبازين. ثم صلبهم منكسين وظن الحاكم الجاهل أنه قضى عليهم.. ولكن أرواحهم صعدت إلى السماء.. وقضى السيد المسيح على الإمبراطورية الرومانية فصارت أثرًا بعد عين.
يوستينه
هل سمعت عن الشهيدة يوستينه، عجبي! لماذا لا يسمى الأقباط بأسماء القديسات الشهيدات؟!
تدور قصة يوستينه، حول عالم في السحر اسمه كبريانوس... ألمَ بجميع فنون السحر، وفاق أهل زمانه ثم سافر إلى أنطاكية، لعله يجد من هو أكثر منه علمًا؟! ولم يبق كثيرًا في المدينة حتى شاع خبره، وطبق الآفاق.
فقصده شاب من الأكابر، كان قد وقع في هوى فتاة مسيحية وتعلق قلبه بها، وكان قد رآها في طريقها إلى الكنيسة، فقصد الشاب كبريانوس ليستخدم سحره في اجتذاب الفتاة.. فكان كلما أرسل قوة من الشياطين، يجدونها قائمة تصلي.. وذات مرة تزين الشيطان بزيها، فحالما ذكر الشاب اسمها انحل الشيطان وتبخر!!
وهنا قام كبريانوس، وأحرق كتب السحر، واعتنق المسيحية، وتدرج في الإيمان حتى لبس زي الرهبنة وسيم شماسًا، ثم قسًا، ثم أسقفًا على قرطاجة عام 348م.. وعلم الملك بخبر كبريانوس ويوستينه، فعذبهما وضرب عنقيهما بحد السيف. وماتت يوستينه محتفظة بعفتها ولم يمت اسمها، وها هي الكنيسة تخلد ذكراها.
أربسيما
وما أجمل سيرة هذه القديسة العفيفة.. تتلخص قصتها في أن الملك دقلديانوس أراد أن يتزوج بأجمل فتاة في الدولة، فأرسل مصورين إلى جميع الأصقاع، ودخل الرسل ديرًا للعذارى وصوروا أربسيما ولم يكن هناك فتاة تضارعها جمالًا.. وأرسل الإمبراطور يلح في طلبها، فأمعنت أربسيما في الاختفاء ومعها بقية عذارى الدير حتى وصلن بلاد أرمينيا واختفين في معصرة في بستان خرب، وتعقبها الإمبراطور وأمر الوالي بإحضارها.
وحالما رآها الوالي أراد أن يستأثر بها لنفسه، وأحضر الحاكم أمها تلين جانبها، ولكن أمها أوصتها ألاَّ تترك عريسها الرب يسوع، وألا تفسد بتوليتها. وهنا استشاط الوالي غيظًا وأمر بتحطيم أسنان الأم! أما القديسة فوهبها الله قوة، فدفعت الوالي للوراء فسقط على ظهره وعراه الخزى، وأمر بقطع رأس أربسيما.
أما بقية الراهبات فتعقبهن، وسلخ جلودهن، وبقيت راهبة مريضة بالكوخ، فصاحت أن يلحقوها بأخواتها فقطعوا رأسها.
هذه هي قوة المسيحية، في صلابتها، لقد أمر الحاكم بقطع لسان أربسيما قبل قتلها، ثم عاد فأخرجوا عينيها من المآقي... ثم قطعوا جسدها إربًا.. واحتملت كل هذا لتحتفظ بعفتها.
أدروسيس ويوأنا
أدروسيس ابنة الملك الوثني أوريانس وكان لشدة محبته لها، قد بنى لها مقصورة خاصة تحتجب فيها عن أعين الناس، وكانت تطلب من الله الهداية.
فرأت ذات يوم رؤيا تقول لها: أحضري يوأنا ترشدك إلى الإيمان. ولما شرحت لها يوأنا طريق الخلاص، كان كلام يوأنا بالنسبة لها أحلى من قطر الشهاد، وتقبلت البشرى بالخلاص، كما تتقبل الأرض العطشى الماء.. وأخذت الاثنتان تعبدان الرب وذات يوم رأتا في حلم السيد المسيح، والسيدة العذراء تضع يدها الطاهرة على رأسيهما.
وعاد والد أدروسيس من الحرب، وخطبت ابنته، فدعاها والدها لتبخر للإله أبولون تبركًا. فنصحته باعتناق المسيحية وترك عبادة الأوثان، وشرحت له طريق الفداء والخلاص.
