مذكرات كاهن الجزء الثالث – القمص بطرس جيد
| الكتاب | مذكرات كاهن الجزء الثالث |
| المؤلف | القمص بطرس جيد روفائيل |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، يوليو 2019م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 15507 / 2019 |
| الترقيم الدولي | 978-977-8504-2-9 |
مقدمة قداسة البابا شنوده الثالث
مقدمة الجزء الثاني من كتاب "مذكرات كاهن" لقداسة البابا شنوده الثالث
إن فكرة تدوين الكاهن لمذكراته هي فكرة جميلة بلا شك، وهي نافعة لجيله وأجيال كثيرة.
ونحن في الكلية الإكليريكية نُدرس تلاميذنا مادة (اللاهوت الرعوي) ولكن هذه المادة لا يجوز أن تكون مجرد معلومات نظرية، وإنما يحسن أن تُضاف إليها خبرات الكهنوت العملية. وإن كانت قد فاتتنا خبرات الآباء الكهنة في الأجيال الماضية. كانت أو كان بعضها في ذاكرة الناس في جيلهم، ثم نُسيت بمرور الأيام، ولا شك كانت تعتبر كنزًا إن بقيت لنا، وسجلت بحيث تظل ينتفع بها جيل بعد جيل..
نعم إن كانت قد فاتتنا خبرات السابقين، فلننتفع بخبرات الأحياء من رجال الإكليروس.
لذلك كنا نود في تدريس مادة اللاهوت الرعوي أن ندعو بعض الآباء ليحدثوا الطلبة عن خبراتهم العملية. إنها دروس عملية واقعية، توسع آفاق الخدمة، وتعطي فكرة عن عمل الله في الخدمة، وعن حياة الإيمان في الخادم. وهي دروس نافعة ليس للكهنة فقط، إنما لكل الخدام وهي نافعة أيضًا للعلمانيين حتى من غير الخدام. إنها تثير في القلب مشاعر روحية عديدة..
تثير فيه الحب نحو الناس، والصبر على ضعفاتهم، فتعطي صورة للقلب الواسع الذي يحب ويبذل ويحتمل. وتثير فيه روح الإيمان والإيقان بأمور لا تُرى، والشعور بيد الله تتدخل في الأمور، وتعمل.. وهي أيضًا قصص.. والناس عمومًا يحبون القصص.. فإن كان الأمر واقعًا يُروى يكون التأثير أكثر.
وأنا أشعر بسعادة لظهور الجزء الثاني من (مذكرات كاهن). أهنئ به القراء جميعًا، وأهنئ به المكتبة القبطية، وأهنئ به القمص بطرس جيد.. ولعله سيصدر في أعياد السيدة العذراء التي يحبها القمص بطرس ويخدمها في كنيسة الظهور وفي كاتدرائيتها الجديدة وفي إيمانه بشفاعتها وعملها معه.
لقد تلقف الناس الجزء الأول من هذا الكتاب بلهفة كبيرة. ولعلهم بنفس الشعور وأزيَد سيتلقفون هذا الجزء الثاني وإلى مزيد من الخبرات من عمل الله. ودعوة إلى جميع الآباء الكهنة ليكتبوا مذكراتهم في الخدمة. والسلام لمريم الحمامة الحسنة، الملكة القائمة عن يمين الملك.
شنوده الثالث
أغسطس1984م
هذا الكتاب
مقدمة الجزء الثالث
يسعدنا أيها القارئ العزيز أن نقدم الجزء الثالث من كتاب "مذكرات كاهن"؛ هذا الكتاب
وقد اختلطت كتابات القمص بطرس جيد كشيخ أحب الفقراء واهتم بكل نواحي حياتهم .. بقصص نجاحات لجنة البر في حل المشاكل المادية، إلى جانب قصص رعوية هادفة وممتزجة بكثير من تأملاته الشخصية لعمل الله الذي يغيّر النفوس، وكذلك قصص من الكتاب المقدس.
إن تاريخ لجنة البر يبدأ منذ تخرج الشاب شوقي جيد - الذي أصبح فيما بعد القمص بطرس جيد – من الكلية الإكليركية في أوائل الأربعينات من القرن الماضي واتجاهه إلى خدمة القرية وكان له الرؤية والهدف، ويظهر ذلك في كتابه الذي كتبه في الخمسينات "مذكرات مفتش" حكى فيه عن تجاربه في خدمة القرية وهو شاب حيث نلمس فيه اهتمامه بالفقراء وحبه ورعايته لهم..
نشكر الله أن خدمة لجنة البر التي أنشأها أبونا بطرس جيد وامتدت في حياته لم تُهمَل بعد نياحته بل تكفّل بها مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث لاستكمال هذه المسيرة وشجّع الكنائس على تكوين لجان بر هدفها خدمة المحتاجين ومد يد العون لهم.
وهذا ما عبّر عنه الفنان الذي رسم صورة الغلاف إذ يصوّر أبونا بطرس حامل سلة خبز.. قدمها للبابا شنوده الذي أكمل توزيعها على الفقراء.
إن خدمة أخوة الرب هي قمّة وصايا السيد المسيح الذي ترجم المحبة الظاهرة في العطاء إذ ميّز الخراف عن الجداء بعطائهم وزيارتهم للمرضى والمساجين.
ونشكر الله أن مسيرة العطاء لا تزال مستمرة بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية بقيادة قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني الذي شجع الكنائس على العطاء وأمر أن تُخصص ثلث ميزانية الكنائس على الأقل للفقراء ولها الأولوية على أعمال الإنشاء والتعمير. نشرها
نضع بين أيديكم الجزء الثالث من مذكرات كاهن، وهو مجموعة مقالات من مكتوبة بلغة عربية بديعة سلسة الفهم مملوءة بالحِكَم والمواعظ والمعجزات، تعتبر منهج في الرعاية وحب الرعية. قام بتسطيرها أبونا المتنيح وتم نشر هذه المقالات بمجلة الكرازة خلال الفترة من ديسمبر 1977حتى يونيو1978. نتمنى لكم ساعات مقدسة وخدمة مباركة بشفاعة والدة الإله السيدة العذراء مريم.
القمص بطرس بطرس جيد
20 يوليو 2018
قصة حياة القمص بطرس جيد
قصة حياة القمص بطرس جيد
+ من مواليد أسيوط 13أغسطس1918م. تأثر في بداية حياته بالاستماع لعظات نيافة الأنبا
+ كان عظيمًا في حبه للرب، وكان قويًا في إيمانه، وكانت خدمته التي امتدت لحوالي 60 عامًا حافلة بالإنجازات في شتى المجالات.
+ نذر الذهاب ماشيًا من بنها إلى الكلية الإكليريكية بمهمشة بالقاهرة للبدء في دراسته بها، ولكن لاقته السيدة العذراء في الطريق في صورة سيدة جميلة تستقل سيارة، وافهمته أنها ستتحمل نذره عنه وأوصلته إلى الكلية واختفت عن ناظره بعدها.
+ كان من أوائل دفعة الكلية الإكليريكية 1940م. كما حصل على ليسانس آداب قسم فلسفة، وماجيستر تربية علم نفس.
+ بدء خدمته بخدمة القرية؛ بقرى الصعيد بعد سنة 1940م، واهتم بإنشاء مدارس أولية قبطية تعلم القراءة والكتابة والألحان واللغة القبطية كتعليم إلزامي في ذلك الوقت. كما اهتم بحالة المدرسين والطلبة الفقراء في تلك المدارس، ورعاهم روحيًا وماديًا، وكتب مذكراته عن الخدمة والرعاية الروحية والاجتماعية والتعليمية في كتاب نشره في الخمسينات باسم "مذكرات مفتش".
+ اهتم بالفن القبطي وتدريب أول مجموعة من الأطفال، طاف بهم المرحوم حبيب بك جورجي ربوع أوروبا ناشرًا فنّهم القبطي كأبناء للفراعنة.
+ عمل بالتدريس لفترة وكان يهتم بنفسية الطلبة، فكان ينشئ عيادات نفسية لهم يستمع إلى مشاكلهم، فانتظم الطلبة بالدراسة وقلت المشاجرات بينهم واختفت الكلمات البذيئة التي كانت تكتب على الجدران سرًا. كما كان يهتم بالعمل الفردي للطلبة ليبعد بهم عن الإلحاد أو الغواية، إلى معرفة الله.
+ سيم كاهنًا في 12يوليو1972م، على مذبح السيدة العذراء بالزيتون حسب طلب القمص قسطنطين موسى الذي كان يعرفه منذ أن كان طالبًا بالكلية الإكليريكية وذلك في وقت خدمة القمص قسطنطين موسى كمسئول عن طلبة الكلية الإكليريكية.
+ اهتم بالتعليم وتسليم الإيمان واعتبر من وعّاظ الكنيسة القديرين، في وقت ندر فيه الوعاظ الدارسين، وكانت عظاته تشد الكثيرين من كل الفئات والمستويات وتدخل إلى القلوب وتنخس الضمائر وتدعو إلى التوبة، كما كانت تتسم بالسلاسة والسهولة مع العمق الروحي. كان يفسر أصعب الآيات بأسهل العبارات. وكانت له اجتماعات أسبوعية منتظمة بالكنيسة. دعيَ لكثير من الإيبارشيات لإلقاء عظاته إلى جانب الاشتراك في النهضات الروحية، وكان أحيانًا يلقي عظتين في كنيستين متنوعتين في نفس اليوم لامتلاء جدول مواعيده بالعظات.
+ رقّيَ للقمصية 14نوفمبر1975م، للاشتراك في المجلس الإكليريكي للكهنة وللأحوال الشخصية.
+ هو أول من أنشأ لجنة البر لرعاية الفقراء الذين أحبهم جدًا، ورعاهم على مبدأ التنمية الموازي للخدمة الاجتماعية، وساعد الفقراء في عمل مشاريع تنموية لرفع مستوى معيشتهم كما أسس بالكنيسة فكرة المشروعات التي تعمل تحت مظلة الكنيسة وتضم عدد من أبناء الكنيسة كفرصة للعمل وكمصدر للتدريب على مهن مفيدة مثل مشغل التفصيل، التريكو، أنوال لعمل السجاد اليدوي، مصنع الشمع، والعديد من المشروعات.
+ اهتم بالتربية الكنسية وكان يعلّم بنفسه في فصول إعداد الخدمة، واهتم بتدريس الطلبة بنفسه لرفع مستواهم التعليمي.
+ كُلّف من قبل قداسة البابا شنوده الثالث بتسليم طقس الكنيسة القبطية للأساقفة الفرنسيين – الأنبا مرقس(نيح الله نفسه) والأنبا أثناسيوس – واستمر في متابعتهم لسنوات طويلة وساعده في ذلك الوقت المتنيح القس أنجيلوس ميخائيل كمدرس للغة الفرنسية.
+ دَرّس بالكلية الإلكيريكية كأستاذ لعلم الوعظ والدين المقارن والكتاب المقدس واللغة العربية، اشترك بالتدريس في معهد الكتاب المقدس ومعهد الدراسات القبطية. وكان يستخدم في تدريسه أسلوبًا تربويًا شيقًا ويهتم بالتدريب العملي تحت إشرافه.
+ قام بكتابة مؤلف بعنوان مذكرات كاهن نشر بمجلة الكرازة؛ وضع فيه خبراته الرعوية لكي تكون فائدة للأجيال من الخدام.
+ انتُخب عضوًا في المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس لعدة دورات. كما مَثّل الكنيسة القبطية في أحد المؤتمرات المسيحية بقبرص.
+ اهتم بخدمة تكريس الشباب والشابات بكنيسة السيدة العذراء بالزيتون، رسموا كهنة أو مكرسات للخدمة.
+ كان أبًا حنونًا لأبناء الجمعيات الخيرية من الأيتام وكان يهتم بالاحتفال بذكرى رسامته كل عام بين هؤلاء الأطفال ويدعو الشعب إلى تدعيم الأنشطة التي بها هذه الجمعيات. وكانت أعظم أوقاته هي التي يقضيها مع الفقراء. قام برعاية الجمعيات الخيرية بالزيتون وكان يدبر أمر اجتماع شهري لهم لحل مشاكلهم.
+ اهتم بالتعمير في الكنيسة وكان أبرزها كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون التي تعتبر إحدى المزارات الدينية العالمية. وأيضًا إنشاء دور للمسنين والمسنات، والمغتربين والمغتربات، لخدمة الشعب، ومستشفى العذراء الخيري لعلاج المرضى بأسعار رمزية ومجانًا للفقراء وغير القادرين، كما بنى العديد من مباني الخدمة بالكنيسة. ووضع مع بعض من الاستشاريين تخطيط كافة مباني الخدمة الموجودة حاليًا بالكنيسة التي تم بنائها بعد نياحته بالرسومات التي وضعها قبلها بعدة سنوات.
+ كانت له علاقات طيبة برجال الدين من كافة الطوائف وأيضًا من رجال الدين الإسلامي ورجال السياسة والمجتمع المدني.
+ تميز بالحكمة التي ساعدته في حل الكثير من المشاكل الأسرية والاجتماعية، كما تميز باللطف الشديد والمحبة الفائقة لكل من يقابله، وأحبّه الجميع حتى الذي كان يلقاه لأول مرة. ونظرًا لما كان يتمتع به من أبوة حانية، كان أب اعتراف لعدد كبير من أبناء الشعب ولبعض الآباء الكهنة.
+ كان دائم الافتقاد للشعب، عطوفًا على الذين سقطوا ممسكًا بأيديهم حتى يقوموا من سقطتهم.
+ اهتم بالافتقاد داخل منطقة الكنيسة وفي أي حي من أحياء القاهرة، كان يلبي الدعوة لزيارة أبنائه حتى في فترة مرضه في أيامه الأخيرة.
+ اهتم بخدمة الأسر المستورة التي كان يرعاها بنفسه والتي أخرجت العديد من الأطباء والمهندسين والمهنيين الممتازين في مهنتهم.
+ وكان مثالاً في فهمه لرسالة الكهنوت فكان يرفض أخذ أي مقابل لأية خدمة روحية.
+ كان مثالاً في وداعته وتواضعه وزهده في الحياة. وكان القريب منه لا يلاحظ أي مظهر من مظاهر تعظم المعيشة، ولم يُعرف عنه أبدًا أنه حاول استغلال قرابته لقداسة البابا شنوده الثالث لتحقيق أي مكاسب خاصة حتى في مجال الخدمة.
+ رقد في الرب في 20يوليو1996م، حضر مراسم الصلاة البابا شنوده الثالث مع العديد من الأساقفة والكهنة وكبار الشخصيات الرسمية المسيحية والإسلامية، والآلاف من أفراد الشعب المسيحي الذين بكوه تأثرًا عند دفن جثمانه، بمزار أسفل كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون.
بركة صلاته فلتكن معنا آمين.
"عجائب فوقي" ..
"عجائب فوقي"[1]..
- يقول سليمان الحكيم: "ثَلاَثَةٌ عَجِيبَةٌ فَوْقِي" (أم30: 18). ويذكر الحكيم ثلاثة عجائب فوق تفكيره وإدراكه وكان العالم القديم يعتبر عجائب الدنيا سبعة، من بينها الأهرامات..
- أما عجائب الله فلا تقف عند حد أو حصر.. والكتاب يقول: "مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ" (مز104: 24). وحتى اسم الله فهو أيضًا عجيب: "لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي وَهُوَ عَجِيبٌ؟"(قض13: 18). "يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ"(إش 9: 6).
- ولهذا فالمؤمن يترنم بعجائب الله: "أَحْمَدُ الرَّبَّ بِكُلِّ قَلْبِي. أُحَدِّثُ بِجَمِيعِ عَجَائِبِكَ"(مز9: 1). و"مُبَارَكٌ الرَّبُّ اللهُ.. الصَّانِعُ الْعَجَائِبَ وَحْدَهُ" (مز72: 18). وحَفل سفر أيوب بذكر عجائب الرب (إصحاحات 38-41). والذين التفوا حول الرب يسوع، رجعوا يقولون بلسان واحد.. حقًا إننا اليوم رأينا عجائب. ولنتأمل في عجيبة واحدة.. تدبير الرزق.
- إن الله يعد الرزق لكافة الطيور الشاردة، والهموم الهائمة، والحيوانات السائمة حتى الحشرات التي تدب على الأرض يعد لها الرب قوتها.. وفي هذا يقول الرب: "اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا" (مت 6: 26).
- وكلما تصفحنا الكتاب نجد آيات وعجائب. فهوذا يونان مستقر في بطن الحوت ثلاثة أيام حيًا.. وإيليا يصعد في مركبة من نار.. والبحر الأحمر ينفلق نصفين بضربة عصا بقدرة الرب.. والسماء تُمطر خبزًا. وهناك عجائب تفوق الحصر تتم ببركة العذراء.. وفي هذا المقال اخترت لك بعض العجائب.
مديرة الكلية المثالية
تجمع هذه المديرة الفاضلة بين الثقافة العالية والخلق الرفيع. كان والدها صديقًا لبعض رجالات مصر من الأقباط، أمثال توفيق باشا دوس، ومكرم عبيد باشا، وحبيب المصري باشا. وكان لديها شيء تريد أن تقوله لي.. وفعلًا توجهت المديرة إلى كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ولم تسنح الفرصة ليتم اللقاء. وقد زرتها بإحدى مدارس اللغات وكان بصحبتي المستشار رمسيس مرقس وكيل المجلس الملي العام، والشماس المكرس فرحبت بنا ترحيبًا بالغًا. وعرفنا من مدرس الدين المسيحي بالكلية أنه بلغ من سماحة المديرة، وهي غير مسيحية، أن أعدت قاعة خاصة لتدريس الدين المسيحي، وتقول سيادتها: "إن الديانات السماوية في جوهرها تحض على الخير والإخاء أما التعصب فأعمى". بل أكثر من هذا لقد ناضلت هذه المديرة الفاضلة وسعت حتى اعتمدت الوزارة دبلوم الإكليريكية الذي يحمله مدرس الدين المسيحي مؤهلًا عاليًا. وهكذا تدرج مدرس الدين في الدرجات المالية، ونال حقه المهضوم.. الذي نأمل أن يناله كل إكليريكي أسوة بكل الذين يعملون في التعليم.
غير أن المفاجأة الحقّة، كانت عندما سردت علينا حضرة المديرة طرفًا من حياتها. كانت سيادتها قد أصيبت بمرض عضال، وقد أجرى لها الدكتور ميشيل صليب؛ الأستاذ بكلية الطب عملية جراحية لاستئصال الزائدة الدودية. ورغم نجاح العملية فقد أصيبت المديرة بشلل كلي في الأمعاء، وأخبرها الجراح أن الأمر جد خطير. وأن الأمل في النجاة يبدو باهتًا وضئيلًا.. وأشار عليها بالسفر إلى لندن.
