محاسبة النفس

يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث في هذه العظة العميقة عن أهمية محاسبة النفس كطريق للتوبة والنمو الروحي. فالمؤمن الحقيقي لا يعيش بلا فحص دائم لذاته، بل يقف أمام الله كل يوم ليعرف حاله، ويعترف بأخطائه، ويصحح طريقه. المحاسبة هي مرآة تُظهر للإنسان حقيقته الداخلية، ليعيش في النور لا في الوهم.
🔸 أولًا: أنواع محاسبة النفس
يشرح البابا أن هناك درجات متعددة من محاسبة النفس:
-
المحاسبة السنوية: في بداية سنة جديدة أو مرحلة جديدة في الحياة.
-
المحاسبة قبل التناول أو الاعتراف: استعدادًا للقاء الله بضمير نقي.
-
المحاسبة اليومية: قبل النوم أو بعد أي تصرف، يسأل الإنسان نفسه: لماذا قلت؟ لماذا فعلت؟
-
الأفضل من كل ذلك: أن يحاسب الإنسان نفسه قبل أن يفعل، فيفكر قبل الكلمة أو الفعل إن كان يرضي الله أو يعثر الآخرين.
🔸 ثانيًا: المحاسبة بمعايير صحيحة
الإنسان لا يحاسب نفسه حسب مقاييس الناس أو ما يفعله الجميع، بل حسب مقاييس الله. كما أن المريض لا يقيس صحته بمظهره، بل بنتائج التحاليل الدقيقة، كذلك النفس تحتاج لمقاييس روحية سليمة.
🔸 ثالثًا: قدوة القديسين في محاسبة النفس
القديس أرسانيوس كان يقول كل يوم: “ماذا فعلنا اليوم مما يُرضي الله، وماذا فعلنا مما لا يُرضيه؟”
والقديس أغسطينوس حاسب نفسه حتى على طفولته البعيدة، وكتب اعترافاته أمام الله. فالمحاسبة الصادقة تولّد التوبة العميقة.
🔸 رابعًا: محاسبة النفس الإيجابية والسلبية
-
السلبية: محاسبة النفس عن الخطايا والأخطاء.
-
الإيجابية: محاسبة النفس عن الفضائل التي تنقصها وثمار الروح القدس التي لم تثمر بعد (المحبة، الفرح، السلام، التواضع، الوداعة…).
🔸 خامسًا: إدانة النفس لا تبريرها
المحاسبة الحقيقية يجب أن تتبعها إدانة للنفس لا دفاع عنها. فالكثيرون يروون أخطاءهم دون أن يعترفوا بأنهم مخطئون. يقول القديس مقاريوس الكبير:
“احكم يا أخي على نفسك قبل أن يُحكم عليك.”
من يدين نفسه يتبرر أمام الله، أما من يبرر نفسه فيُدان.
🔸 سادسًا: خداع الشيطان أثناء المحاسبة
يحذر البابا من حيل الشيطان الذي يهمس للإنسان بأعذار ليبرر خطاياه:
-
“ما أنت قصدك خير.”
-
“الخطيئة دي بسيطة.”
-
“المسيح غفر كل حاجة، خلاص.”
لكن الكنيسة تعلّمنا أن نذكر خطايانا دائمًا بتوبة، لأن من ينسى خطاياه يذكرها الله له، ومن يذكرها ينساه الله عنها.
🔸 سابعًا: لا تُبرّر نفسك بالأعذار
يشرح البابا أن من أخطر الأمور أن يبرّر الإنسان ذاته. ويستشهد بأمثلة:
-
آدم وحواء ألقيا اللوم على غيرهما.
-
إبراهيم عذر نفسه أمام أبيمالك.
-
إيليا خاف واعتذر لله.
-
موسى وإرميا قدّما أعذارًا عندما دُعيا للخدمة.
كل هذه الأعذار لم يقبلها الله، لأن الطاعة والثقة في النعمة أهم من الخوف.
🔸 ثامنًا: لا تلتمس المبررات للضعف
من يعتذر بالظروف أو بالضعف الداخلي يفقد القوة الروحية.
الله يمنح معونة للذي يريد أن يسلك في طريق البر. النعمة، والروح القدس، وصلوات الكنيسة، ومعونة الملائكة كلها تعمل مع من يريد، لأن الإرادة الصادقة هي بداية الخلاص.
🔸 تاسعًا: المحاسبة كطريق للتوبة والاتحاد بالله
الهدف من المحاسبة ليس جلد الذات، بل الرجوع إلى الله بصدق. الإنسان الذي يحاسب نفسه يعيش في صحوة روحية، يعرف أخطاءه، ويطلب المغفرة، ويبدأ من جديد كل يوم.
🔸 عاشرًا: وصية ختامية
يقول البابا في الختام:
“حاسب نفسك حسابًا دقيقًا وصادقًا، لا تعذرها ولا تدللها. إن كنت مخطئًا فاعترف، وإن سقطت فقم، فالنعمة تعمل والروح القدس يعين، والطريق إلى القداسة مفتوح لكل من يريد أن يسير فيه بجدية.”