وما أن علم الملك أن يوأنا هي التي (أفسدت عقلها)، حتى أخرجها خارج المدينة. وحفر حفرة وأوقد النيران، وأراد أن يلقي يوأنا فتمسكت بها أدروسيس، وهكذا سقطت الاثنتان، كل واحدة تمسك بيد الأخرى. واتجهتا للشرق، وصليتا.. وذابت الاثنتان في صلاة عميقة، بينما كان جسداهما يذوبان في النار كالشمع.. وعندما أُطفئت النار وجد الجسدان ملتصقين، لقد التصقا من قبل بالمحبة لبعضهما.. وبحب الرب يسوع!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 22 سبتمبر1978م
حقًا ما أعجب هذا
حقًا ما أعجب هذا[1]
+ ذهل اليهود تمامًا، عندما وهب الرب يسوع البصر لمولود أعمى من بطن أمه فخلق له عينين، فلما أبصر، لم يصدق اليهود عيونهم، وقال البعض إنه هو، وقال البعض الآخر إنه يشبهه، أما المولود أعمى فقال: أنا هو!
+ أما العجيبة الثانية فهي أن المولود أعمى أبصر بقلبه كما أبصر بعينيه، وآمن بالرب يسوع، وصار من أتباعه، وهنا قال الرب يسوع: "لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ" (يو 9: 39).
+ ومن العجيب أن يشفي الرب 10 برص، فلا يعود ليقدم شكرًا للرب إلا واحد من العشرة، والأعجب من هذا أن يكون هذا الواحد سامريًا، غريب الجنس.
+ ومن أعجب الأمور، أن يخون يهوذا معلمه وسيده.. ولكن أعجب ما في هذه الخيانة أن يسلمه إلى اليهود بقبلة.. وتصبح هذه القبلة أشهر قبلة في الغدر.
+ ومن أعجب الأمور أن ينتصر داود الغلام، على جليات الجبار.. ويزول هذا العجب إذا استمعنا إلى كلمات داود يخاطب بها الجبار: "أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ" (2صم 17: 45).
+ وقيل عن الله "الصَّانِعُ الْعَجَائِبَ وَحْدَهُ" (مز 72: 18).
+ وفي هذا المقال أحدثك أيها القارئ العزيز عن أعجب كشف لطبيب، وعن أغرب أسئلة لملك، وعن أعجب مشكلة طرحت أمام المجلس الإكليريكى العام. وما أعجب ما قيل عن الزمان:
فالليالي من الزمان حبالى | يلدن كل يوم عجيبة! |
أعجب كشف لطبيب
نال أطباء كثيرون شهرة عريضة في مجال الطب، ونذكر من بين الذين رحلوا، نجيب محفوظ باشا أستاذ أمراض النساء، والمنياوي باشا وكيل المجلس الملي العام سابقًا، والدكتور أنيس سلامة، أستاذ أمراض القلب.. الذي كان المرضى يتقاطرون عليه من الدول العربية الشقيقة.
وتوجه إليه شخص أعرفه تمام المعرفة بصحبة شقيقه، وكان يشكو من ضربات قلبه تدق بشدة، بعد تناوله طعام العشاء.. وكان يرهق نفسه إرهاقًا شديدًا، ولهذا عندما توجه الشقيقان إلى الدكتور أنيس سلامة، كانا كمن ينتظران حكم البراءة أو الإعدام.
وأراد الشقيق الأكبر أن يقدم شقيقه الأصغر إلى الطبيب النطاسي، فقال عن أخيه أنه يرهق نفسه كثيرًا، وأنه حاصل على بكالوريوس في اللاهوت.
ورقد الشقيق الأصغر على محفة، استعدادًا للكشف، وهنا ابتدره الدكتور أنيس سلامة بقوله: حيث أنك حاصل على بكالوريوس في اللاهوت، هل تستطيع أن تثبت لي كيف أن الله واحد، مثلث الأقانيم. وموضوع القضاء والقدر...
فانفعل صاحبنا وأخذ يسوق الطبيب الحجة وراء الحجة، والدليل في أِثر الدليل، والطبيب يستمع أحيانًا، ويشترك في النقاش حينًا آخر.. وعلى مدى نصف ساعة كاملة، والمرضى في الانتظار بالخارج، والطبيب والمريض في نقاش متواصل.
وأخيرًا تنبه الطبيب أنه أمضى مع المريض وقتًا طويلًا.. فقال للمريض: تفضل قم. فابتدره المريض بقوله: ألا تكشف يا دكتور؟!
قال الطبيب: لا لا ليس هناك ما يدعو إلى الكشف!
فعاد المريض يقول حائرًا: وضربات القلب يا دكتور؟!
يجيب الطبيب: لا أهمية لذلك.. إنها المعدة تضغط على القلب.. يحسن أن تتناول عشاءً خفيفًا.
والقلب سليم تمامًا.. يجيب الدكتور: سليم تمامًا!!
هل أبذل مزيدًا من الجهد.. يجيب الطبيب دون اهتمام: ابذل ما شئت!
فيقول المريض: حيرتني يا دكتور.. لماذا لم تكشف عليَّ؟!