وبعد علاج في أرقى مستشفيات إنجلترا سمعت من أطباء إنجلترا نفس ما سمعته من أطباء مصر.. "لا أمل".. فعادت إلى مصر يعتصرها الألم، وأخذ يدب في نفسها اليأس.. وتجري هذه الأحداث في عام 1968م. وفي هذا العام بالذات، سعدت مصر بتجلي السيدة العذراء فوق قباب كنيستها بالزيتون وأشار عليها كثيرون من أصدقائها أن تلتمس شفاعة العذراء، أم النور.
تقول السيدة المديرة: كان المرض قد زادت وطأته، وكنت أرقد طريحة الفراش، في حجرة في مستشفى دار الشفاء، وأمامي صورة السيدة العذراء.. لست أدري..؟ لم أحول نظري عن صورة العذراء.. وأخذت أتوسل وأبتهل، وخيّل إليَّ أن السيدة العذراء تصغي، وعندما غفوت قليلًا وغلبني النعاس جاءت السيدة العذراء إليَّ في المنام، ولمست بطني حيث موطن الداء.. وكانت هذه اللمسة تحمل البرء والشفاء.. وعندما استيقظت في الصباح كنت قد شفيت تمامًا وزال ما بي من أورام خبيثة. وتصْمِت سيادة المديرة قليلًا وتقول: هناك منظرًا عالقًا بذهني منذ عام 1968م إلى اليوم، واعتقدت أنه سيظل عالقًا بذهني إلى آخر رمق من حياتي..
بينما كنت جالسة في الصباح.. تمر بذهني الخواطر متتابعة.. وكانت أمامي مرآة كبيرة بيضاوية الشكل.. وإذا بالعذراء تظهر أمامي وصورتها تنطبع في المرآة.. كانت تمد يديها إلى الأمام نحوي وكأنها تباركني.. تمامًا كما تجلت على قباب كنيسة الزيتون.. كما سمعت فيما بعد.. وعندما أخفيت وجهي بيدي، وعدت وألقيت البصر إلى المرآة، وجدت السيدة العذراء واقفة أمامي.. وعلى وجهها ابتسامة عذبة..
وتختتم السيدة المديرة الحديث بقولها: شكرًا.. شكرًا أيتها العذراء.. لقد أعادتِ إلى قلبي الأمل وإلى نفسي بسمة الحياة.
أنوار مشعة
كانت الاستعدادات للحرب على قدم وساق. كانت الأشعة الضوئية تنطلق في سماء القاهرة تبحث عن الطائرات وهي تنطلق في جميع الاتجاهات باحثة منقبة.. وقد تعود الناس أن يروا غلالة من الضوء تلف سماء القاهرة، في وقت كان شبح الحرب يدور على الأبواب. في هذا الوقت العصيب، انتقلت الاستعدادات الحربية لتشمل كل ركن في بلادنا العزيزة وامتدت الاستعدادات لتصل أيضًا إلى برية شيهيت، إلى أديرة وادي النطرون، دير العذراء السريان، ودير الأنبا بيشوي.
وذات يوم حلّقت أشعة ضوء يخطف الأبصار فوق الأديرة فظن الناس أن الاستعدادات الحربية قد عاودت نشاطها من جديد.. أما المخابرات فقد اضطربت ظهرًا لبطنٍ، وأخذوا يتساءلون ما سر هذه الإشعاعات وما مصدرها؟ حيث أن الإشعاعات الضوئية الحربية كانت قد أوقفت منذ أسبوع وأرسلوا إلى الدير يسألون جلية الخبر..
في تلك الليلة سمع أحد الآباء هاتفًا يقول له: أسرع وانقل "الكنوز".. وقد كان من الوضوح بمكان، أن هذا الضوء مصدره هذه الكنوز. أما (الكنوز)؛ فهو لفظ معروف معناه تمامًا عند الرهبان. لقد أسرع هذا الأب مستعينًا باتجاه الأشعة الضوئية.. أخذ يحفر حتى وصل إلى "أجساد القديسين"؛ شهداء كانوا قد ذبحوا في غارة من غارات البربر ولم يمس جسمهم بأدنى سوء..
كانوا كأنهم نيام. لم يتغير حتى لون ثيابهم.. هؤلاء هم الموتى الأحياء الذين قال عنهم الرسول: "لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ" (عب11: 38).
والعجب العجاب أنه بعد الاحتفال بنقلهم سكنت الأشعة وكأنها كانت قد أرسلت خصيصًا للإرشاد عنهم ولا عجب أن ترشد الأنوار عنهم وهم بذواتهم "أنوار العالم".
رصاصة في المخ
يقف الطب عاجزًا أمام عجائب من صنع الله لا يعرف لها الطب تعليلًا.. هذا لأن يد الله فوق كل يد.. وقد يُجمع الأطباء على القول(لا فائدة..) ويخلف الله ظن الناس لتتحقق إرادة الله.. وهذه حادثة يذكرها لي ابني الطبيب أثناء مزاولته عمله كطبيب، وقد تجلت فيها قدرة الله الفائقة.. غلام قدّمه أهله للعلاج، على اعتبار أنه يشكو مرضًا باطنيًا، وأخفوا الحقيقة وبقيَ في المستشفى عدة أيام وبعد إجراء العلاج والكشف الطبي العام.. اكتشف الأطباء أمرًا محيرًا بالغ الخطورة.. اكتشفوا رصاصة في رأس الغلام كانت قد انغرست في جمجمته، وهو يعيش بها أي أنه يعيش وفي دماغه رصاصة.. والعجيب أن الرصاصة استقرت في المكان الوحيد الذي لا يصيبه بمكروه! ولو حادت قيد أنملة ولو بقدر جزء واحد من المليمتر لقتلته في الحال.
قلت: لماذا لا تخرجون الرصاصة؟ قال: لا يا أبي. إن إخراج الرصاصة يحتاج إلى عملية جراحية بالغة الخطورة.. والأمان أن يعيش بالرصاصة في رأسه حتى يقضي الله أمره فيه.. وبعد فهناك أشياء تعلو على فكر الإنسان.. أشياء عجيبة تجري حولنا وفوق إدراكنا.. هذه التي عناها سليمان الحكيم بقوله: "عَجِيبَةٌ فَوْقِي"(أم18:30) وخير ما نقوله ونحن نتأمل عجائب الله أن نقول مع أيوب البار: "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ.. وَلكِنِّي قَدْ نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا"(أي42: 2، 3).
[1] مقال للقمص بطرس جيد نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 23 ديسمبر 1977م
"قال فكان، وأمر فصار"
قال فكان، وأمر فصار"[1]
- وصف الكتاب المقدس كلمة الله بأنها أمضى من كل سيف ذي حدين.. وقال: "كلمتي لا ترجع إليَّ فارغة".
- ويعود الكتاب ويقول: "اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ" (مت 24: 35).
- وللرب مفاتيح الهاوية والموت (رؤ1: 18) وهو تبارك اسمه يغلق، ولا يستطيع أحد أن يفتح، ويفتح ولا يستطيع أحد أن يغلق.
- وبعد أن غرق العالم بالطوفان، وكان نوح قد دخل الفلك.. يقول لنا الكتاب: "وَأَغْلَقَ الرَّبُّ عَلَيْهِ" (تك 7: 16).
- ويغلق الرب قلب أتقيائه عن التعلق بأباطيل العالم.. "أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ، عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ" (نش4: 12).
- وقد يتمثل الإغلاق في ضَياع الفرصة بعد طول الإمهال،"وَالْمُسْتَعِدَّاتُ دَخَلْنَ مَعَهُ إِلَى الْعُرْسِ، وَأُغْلِقَ الْبَابُ"(مت25: 10).
- وكما يغلق الرب هو أيضًا يفتح.. فعندما أُلقيَ الرسل في السجن، يخبرنا سفر الأعمال: "وَلكِنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ فِي اللَّيْلِ فَتَحَ أَبْوَابَ السِّجْنِ وَأَخْرَجَهُمْ"(أع 5: 19). وصاحب المزمور يقول: "يَا رَبُّ افْتَحْ شَفَتَيَّ، فَيُخْبِرَ فَمِي بِتَسْبِيحِكَ" (مز51: 15). وأيضًا: "اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ"(مز18:119).
- وهو أيضًا يفتح القلوب لقبول التوبة: "اِفْتَحِي لِي يَا أُخْتِي، يَا حَبِيبَتِي"(نش 5: 2).
وأرسل الرب حمّى!!
من مظاهر مرض "الروماتويد" وهو نوع من الروماتيزم، يصيب المفاصل، سرعة الترسيب في الدم.. وهذه حادثة تجلت فيها قدرة الله، وظهرت فيها مشيئته. وتمر هذه الأحداث بكاهن أعرفه تمام المعرفة.. للكاهن، نجل، اشتد عليه مرض الروماتويد أثناء تأدية امتحان الثانوية العامة، ورغم هذا أصر على دخول الامتحان، فحصل على مجموع يؤهله لدخول إحدى كليات الهندسة بالوجه القبلي. ولما كان ابن الكاهن في حاجة إلى الرعاية الصحية والعلاج الدقيق، مع ذويه، أحال والده الأمر إلى القومسيون الطبي العام، وأرفق بطلبه التقارير الطبية وصور الأشعة.
ويتوجه الابن بصحبة أبيه الكاهن.. وكانت المستقبلة سيدة بالغة التعقيد.. رفضت اعتماد الأوراق، وطلبت بإعادة فحص الترسيب بمعامل الوزارة.. وكانت المشكلة أن نوبة الترسيب كانت قد زالت نهائيًا في هذا الوقت بالذات، وهذه النوبات تذهب وتعود.. وشاء الله أن تذهب في هذه الآونة وبهذا استحال إثبات المرض.
حددت الطبيبة يوم الأربعاء لأخذ عينات الترسيب. وزادت الأمور تعقيدًا.. وطلب الابن من أبيه الكاهن أن يحضر معه الكشف ولكن الأب اعتذر وقال لابنه: سأقوم بعمل القداس يوم الأربعاء.. إن طبيبة القومسيون تُغلق، ونحن نصلي لكي يفتح الله. لأنه يفتح ولا يستطيع أحد أن يغلق.. وينتهي الكاهن من القداس، ويعوّقه أصحاب الحاجات.. ويذهب إلى القومسيون الطبي متأخرًا، فيجد ابنه يكاد يقفز من شدة الفرح. لم تحضر الطبيبة المتعنتة لإصابتها بحمّى يوم الأربعاء بالذات، وحضرت بدلًا منها طبيبة، معروفة، دمثة الخلق، محبة للخير، تنهج نهج الحق دون مغالاة.. اعتمدت الأوراق الرسمية، بعد أن عرضتها على الرؤساء.. وأقروها جميعًا.
وبعد فالرب يغلق ولا يستطيع أحد أن يفتح، ويفتح ولا يستطيع أحد أن يغلق، ليست هناك قوة، تفوق قوته، ولا حكمة تفوق حكمته، قال:"بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا"(يو5:15). وهو يسخّر كل شيء في خدمة أولاده وكل ما يطلبه منا أن نؤمن به، ونثق بعنايته ورعايته: "لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ" (مز14:91).
وإذا العناية لاحظتك عيونها .:. نــم فالمخاوف كلهن أمـــــان.
كوخ وكنز
قرأت الكثير عن تدبير الله العلي. هوذا عائلة تعيش عيشة الكفاف، وقد استبد بها الفقر، واشتدت قسوة الأيام، حتى بلغ الأمر أنهم لم يجدوا ما يسدون به الرمق مع حفظ ماء الوجه..
وكان خير ما يتحلى به أفراد هذه الأسرة الصبر، وعدم الشكوى، فلم يشعر بسوء حالتهم أحد. غير الله، الذي لا تخفى عليه خافية، فهو العليم بأحوال العباد، يرزقهم من حيث لا يدرون، فيأتيهم الفرج، من حيث لا يتوقعون. وهكذا تشاء رحمة الله، أن يجعل لكل ضائقة مخرجًا، ولكل شدة منفذًا..
وتمر بهذه العائلة أيام مريرة قاسية، وفي ليلة ممطرة، اشتد فيها زمهرير البرد، فعوت الرياح، وأجهشت السماء، وهطلت أمطار غزيرة على الكوخ الذي تسكنه العائلة، وزاد هياج الرياح والأمطار.. وقبل أن تبزغ شمس يوم جديد، كان الكوخ قد تهاوى تحت عصف الرياح وتساقط الثلج فصرخت النساء، وبكى الأطفال..
ويشاء الله أن يشرق يوم بهيج جديد، فقام رجال الأسرة، بإعداد الكوخ مرة ثانية للسكنى، ويحفرون ويعمقون الحفر.. ثم تقف أيديهم مشدودة، وأبصارهم مذهولة. يكتشفون كنزًا، أرسله رب الصباؤوت ليغنيهم عن سؤال الناس، ويكافئهم على الصبر. وتنشغل الأسرة بتوزيع المال على ذوي الحاجة.. لقد ذاقوا الفقر.. فأرادوا أن يخففوا الوطأة على الفقراء! ولا تقل كيف؟! هكذا أراد الله.. قال فكان.. وأمر فصار!
الرب أخذه...!
أعرفه منذ أكثر من عشرين عامًا، منذ كان طالبًا جامعيًا، وكان يدعوني لإلقاء عظات ومحاضرات دينية، بإحدى الأسر الجامعية.. كان شعلة ملتهبة وكانت شخصيته محببة لكل عارفيه، لما يشتمل عليه من صفات.. أدب جم.. وخلق أشم.. ولسان عف.. وإخلاص يدق على الوصف!
وكانت أسرته أنجح الأسر الجامعية.. وكان الاجتماع يغص بالطلاب والطالبات والمعيدين لدرجة أنه كان يضيق بهم أي مدرج، فانتقلوا إلى الكنيسة.. ويوفق هذا الخادم إلى الزواج بخادمة من إحدى الأسر الجامعية وكان الاثنان متماثلين تمامًا، في الثقافة، والأخلاق.. وهكذا أخذ الحب يرفرف فوق بيت اكتنفته السعادة، وأحاطت به كل أسباب التوفيق.
وتكتمل سعادة الزوجين بإنجاب طفلة كانت قرة العين.. وبهجة القلب.. ثم حملت الزوجة بالمولود الثاني.. وكما استحوذ هذا الخادم الأمين على قلوب عارفيه في مجال الخدمة الكنسية استحوذ أيضًا على قلوب رؤسائه في عمله.. فأخذوا يرسلونه في مهمات، ليكشف الحقائق ويساهم في إرساء العمل على نظام دقيق، ويدفع بدفة العمل إلى الأمام.. وكانت هذه المهام لا تخلو أيضًا من مكافآت مالية.. والفاعل مستحق أجرته.
مرة واحدة جاءني هذا الخادم يطلب خدمة.. وفوجئت به يطلب مني أن أساعده في الحصول على(مدفن)..!
وكان يبدو على عجلة من أمره، مع أنه في شرخ الشباب، ومقتبل العمر، أكثر ما يكون نضارة وصحة.. ويشاء الله أن يكون هذا المدفن بالذات ما كنت أسعى إليه لنفسي.. فأخفيت عنه الأمر، وأخذت أسعى حتى تم الحصول على المدفن، واستغرق الأمر عامًا كاملًا.. ثم أخذ الخادم يعده بالرخام، ويحسن طلاءه، حتى فرغ منه واستغرق الأمر عامًا آخر..
ويعود إلى البيت، ويقول لزوجته أنه اعتزم أن يقوم مبكرًا ليسافر في مهمة إلى القنال.. وتحاول الزوجة لأول مرة أن تثنيه عن السفر، وتعارض معارضة شديدة.. وهو لا ينثني. وأخيرًا قامت وغيرت ساعة المنبه حتى يفوته الميعاد.. ولكنه استيقظ في ذات الوقت من نفسه، ومن النادر أن يحدث له هذا، ولبس على عجل.. وودع زوجته وخرج.. وعاد يلهث، يدق الباب.. لقد نسى أن يودع طفلته، فأيقظها وقبلها..
وتتم الرحلة على أحسن وجه.. ويأخذ طريق العودة.. وقبل أن يصل إلى القاهرة تخرج عليهم سيارة جيش.. وتضرب العربة حيث يوجد مقعده، ويموت لساعته..! كان على ميعاد ليلتقي بأسرته، زوجته وطفلته.. ولكنه كان أيضًا على ميعاد مع الموت.. ودفن في المدفن الذي أعده.. هل كان يحس؟! بمصيره.. لا مراء قد ذهب إلى النعيم.
ونعود ونقول مع النبي:"عَرِّفْنِي يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ؟!" (مز4:39).
[1] مقال للقمص بطرس جيد نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 30ديسمبر 1977م
"جماعة الرافضين"
"جماعة الرافضين"[1]
- من الذين رفضوا الدعوة إلى الخلاص وقاوموا الرب يسوع الكتبة والفريسيون المرائون والصدوقيون، وقد وجه إليهم الرب ويلات كثيرة.
- أما الفريسيون فالكلمة من الآرامية معناها (المنعزلون)، وهم المتطرفون في التمسك بحرفية الناموس، والتمسك بتقاليد بالية. واشتهروا بالنفاق وإدعاء البر الذاتي..
- أما الصدوقيون، فكانوا يناقضون الفريسين، وينكرون قيامة الأموات والثواب والملائكة وهؤلاء الذين رفضوا الرب يسوع، تم عليهم القول: "الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ" (مت42:21، مر10:12، لو17:20).
- وأسوأ أنواع الرفض أربعة: رفض الاستماع لصوت الرب، وجاء في تعليل رفض الملك شاول "لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ رَفَضَكَ مِنَ الْمُلْكِ"(1صم23:15).
- وأيضًا رفض المشورة "لأَنِّي دَعَوْتُ فَأَبَيْتُمْ، وَمَدَدْتُ يَدِي وَلَيْسَ مَنْ يُبَالِي، بَلْ رَفَضْتُمْ كُلَّ مَشُورَتِي، وَلَمْ تَرْضَوْا تَوْبِيخِي" (أم1: 24، 25).
- رفض وصايا الله "ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:حَسَنًا! رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ" (مر9:7).
- رفض التأديب "مَنْ يَرْفُضُ التَّأْدِيبَ يُرْذِلُ نَفْسَهُ" ورافض التأديب ضال (أم 32:15).
- والقاعدة أن من يَرفض، هو أيضًا يُرفض: وفي هذا يقول بولس الرسول: "أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا" (1 كو27:9).
- ويرسم لنا الكتاب صورة الذين يرفضون الرب "تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً" (إر2: 13).
- ويصف الكتاب الذين يرفضون الحق بفساد الذهن "أُنَاسٌ فَاسِدَةٌ أَذْهَانُهُمْ" (2 تي8:3).
- + وقد ينزل بالرافضين الخراب التام كما حل بأورشليم "كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ.. وَلَمْ تُرِيدُوا، هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا" (مت23: 37، 38).
- وأقدم لك أيها القارئ العزيز صورًا من الرافضين التقيت بهم.
يرفض4 وظائف
ذات يوم جاءت سيدة طيبة، ومعها ابنها الشاب، إلى كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، يطلبان مأوى.. وعادا في اليوم الثاني والثالث، يطلبان ذات الشيء.. واكتشفت أنهما يطلبان مأوى لأنهما بغير مأوى..
أما ابنها الشاب، فكان يعمل بالسكة الحديدية، وظل متغيبًا دون إذن، حتى فُصل من عمله، وكان يتقاضى مرتبًا معقولًا..
وكما فر من الوظيفة، فر أيضًا من خطبة فتاة وحصل على شهادة عدول.. وأعجب ما في الأمر أن أمه كانت تبارك خطواته! إنه ابنها الوحيد.. وكان يعولها، فأصبح الاثنان لا عائل لهما.. واستجار الاثنان بالسيدة العذراء. ومن غير المعقول أن نلقي بهما في قارعة الطريق.
إن الاثنين في حاجة إلى مسكن، وإلى إنفاق، وإلى عمل للابن يتعايشان منه.. وبعد التي، واللتيا. أمكن الحصول على حجرة، بعد تكبد الكثير من النفقات، ثم جاء دور تأثيث الحجرة بالفراش والغطاء.
وبين الحين والحين كان الابن يبدو متنمرًا متذمرًا.. والأم تؤَمن على كل كلمة يقولها الابن.. وكان الابن يقول إن الحجرة لا تليق بمقام موظف بالسكة الحديدية، مفصول!
ولاحظت أن كل مبلغ تحصل عليه الأم يذوب ويتبخر.. وبعد مدة اكتشفت أن الابن المدلل، يدخن ويحرق نقود أمه في السجائر.. والأم تهوّن من الأمر، وتقول هذا بسبب عطله وزهقه.. ولاحظت أن أعضاء لجنة البر قد زهقوا أيضًا وطلبوا مني أن أطرد الابن وأمه!
والعقاب سهل أما طريق الإصلاح فشاق، ويحتاج إلى مجهود وإرهاق. وأصبح المطلوب هو إصلاح أخلاق الابن أولًا، ثم نجمع له عملًا ثانيًا..
وهنا تعرض لجنة البر، عملًا على الشاب. في صيدلية، أو بمعنى أصح بمخزن أدوية. وأهمس في أذن الطبيب الصديق صاحب الصيدلية أن يرفع الأجر، اعتبارًا لظروف الأسرة، وبرًا بالأم طيبة القلب. فيرفع الصيدلي الأجر.. والابن المدلل يرفض الوظيفة لأنه لا ينسى أنه كان موظفًا بالسكة الحديدية يتقاضى أجرًا حكوميًا، إن حجرة السكن لا تليق بالمقام.. وهذه الوظيفة لا تليق بالمقام.
وأنظر إليه غاضبًا، مستاء فيتراجع، وعندما يوافق أخيرًا.. يكون الصيدلي قد فقد الثقة به وتطير الوظيفة..
وأعود وأجمع له عملًا في معمل كيميائي، بمرتب أقل من مرتب مخزن الأدوية، فيرفض ويتذكر العرض الأول!
وأعود وأجمع له عملًا بعد الظهر في عيادة طبيب فيرفض ويتذكر العرض الثاني السابق ويقارن بين العرضين!
وأعود وأجمع له وظيفة رابعة.. كمسارى..! كان أحد موظفي الإدارة العامة بالنقل يستمع إلى العظة عشية الأحد مساء عندما عرضت مشكلته بالعظة، فجاء بعد العظة يمد يد العون.. ويقول الشاب: سوف أفكر..! ويتملص من الوظيفة الرابعة..
يرفض4 وظائف..!
وتجمعني الجلسة في الكنيسة مع أحد أصحاب النيافة المحبوبين، كان يصلي معنا قداس الأربعاء. ماذا أفعل بشاب يرفض 4 وظائف، ويجعل حياة أمه الطيبة القلب مُرة.. ونصل إلى الحل الآتي، نعرضه على مسامع القراء الأعزاء.. هذا كله يعطينا فكرة إن عمل الخير، جهد متواصل والوصول إلى حل، يحتاج إلى صبر وأناة. والأخذ بيد الفقراء يحتاج إلى رويّة، ومتابعة، ومعاناة وتحمل. أما الحل: أن نقدم للأم مبلغًا تأخذه يومًا بيوم يكفي أود الأم، دون أن يتجمع المال في يد الأم فيستغله الابن في شراء السجائر.
+ يُمنع الولد من التسكع داخل الكنيسة في غير أوقات الصلاة.
+ يدفع إيجار السكن، وكل ما يلزم من الضروري من الثياب.
+ محاولة اجتذاب الابن، والتأثير عليه، عن طريق سماع القداسات والعظات.
وبعد، أخلو إلى نفسي كثيرًا وأتساءل: هل جنى هذا الشاب على نفسه، أم الأم بتدليلها له، قد جنت عليه؟!
وبعد فهذه قصة أيضًا لم تنته.. وعندما توفق في إصلاح حال هذا الشاب.. نعود ونكتب خاتمة لهذا المقال.. إن الأم قد صيغت حقًا في قالب من الطيبة، ولا تكاد تنطق جملة إلا ويكون أحد ألفاظها اسم الله!
ترفض حجرة بغير خلو..!
يحدثني موظفو الكنيسة عن سيدة عجوز قد انحنى ظهرها، من ثقل الأيام.. من الحالات التي ترعاها الكنيسة، كانت تسكن في حجرة في منزل قديم، وانهار المنزل فأصبحت بغير مأوى. فسمحت لها بالمبيت ليلة أو ليلتين بالجراج ريثما يدبر الله لها مسكنًا وأوصيت الفراشين أن يجمعوا لها حجرة ووعدت بمكافأة مجزية..
ويوفق الله أحد الفراشين إلى حجرة ويزف إليَّ الخبر.. ليفوز بالمكافأة.. وأنا أقول له: انتظر حتى تسكن السيدة العجوز، ولكن السيدة العجوز تخبرنا (برفض) الحجرة ويأتي تعليلها لرفض الحجرة أكثر ما يكون غرابة..
تقول السيدة العجوز، إنها جمعت حجرة بخلو، وهل يعقل أن تترك حجرة بخلو، لتسكن في حجرة بغير خلو؟!!
وأتاكد من أوصاف الحجرة ذات الخلو فلا أجد لها ميزة واحدة.. بل إن الحجرة الأولى تفضلها من كل الوجوه.. وأحاول إقناع السيدة العجوز. فتوافقني مجاملة.. ولكنها تتباطأ في التنفيذ. ويسألني أحد أعضاء لجنة البر: والعمل مع السيدة العجوز التي تمثل أيضًا حزب (الرافضين)؟
وأنا أجيب: المسألة في غاية البساطة.. ننتظر حتى تضيع الحجرة ذات الخلو.. وفي ذات الوقت نكتب عقد إيجار الحجرة الأولى فورًا حتى لا تفر من أيدينا. وهذا ما تم فعلًا.. وقبلت السيدة العجوز أن تنتقل إلى الحجرة الأولى بغير الخلو.
بعد أن سكنت الحجرة ذات الخلو. سألتها: هل تقبلين مشيئة الله، الذي يقول:"عين لهم مساكنهم"، أم ترفضين؟!". قالت: أقبل يا أبانا. وهكذا هدأت السيدة العجوز الرافضة التي تصر على حجرة بخلو..
ترفض السفر للسودان
تأزمت الأمور بين أسرتين، حتى كاد الأفراد يتشابكون بالأيدي. كان الزوج وأسرته في جانب، والزوجة وأفراد أسرتها في الجانب الآخر. أما لب المشكلة:
هل تصطحب الزوجة زوجها في عمله بالسودان، أو تبقى بالقاهرة، حيث يلتئم الشمل في الإجازة الصيفية من كل عام..!!
كان الزوج يشتغل بالتعليم، وأراد أن يصلح ظروفه المالية.. والسفر للسودان يحقق له أن يأخذ ثلاث أمثال المرتب.. ويمضي الزوج الإجازة الصيفية بالقاهرة متمتعًا بثلاثة أمثال المرتب.. وكانت الزوجة ترفض السفر للسودان، متعللة بأنها لا تقوى على مفارقة الأهل، ثم أنها تخشى ألا تتحمل الحرارة بالسودان، وفوق هذا وذاك فهي لا تستطيع الانقطاع عن عظة قداسة البابا شنوده - حفظه الرب - كل يوم جمعة..
وعرضت عليَّ المشكلة، وكان أهل الزوجة يتوقعون أن أقف في صف الزوجة خاصة بالنسبة للسبب الأخير. باعتبار صلتي بقداسة البابا المعظم.. ولكني وقفت في صف الزوج خوفًا من انقسام الأسرة وكل بيت منقسم على ذاته يخرب. ثم أن الزواج شركة، وعلى الزوجة أن ترافق زوجها إلى أقاصي الأرض وقلت حلًا للإشكال.
يشتري الزوج (ريكوردر) ويحصل على كل (الكاستات) الخاصة بعظات قداسة البابا من الكرازة. دون أن يترك أحد الكاستات وقلت للسيدة: وعند رجوعك من السودان سوف تحظين بمقابلة قداسة البابا والتحدث إليه وجهًا لوجه.. وتأخذين تذكارًا بركة - وَعَدْت ولا أضمن التنفيذ فمعذرة -، والمهم إنني أكتب هذا المقال والسيدة في السودان.. وكلي ثقة أن قداسة البابا سيحقق لها هذا الرجاء. كما يحققه لكثير من أبنائه..
[1] مقال للقمص بطرس جيد نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 6 يناير 1978م
"أعقد من ذنب الضب..!"
"أعقد من ذنب الضب..!"[1]
أعقد من ذنب الضب: مثل عربي يقال في أي أمر بالغ التعقيد..
ومن الألفاظ المحيرة ما جاء على لسان شمشون الجبار الذي خطب فتاة فلسطينية من بلدة تمنة، والتف حوله الفتيان وطلبوا أحجية أي لغزًا فقال لهم: "مِنَ الآكِلِ خَرَجَ أُكْلٌ، وَمِنَ الْجَافِي خَرَجَتْ حَلاَوَةٌ..!"(قض14:14). إلتقى شمشون في طريقه بأسد فقتله وعند عودته رأى عسلًا في جوف الأسد فاشتار منه وأكل، ولجأ الفتيان إلى خطيبته ليعرفوا الحل. وألحت عليه فأخبرها وبالتالي أخبرتهم. فقال شمشون للفتيان: "لَوْ لَمْ تَحْرُثُوا عَلَى عِجْلَتِي، لَمَا وَجَدْتُمْ أُحْجِيَّتِي"(قض18:14). واستاء من خطيبته التي لم تصن السر ونبذها.
وفي عهد بيلشاصر بن نبوخذ نصر ملك الكلدانيين وكان قد تجاسر وأحضر آنية الهيكل وشرب فيها خمرًا. ظهرت أصابع يد إنسان، وكتبت على مكلّس حائط قصر الملك عبارة كانت لغزًا محيرًا "مَنَا مَنَا تَقَيْلُ وَفَرْسِينُ"! فسرها دانيال النبي: "مَنَا، أَحْصَى اللهُ مَلَكُوتَكَ وَأَنْهَاهُ، تَقَيْلُ، وُزِنْتَ بِالْمَوَازِينِ فَوُجِدْتَ نَاقِصًا، فَرْسِ، قُسِمَتْ مَمْلَكَتُكَ وَأُعْطِيَتْ لِمَادِي وَفَارِسَ"(دا5: 25-28). في هذه الليلة قتل الملك بيلشاصر جزاء لأنه تجاسر على المقدسات..!
وكان شغل اليهود الشاغل أن يحيكوا الأمور ويلفقوا القصص، وكان الرب يسوع يُفحمهم ويفضح جهلهم فيلوذون بالصمت!
قدّموا له امرأة أُمسكت في زنى وقالوا: " وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟" إذا قال تُرجم قالوا أين شريعة الرحمة التي تنادي بها، وإذا قال لا تُرجم، قالوا: نقض شريعة موسى، أما الرب يسوع فقال لهم: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ"(يو8)!
وعاد الرب وسألهم: "مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنَ السَّمَاءِ كَانَتْ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟"(مر30:11، لو4:20) فلو قالوا من الله: قال لماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قالوا من الناس: خافوا من الشعب لأن يوحنا كان كمثل نبي.. فعادوا إلى الصمت ولم يحيروا جوابًا.
وهنا أقدم لك أيها القارئ العزيز مشاكل بالغة التعقيد من واقع الحياة.
فتاة وخطيب أعمى
تعرفت به منذ أيام الدراسة، والتقيا بإحدى الكليات الجامعية بحكم الزمالة، وفي الجامعات تطلق الحريات، والصداقة في الجامعة بين الجنسين متاحة دون رقابة، باعتبار أن الطلبة في الجامعة يكونون قد شبّوا عن الطوق، وتخطّوا مرحلة المراهقة والاندفاع، ولو أن كثيرين لا يقدرون الحرية حق قدرها.. وقد نبهنا مرارًا: بخطر أية علاقة فردية.. مهما بدا الشاب متحليًا بمكارم الأخلاق.. أما العلاقة الجماعية فلا بأس بها. وأما الممنوع فهو الانفراد أو (التخصص) وعلى الفتاة العاقلة أن تحرص على سمعتها، وعلى سمعة الأسرة فلا تلوكها الألسن.
وشر ما في القصة التي نحن بصددها، أن العلاقة بدأت في خفية عن الأهل، ولوّح الشاب، شأنه شأن كل الشباب بفكرة الزواج، وما أسهل أن يقطع الشاب عهدًا ثم لا يفي به.. والذي حدث أن الشاب سبق الفتاة في الدراسة، وتخرج قبل الفتاة، بينما كانت الفتاة ما زالت تجتاز مراحل التعليم الجامعي..
ثم يحدث حادث جلل.. يخرج الشاب للصيد، وهذه كانت هوايته، فيصيبه الطلق الناري في عينيه وفي إحدى رجليه.. ويصاب بعمى كلي وتبتر ساقه، وتُصدم الفتاة في أحلامها وأعز أمانيها، ولكنها تبقى إلى جانب الفتى وتعاهده أن تظل وفية على العهد. وبعد أن يمر وقت على التجربة، يتقدم الشاب إلى الأسرة لخطبة الفتاة.. ومن غير المعقول أن تسلم الأسرة ابنتها وهي المثقفة المكتملة الجمال.. لشاب فقد بصره، لكي تربط مصيرها بمصيره..؟!
وإذا أردنا تحليل المشكلة، من الناحية السيكولوجية نقول: إن الفتاة واقعة تحت تأثير الشفقة على الشاب، تشدها إليه مأساته. ولكن ماذا يحدث عندما تفيق الفتاة، ولو بعد سنوات، وترى نفسها مشدودة برباط لا ينفصم إلى رجل ربما لا مستقبل له من يضمن أن تظل وفية له ولا تندم؟! إنها الآن ما زالت فجة، في مقتبل العمر، ينقصها النضج واكتمال الخبرة.. وحياة الشباب في تقلب.. يرى اليوم ما لا يراه الغد..
إنني أرى أن نقطة الضعف، أن الشاب طلبها وسعى إليها، وفي هذا نوع من الذاتية، كنت أفضل أن يتركها لمشاعرها دون ضغط.. فتأتي الخطوة من جانبها، وكنت أفضل أيضًا من باب الإيثار.. أن يردها عن عزمها في رفق. ويبصرها بعظم التضحية التي هي مقبلة عليها من أجله.. ليس الحب أن نأخذ، إنما الحب الصادق أن نقدم ونعطي ونبذل.
وبقيت مشكلة أخرى، أكثر تعقيدًا، ماذا يحدث لو اتفق الاثنان أن يتزوجا في خفية عن أهل الفتاة، ويضع الاثنان الأهل، أمام الأمر الواقع..؟!
أرجو من الابن المبارك، أن يعفي الفتاة من وعدها، على الأقل أن يترك لها وقتًا كافيًا حتى تنتهي من التعليم، فإذا ثبتت على مشاعرها بنفس القوة، أمكن أن يطمئن على صدق عاطفتها.. أما العجلة في اتخاذ قرار المصير والتأثير على الفتاة، لاستغلال نبلها، فهذا أمر يجب أن يراجع فيه الشاب نفسه. ويثوب إلى رشده.. ويطلب إرشاد ربه.. وفقهما الله.. هذا مع الرجوع إلى أب الاعتراف.
وبعد، فهذه المشكلة البالغة التعقيد، أطرحها أمامك أيها القارئ.. وإذا عنّ لك رأي فأرسله عن طريق الكرازة، أو عن طريق كنيسة العذراء بالزيتون.
منتهى التعقيد
مرت أعوام سوداء.. واستحدثت أسباب تكسر الوصية وتبيح الطلاق.. واستطاع رجل أن يجد ثغرة ينفذ منها لهلاك نفسه.. فغير مذهبه، وخرج عن عقيدته الأرثوذكسية، وأضاف إلى جريمته جريمة أخرى فتزوج، بينما زوجته على قيد الحياة. وأضاف شقيقه جريمة ثالثة ففكر في الزواج بامرأة أخيه المطلقة، وأتبعها بجريمة رابعة فخرج عن دينه، لأن الكنيسة لا تسمح بزواج امرأة الأخ، كما لا تسمح بزواج أخت الزوجة، وامرأة الأخ تعتبر في حكم الأختSister in law. وإذا قيل أن الزوج طلق زوجته لعلة الكراهية، فالكراهية ليست من الله بل من الشيطان.. فالله محبة. لهذا قال يوحنا المعمدان لهيرودس: " لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ "(مت4:14& مر18:6).
ونرجع إلى الشقيق الذي تزوج امرأة أخيه لقد أنجب منها أولادًا.. منهم الطبيب والمهندس.. وتجري هذه الأحداث في صعيد مصر.. ثم يفيق الرجل من غشيته وتشمله رعدة ويصحو ضميره ويعذبه.. وكان هذا هو السؤال الذي يلح عليه: كيف يقابل ربه في اليوم الأخير؟ وكيف يهرب من وجهه.. وكيف ينجو من قصاص الله الرهيب، ومن الدينونة العادلة؟؟
ويلوذ بالكنيسة ليصلح خطأه، إنه يريد العودة إلى دينه الذي ضحى به في ساعة طيش ونزق. والمشكلة لكي تقبل عودته، يلزم أن يرجع تائبًا.. ولكن كيف يكون تائبًا وهو يعيش في الحرام مع زوجته، امرأة أخيه، وأم أولاده.. وعلاقته بها آثمة، يلزم أولًا التفريق بينهما جسديًا، رغم أنهما في بيت واحد. وهناك مشاكل أخرى، إصلاح موقف أولاده.. لأنه بخروجه من الدين، قد جرهم معه حسب القانون المدني.