فيقول الطبيب: حيرتني يا أستاذ! نصف ساعة تجادل، وتثبت وجود الله، دون أن ينالك أي تعب.. وبعد هذا تشكو من القلب.. لقد وهبك الله قلبًا من حديد أفعل ما تريد!
وكان هذا أغرب كشف! وتمر على هذه الحادثة عشرون سنة.. ويضاعف هذا الأستاذ الجهد، دون أن يشكو مرضًا، أو يقصد طبيبًا!
2- أغرب أسئلة لملك
كان هناك ملك اشتغل بالعلوم والحكمة وكان ذا مُلك عريض، وكانت تحيره ثلاثة أسئلة.. ما هو أفضل وقت يعمل فيه؟ ومن هو أفضل شخص يعمل معه؟ وما أفضل عمل يقوم به؟ ويسأل الملك الحكماء والعلماء ولكنه لا يصل إلى إجابة شافية.
وأخيرًا سمع عن راهب يعيش في منطقة نائية، وقد اشتهر بالقداسة والحكمة، فقصده في رهط من أتباعه، عله يجد إجابة تشفي الغليل.
وحدث أن انفصل الملك عن الحاشية، وظل يتخبط في طريقه، وقادته قدماه إلى راهب بسيط، يفلح أرضًا يعيش منها، ويضرب فأسه في الأرض، فاستأذن الراهب أن يعمل بدلًا منه، وأخذ منه الفأس، وأخذ يفلح الأرض دون أن يكشف عن شخصيته، وأخذ يتحدث إلى الراهب، والراهب لا ينطق ببنت شفة.
ولم يمر وقت طويل، حتى أقبل رجل جريح، مدجج بالسلاح، نظر إلى الملك نظرة قاسية ثم سقط إعياء، والجرح ينزف بغزارة.. فأسرع الملك يضمد الجراح، وكلما نزف الجرح غسله وربط عليه، وراح الجريح في غيبوبة، والملك ظل ساهرًا عليه طيلة الليل حتى انبلج الصباح. وهنا فتح الجريح عينيه، وقال للملك.. أنت؟! ولكن شكرًا لقد أنقذت حياتي، وأنا عفوت عنك!
وظهر أن الجريح عدو لدود للملك، جاء لقتله، لأنه انتصر على أخيه في معركة قتل فيها شقيقه، وضم الملك أملاكه. وحدث أن مر بالجنود فنالوه بجراح، ولولا عناية الملك به طول الليل لقضى عليه.. وهنا طلب الملك منه العفو، ووعد أن يرد له أملاك أخيه.
التقى الملك بالراهب وعاد يقدم له الثلاثة أسئلة، ويرجوه أن يجيبه قبل أن يرحل:
أ- ما هو أفضل وقت يعمل فيه؟!
قال الراهب: أفضل وقت هو (الآن) لقد وجدتني أفلح الأرض، فأخذت الفأس عني، ولم تضيع وقتًا!
ب- من هو أفضل شخص يعمل معه؟
أجاب الراهب: أفضل شخص تعمل معه، هو الشخص الذي تلتقي به، لا تضمن أن نلتقي به في ثاني يوم.
جـ- فعاد الملك وسأل: وما أفضل عمل أقوم به؟
أجاب الراهب: فعل الخير... ألاَّ ترى أنك وأنت تضمد جراح الرجل الجريح، قد تحول من عدو إلى صديق، من شخص جاء يطلب القضاء عليك، إلى شخص يمد يده شاكرًا لك!
وعاد الملك مغتبطًا وانضم إلى حاشيته، بعد أن وجد الإجابة على أسئلته.
أغرب قصة
أما أغرب قضية عُرضت بالمجلس الإكليريكي، فهي قصة رجل طلق امرأته، في غير عهد البابا شنوده حفظه الرب، واحتال كثيرًا حتى تم له ما أراد، فأسرع أخوه يسعى للزواج من امرأة أخيه، وهي لا تحل له، لأن الكنيسة لا تحل زواج امرأة الأخ لأنها في حكم الأخت Sister in Law: فاحتال أيضًا وتزوجها، وخرج من دينه، وأنجب منها 4 أبناء ذكور، البعض في الجامعة والبعض تخرجوا وعمدهم جميعًا منذ صغرهم.
وجاء هذا الرجل يعرض مشكلته على المجلس الإكليريكي وهو من أبناء الصعيد ويقيم في أقصى الوجه القبلي.. ويطلب حلًا.. ولكن كيف يوجد حل وامرأة أخيه لا تحل له.. وإذا أراد أن يعود للكنيسة، فيلزم أن يعود تائبًا.. ولكي يتوب يجب الفصل بينه وبين زوجته، امرأة أخيه، فالعلاقة بينهما آثمة.. أما الأولاد فهم المجني عليهم، وكم من أخطاء يرتكبها الآباء ويجني ثمارها الأبناء.. فيضرسون كما يقول الكتاب.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 6 أكتوبر1978م