وهناك مشاكل أخرى بخصوص عمله، فعليه أن يسوي حالته ويستقيل من وظيفته، وتتجمع المشاكل معًا، لتكون نسيجًا متشابكًا، وما أسهل أن يخطئ الإنسان، ولكن هل يدرك الإنسان ما تجره الخطية من متاعب؟، ليس عليه وحده، بل قد يجني على أولاده أيضًا: فلقد أخطأ أبونا آدم فجر الشقاء على جنس البشر، وأخطأ قايين فقال: "أَكُونُ تَائِهًا وَهَارِبًا فِي الأَرْضِ"(تك4). ثم مات قتيلًا بدم أخيه. وأخطأ داود فقيل له: "لاَ يُفَارِقُ السَّيْفُ بَيْتَكَ إِلَى الأَبَدِ" (2صم10:12). وأخطأ عالي الكاهن ولم يحسن تربية أولاده فقيل له: "تَأْتِي عَلَى ابْنَيْكَ حُفْنِي وَفِينَحَاسَ: فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ يَمُوتَانِ كِلاَهُمَا.. وَجَمِيعُ ذُرِّيَّةِ بَيْتِكَ يَمُوتُونَ شُبَّانًا!(1صم2: 33، 34).
والآن، أمل أيها القارئ أذنيك فأقول لك أبلغ وصف عن الخطيئة كما جاء في الكتاب المقدس الذي يقول إن: "الْخَطِيَّةُ خَاطِئَةً جِدًّا"(رو13:7). إذ يحذرنا الكتاب من الخطيئة فيقول: أبعد رجلك عن مسالكها "لأَنَّهَا طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ"(أم26:7).
الأمر عسير... والحل يسير
في أوقات الحرب، مرت بالناس أوقات عصيبة، كانت الأعصاب مشدودة، وكانت الأخبار تنقل للناس كل يوم جديدًا.. ولما كانت الحرب خدعة، فقد ابتدع العدو حيلًا كثيرة للإيقاع بالناس في موارد التهلكة..
ومن حيله أن يرسل موادًا ناسفة داخل ظروف خطابات، أو أقلام حبر. أو هدايا، وأخذت الصحف تحذر الناس، وذات يوم كانت سيدة تجتاز ميدانًا عامًا، وكانت معروفة بكثرة ترددها على الكنائس وكانت من العلامات المميزة لها، مظلة (شمسية) قصيرة ملونة، وكانت لا تفارق المظلة، وكانت المظلة أيضًا لا تفارقها.. حتى عُرفت بها، ولو أن هذه السيدة قد هاجرت الآن خارج الديار المصرية.
أقول: بعد أن اجتازت السيدة الميدان بقليل، لفت نظرها تجمع هائل من الناس، أخذوا يزدادون في شبه دائرة، وكان هناك صوت حاد ينبه إلى (شيء) ملقى في وسط الميدان ويحذر من الاقتراب منه. وبسرعة البرق دوى الطريق بعربة بوليس النجدة.. وأعد البوليس (كردون) حول هذا الشيء الملقى، الذي لم يكن هناك أدنى شك في أنه خدعة من إسرائيل. هدية ألقتها لتهلك الناس.
وطير الخبر إلى المباحث العامة، ورجال أمن الدولة. وازداد الناس تكاثفًا وتجمعًا، وأطل البعض من الشرفات. وأطلت السيدة المذكورة برأسها وسط الزحام وخطت نحو الميدان، فأسرع الجندي يزجرها، وزمجر الناس غضبًا من جرأتها. وأخيرًا همست السيدة في أذن ضابط برتبة أعلى، أن يسمح لها أن تنفذ من الدائرة المغلقة حول الميدان وتلتقط هذا(الشيء) الذي أثار الفزع، وحالما التقطته دوى المكان بالتصفيق تحية للشجاعة النادرة! وغني عن البيان، لم يكن هذا (الشيء) غير شمسيتها.. سقطت منها أثناء عبورها الميدان!هذه صورة لكثير من المخاوف. تصادفنا في الحياة.. ومخاوف أخرى يترقب الناس وقوعها، وليس لها أساس من الحقيقة والواقع.
[1] مقال للقمص بطرس جيد نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 13 يناير 1978م
"ليس خفي إلا ويعلن..!"
"ليس خفي إلا ويعلن..!"[1]
لا خفاء بالنسبة لله، فالكل مكشوف وعريان قدامه.. والله - يتبارك اسمه - يقرأ الأفكار والنيات. والفكرة قبل أن تخطر بأذهاننا هو يعلمها، وما من حركة أو سكنة في الكون إلا ويلم بها.. لهذا يذكرنا الرب في الصلاة بقوله: "لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ!"(مت8:6).
ويترنم صاحب المزمور ويقول: "ذُنُوبِي عَنْكَ لَمْ تَخْفَ"(مز5:69). "يَارَبُّ، قَدِ اخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي، أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ.. نَسَجْتَنِي فِي بَطْنِ أُمِّي.. لَمْ تَخْتَفِ عَنْكَ عِظَامِي"(مز 139).
"لَيْسَ مَكْتُومٌ لَنْ يُسْتَعْلَنَ، وَلاَ خَفِيٌّ لَنْ يُعْرَفَ"(مت26:10) حقيقة تتفق مع صفات الله المطلقة: فالله حق "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ"(يو6:14). والله الحق لابد أن يُظهر الحقيقة مهما خفيت.
والله نور"أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ"(يو12:8)، والنور يكشف وينير خبايا الظلام(1كو4: 5).
والله عادل وعدله يؤكد إظهار الحقيقة إثابة للمؤمن يُظهر"حَقَّكَ مِثْلَ الظَّهِيرَةِ"(مز6:37). وعقابًا للأثيم الذي لا يفلت من يد الله، فتفتضح أعماله.
"ليس خفي إلا ويعلن" صورة من صور الدينونة في اليوم الآخر، حيث تفتح الأسفار، وتنكشف الخبايا، وتفضح السرائر"لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ"(2كو5: 10). وما أرهبها ساعة! يقول فيها كل شرير:
وا خجلتي وصحيفتي مسودة .:. وصحائف الأبرار في إشراق
وهذا يتسق مع القانون الطبيعي فالأرض تظهر ما خفي في جوفها من معادن وكنوز، والحبة التي تختفي في الأرض تعود وتظهر على وجه الأرض حاملة الثمار.
ومؤمن يخفي ما يفعله من خير هروبًا من الذات.. ومن حسد الشياطين، وما يخفيه الإنسان يظهره الله.. يومًا من الأيام. "اِرْمِ خُبْزَكَ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ فَإِنَّكَ تَجِدُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ"(أم1:11). وسأتناول قصة من واقع الحياة، حاول أفرادها إخفاء الحقيقة، وأظهرها الله..
زواج راحيل وليئة
نحن الآن في بلدة من صعيد مصر، منذ عشرات السنوات، حيث التقاليد التي توارثها الناس من مئات السنين متغلغلة في النفوس، يخضع لها الناس جميعًا راضين أو كارهين.. ويعتبر الخروج عليها خروجًا على الأخلاق.. وحيث تحتجب النساء عند مقابلة الرجال..
ويشاء الله أن يعمل شاب بإحدى مدن الصعيد. ويشعر بالوحدة القاتلة تكاد تخنق أنفاسه، ولكن يُسرّي عن وحدته صديق تعرف به من ذات البلدة، وتزيد الأيام أواصر الألفة بينهما، فلا يكاد الاثنان يفترقان.
وذات يوم يبوح الصديق لصديقه بخبيئة نفسه، ويقول له: إنني اعتزمت أن أقترن من ذات البلدة إذا وُفّقت إلى شريكة الحياة. ويعود الصديق ويسأل صديقه، إذا كان من الممكن أن يعينه في هذا السبيل، ويصمت الصديق الثاني.. لقد كانت تدور في ذهنه فكرة، لا يجد وسيلة للإفصاح عنها. وهنا يفاجئ الصديق الأول صديقه بسؤال.. ما أسرع أن يتلقفه الصديق الثاني. عندما يوجه له هذا السؤال: أليست لك أخت.. في سن الزواج؟!
وهنا يبدي الصديق الثاني.. بعض التردد والإحجام.. ولكنه يعود ويقول: لي أخت.. وأنا لا أضن بها عليك، ولن أجد أفضل منك.. وبخاصة لما يربطنا من صداقة وحب ووئام.. وهنا يكاد يطير لب الصديق الأول طربًا من الفرح، ولا يتمالك أن يقبل صديقه.. وسرعان ما يتفق الاثنان على ترتيب موعد اللقاء.
ويقرع الصديق الأول باب صديقه.. فلا يجده بالمنزل.. لقد غادره لأمر طارئ. وتفتح له الباب فتاة رائعة الجمال، في مقتبل العمر، أكثر ما تكون شبابًا ونضارة. ويخفق لها قلبه. ويعجب كيف توجد هذه الزهرة اليانعة. في دروب القرية الموحشة. ويقول بينه وبين نفسه: حقًا لقد تبسمت الأيام.. وتحققت الأحلام..!
راحيل..!!
يقول لنا الكتاب: إن يعقوب عندما وقع نظره على ابنة خاله (راحيل) أحبها من كل قلبه، وقبل طائعًا أن يخدم خاله 20 عامًا في سبيلها، ومرت هذه السنون كأيام قليلة بسبب حبّه لراحيل.. ولو أن خاله غشه وزوجه أختها الكبرى ليئة. نرجع للصديق الأول.. لقد فوجئ في هذه الآونة باستجابة طلب سابق كان قد قدمه بنقله من هذه المدينة، وكان قد مضى بها بضع سنوات.. وطلب منه بعض البيانات فأسرع جاهدًا وقدم طلبًا بإلغاء النقل أو على الأقل طلب إرجاءه حتى تتم مراسيم الزواج وأخذ يقتر على نفسه، ويدخر كل قرض ليفوز برضى الأسرة، يسانده في هذا الشأن صديقه. وعندما طلب أن يجلس مع الفتاة يتعرف بها.. قيل له في لهجة قاطعة.. أنت تعرف التقاليد..؟! وأخذت الأسرة تعد العدة لإتمام خطبة الفتاة، وكان العريس يستحث الخطى، ويستبطئ الأيام.. حتى حقق الله أمنيته. كان يتمنى أن يلقي نظرة على العروس يبهره جمالها، وهي في أبهى الثياب.
عصر الذرّة
وعندما جلس بجانب العروس، عند إتمام المراسيم.. فوجئ بها تغطي وجهها بغطاء أبيض سميك.. يحجب الوجه كله.. فساءه ذلك.. وقيل له مهلًا، لا تتعجل، إنها التقاليد..! فأخذ يجتر الأسى، ويعود يحدث النفس بالصبر، وقرب تحقق الأماني والآمال.. وأخيرًا. وبعد قراءات وصلوات لم يدرك منها شيئًا. لانشغال باله، قيل له: وكان في الطابق الثاني، أن ينزل إلى الطابق الأول ليستلم زوجته ويمضي التوثيق. قال: أنتم تقصدون أن أرى خطيبتي.. قالوا: لا، بل زوجتك.. ولما استغلق عليه الأمر. قالوا: رأينا لهفتك، فجعلناها خطوبة وزواجًا، وتوثيقًا.. الكل معًا.
وأدركه أحد الحاضرين فقال مفسرًا: أنت تعيش في عصر الذرّة، وخير البر عاجله. ونزل العريس إلى الطابق الأول يترنح لقد شعر أنه فوجئ وخدع.. ولكن ماذا يضيره، وهو يهيم بالفتاة حبًا..
ليئة
وبعد أن أمضى التوثيق، جاءت اللحظة التي كان يترقبها، لحظة أن يرفع النقاب، ويرى جمال عروسته الخلاب.. ويقول كلمة تتردد في أعماقه (مبروك)!
ولكن الكلمات ماتت على شفتيه.. لم ينطقها. ولدت لتموت.. كانت الفتاة (ليئة) ولم تكن (راحيل). عندما زار البيت، كانت الفتاة التي فتحت له الباب، هي زوجة الأخ، الصديق، وليست الأخت، وسنها 20 ربيعًا، أما الفتاة التي زوجوها له فعانس تبلغ من السن 45 عامًا. ولما كان سنه 27 عامًا فهي تصلح أن تكون له أمًا.. وكانت دميمة، محرومة من الجمال.. وبالنسبة للفتاة الأولى على طرفي نقيض.
أما الخطوة التالية.. أخذ العريس يعدو بكل قوته، وانطلق من البيت ليلحق شيئًا هامًا كان قد نسيه. هذا الشيء الوحيد هو (المنقذ) من هذا المطب. ولم يكن هذا المنقذ غير القطار، الذي يغادر البلدة بعد نصف ساعة!!
كان منهارًا فأحال نفسه على القومسيون الطبي العام في القاهرة، وشرح مأساته للمدير. ويشاء الله أن يتعطل طلبه الذي طالب فيه بإلغاء النقل. ولم يتم بحثه بعد، وأشفق الرب عليه لأنه كان مجنيًا عليه، ضحية للخديعة والغش والنفاق.. وهكذا أعيد النظر في طلبه، وتم نقله للقاهرة. وأرسل أهل العروس يقولون له: أحضر وخذ عروستك، إنها زوجتك! أردت أم لم ترد.. فلم يَرد. وتمر سنوات وهما منفصلان، وعندما آفاق الرجل من صنعته، واسترد أعصابه واستعاد صحته، قدم مشكلته.. فأحيلت إلى المجلس الإكليريكي العام..
موقف الكنيسة
يشترط في الزواج المسيحي الذي تقره الكنيسة أن يستكمل الأركان الآتية:
- أن يكون كل طرف من المتقدمين للزواج مسيحيًا أرثوذكسيًا. فإذا اختلف المذهب لا يسمح بإجراء مراسيم الزواج، إلا بعد إجراءات الانضمام كاملة.
- ألا تكون هناك موانع من القرابة الجسدية أو الروحية مثل زواج زوجة الأخ أو الزواج من أخت الزوجة، وغير ذلك.
- أن يتم الزواج بناء على الحرية المطلقة والإرادة، فلا إكراه في الزواج. ألا يتم الزواج بوسيلة من وسائل الغش والخداع. وألا يتم في غيبة أحد الطرفين كبدعة الزواج بالتوكيل مثلًا. هذا بخلاف شروط السن. والزواج المسيحي لا انفصال فيه، لأنه عقد يعقد في السماء ولا يُحل على الأرض " فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ"(مت6:19& مر9:10)
والعلة الوحيدة التي تحل الزواج هي علة الزنى؛ لأنها موت أدبي. والموضوع المعروض أمامنا يعتبر الزواج فيه باطلًا، لأنه لم يحدث اتصال بين الزوجين وكان زواجًا لحمته الغش وسداه الخداع. وإنني ألوم كل أب يسرع فيزوج ابنته من أي عابر يطلب يدها، دون فحص أو تدقيق.
[1] مقال للقمص بطرس جيد نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 20 يناير 1978م
"سر سعادة الأسرة...؟!"
"سر سعادة الأسرة...؟!"[1]
يخطىء من يظن أن الزواج عقد بين اثنين: زوج وزوجة. وحقيقة الأمر أن الزواج عقد بين ثلاثة (الزوج والزوجة، والله الذي يبارك الزواج). وما جمعه الله لا يفرقه إنسان..
وأول زواج عقده الله في الجنة "لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ"(تك18:2). والسيد المسيح بارك الزواج بحضوره عرس قانا الجليل، والزواج سر من أسرار الكنيسة، قال عنه الرسول: " هذَا السِّرُّ عَظِيمٌ" (أف 32:5) وشبّه اتحاد الرجل بالمرأة باتحاد السيد المسيح بالكنيسة.
وخير ما يجمل الزوجة، العفة والطاعة والتدبير، وقيل عن المرأة المدبرة: "بِهَا يَثِقُ قَلْبُ زَوْجِهَا فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى غَنِيمَةٍ"(أم 11:31) وفي مدح المرأة: "الْمَرْأَةُ الْمُتَّقِيَةُ الرَّبَّ فَهِيَ تُمْدَحُ"(أم30:31).
وفي الإكليل طقوس لها دلالات روحية رائعة: فالعريس يظل واقفًا في انتظار العروس، وفي هذا إشارة إلى أن الرجل خُلق أولًا، وإشارة لاستحضار الله حواء لآدم، وأن المرأة خلقت لأجل الرجل..
وتجلس العروس على يمين العريس فتذكر ما جاء بالكتاب جلست الملكة عن يمين الملك (مز9:45). ويقول القديس باسيليوس: إنها تجلس عن يمينه لأن الله من جنب آدم الأيمن خلق حواء.. كما يشير هذا الجلوس إلى التساوي بينهما، وإلى جلوس الكنيسة العروس، عن يمين عريسها، حيث يقول الرب: "لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ"(مت 34:25).
ويلبس الاثنان الأكاليل لسعيهما للحصول على "إكليل البر". هذا والمرأة الفاضلة إكليل وتاج لبعلها.. ويقول القديس باسيليوس: إن الله يلبسهما أكاليل(البهجة والفرح).
وتلامس اليدين حتى نهاية الصلاة يشير إلى الرضا والارتباط الروحي.
وإليك أيها القارئ العزيز بعض الاختبارات.. حسبما يسمح المجال..
المهم هو البركة
هذه قصة واقعية.. تدور أحداثها في الأربعينات، في إحدى مدن الوجه البحري، حيث سعدت أسرة بزواج ابنتها الكبرى، لشاب يحتل وظيفة مرموقة بإحدى الوزارات ويحصل على مرتب كبير.. وظلت الحياة تسير بهما رخاء.. إلى أن جاء دور الابنة الصغرى، وكانت تفوق أختها الكبرى جمالًا وثقافة، وتوقعت لها الأسرة حظًا باسمًا، وأن يتقدم لها شخص عريض الثراء، مرموق الجانب..!
وفوجئت الأسرة بشاب متدين يلح في طلب يد الابنة الصغرى، وكان الشاب ناشئًا، ما زال يرقى أول درجات السلم.. ويشاء الله أن تُعجب الابنة الصغرى بهذا الشاب، يشدها إليه، أدبه وخلقه، وتدينه. ولم يكن يملك مالًا.. ولكنه كان يملك ثروة من الأخلاق لا تقدر بمال..!
وتقف الأسرة في جانب، وتقف الابنة الصغرى والشاب المتقدم إليها في جانب آخر.. ويتدخل ذوو المروءة والفضل.. وعلى رأسهم الأب الكاهن.. وترجح كفة الفتاة.. وتتم إرادة الله..
إن غلطة كثير من الآباء، أنهم يقيسون الأشخاص بالمقياس المادي، ويقيسون الشخص بمركزه وماله.. وبهذا يفوّتون على أبنائهم فرصًا ذهبية. ويجعلون المال في المركز الأول، والأسرة والأصل والخُلق في المركز الثاني، وعلى هذا الأساس تفشل كثير من الزيجات.. وهم ينطبق عليهم قول القائل:
وجدت الناس قد مالوا | .:. | إلى من عنده مالُ! |
والكتاب المقدس يزن الأخلاق بميزان آخر فيقول: "زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ" (1بط4:3). وقصارى القول، بعد طريق طويل شاق فاز الشاب المتدين بقلب الفتاة، وحقق الله مسعاه، وتم القران، وكان شعور والدي الفتاة الأسى.. وكان لسان حالهما "إن الله شاء وسمح "أن يميل بخت الفتاة". والذي أذكره عن هذه القصة، أن الشاب والفتاة قطعا عهدًا أن يعيشا حياة شركة مع الله، وجددا عهد يعقوب أبي الآباء: "إِنْ كَانَ اللهُ مَعِي، وَحَفِظَنِي فِي هذَا الطَّرِيقِ الَّذِي أَنَا سَائِرٌ فِيهِ.. يَكُونُ الرَّبُّ لِي إِلهًا.. وَكُلُّ مَا تُعْطِينِي فَإِنِّي أُعَشِّرُهُ لَكَ"(تك28 :20-22).
والذي أذكره أيضًا، أن هذا الشاب، قام بأعمال بسيطة إضافية أو تجارية، وبارك الرب كل ما امتدت إليه يده. أما المفاجأة الحقة التي أذكرها تمامًا.. أن الأخت الكبرى.. لم يكفها المرتب الكبير. وأنها كثيرًا ما كانت تقترض.. وأنها في كل مرة كانت تقترض فيها، كانت تأخذ من أختها الصغرى.. نعم هذا ما حدث ذات المرتب الكبير.. كانت تأخذ من ذات المرتب الصغير والمهم في البركة..
المهم الحب والإخلاص
في كل مشكلة بين زوجين.. تقدم بها أصحابها، اكتشفت أن السبب الأساسي في المشكلة نقص في المحبة، لأنه حيثما توجد محبة، لا توجد مشكلة.. أو في الأقل القليل، فإن الحب يمنع تضخم المشكلة فتمر مرورًا سهلًا.
وهذا هو (ترمومتر المحبة)!! كلما بدا الزوجان راضيين متسامحين.. ارتفع (زئبق المحبة) في الترمومتر، وكلما بدوا عنيفين، منتقدين، ساخطين هبط زئبق المحبة، وهذا يرجع إلى وصف الكتاب للمحبة: "الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّؤَ.. وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.. اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا"(1كو13: 4-8). والمرأة الحكيمة، هي التي تسرع بإصلاح الترمومتر.. قبل أن يهبط الزئبق إلى الصفر.
وهذه قصة قرأتها منذ سنوات طويلة.
وما زال أثرها باقيًا والقصة القوية يظل أثرها قويًا. والقصة تقول: تقدم شاب لخطبة فتاة من أسرة عريقة، ولم تجد أسرة الفتاة أن أسرة الفتى، على نفس المستوى وعلى قدم المساواة، فأخذت تغالي في الجهاز تعجيزًا للفتى، وكان الفتى متعلقًا بالفتاة يهيم بها حبًا. فأخذ يسعى ويكافح، ولم يدخر في هذا السبيل وسعًا.. وجال، وصال وركب الأهوال.. وذاق طعم الاغتراب.. وقرع كل الأبواب.. وشاء الله ويسر له الرزق.. فأخذ المال يسيل من بين يديه كأفواه القرب..
ومجمل القول، ابتنى الشاب قصرًا منيفًا، وضم إليه أفخر الأثاث وأندر الرياش، وأحرجت الأسرة، وارتفع شأن الشاب في نظر الأسرة والفتاة، وفي حفل بهيج زفت إليه الفتاة..
ووضع الشاب في برنامجه، مع مشاركة عروسه له، أن يطوف الاثنان بمعظم مدن أوربا، قبل أن تشغلهما الحياة.. وشعر الشاب بفضل الله عليه، فأخذ ينفق ببذخ على الملاجئ والأيتام وذوي الحاجة.. وأوجه البر.
ولكن الحياة لا تصفو لأحد.. ورغيف الحياة مكسور.. واليوم الواحد لا يكتمل ضياءً، فنصفه نور ونصفه ظلام. لقد حلت الكارثة.. وجاءه خبر وهو في رحلته مع عروسه، زلزل كيانه زلزلة.. وحطم أعصابه تحطيمًا.. قيل له في برقية.
لقد احترق القصر بكل ما فيه من أثاث غير أن زوجته الوفية، التي كانت تبادله حبًا بحب.. أسرعت إليه في محنته وسألته هذا السؤال: من أجل من ابتنيت القصر؟ وجمعت الأثاث؟ أليس من أجلي أنا..؟؟ أجاب في حرقة وأسى: نعم..
عادت الزوجة تقول: لقد احترق القصر وضاع الأثاث، وتبدد الرياش، ولكن بقيت لك أنا..!! وهذا ما يحدث تمامًا لكل مؤمن، عندما يفر العمر، وتذهب الحياة، ويضيع كل شيء ويبقى الرب يسوع، نصيبًا حيًا لمن اختاروه، ويقول لكل منا: "ضاع كل شيء وبقيت لكم أنا". بل هذا هو لسان حال كل مؤمن: "نَصِيبِي هُوَ الرَّبُّ، قَالَتْ نَفْسِي، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَرْجُوهُ"(مرا24:3).
المهم اختيار الله
عندما أرسل أبونا إبراهيم رئيس خدمه لعازر الدمشقي إلى عشيرته وأهله ليختار زوجة لإسحاق، وقف رئيس الخدم يصلي، يطلب أن يختار له الله الزوجة.. لابد أنه تعلم الصلاة من سيده إبراهيم..! ويخطئ الكثيرون عندما ينسون الصلاة، ويختارون لأنفسهم، ولا يطلبون من الله أن يختار لهم! مع أن الكتاب يقول: "الزَّوْجَةُ الْمُتَعَقِّلَةُ فَمِنْ عِنْدِ الرَّبِّ"(أم14:19).
وفي قصة لعازر الدمشقي؛ حالما فرغ من الصلاة.. أرسل الرب رفقة حسب العلامة التي طلبها(تك45:24).
وأعرف زيجات كثيرة ناجحة، ومرة سألت شيخًا طاعنًا في السن.. عاش مع زوجته 50 عامًا، لم يختلفا أبدًا.. سألته: قل لي ما سر سعادتكما؟ كيف اخترت زوجتك؟! قال الشيخ: إن زوجتي هدية من السماء.. إنها اختيار الله..
ووصلتني مشكلة من صعيد مصر.. رجل شيخ، عاش مع زوجته40 عامًا ثم انتقلت، فركبته الأحزان. وساءت صحته.. ولم يقبل عزاء، في أعز مخلوق لديه.. ونقرأ عن أبينا إبراهيم أنه بكى مرة واحدة في حياته، عندما فقد سارة زوجته "فَأَتَى إِبْرَاهِيمُ لِيَنْدُبَ سَارَةَ وَيَبْكِيَ عَلَيْهَا"(تك2:23). فليملأ الرب حياتنا بالبركة والمحبة والإخلاص.
[1] مقال للقمص بطرس جيد نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 27 يناير 1978م
"معاملات الله معنا"
"معاملات الله معنا"[1]
أتناول هنا وقائع في منتهى الغرابة، كموضوع تأمل في معاملات الله معنا.. بينما كان الشعب قديمًا يفتش على شخص يقيمه ملكًا، وإذا بشاب يدعى شاول بن قيس من سبط بنيامين، وكان وسيمًا ولم يكن في كل إسرائيل أحسن منه، "فَكَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ الشَّعْبِ مِنْ كَتِفِهِ فَمَا فَوْقُ"(1صم3:9). ضلت لأبيه أتن، ويمر بعدة أماكن منقبًا حتى يصل إلى حيث يقيم النبي صموئيل فيقصده ليخبره عن مكان الأتن.. وكشف الرب لصموئيل قبل مجيء شاول بيوم.. أنه سوف يرسل إليه من يضبط الشعب.. عجبًا يبحث عن أتن والعرش يبحث عنه!
وتحدث مجاعة في إسرائيل. ويهرب النبي إيليا من وجه آخاب الملك الذي أقسم أن يهدر دمه. فيخبره الرب عن أرملة في مدينة صرفة تعوله، وأبسط قواعد التفكير أن تكون هذه الأرملة واسعة الثراء. فيكتشف النبي أنها معدمة. لا تملك غير مِلْءُ كَفّ مِنَ الدَّقِيقِ وَقَلِيلٌ مِنَ الزَّيْتِ فِي الْكُوزِ! وعندما مدت يدها لتصنع كعكة لرجل الله، مفضلة إياه على نفسها، جاء صوت الرب: "كُوَّارَ الدَّقِيقِ لاَ يَفْرُغُ، وَكُوزَ الزَّيْتِ لاَ يَنْقُصُ!"(1مل17: 14).
وفي معاملات الله معنا، نحن نلمس حكمة الله، التي تعلو على أفهامنا، ولهذا فالذين يدخلون في معاملات مع الله يلزمهم قبل كل شيء التسليم الكلي لمشيئة الله غير المدركة، التي تعلو على عقول البشر.
وفي معاملاتنا مع الله، علينا أن نؤمن بحب الله وحنانه وقدرته الفائقة القادرة على إنقاذنا وتدبير أمورنا.
إن الله يتعامل معنا دائمًا كأب.. والكتاب يقول: "كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ"(مز13:103). "عُيُونُنَا نَحْوَ الرَّبِّ إِلهِنَا حَتَّى يَتَرَأَّفَ عَلَيْنَا"(مز2:123).
وأقدم لك أيها القارئ أمثلة من واقع الحياة، تظهر لنا معاملات الله معنا.
حرق الجامعة
أعرفه معرفة تامة أكثر من أي شخص آخر: كان يعمل في ثلاثة مدارس أجنبية، وفي ثلاثة مدارس خاصة، فاجتمعت لديه ستة مدارس في وقت واحد!! وكان مطالبًا بتصحيح أكثر من ألف كراسة كل أسبوع.. لأن المدارس الخاصة تهتم بالواجبات المنزلية.
ورغم كل هذا صمم أن يحصل على ليسانس فلسفة ودبلوم في علم النفس.. ولكن متى يستذكر؟! كان يستذكر في "الأتوبيس". قصدت أن أقول لأبنائنا الشبان في هذه الأيام: إن الإنسان إن عقد العزم، وألقى رجاءه على الرب، فلن يجد أمامه مستحيلًا.. واستطاع أن يشق طريقه وسط الصخور، وأن يرقى شمم الجبال.. فلا مستحيل مع الإيمان. والكتاب يصرح ويقول: "كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ".. وهذا الشخص الذي أعرفه تمام المعرفة، كان يستذكر أحيانًا مع مجموعة من أصدقاء هم كلهم موظفون.. ويستذكرون، يجمعهم الجهاد في طلب العلم، وكان عددهم كعدد أصابع اليد الواحدة، هذا يدرس الحقوق، وذاك الآداب، وثالث الهندسة و..
أزف وقت الامتحان فهب صاحبنا واقفًا وقال: سأذهب وأعتذر عن الامتحان، وأعود إليكم سريعًا.. كانت المادة ضخمة تحتاج إلى وقت لاستيعابها، ولهذا قرر صاحبنا إرجاءها.. غير أنه منذ غادر أصدقاءه، حتى سرعان ما عاد إليهم، كان يكرر الصلاة الربانية طول الطريق، ولعله كررها أكثر من مائة مرة.. وكان يشدد دائمًا على كلمتين "لتكن مشيئتك"..! لقد عاد صاحبنا بعد قليل.. وابتسامة عريضة تعلو وجهه ويسأله الأصدقاء الأربعة: هل امتحنت؟! فيقول: لا..
عادوا يسألونه.. هل اعتذرت؟! فيقول أيضًا: لا.. قالوا له: هذه قضية (ثالثها مرفوع) فإما أن تمتحن.. وإما أن تعتذر.. قال: لم امتحن.. ولم أعتذر.. ولم أجد لجنة الامتحان..! ولكنني وجدت مكانها رجال المطافئ. لقد ألقى أحد العابرين عقب سجارة على الخيام، في غير مبالاة، فاحترقت اللجان..
واحتراق اللجان شر، لأنها خسارة على بلادنا، وإتلاف للمرافق العامة التي هي ملك عام.. ولكن الله وهو الخير المطلق قد يحول الشر إلى خير.. ويُخرج من الآكل أُكلًا.. والذي حدث: تأجل الامتحان في هذه المادة عشرة أيام.. ونجح البعض ممن كان مقدرًا لهم الرسوب.. أما صاحب القصة فقد نجح في هذه المادة التي كان قد ركنها، وحصل على تقدير(جيد جدًا) لقد وفقه الله كل التوفيق.. والسبب يرجع إلى الحريق..!
فيلسوف... وفيلسوف!
هذا الفيلسوف الألماني الملحد (هيجل) قد سمم أفكار بعض طلبة الجامعة بأفكاره الإلحادية الهدّامة.. وإنني أجد خطورة على الطلبة الذين يدرسون الفلسفة وآراء الملاحدة، دون أن يكون لديهم أساس ديني راسخ.. والخطر نفسه على الذين يدرسون الفلسفة ولديهم مبادئ انحرافية.. وعمومًا الذين يعيشون في ظلام يبغضون النور"هذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ"(يو3: 19).
وكان مدرس الفلسفة متحمسًا للفيلسوف هيجل، وللفلاسفة نيتشه، وراسل، واسبينوزا وشوبنهور، وغيرهم من الملاحدة والوجوديين. فأشيع عن الأستاذ بين الطلبة أنه ملحد مثلهم.. وكانت فلسفة هيجل تدور حول كلمة واحدة substance أي (الجوهر). وكان مقرر المادة يقع في 4 كتب وكان باللغة الفرنسية.. والفلسفة بالنسبة للشخص العادي هي الكلام الذي يقرأ منه عدة صفحات دون أن يخرج بشيء واضح.. ولهذا أراد صاحبنا أن يرجئ هذه المادة أيضًا إلى الإجازة الصيفية.
فدخل الامتحان وطلب من المراقب أن يتسلم كراسة الإجابة.. وقيل له لا يمكن مغادرة اللجنة قبل ساعة ونصف أي نصف الوقت بحسب القانون. فماذا يفعل صاحبنا والوقت يمر بطيئًا ثقيلًا؟؟ ودفعًا للملالة والسأم.. أمسك بالقلم، ونحى الأسئلة جانبًا، وأخذ يرد على الفيلسوف هيجل.. إنه فيلسوف ملحد، فليثبت له (وجود الله)! وكان صاحبنا ملمًا بالكثير من الآراء اللاهوتية.. وأخذته الحماسة، ومر نصف الوقت.. وجاء المراقب لتسلم كراسة الإجابة، فرفض تسليمها حتى يتم إثبات وجود الله ويفحم الفيلسوف هيجل..! وكان صاحبنا يتمنى أن يفحم أيضًا أستاذ المادة، إذا تسنى له أن يقرأ ما كتب، فيرجع عن إلحاده كما أشيع عنه.
أما المراقب فقال: حمدًا لله أنني لم أتسلم منك كراسة الإجابة، لقد كنت متيقنًا، أن الأفكار سوف تتوارد عليك..! وامتلأت الكراسة الأولى، وكان صاحبنا قد وصل إلى الرقم الثلاثين في أدلة الإثبات، فعاد وطلب كراسة جديدة، وأسرع المراقب بتقديمها إليه.. وهو يستطرد: ألم أقل لك؟! وعندما انتهى الوقت.. أسف صاحبنا كل الأسف، كان في جعبته بقية يفحم بها هيجل وأستاذ المادة، وهو في ذات الوقت رئيس قسم الفلسفة بالجامعة.. وتنتهي مدة الامتحان، ويخرج صاحبنا قرير العين، جذلان، منشرح الصدر.. حقيقة أنه لم يرد على الأسئلة، ولكن يكفي أنه يرد على هيجل وأذنابه.. وتظهر وراء هذا الموضوع مفاجأتان دبرتهما العناية الإلهية..
أما المفاجأة الأولى، لقد رسب في هذه المادة جميع الطلبة باستثناء أربعة، نجحوا كان أولهم صاحبنا، ولقد حصل في هذه المادة على تقدير(ممتاز)..
أما المفاجأة الثانية: عقدت الجامعة حفلة لتوديع بعض الأساتذة الفرنسيين الذين يدرسون الفلسفة، ويعلن في الحفل أنه لأول مرة في تاريخ الجامعة المصرية، يوجد طالب لا يحفل بالأسئلة أو الإجابة عليها، ولكنه أخذ يفند فلسفة الفيلسوف في إطارها العام، وما دام قد فند آراء الفيلسوف في قوة وإقناع. فلابد أن يكون فيلسوفًا مثله!! وقد نال درجة الامتياز جزاء وفاقًا.
أما المفاجأة الحقة، عاد رئيس قسم الفلسفة يقول: إنني شخصيًا قد فوجئت بهذه الأدلة الدامغة واقتنعت بها، وكانت تساورني من قبل بعض الشكوك فأتت هذه الأدلة عليها وآمنت إيمانًا وثيقًا بقضية وجود الله! بدأت المقدمة بمثالين، وعدت وقدمت لك أيها القارئ العزيز مثالين من واقع الحياة، وهما لشخص واحد[2]. فما أروع معاملات الله لنا نحن البشر.
وهوذا الكتاب يقول: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ! طُوبَى لِلرَّجُلِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ"(مز34: 8). وأختتم بواقعة أخرى.
حسن، وأحسن والأحسن!
رجل مثقف جاءني في مشكلة وقال لي: جمعت كل أموالي فوجدتها بضعة آلاف، واشتريت(عزبة). وقمت بفلاحتها وزراعتها بنفسي، حتى أينعت وأثمرت. قلت له: هذا (حسن) لكي يثمر عملك، عليك أن تباشره بنفسك. وما حك جلدك مثل ظفرك.
وعاد وقال: تغيرت الأحوال، وبدأت المتاعب وأخذ الفلاحون يعاملونني كالإقطاعي فبعت العزبة واشتريت عمارة في أحد أحياء القاهرة، وكانت العمارة صفقة رابحة.
قلت له: هذا(أحسن..)! من الأفضل أن تترك الأرض لأصحابها الفلاحين يخدمونها. ثم عدت وقلت له: ولكن أين المشكلة؟!
قال المشكلة: هي وقت الفراغ.. تعودت على الحركة.. ولا استسيغ البطالة. قلت له: وجدت لك الحل! تعمل معي في لجنة البر بالزيتون. وفعلًا أخذ يعمل معي، ودفعه نشاطه أن يعمل في كنائس أخرى فازدحم وقته.
وجاءني ذات يوم وعاد يقول: وقعت في مشكلة أخرى. قلت: ماذا؟
قال: أنا الآن لا أجد وقت فراغ.. مشغول دائمًا.. وأشعر ضميريًا أنني لا أعطي الخدمة حقها من العناية والدأب والإخلاص.. قلت له: هذا هو (الأحسن). وعجبت من معاملات الله لنا.. لقد نقله من حقل إلى حقل، من حقل الزراعة إلى حقل الخدمة وقديمًا قال آباؤنا: من يعمل يحاربه شيطان واحد ومن لا يعمل تحاربه سبعة شياطين.
[1] مقال للقمص بطرس جيد نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 3 فبراير 1978م
[2] الشخص المقصود هنا هو نفسه المتنيح "القمص بطرس جيد" كاتب هذا المقال
"أسئلة حائرة"
"أسئلة حائرة"[1]
وُجهّت كثير من الأسئلة الحائرة للرب يسوع من تلاميذه، وكان الرب يعلّم تلاميذه الحكمة، ليقوموا بدورهم بتعليم العالم.
سألوه مرة، وكانوا على انفراد، وقد عجزوا عن إخراج شيطان عنيد من الرجل، فأمره الرب يسوع فخرج في الحال.. وقالوا: "لِمَاذَا لَمْ نَقْدِرْ نَحْنُ أَنْ نُخْرِجَهُ؟" فقال لهم: "أَمَّا هذَا الْجِنْسُ فَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ".(مت 17: 21).
وعادوا يسألونه: "يَا مُعَلِّمُ، رَأَيْنَا وَاحِدًا يُخْرِجُ شَيَاطِينَ بِاسْمِكَ وَهُوَ لَيْسَ يَتْبَعُنَا، فَمَنَعْنَاهُ لأَنَّهُ لَيْسَ يَتْبَعُنَا"، فقال لهم: "لاَ تَمْنَعُوهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَصْنَعُ قُوَّةً بِاسْمِي وَيَسْتَطِيعُ سَرِيعًا أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ شَرًّا، لأَنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْنَا فَهُوَ مَعَنَا"(مر9: 38 –40، لو50:9).
ثم عادوا يسألونه عن ضخامة هيكل سليمان: فأخبرهم بزواله، و"إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ ههُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ"(مت24: 2). وسرعان ما تم هذا في خراب أورشليم.
ثم عاد بطرس يسأل الرب يسوع: "هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟" فأجابهم يسوع: "يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ" (مت19: 27-29).
ولكن سؤالًا واحدًا لم يجبهم عنه، عندما سألوا متى تكون الساعة، ومتى تقوم القيامة؟ وهذه هي الحكمة المستخلصة: كونوا أنتم مستعدين لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة.. وفي العهد القديم قيل: "فَاسْتَعِدَّ لِلِقَاءِ إِلهِكَ"(عا4: 12).
ومن وقت لآخر تتجمع لديَّ أسئلة كثيرة حائرة، تصلني عن طريق البريد، ولا أجد أحيانًا وقتًا للرد، لهذا وجدت من الخير أن أطرح بعض هذه الأسئلة على صفحات الكرازة الغراء، التي تدخل الآن كل بيت.. لتكون إجابة لكل من سأل، ولكل مزمع أن يسأل: عملًا بالآية "مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ"(1بط3: 15).
هل يذهب..؟؟
يفتتن كثير من الشبان والشابات بحياة الرهبنة، وما فيها من نسك وهدوء وسكينة وخلوة مع الله. يشدهم منظر الرهبان في القلالي.. لا تشغلهم الحياة الدنيا في قليل أو كثير.. يزيدهم يقينًا هذه الآية: "مَنْ زَوَّجَ فَحَسَنًا يَفْعَلُ، وَمَنْ لاَ يُزَوِّجُ يَفْعَلُ أَحْسَنَ"(1كو38:7)، وقول بولس الرسول: "فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ. غَيْرُ الْمُتَزَوِّجِ يَهْتَمُّ فِي مَا لِلرَّبِّ كَيْفَ يُرْضِي الرَّبَّ، وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُ فَيَهْتَمُّ فِي مَا لِلْعَالَمِ كَيْفَ يُرْضِي امْرَأَتَهُ"(1كو 7: 32، 33).
وهنا أحذر أبنائي من سوء الفهم، فالزواج طاهر ومقدس ومن الله، وهو سر من أسرار الكنيسة، والرهبنة نذر اختياري.. أما القاعدة فهي الزواج.. والسيد المسيح أكد هذه الحقيقة بقوله: "لَيْسَ الْجَمِيعُ يَقْبَلُونَ هذَا"(مت11:19).. من أراد أن يقبل فليقبل.
ومن الأسئلة التي وصلتني
لقد عقدت العزم على الرهبنة، فهل أختارها لي طريقًا؟ وسؤال: لقد صدمت في الحياة فهل أترهب..؟ ومن فتيات: لقد كرهنا الدنيا وجو البيت.. فهل نذهب للدير؟
أما الذي عقد العزم على الرهبنة فأقول له تمهل.. واختبر نفسك.. وأكمل تعليمك.. وعليك ببعض التدريبات الروحية: تداريب الصمت.. الاحتمال.. ضبط النفس.. القراءة في كتب القديسين.. الصوم الانقطاعي والاكتفاء بنوع واحد من الطعام و..
أما الحائر بين الزواج والرهبنة فأقول له: تزوج..! لأنه ما دام مترددًا، فلا تكون الرهبنة ثابتة فيه.. إن الذي اعتزم الرهبنة لا يرى غيرها سبيلًا وطريقًا.
أما المعذبة التي تكره جو البيت فينقصها المحبة.! وكذلك الذي يفكر في الرهبنة هروبًا من صدمة نفسية أو هروبًا من محاربات شبابية.. فأقول لمثل هؤلاء: إن الرهبنة لا تصلح لهم طريقًا.. لأنها حياة تعَبُّد وعشق إلهي، واحتواء حب الله على الذات، وعشرة دائمة مع الله، وهذيذ دائم في الإلهيات. وإنني بعد أن نلت نعمة الكهنوت وقضيت فترة في الدير، أرسلت أول خطاب أصف فيه مشاعري بين الرهبان.. وقلت بالحرف الواحد: أنا الآن أعيش بين "ملائكة" يمشون على الأرض.!
أما المحاربات الشيطانية فلا تخفت مع الرهبنة بل يشتد أوارها.. كل ما هنالك أن ينتقل ميدان المعركة من العالم إلى الدير.
ومن يقرأ حياة القديس الأنبا أنطونيوس، يرى صنوفًا من المحاربات المُستعِرة.. لم يترك فيها الشيطان بابًا إلا دخله.. ولا حيلة إلا استخدمها.. ولا فخًا إلا نصبه، لدرجة أن الشيطان كان يتصدى للقديس ويظهر له عيانًا.. ليست الرهبنة هروبًا من واقع أليم.. ولكنها إلقاء النفس بأكملها في أحضان الله!!
هل تتخذه صديقًا؟!
وصلتني خطابات كثيرة من فتيات، والخطابات تسرد قصصًا، وتدور في النهاية حول سؤال حائر.. هل تصادقه؟
يا ابنتي هذا طريق وعر.. فتنكبي عنه.. إن أية علاقة في خفية عن الأهل، لا يباركها الرب.. إن هناك فرقًا بين من يسير في النهار.. ومن يسير في الظلام، والذي يسير في طريق الحق، لا يحتاج أن يتستر بالظلام. الله نور.. وعندما خلق الله النور يقول سفر التكوين: "وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ"(تك4:1)، والكتاب يقول عن الله: "سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ"(1تي16:6). أما الظلام فهو مصير وعقاب الأشرار.. وهذا هو وصف جهنم. بحيرة متقدة بالنار والكبريت. حيث تكون (الظلمة) والبكاء وصرير الأسنان.
مرة جاءني شاب منفعلًا.. يقول لي: لماذا تكتب ضد الحرية بين الفتى والفتاة؟ عندما يصادق الشاب الفتاة يختبر أخلاقها وتختبر أخلاقه.. ويحصل الاثنان على "خبرات" في الحياة. فسألته سؤالين.. انطفأ بعدهما غضبه.. وهدأت حماسته.
قلت له: هل تقبل أن تتزوج فتاة اختبرت الحياة.. ولها ماض ومرت في خبرات وعلاقات مع شباب؟! ثم عدت وسألته: هل تقبل على أختك أن تصادق الشباب بحرية، فيكون لها ماض "وخبرات"؟! إن ما لا تريده لنفسك: كيف تفرضه على غيرك؟! هذا هو المحك.. يا ابنتي ما ترينه وتسمعينه طلاء.. لا تصدقي كل ما يقال لك..!
كتبت مرة عن فتاة وخطيبها الضرير، إن حب فتاة لشاب ضرير تتزوجه فيه قدر كبير من المروءة، والشهامة، والإنسانية.. ولكن الذي تصديت له: إن علاقة الفتاة بهذا الشاب، كانت من أولها دون علم الأهل، وتمت الخطبة في بلدة نائية دون علم الأهل. والكنيسة تشترط وقت الخطبة أن يكون الأب، أو من يقوم مقامه إذا كان متوفيًا، حاضرًا ووكيلًا عن الخطيبة.. ويتم الأمر بمعرفته وعلمه.
الكنيسة تشترط أن تسير الأمور في النور.. وفي الطقس تضاء الكنيسة بالأنوار، لأنها ترمز إلى أورشليم السماوية المنيرة ولأنها نور العالم.. واليوم في فردوس النعيم يكون كله نهارًا.. ولا يكون هناك ليل!
وأعالج اليوم مشاكل عدة عن حالات زواج فشلت لفتيات تزوجن عن حب خاطف.. وانقلب الحب الخاطف بعد الزواج إلى بغض جارف.. وانتهى الأمر بالاعتداء والمحاكم والانفصال.. بعد أن ذهب الطلاء.. وانكشف الغطاء. وانجلى ما كان في الخفاء. وعز الدواء! والآن اسمعي يا ابنتي رأي أبيكِ الروحي في هذا المجال. أية علاقة في خفية عن الأهل، أقصد الوالدين معًا، فأحيانًا تتستر الأم على ابنتها خوفًا من غضب الأب، أقول: مثل هذه العلاقة لا تقرها الكنيسة ولا يباركها الرب وليس أفضل من الصراحة.
هل تعترف له؟...
وفق الله لجنة البر بالزيتون لإعادة السلام لمئات الأسر.. وعندما يقوم آباؤنا الكهنة الأجلاء بهذه المهمة يخف الضغط بالتالي على المجلس الإكليريكي العام للأحوال الشخصية. ولكن هناك مشاكل حلت حلًا مؤقتًا، ولم تتمكن من اقتلاع جذورها تمامًا وهي: الحالات التي باحت فيها المرأة بماضيها للرجل! كان الزوج لا يغفر بسهولة لزوجته زلتها، مع أن الزوجات اللائي يعترفن؛ هن من أنبل وأكرم الشخصيات فهذا الاعتراف دليل التوبة والرجوع. ولهذا مسح السيد المسيح ذنوب المرأة الخاطئة التي بللت بدموعها قدميه.. هذا رغم أن الزوج يكون قد وقع في نفس الخطأ.. نصيحتي؛ ليكن اعترافك أمام الكاهن فقط لتأخذي الحل ويبقى سرك مصونًا.. وهذا هو تركيب الرجل "لأَنَّ الْغَيْرَةَ هِيَ حَمِيَّةُ الرَّجُلِ"(أم6: 34).
هل يلجأون للقرعة..؟!
يلجأ البعض إلى القرعة الهيكلية كلما أشكل عليهم أمر.. بوضع عدة ورقات، ومعها ورقة بيضاء على المذبح، يسحب منها الكاهن ورقة.. بعد نهاية القداس. واعلم أيها الابن المبارك أن الله خلق لنا عقولًا لكي نستخدمها. ووعدنا بإرشاد الروح القدس لنا في الحياة، وأحيانًا يقدم لنا الله - تبارك اسمه - علامات تنير لنا الطريق إلى جانب وسائط النعمة، والاستنارة الروحية، والاستبطان الداخلي، وأحيانًا يزودنا بحاسة سادسة! أما القرعة فتكون بحِل من الكاهن أولًا، وتستخدم في أضيق نطاق، في أمرين متماثلين تمامًا، حيث لا يكون هناك مجال للاختيار.. ويسبقها صوم انقطاعي، وصلوات وابتهالات ومطانيات، مع الإيمان الكامل.
[1] مقال للقمص بطرس جيد نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 10 فبراير 1978م
"مفاجآت..!!"
"مفاجآت..!!"[1]
كانت أول مفاجأة في الوجود، عندما فتح أبونا آدم عينيه، بعد سبات عميق، فرأى بجواره حواء في الجنة، وقد عبر عن دهشته بقوله: "هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي"(تك23:2).
ومن المفاجآت المذهلة، عبارة (جمد) لها قلب أبينا يعقوب.. عندما قال له أولاده بصوت واحد يوسف ابنك حي. وهو متسلط على كل أرض مصر.. فقال: "كَفَى! أَذْهَبُ وَأَرَاهُ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ"(تك28:45).
ولم يفق التلاميذ من الدهشة والمفاجأة، عند قيامة الرب من الأموات، رغم أنه أنبأهم مرارًا بموته وقيامته.
وكانت مفاجأة عقدت ألسنة المؤمنين من الدهشة، عندما رأوا شاول الطرسوسي الذي اضطهد كنيسة الله، وساق المؤمنين إلى العذاب.. يتحول إلى المسيحية وينادي بالخلاص. ويختاره الله إناء مختارًا.. وهذا كله يعطينا فكرة عن قدرة الله الفائقة على تغيير القلوب.
والمفاجأة عمومًا قد تحمل طابع الفرح أو الحزن.. وهلاك الشرير يتم فجأة."لأَجْلِ ذلِكَ بَغْتَةً تُفَاجِئُهُ بَلِيَّتُهُ. فِي لَحْظَةٍ يَنْكَسِرُ وَلاَ شِفَاءَ"(أم15:6). "الْمُقَسِّي عُنُقَهُ، بَغْتَةً يُكَسَّرُ وَلاَ شِفَاءَ"(أم1:29). كذلك يأتي الفرج والخير مفاجأة.. مثل بشارة جبرائيل الملاك للسيدة العذراء.. ولزكريا بولادة المعمدان. وبشارة الملاك للرعاة: "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ"(لو10:2).
أسوق إليك أيها القارئ العزيز مفاجآت من واقع الحياة..
ظرف وظرف
كانت مفاجأة حقة بالنسبة لي، عندما أخذت سيدة تبث شكواها، وجاء كلامها متداخلًا.. كانت منفعلة، يتدافع الكلام من فيها كالسيل الجارف.. ولما رأت أن القطار يكاد يفلت منها، إذ أنها قادمة من إحدى مدن الوجه البحري، لتعرض مشكلتها، اقترحت أن ترسل لي مشكلتها كتابة داخل ظرف موصّى عليه، فنصحتها بالاختصار والتركيز، ولكنني فوجئت بالبريد يحمل لي ظرفًا.. ويحمل الظرف في طياته المشكلة.. ووجدت المشكلة تقع في 64 صفحة كاملة!! وكان الظرف يحمل أدلة الإثبات وأدلة الشهود قضية كاملة.. وتدور الأيام دورتها، ويقصدني أحد القادمين من الدول العربية.. ولم يكن لديه الوقت الكافي للإفصاح عن مشكلته فألقى إليَّ بظرف مغلق.. واعتذر بأن موعد الطائرة على وشك الإقلاع، وأخذ يلح في الرجاء، أن يظل ما بداخل الظرف سرًا مكتومًا، وانطلق كالسهم، لا يلوي على شيء.
فألقيت بالظرف على المكتب وقلت: مشكلة جديدة كمشكلة السيدة من 64 صفحة وأخذت الظرف لمدة أسبوع لم أفتحه، وعندما فتحته لقراءة المشكلة ذهلت لأنني لم أجد به 64 صفحة. ولكني وجدت به1500 ورقة!! ولكنها لم تكن أوراقًا بيضاء لكنها أوراق خضراء! لعلك فهمت أيها القارئ العزيز ما أقصده..
لقد وجدت بالظرف1500جنيه يطلب صاحبها أن توزع في أوجه البر المختلفة. في ثلاثة جهات كل منها مبلغًا: كنيسة في حالة بناء وحدد كنيسة المنيل، حيث تقطن عائلته. والناحية الثانية: كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون، والثالثة: عن حالات خاصة بالبر.. وهذا المبلغ هو عشور إيراده ويقول: أرجو أن يكون اسمي سرًا.. ومعذرة كان لابد من ذكر اسمه لسحب الإيصالات.
فعجبت من ظرفين.. ظرف اشتمل خيرًا.. وظرف اشتمل مشكلة.. وعجبت من (الظرف) الذي التقيت فيه بالاثنين! كلاهما مستعجل. السيدة تخشى فوات القطار والثاني فوات الطائرة.. وهكذا يمر بالكاهن، الناس على اختلاف مشاربهم، ومشاعرهم ومشاكلهم.
تلقي بنفسها منتحرة
يقول علماء الطب أن الأعصاب المنتشرة في جسم الإنسان، قد تكون متناهية الدقة، وهي التي تحمل الأحاسيس والمشاعر، فقد تكون أدق من الشعرة. فماذا يكون مصير إنسان يشد أعصابه دائمًا؟! انظر إلى الرب يسوع وهم يدّعون عليه في المحاكمة، أنه ينادي بألا تعطى جزية لقيصر وهذا كذب صراح.
لأنه قال: "أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ"(مت21:22، لو25:20). وعندما ادّعوا عليه أنه ينادي بنفسه ملكًا.. وهو القائل: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ"(يو36:18). يقول لنا الكتاب: "وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ"(مت12:27). هذا هو الهدوء وسط العاصفة، وهذا هو العلو فوق الصغائر والدنايا..!
وقرأت عن سيدة، فقدت أعصابها وسط خضم مشاكل الحياة، فكانت تُكثر من الصياح، وأخذت حياتها تسير من سيء إلى أسوأ، ونزلت بساحتها الأمراض، وأصبحت معرضة للانهيار وتجمعت فوق هامتها المصائب، من فشل أولادها ونزق زوجها، وفشل زواج ابنتها، وفي ساعة جنون وطيش. تملكها الشيطان فألقت نفسها من الدور السابع من شرفة إحدى العمارات المطلة على رمسيس. وتقول القصة: أن المفاجأة الحقة.. أنها لم تمت!! وتكشف الأحداث عن مفاجأة أخرى تكاد تكون أغرب من الخيال أن السيدة عندما ألقت نفسها من سابع دور سقطت على رجل شيخ في المعاش، كان يسير في ذات اللحظة. فسقط تحتها جثة هامدة، وقامت هي من فوقه ولم تصب بسوء!!
كان الشيخ مظلة لها. انتهى أجله.. وكتب لها أجل جديد.. ومنذ هذه الحادثة عادت السيدة إلى عقلها، وهدوئها.. وتمالكت أعصابها، واتجهت بفكرها إلى الله الذي أنقذها بمعجزة، وكان من الممكن أن تذهب روحها إلى الجحيم. وكثيرًا ما تمتد يد الله لإنقاذنا، وتغمرنا مشاكل الحياة فلا ترى المفاجأة.. لا ترى الله المحسن إلينا.. وهذا هو شر ما في المفاجأة.
صائد ومصيد
كان شابًا غير متدين لم يدخل الكنيسة إلا لمامًا وفي الأعياد.
لم يعرف طريق الرب، شأنه شأن كثير من الشبان الذين لم يتربوا تربية دينية منذ صغرهم ورغم هذا فقد كان يحمل قلبًا طيبًا، ودفعه نزق الشباب ذات يوم أن يطارد فتاة صدته في إباء ولكنه لعق الإهانة، وظل يسير وراءها كالظل على مسافة قريبة. وكانت المفاجأة أن الفتاة، كانت تقصد الكنيسة، فتعقبها، ودخل الكنيسة وراءها..! إلى هذه اللحظة كان (صائدًا).
وبمجرد أن خطا من باب الكنيسة، صار (مَصيدًا) لقد تلقاه عند الباب أحد الخدام، وسأله عن اسمه وعنوانه، وعن نشاطه الديني، وأب اعترافه، والكنيسة التي يتردد عليها. وحالما انتهت صلاة العشية، سلمه خادم الباب، إلى خادم آخر، قاده إلى نادي الكنيسة، وسأله عن اللعبة المفضلة. والكتب التي يحب قراءتها، وسلمه الخادم الثاني إلى خادم ثالث.. وهكذا انتهى الأمر بأن تلقفه الخدام..
وأخذوا منه موعد لزيارته بالمنزل. لقد كان يطارد فتاة.. فأصبح الآن يطارده أربعة خدام..! واصطادته شبكة الخدمة. فلم يجد منها فكاكًا.. واستراحت نفسه إلى الكنيسة وإلى صحبة شباب مدارس التربية الكنسية، وتفتحت عيناه على حقيقة رائعة. أنه كان أعمى والآن يبصر..! أما الفتاة التي كان يطاردها ودخل من أجلها الكنيسة، فانمحت صورتها من ذهنه تمامًا..
والعجيب أنه عاد إلى هواية الصيد.. صار خادمًا نشيطًا من أنشط الخدام.. وأخذ يجتذب الشباب إلى الكنسية بعد أن ذاق طعم النعمة، وأحس بحلاوة العشرة مع الله.. وبقيت هذه المفاجأة المذهلة. التي لا يعرفها أحد غير الله وحده.. لماذا دخل الكنيسة أول مرة؟ إنه هو نفسه لا يصدق نفسه..! وما أعجب أعمال الله.. وما أعظم ما تدبره العناية الإلهية لخلاص نفوسنا.
خطر المفاجأة
- يظن البعض أن المفاجأة المفجعة وحدها تكفي لقتل الإنسان والقضاء عليه. ولكن الحقيقة أن المفاجأة المفرحة أيضًا قد تقضي على الإنسان.. قد لا يتحمل الإنسان الصدمة بوجهيها البهيج.. والقاتم.
- وهوذا العين قد تدمع من شدة الحزن، وقد تدمع أيضًا من شدة الضحك.
يا عين قد صار البكا لك عادة .:. تبكين في فرح وفـي أحـــــزان
- ولهذا تقتضي الحكمة أن تتدرج في توصيل الخبر، جرعة جرعة، حتى تقبله دون آثار مدمرة.. والشاعر يقول: أرسل حكيمًا ولا توصه.. وتحمل إلينا الأخبار عن منزل انهار بمن فيه، وقد قتل معظم السكان، ونجت فتاة واحدة التي حالما أفاقت من تحت الأنقاض وعرفت أنها الوحيدة التي نجت، وكان أهلها في سفر..
أخذتها فرحة غامرة.. ماتت بعدها على التو والأثر.. لم يتحمل قلبها الفرحة! ويقول علماء الجيولوجيا: إن الصخور في المناطق ذات المدى الحراري المتباين التي تتعرض لبرودة شديدة للدرجة القصوى ليلًا وللحرارة القصوى نهارًا تتجلل وتتشقق.
ولكن هناك.. فرحة واحدة، لن يعقبها غير السعادة الدائمة فرحة النفس بلقاء يسوع! "سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ"(يو22:16)تفسير وليم ماكدونالد.. "حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا"(يو3:14).
[1] مقال للقمص بطرس جيد نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 17 فبراير 1978م
"سوء الصرف، وسوء التصرف!"
"سوء الصرف، وسوء التصرف!"[1]
أساء شاول التصرف عندما لبس(الأفود) ولا يحل لبسها لغير الكهنة، ولم يقف عند هذا الحد بل قام بتقديم الذبيحة. وفقد أعصابه وإيمانه، عندما رأى جيش العدو أمامه وكانت كلمات صموئيل النبي له: "كَانَ الرَّبُّ قَدْ ثَبَّتَ مَمْلَكَتَكَ، وَأَمَّا الآنَ فَمَمْلَكَتُكَ لاَ تَقُومُ"(1صم13: 13، 14).
وأساء لوط الاختيار عندما اتجه بقلبه إلى أرض سدوم وعمورة، رغم أن أهلها كانوا أشرارًا. وكان مغبة سوء تصرفه أن فقد كل شيء.. كل ثروته احترقت عند حرق سدوم وعمورة. وزوجته صارت عمود ملح!
وأساء حنانيا وسفيرة التصرف، عندما أخفيا جزءًا من الثروة، من ثمن بيع الحقل، وسقط الاثنان ميتين في يوم واحد. قال بطرس الرسول لسفيرة: "هُوَذَا أَرْجُلُ الَّذِينَ دَفَنُوا رَجُلَكِ عَلَى الْبَابِ، وَسَيَحْمِلُونَكِ خَارِجًا"(أع 5: 9).
وأساء يعقوب التصرف عندما غش أباه ليأخذ البكورية. وادّعى أنه عيسو مستغلًا ضعف نظر أبيه ولهذا كان جزاؤه من نفس العمل، لقد غشه خاله لابان وزوّجه ليئة بدلًا من راحيل، وغشه أولاده عندما ادّعوا أن وحشًا افترس يوسف، والوحش بريء من دم يوسف، وذهبت مثلًا في البراءة "براءة الذئب من دم ابن يعقوب".
وأساءت العذارى الجاهلات التصرف عندما أخذن المصابيح ولم يأخذن زيتًا والمستعدات دخلن العرس، وأُغلق الباب(مت25: 1–12).
وأساء صاحب الوزنة التصرف، عندما طمرها في الأرض، ولم يتاجر ولم يربح.
وكثيرون يسيئون التصرف، في الحياة، فيسيئون إلى أنفسهم وإلى الآخرين، يسيئون في طريقة الإنفاق.. وفي إضاعة الوقت من غير طائل.. وإتلاف الجسد الذي هو هيكل الله.. ويسيئون التصرف فلا يحسنون تربية الأولاد.
وأقص عليك أيها القارئ العزيز طرفًا من وقائع الحياة.
أعدت لجنة البر مشروعات ناجحة، كان رأس مال البعض منها صغيرًا. وأذكر أن جاءني تاجر أدوات كهربائية من إحدى مدن الصعيد، أفلس وكان رأس ماله لا يقل عن 4000 جنيه، وطلب أن تساعده لجنة البر في افتتاح دكان بالقاهرة واقترح 1000 ألف جنيه(مبلغا كبيرًا في ذلك الحين)، ليبدأ حياته من جديد. ثم عاد وأحضر معه نصف دستة من الأولاد ومعهم أمهم.. أفواه تطلب القوت!
- فقلت له: اطمئن! سوف نمدك بمشروع لا يقل رأس ماله عن ألفين من الجنيهات بدلًا من ألف.. فافتر ثغره عن ابتسامة عريضة. لم يكن يتصور أن تفتح أمامه أبواب الرزق بعد أن ضاقت. وأن تبتسم له الحياة بعد عبوس!
- ثم جلس أمامي في ترقب وقلق. ومد يديه ليستلم ألفين، وعددت له 7 ورقات من فئة عشر الجنيهات، وقلت له: ها هو رأس مال المشروع 70 جنيهًا!
- فعاد التاجر يبتلع ريقه في غصة، وقال في يأس: سمعت أبانا يقول: 2000 جنيه.
- قلت له تمامًا. هذه السبعون جنيهًا تدور بها يوميًا على المحال التجارية، وما أكثرها في كل حي من أحياء القاهرة على اتساعها، وفي مدى الشهر تكون الـ70 جنيهًا قد دارت ثلاثين مرة، وتكون قد تاجرت في 2000 جنيه، وضغطت عليه فقبل. وهكذا صار تاجرًا متجولًا على دراجة لمدة عام. وافتتح متجرًا في العام التالي من عرق الجبين..!
* * *
ومنذ شهر جاءتني سيدة تلبس ثيابًا سوداء وتقول: ترملت. وترك لي زوجي الراحل مبلغًا بسيطًا من المال، ومعي أطفال أيتام. وعندي رخصة دكان، ولكن الدكان خاو. قلت لها حسنًا: تنفقين الربع في إعداد أرفف، وطلاء الدكان، وتستبقين الثلاثة أرباع لشراء التموين كل أسبوع، وهذه الـثلاثة أرباع تدور أربع مرات في الشهر، وتعطي رأس مال ثلاثة أضعاف المبلغ الخاص بالتموين وتدر ربحًا أسبوعيًا..
- قلت لها: إبدئي بالتموين، فإذا نفذت توجيهات لجنة البر، ستقوم لجنة البر بتكملة المتجر بمواد البقالة الناقصة والمربحة.
- ولكن السيدة عادت تقول: لقد نفذ ما في يدها من مال..
- قلنا لها: هل أنفقت ربع المبلغ المخصص في إعداد الدكان وتجهيزه؟
قالت لا يا أبي: لقد أعددت المكان بالأرفف وطليته فصار الدكان مثل العروسة وأنفقت في سبيل ذلك رأس المال كله...! والحماقة أعيت من يداويها..
- قلت: هذا هو سوء التصرف، ننفق رأس المال كله على الأرفف، ونهمل شراء مواد التموين التي تدر دخلًا ثابتًا. ومهمة لجان البر في كل كنيسة أن تعين الذين يستحقون الإعانة ويلتزمون بالتوجيه.. ومع الموازنة في الإنفاق.. إن الرب يسوع في معجزة الخمس خبزات وبعد أن أكلوا جميعهم وشبعوا.. قال: "اجْمَعُوا الْكِسَرَ" (يو12:6).
ليس المهم أن نضع النقود في أيدي الناس، بل نعلّمهم كيف ينفقونها.. ولو جمعت الفضلات التي يلقيها سكان القاهرة فوق بعضها، لتكون منها هرم رابع..
اللامبالاة..!
قصدته الحادية عشر مساء، فوجدته مشرفًا على الموت.. وهالني أن أراه قد بات جائعًا هو وأولاده الثلاثة حوله.. بينما كان الصديد يضرب أطنابه في جسده، لقد كان في حاجة ماسة إلى علاج سريع.. وهكذا تم نقله إلى مستشفى متخصص.. وبعد ثلاثة أشهر وقف على قدميه بمعجزة من السماء.. وأنفق في سبيل علاجه الكثير، بالإضافة الى تسديد إيجار وديون، وأعدنا افتتاح دكان بقالة كان يملكه وتكلف مبلغًا آخر. وهكذا أمكن إنقاذ أسرة متداعية وقد ضمنا له ربحًا خالصًا من مواد التموين، وأعددنا للزوجة أشغال إبرة..
وقد هالني أن يأتيني الشخص المذكور، بعد شهر واحد.. يقول: إنه عاجز عن شراء التموين، وأخرج كشفًا تبين منه أنه سحب من المبلغ المرصود للتموين أنفقها في شراء أحذية جديدة ومصروفات للأولاد..
لقد ظن صاحبنا أن لجنة البر هي الدجاجة؛ التي تبيض كل يوم بيضة من ذهب. فاستاء أعضاء لجنة البر، وهددناه بسحب المعونة نهائيًا وأفهمناه أننا قمنا بواجبنا نحوه، وعليه أن يقوم بواجبه من نحو نفسه، وأن رأس مال الدكان هو كل معيشته، لا يمس بحال.. وأن الإنفاق يكون من الربح، وليس من الأساس.
ليست مهمة الكنيسة أن تمد يدها بالمساعدة فحسب، بل تساعد الناس أن يمدوا أيديهم ليساعدوا أنفسهم، ويعملوا ويكافحوا..
ولقد وقف الرب يسوع عند قبر لعازر وقال لمن حوله: "ارْفَعُوا الْحَجَرَ"(يو39:11) عليهم أن يرفعوا الحجر، لأنه في مقدورهم، أما هو فيقيم الميت، هذا في مقدوره. وهذا معناه أن يؤدي كل فرد واجبه ما دام قادرًا عليه.. وما لا نقدر عليه نحن.. نتركه لقدرة الله.
القليل أكثر بركة من الكثير
قال: أسأت التصرف، ومددت يدي إلى عهدة، وبددت مبلغ كبير. ولما أدركت أن الأمر سيفتضح، اقترضت ذلك المبلغ ولكن بالفائدة. وكنت أدفع شهريًا الفائدة مع جزء من رأس الدين، ثم عجزت عن الدفع. فقبلت صاحبة الدين أن تعفيني من الدفع فترة بشرط أن أكتب لها وصل أمانة بالمبلغ، وقبل زوج شقيقتي أن يكتب المبلغ على نفسه.. ويختتم المتحدث كلامه بأن زوج شقيقته مهدد الآن بالسجن.. وقال: إنه حاليًا يقوم بأعمال حرة ولكن يعوزه رأس المال.
قلنا له: إن لجنة البر تعول الأرامل والأيتام والمحتاجين، ولا شأن لها بالمختلسين عليهم أن يتحملوا مغبة عدم أمانتهم.. إن معاونتهم تشجيع لهم على مزيد من الاختلاس ما دام الطريق سهلًا.. لابد من المعاناة، ليتحقق الإصلاح. عاد وقال: حسنًا.. تساعدني لجنة البر في القيام بعمل حر.. أعيش منه وأسدد الدين ووعد بالتزام الأمانة.. وقال إنه يريد افتتاح مكتبة ويحتاج إلى رأس مال!
- قلت له: حسنًا، هل أنت جاد وتريد أن تعيش؟! فأومأ بالإيجاب. قلت: حسنًا سأعد لك مشروعًا تجاريًا رأس ماله عدة جنيهات!! نوع من الأدوات المدرسية تدور بها على المكتبات، وهذا العمل يحقق ربحًا شهريًا لا يقل أربعة أضعاف مع الجد والمثابرة، وقَبل طالب مئات الجنيهات مشروعًا بعدة جنيهات، وقام الشماس المكرس بشراء الأدوات.
ثمرة العمل والكفاح
اشتغلت بضعة أعوام كمدرس أول فلسفة بإحدى المحافظات، وفي أثناء العودة جمعتني جلسة بجوار شاب، أستاذ جامعي كان يقضي بالمحافظة بعض المهام.. فأخذ يقص طرفًا من حياته شغلًا للوقت. وكانت العودة تستغرق ساعة ونصف. قال: "بدأت حياتي بإحدى شركات الأدوية وكانت الشركة تستخدم نباتًا خاصًا ينبت بجنوب أسوان، وكان المتعهد يحاسب الشركة على 5 جنيهات لكل مقدار معين.. فشعرت بارتفاع هذا السعر عن المعقول.. وقمت بإجازة إلى جنوب أسوان. واتصلت بالمتعهدين والمزارعين وعرضت نقلي إلى جنوب أسوان حيث أورد للشركة نفس المقدار بثلاثة جنيهات. وفي غضون 4 سنوات، بذلت قصارى الجهد، فحققت الشركة أرباحًا ألوف الجنيهات وحققت أنا ربحًا خالصًا (لا بأس به) 50.000 جنيه، وابتنيت عمارة تدر إيرادًا شهريًا مرتفعًا. وارتفعت أسعار النبات فجأة، فاستقلت من الشركة وأكملت دراسة الدكتوراه، وعينت مدرسًا بالجامعة، كانت هذه فرصة العمر."
والفرصة إذا ولت لا تعود. حقًا إن العمل شرف. والعمل حق. والعمل حياة! وليت كل كنيسة تستبدل الإعانات بفرص عمل ومشروعات.
- ولقد أثلج صدري أن أخبرتني سيدة فقيرة أنها ابتكرت طريقة تعد بها ظروفًا مغلقة من ورق الكرتون وتبيعها للمحال وتدر عليها ربحًا شهريًا.
اعملوا يحببكم الله ويرفعكم جنابًا |
| إن للمتقين عند الله والناس ثوابًا |
[1] مقال للقمص بطرس جيد نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 14فبراير 1978م
"مرضى نفسيًا وعقليًا..!"
"مرضى نفسيًا وعقليًا..!"[1]
دخل المرض والوجع إلى العالم مع الخطيئة، فاعتلت النفس والجسد وتم قول الكتاب: "كُلُّ الرَّأْسِ مَرِيضٌ، وَكُلُّ الْقَلْبِ سَقِيمٌ"(إش5:1).
وكان عقاب جيحزي:"بَرَصُ نُعْمَانَ يَلْصَقُ بِكَ وَبِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ" (2مل27:5).
ووعد الله شعبه عند خروجهم من أرض مصر"إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ، فَمَرَضًا مَا مِمَّا وَضَعْتُهُ عَلَى الْمِصْرِيِّينَ لاَ أَضَعُ عَلَيْكَ" (خر 26:15).
وعندما يفتح الإنسان فمه بحمد الله والشكر والتسبيح يقول:"بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ الَّذِي يَشْفِي كُلَّ أَمْرَاضِكِ" (مز103 :1، 2).
ولهذا كانت زيارة المرضى ومواساتهم، من الأمور التي يذكرها لنا الرب في اليوم الأخير:"تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ.. كنت مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي"(مت 34:25، 36). كما ينحي الله باللائمة على من يقصرون في هذا الواجب الإنساني"الْمَرِيضُ لَمْ تُقَوُّوهُ، وَالْمَجْرُوحُ لَمْ تَعْصِبُوهُ، وَالْمَكْسُورُ لَمْ تَجْبُرُوهُ"(حز4:34).
ووعد الكتاب من يتعطف على المسكين أن يعضده الرب على سرير الوجع والمرض!
وأحيانًا يسمح الرب بالمرض لحكمة، وليكون تنقية وتذكرة، وبولس الرسول يقول:"أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ"(2كو7:12). وعمومًا نحن نتألم لنتعلم.! ولهذا فكلما ذكرنا المرض، نذكر الرب يسوع الطبيب الشافي ونحن نردد في القداس "داويتني بكل الأدوية المؤدية إلى الخلاص".
وبخلاف أمراض الجسد هناك أمراض النفس والعقل وهي أشد فتكًا، ويعتبر الإنسان مريضًا نفسيًا إذا كان متشائمًا، أو منطويًا، كثير الشك والارتياب، غضوبًا ثائرًا، وقد يصاب بالهلوسة ويغذيه الوسواس.. وعمومًا جميع الأمراض مهما اشتدت وقويت، لا تستعصي على قدرة الله!
وسأتناول بالحديث مريضًا نفسيًا وعقليًا من محيط الخدمة الواسع.
ثروة من نسج الخيال
صوّر لها الوهم وجسّم لها الخيال أنها من الممكن أن تمتلك أرضًا لا يقل ثمنها عن مئات الألوف، وكلما مر الوقت ارتفع في خيالها ثمن الأرض، تبعًا لارتفاع الأسعار المستمر.. واعتبرت أن شقيقها الأكبر؛ باعتباره رشيد العائلة، هو العائق، وأنه يريد أن يلتهم الأرض لصالحه، فناصبته العداء. وانفصلت عن العائلة واتخذت لها سكنًا حجرة خاصة، ثم عادت تشكو مر الشكوى من عدم لياقة الحجرة، باعتبار أنها لا تليق بوارثة الألوف، واضطر أخوها أن يرتب لها راتبًا شهريًا يحفظ لها ماء الوجه.
ولكن الخيال السقيم عاد يلعب دوره معها، فصور لها أن هذا الراتب الشهري الذي كان الشقيق يدفعه بنية خالصة، وبدافع الحب الأخوي البحت.. ظنت أنه تعمية، حتى تنسى حقها في أرضها وتتنازل عن ثروة لم تعد تقدر بـالألوف، بل قفز السعر إلى الضعف في حسابها.
وناهيك عن ارتفاع الأسعار وما سوف يصل إليه ثمن هذه الأرض في المستقبل.! ولقد أخذت لجنة البر أول الأمر بقوة حجتها، فرتبت لها راتبًا شهريًا آخر، للأخذ بناصرها إلى جانب مرتب أخيها. وعرضت الأوراق على محامين موثوق بهم ولكنها عادت ورفضتهم جميعًا بحجة تواطئهم مع أخيها! وعادت وذكرت أنها قصدت شخصيات كبيرة، نفضوا أيديهم منها وذكرت أن واحدًا منهم إذا طرقت بابه، أسرع بمغادرته كالسهم. ثم تعود وتقول: إن الدنيا لم يعد فيها خير وتنتحب، وتبلل دموعها وجهها وهي تنشج نشيجًا مؤلمًا..
وذات يوم جاءت ثائرة هائجة وقالت لي على الملأ: أرجع لي أرضي يا أبانا، يجب أن تقف في جانب المظلوم.. هذه رسالتك؟!
وتمر الأيام وتقول لي مبتسمة: أنها قد التحفت بشجاعة يوحنا المعمدان، وصرخت في وجه شقيقها قائلة له: لا يحل لك أن تأخذ أرض شقيقتك..! وأنها الآن تطارده في كل مكان، في بيته، ومكان عمله.. وفي محيط الأسرة. وبعد عامين من المطاردة، عادت تقول: فر الجبان؟! ولما استوضحتها جلية الأمر، قالت: شقيقي الأكبر لما أحس بمطاردتي له. هاجر إلى أمريكا وصحب معه أسرته وأنا حائرة الآن: كيف أصل إليه؟!
وبعد هجرة أخيها، تفرغت تمامًا إلى لجنة البر، فأخذت، تحضر تباعًا.. وذات يوم أحضرت لنا أوراقًا ملفوفة في سلة وقالت: هذه أوراق القضايا التي تثبت أحقيتي في الأرض.. وبعد مجهود شاق، أقنعناها أن تعود بها لأن الكنيسة ليست مكانًا لمثل هذه القضايا.. ويومًا وأنا أجتاز طريقي إلى الكاتدرائية استوقفتني وأفهمتني في جلاء ووضوح ومع مزيد من الغضب والانفعال أن أموالها الوهمية مسئولية لجنة البر.. وفي جلاء ووضوح أفهمتها أنني نفضت يدي من قضاياها.. وأنا كاهن أختص بالروحيات ولا شأن لي بالمحاكم والمنازعات.. فأخذت تبحث عن كاهن (بديل) وأخذت تمر على كنائس شبرا. واستقر بها المطاف مع كاهن طيب رثى لها.. وهو يجهل حقيقة أمرها، واضطراب تفكيرها.. وأخيرًا لجأت إلى سكرتارية قداسة البابا، وجاءتني منذ أيام قلائل ومعها(كارت) حملته إليَّ وهي تشعر بالظفر والانتصار. ويقول (الكارت) أرجو أن تبحثوا أمرها؟! قلت لها: ماذا تريدين الآن؟؟ قالت: ثمن الأرض وأضافت إلي السعر السابق أصفارًا جديدة. قلت: ألم تقولي إنها نصف هذا المبلغ منذ قليل.
قالت متهمكة: إن أبانا رجل طيب لا يلاحظ ارتفاع الأسعار.. لن أتنازل عن حقي. وغني عن البيان: أن هذه الأرض لا وجود لها إلا في عقلها المريض، وهكذا المال. ولا عجب فمحبته أصل كل الشرور.. وقانا الله من شره.
الإليكترونات
شاب فارع الطول.. أمضى وقتًا في مستشفى الأمراض العقلية، تعوّد أن يأتيني بكنيسة السيدة العذراء بالزيتون، يحمل خطابًا مغلقًا يسلمه لي ويعود أدارجه، وهذا الخطاب قد يصل إلى 30 صفحة.. ولا يوجد فيه سطر واحد له صلة بالسطر الذي يليه، ولا يوجد به كلمة تركب على الجملة التي هي فيها.. وفيه ألفاظ لا توجد في أي معجم أو قاموس في العالم. وكثيرًا ما يوجه لي هذا الشخص هذه العبارة: أوقفوا عني (الإليكترونات). فأبتسم في وجهه وأقول: سيتم كل هذا بعون الله.. فيهدأ وينصرف. وذات يوم أحضر لي مبلغًا من المال: وقال هذا هو أجر العملية!!
فقلت مأخوذًا: أية عملية؟! قال عملية إخراج الإلكترونيات من عقلي. فأفهمته أن العملية ستتم دون أجر بالصلاة، ويسألني: ومن سيجريها؟ أقول: السيدة العذراء. ويسأل قريبًا؟ أقول: قريبًا جدًا! فيهدأ وينصرف.
ذات مرة، أثناء دخولي الكنيسة، وكان حولي بعض أفراد الشعب: وجه إليَّ المسكين هذا السؤال: هل زادت عدد (الشطائف)؟! قلت: اطمئن ربنا موجود! وطبعًا لم يفهم الذين حولي شيئًا وأنا شخصيًا لم أفهم معنى هذه الشطائف. ولكن المهم أن الشخص المذكور هو وحده الذي فهم؟! واتصل بي أهله وحذروني منه.. وطلبوا مني أن أستدعي بوليس النجدة لإعادته للمستشفى ولكنهم عادوا وقالوا إنه يعود هادئًا جدًا بعد زيارته للكنيسة ومقابلتي له.. وطبعًا لم أدع بوليس النجدة.. لكني دعوت الله أن يبرأه مما هو فيه والعقل كما يقولون (زينة).. ولكن العقل قد يضطرب بتأثير بعض الضغوط.. لهذا يقول صاحب المزمور:"وَلَوِ انْقَلَبَتِ الْجِبَالُ إِلَى قَلْبِ الْبِحَارِ" (مز2:46) "إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ". وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي"(مز27: 3، 4). اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟"(مز1:27). وهؤلاء الذين يضطرب تفكيرهم في حاجة إلى معاملة خاصة. إلى صبر.. إلى حنان.
تشكو أباها
كان الأب معيلًا.. ودخله قليل، وحالما اشتغلت كبرى بناته.. نهضت بالعبء وقامت به خير قيام.. وأخذت تنفق على أبيها وأخوتها.. وحرمت نفسها من الضروريات. ومرت الأعوام لقد كان أخوتها صغارًا،
وتعهدتهم بالرعاية حتى شبوا عن الطوق..
ثم فجأة انقلبت الفتاة ثائرة هائجة محطمة الأعصاب.. لقد انكشفت عظم التضحية التي قامت بها.. أنها في سبيل أبيها وأخوتها قد فاتها كثير من فرص الزواج.. أي ضحت بنفسها ولم تدخر شيئًا. وعندما اشتد الخلاف بين الفتاة وأسرتها جاءوا إلى لجنة البر..
وفي جلسة جمعتني بالفتاة أثنيت علي مروءتها وخلقها وأفهمتها أنها فعلت خيرًا عظيمًا.. ويجب ألا تندم. ولا تشوه الخير الجميل الذي صنعته بالإساءة إلى أبيها. وأن الرب سيعوضها عن الفرص التي ضاعت بفرص أفضل وأعظم. فالخير لا يضيع أبدًا. فعادت الفتاة تبكي بكاء مرًا، وتقبل يد أبيها وتعتذر.. حقًا إن الإنسان ضعيف والعواطف الجياشة إذا لم تجد مسارًا صحيحًا.. انقلبت إلى النقيض.. وكلمة الرب تليّن القلوب. وبلغني أن الفتاة كانت تعالج عند طبيب نفساني.. ولكنها الآن وجدت في الكنيسة سكينة النفس وهدوء الروح.
[1] مقال للقمص بطرس جيد نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 3 مارس 1978م
"الجزاء من جنس العمل"
"الجزاء من جنس العمل"[1]
جاء في الخليقة: "وَقَالَ اللهُ: لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلًا يُبْزِرُ بِزْرًا، وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ"(تك11:1). وأكد الرب يسوع هذه الحقيقة بقوله:"مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟" (مت16:7).
ومرة ظفر بنو إسرائيل بملك عدو، فقطعوا أَبَاهِمُ (الأصبع الأبهام) يديه ورجليه.. فلما أفاق الملك قال: "سَبْعُونَ مَلِكًا مَقْطُوعَةٌ أَبَاهِمُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ كَانُوا يَلْتَقِطُونَ تَحْتَ مَائِدَتِي. كَمَا فَعَلْتُ كَذلِكَ جَازَانِيَ اللهُ"(قض7:1)!
وأمر فرعون بإلقاء أطفال شعب الله في البحر.. فجاءت الضربة العاشرة ومر الملاك وقتل الأبكار من ابن فرعون.. إلى ابن الجارية.. والجزاء من جنس العمل.
وأخطأ داود وأخذ امرأة جاره، ودفع زوجها إلى الحرب فقُتل بحد السيف.. فكان عقابه أن يقع الزنى والقتل في بيته. "أَنْتَ فَعَلْتَ بِالسِّرِّ وَأَنَا أَفْعَلُ هذَا الأَمْرَ قُدَّامَ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ وَقُدَّامَ الشَّمْسِ"(2صم11:12).
وقتل آخاب الملك (نابوت اليزرعيلي) ظلمًا وعدوانًا.. ولحست الكلاب دمه.. فكان عقاب الملك: "فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَحَسَتْ فِيهِ الْكِلاَبُ دَمَ نَابُوتَ تَلْحَسُ الْكِلاَبُ دَمَكَ أَنْتَ أَيْضًا"(1مل19:21).
وسكبت امرأة قارورة الطيب على قدمي السيد المسيح.. وفاحت رائحة الطيب.. وانتشر أيضًا خبر المرأة في كل الأرض. "حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ تَذْكَارًا لَهَا"(مت13:26).
ومدت أرملة صرفة يديها لتعمل خيرًا وتطعم النبي.. فحل الخير في البيت مدة المجاعة كلها:"كُوَّارَ الدَّقِيقِ لاَ يَفْرُغُ، وَكُوزَ الزَّيْتِ لاَ يَنْقُصُ" (1مل14:17).
وقانون الخير والشر.. يقول شيئًا جديدًا يقول: شرًا بشر.. وخيرًا، ليس بخير فحسب، بل بمائة ضعف؟! أي تصنع خيرًا فتأخذ مائة ضعف في هذا العالم، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية.. ومن هنا وهناك، أقدم لك أحداثًا من واقع الحياة، انطبق عليها قانون الجزاء من جنس العمل.
لو زدت...!!؟
ظل السقّاء يحمل الماء إلى الأسرة زهاء ربع قرن، في دقة وانتظام: يدخل البيت يفرغ ماء القربة في الزير، ثم يخرج من البيت لا يلوي على شيء وهكذا تقول القصة، وتجري أحداثها في ريف مصر.
ونشأ الأطفال الصغار على حب السقّاء.. وكان رجلا عفًا طيب القلب، زاهدًا في كل شيء.. يرضي بأقل شيء.. وقليلًا قليلًا تقوس ظهره من حمل القربة.. وتحت ثقل الأعوام، وكان من كثرة تردده على الأسرة، يعتبرونه فردًا من أفرادها.
وكان من دقة مواعيد "السقّا" أنهم كانوا يستيقظون على صوته وكانت له عبارات يرددها في دخوله وخروجه، ففي دخوله يقول: يا ستار العيوب، يا غفار الذنوب، سترك يا رب..! وعند خروجه من البيت يقول: نخرج منها على خير يا رب!!
ومن أعجب الأمور أن (السقّاء) الطيب القلب لم يمرض أبدًا. لأنه لم يتغيب أبدًا. وهو ينطلق نحو الزير انطلاق السهم.. وإذا فرغ من مهمته، انطلق خارجًا واتجه نحو الباب، لا يلتفت يمنة ولا يسرة.
وبعد ربع قرن من الزمان، حدث أمر عجب.. توقف السقّاء لأول مرة. وسلم على ربة البيت على غير عادته.. وتردد في الخروج قليلًا.. ثم انصرف وتقول القصة: في ذات اللحظة، كان الزوج يزور صديقًا صدوقًا له منذ ربع قرن، وكان يكثر من التردد على بيته، وكانت زوجة صديقه بمفردها، فتردد في البقاء قليلًا.. ثم انصرف. وعند عودة الزوج، أسرعت الزوجة تقص عليه ما كان من أمر العم السقّاء.. فأخذ الزوج يهز رأسه في عجب ويردد هذه العبارة، والزوجة لا تفقه شيئًا: دقة بدقة.. ولو زدت زاد السقّاء!
من تاريخ الكنيسة
خادمة مسيحية، تحلّت بمكارم الأخلاق وتجمّلت بالفضائل، نشأت يتيمة لا تعرف لنفسها أهلًا.. ولكنها عرفت طريق الكنيسة.. ووجدت عزاء في قربها من الله منذ نعومة أظافرها "أَبِي وَأُمِّي قَدْ تَرَكَانِي وَالرَّبُّ يَضُمُّنِي"(مز10:27). ساقتها ظروف خاصة، أن تعمل خادمة لامرأة يهودية، ولاحظت السيدة اليهودية، أن الخادمة المسيحية تجثو وتصلي وترشم الصليب، قبل أن تأوي إلى فراشها وكلما قامت من نومها، رأتها تدمدم أثناء النهار تردد المزامير.. وأخذت السيدة اليهودية تراقبها. وأخيرًا قررت إغراءها.. ولكن الفتاة المسيحية كانت متمسكة بدينها، مُحبّة لكنيستها وهيهات أن يثنيها عن عزمها أي مؤثر.. فماذا هي فاعلة؟! أخذت السيدة تهينها وتثقل عليها في الخدمة، بما يخرج عن طاقتها، وأحيانًا كانت تمنعها عن الطعام، واستخدمت كل صنوف الإذلال، ولكن الفتاة المسيحية لم تلن قناتها وتقبّلت كل هذا شاكرة، وأسلمت أمرها للقدير..
وذات يوم كانت الخادمة المسيحية توصل سيدتها إلى مجمع اليهود، وعادت هي إلى الكنيسة.. كانت الأوقات التي تمضيها في الكنيسة هي أسعد أوقات حياتها.. وعادت السيدة غضبى وسألتها لماذا لم تدخلي المجمع؟ قالت الفتاة بشجاعة: إن العهد انتقل إلى الكنيسة المسيحية في العهد الجديد، بعد أن تأسست الكنيسة على دم يسوع مخلص العالم كله!
وهنا استشاطت السيدة غضبًا، وانهالت على الفتاة المسكينة ضربًا وركلًا، وظلت تضربها حتى خارت قواها. فحبستها في بيت مظلم أربعة أيام دون طعام، ثم أخرجتها وأعادت ضربها.. فماتت الفتاة المسيحية في يديها.. وانطلقت روحها إلى السماء إلى المسيح الذي أحبها واحتملت القسوة من أجله. أما السيدة اليهودية فلم يرق لها قلبها.. حتى في موتها.. كان الحقد يأكل قلبها.. والآن أصبح كل شاغلها أن تخفي جريمتها. فحملتها إلى أعلى المسكن وأرادت أن تلقيها، حتى يقال أن الفتاة قد زل قدمها فهوت من شاهق، وماتت قضاء وقدرًا. وفعلًا.. نفذت ما اعتزمته.. وألقت جثة الفتاة.. ولكن المفاجأة أن رجل السيدة اليهودية هي التي زلقت.. وسقطت وراءها ومعها، وتهشمت تمامًا.. وذهبت روحها إلى الجحيم. أرادت أن تلقيها فألقت نفسها معها.. ليتم هذا القانون الإلهي "الجزاء من جنس العمل"! والله - تبارك اسمه - هو الديان العادل.. يجازي كل واحد حسب عمله.. ولن يفلت الأشرار من يد الله: "لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ"(رو19:12). وبعد، أتعرف مَن هذه الفتاة المسيحية؟ إنها القديسة مطرونة.
الحد هو السُّلَّمُ
ستظل وصية "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ".. هي أول وصية ومعها وعد "لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ"(خر12:20). ولهذا فمن يقصر في هذا الواجب المقدس ينال لعنة من الله والكتاب صريح فهو يقول في هذا الصدد: "اَلْعَيْنُ الْمُسْتَهْزِئَةُ بِأَبِيهَا... تُقَوِّرُهَا غُرْبَانُ الْوَادِي"(أم17:30) وكان عقاب من يشتم أباه أو أمه في العهد القديم موتًا يموت.. وتقول القصة، أن ابنًا أساء معاملة أبيه.. وزاد في الإساءة إليه بعد أن طعن في السن، وركبته الأمراض، فضاق به ذرعًا وكان هذا الابن شريرًا سيء الخلق لا يخاف الله.
ومرة أثناء دخوله البيت؛ قيل له إن أباك في حاجة إلى دواء، فاستشاط غضبًا وغيظًا، وأخذ برقبة أبيه ودفعه خارج المنزل حتى جرّه إلى آخر درجات السلم. وأخيرًا تجمع أولو الخير وحالوا بينه وبين الفتك بأبيه، وأحضروا له الدواء. وتعهده كاهن القرية حتى كملت أيامه ورحل من هذه الدنيا.
وتقول القصة إن الابن الشرير استراح من أبيه.. وكان له ابن صغير.. كان يقف على رأس السلم، ويقول لأبيه الذي يجر جده على أدراج السلم: أترك جدي يا أبي.! ودارت الأيام دورتها، وكبر الابن الشرير وصار جدًا. وكبر الطفل الصغير وتزوج وصار أبًا..
وما فعله الابن الشرير.. فعله فيه الابن الصغير أساء معاملته أضعافًا مضاعفة للثأر لجده الذي كان يحبه.. وحدث أن تضايق الابن من أبيه فجره على ذات السلم.. حتى بلغ آخر الدرجات.. ونزل به إلى (بير السلم) فصاح الجد بأعلى صوته.. كفى.. كفى.. لقد جررت أبي إلى هنا فقط.. ولكن الكتاب يقول: "بالكيل الذي تكيلون به، يكال لكم ويزاد".
[1] مقال للقمص بطرس جيد نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 10 مارس 1978م




